الأدب الفصيح

الشمس التي كان اسمها طاطا .. / يونس طير – المغرب

نشر الموضوع :




” بُحَّةُ صَوتْ،
أَغْرِق فيها إيقاعَ المعنى واغْرَقْ فيهِ.
عُنُقُ امرأةٍ، _
ضَع رأسَكَ في مَهْواهُ،
وَاحْلُمْ ضِدَّ الموتْ.”
أدونيس.

_ حي هو الموت وميتة هي الحياة.
غربة أخرى يتداعى لها هذا الليل الممسوخ، ليل آخر يستبد بذاكرة شبه مثقوبة. تتعرج خيوط المدينة وتتراقص تحت مشكاة تختفي وتظهر. موسيقى الولادة والحنين. لا مفر.
أسئلة الصمت الأبدي وغواية الكلمة، وطن يخرج من الإبطين ولا يراوح مكانه. الحرية الموءودة، وشهداء لا يزالون في العينين، رفاق الليل، ووثائق تموت إبان الولادة. الحزب الي لم يوجد بعد. أحلام ووجع ورفات ونيران المستبد.
يتلعثم صديق للسماء ويصمت. طريق الجبل القريب. قمر يبدي سحره قليلا ويختفي وراء ضباب مسافر. ونحن ثلاثتنا: غرباء الوجع القديم. تموت أغنية وتلحق بها أخرى. ندندن. لا مكان للأمل اليوم. سنترك له مقعده فارغا.
_ الجبل اليوم حزين. يعلق أحدهم
_ السماء كذلك..
_ لو أن لنا سماءين، واحدة زرقاء والثانية خضراء
_ لو أن لنا موت واحد: موت مغبر وطويل
الأم التي رحلت ذات ليل، لم ترحل. غابت وستعود هي المستوطنة للذاكرة القديمة. الأم التي رائحتها كرائحة المطر الأول. لا ترحل الأم إلا إذا رحلت السماء.
_ لن ترحل الشمس..
_ لن ترحل أمي..
حكايات الطفولة عن الغول والصوف، والشجرة التي آوت جميلة ناصعة البيضاء: طاطا التي لا تشبهها امرأة. أوشام القدامى ومنطق الطير، حزن الأبدية، وغوايات الأزل. طاطا الفارعة الطول، طاطا ذات القدمين الزجاجيتين، وحنبل مزركش يرافقها كجلدها.
الموت أسود وبارد: الموت أخرق وحقير، كان بلون أخضر ذات مرة، يسكن غواية الأنهار. صار ضبابيا يسكن جنبات زليج قديم، مقابل الشمس..
أيها الغريب تمهل حتى نصلي قليلا لما تبقى من شجرة تين تعاود ولادتها. ولنشرب كأس شاي وكسرة خبز. أيها الغريب تمهل لنسجد لزيتون البلد، ولأشبع من رائحة القرنفل المعتق فوق شجرة كاليبتوس مهيبة. أيها الغريب اشرب شيئا وغير طريقك، ودعني ألثم يد الشمس. تأخر في العودة، لا تعد، ودع الشمس توظب حقيبة سفري وتتمتم لي تماتم شقائي.
أيها الغريب: دع الشمس تشتكي من حر المدينة، وتستيقظ فجرا لشرب الشاي، دع الشمس تنتظر ملامحي لتشتكي اعوجاج الجسد، ورحيل باكة المبكر، دعها تشرب دواءها وتصلي..
عد أدراجك أيها الغريب، واترك لي كثيرا من الوقت كي أتملى وجه الشمس. اترك لي كثيرا من المساحة لأغسل قدميها، وكثيرا من النجوم لتحرس سبحتها المعلقة بين سماءين.. أيها الغريب عد أدراجك واترك لي أمي.
أيها الغريب لم نعش إلا قليلا تحت الشمس، وها نحن لا نزال نهذي كغربان خائفة، متعبة. ماذا تبقى منا ومنها؟ سبحة بيضاء وغطاء أخضر للرأس، وشاهد اسمنتي منغرس في الطين؟
_ هي بقايا الحياة، هي ضجر لا متناهي..
_ حي هو الموت وميتة هي الحياة.
يهذي فجر المدينة بالطفولة. رائحة الحناء تسكن تفاصيل العيد القديم، ثلاث نقط خضراء في كل أصبع. أسفل القدمين يسبح في مستنقع الحليب. ثلاثتنا غلبنا الزمن المعتق ببدايات شيب الشمس:
_ شعرك صار توأما للحليب أمي، شعرك ما عاد شعرك..
تتدفق نسوة القرية، نتثاءب ثلاثتنا تحت دفء الصوف، ندلف تحت أحلامنا الصغيرة: نهود، حناء، سورة البقرة، قصب المستنقع، سجدة أبي، خريف بارد، بقرات عمتي، الإذاعة الوطنية، أخبار المساء، شيء يسمى فلسطين، المعلم سي عبد الرحيم، كراس القراءة، قصبة بداخلها كومة ملح للحماية من جن الليل. قنينات نبيذ فارغة ودموع دافئة ومالحة.
_ يا لفتنة الذي كان، فاتن كل الذي كان. لا مكرور، مثل حلم سريع بتفاصيل ضاربة في النسيان..
_ حي هو الموت وميتة هي الحياة.
تقرفص طاطا بمحاذاة شجرة التبن الحزينة، تنجب باكة وتذرف دموعها حتى العمى. تمضي عمرها في زاوية البيت الكبير، الذي لا يخلو من الضيوف، تمسح دموعها بكومة أشجار الكاليبتوس. وتعاود حكايتها عن باكة الطيبة. تدفنها ذات وباء عم القرية، وتعود لذرف دموعها بلا توقف. وتصغر في الحجم رويدا رويدا..
أتلو تماتم الأولين، والكثير من القرآن، وأخاطب الله في السماء، وأسقي أذني بقليل من لعابي، وأغني أغنية حزينة، وحين يغيب الاخرين أتعرى وأرقص مثل هندي وسط دخانه: يا الله خذ مني ودع الشمس تصلي كل صباح، دع طاطا تطعم قطط الجيران وتنهرهم في أوج شغبهم الجميل..
_ خذني واترك الشمس أيها الذي لا يكاد يوجد.
في الاتجاه الآخر، حيث نولي للمدينة ظهورنا وننغمس في لذة الهبوط المقمر، يسافر معنا نهر قديم. نبتسم ونغني على إيقاع لحن شرقي، ونشرب نخب الموت البعيد، ونترك للهواء البارد حرية اللهو داخل السيارة.. هناك أسافر بمخيلتي نحو الذي كان. من سافر للآخر؟ أنا أم الذي كان؟ هل صارني أم صرته؟ أم نحن وجهان لعملة واحدة؟
الحذاء الجلدي وحنبل عتيق تشع حبيباته القصديرية بغرور داخل أحمره الفسيح وسبحة بيضاء، يجمع حبيباتها خيطان أسودان متشابكان وبقايا أنواع لا حصر لها من الدواء، وابتسامة تعلوها أوشام قديمة. وتلك اللكنة الأمازيغية المزهوة بحرف الشين: ماشكيوغين آممي نو، إزذ تخست شا؟) ما بك يا ولدي؟ هل تريد شيئا ما)
يا لسلطة حرف الشين في أمازيغية أمي، ويا لوجعك أيتها اللغة التي تحولت رمزا للفقد.
يا أمي. يا سنبلة حقلنا القديم..
ويا للموت الساكن في كل اللغة، وفي كل ذاك الأسود الذي كان ذات مرة بهيا. لهذا صرت أهرب من هناك، أحوم حول المكان ولا أتلمس سبل الولوج إليه، أصنع غربة خاصة بي، وأشاكس ذاكرتي المسودة بالفقد. الذاكرة التي ما عادت تحتمل حتى القليل من الفرح.
في الليلة التي رحلت فيها الشمس، قلت لهم: ربما نامت فقط، ولم تعد تشعر بالنواح حولها، ربما شعرت بقسط من الراحة فوق العادة، أو ربما أعجبها دواء الزكام المزمن، فقررت أن تشربه دفعة واحدة..
وصرخت: أيها الأغبياء لم تمت الشمس، الشمس لم تمت، الشمس لا تموت أيها اللذين لا يعول عليهم. وشتمت. دفعت الدواسة حتى النهاية. ما أطول الطريق، وما أتعس احتمال الغياب. الضباب كثيف. أبكي مثل المطر. متى بكيت آخر مرة؟ لا مجال للذكرى.
النواح البعيد يقترب شيئا فشيئا، نسوة يضربن أثداءهن على الأرض. دموع ودموع. ألتصق بجسد الشمس العاري، أتكشفه، أتلمس الوجه الأبيض والملامح الرقيقة الفاتنة، وأصلي.
ما أبرد الشمس، ما أبرد طاطا، مأ أبردك أمي..
ما أغبى الزمن، ما أمر اللحظة، ما أفظع الفقد..
السيارة تمخر عباب الصمت، فوق رابية خضراء نتناوب على لفافة مزهوة بحشوتها، يرقص رفيق لي، يصرخ الثاني بجنون. كأس، كأسين، كؤوس. هرج ومرج، رقص على إيقاع لا أستسيغه. هواء منعش. سماء زرقاء وقمر مبتسم يرمي وهجه البهي على الأرض..
_المدينة من هنا أشبه بجناح طائر.
_المدينة من هنا أشبه بقلق الحبيب.
_المدينة من هنا كسائحة بصدر مثير..
_ لماذا لم ترحل؟..
_ربما قريبا، ربما أبدا..
_أنت كريشة تلعب بها الريح..
_ أنا كريشة ألعب بالريح..
نقهق في صمت المكان، ونزهو بالحياة كل بطريقته. نسكر ونهدي نخبا لزيتون الحقل القريب. نراقصها ونقبل أغصانها. لفحة برد تستولي على المكان. تهرب الذاكرة بي نحو القرية البعيدة. تلسعني برودة قدمي طاطا، وثقل اليدين. الشفتين المائلتين للزرقة فقدتا بريقهما المعتاد. أرتعد كاملا، أغسل وجهها بدموعي، أحضنها وأصرخ في الفراغ، أشتم، أقطع شعرة الأمل في السماء. وأقرر الموت مذذاك. أقطع وعدا بالموت كل لحظة ، قبل كل نفس وبعده. أن أموت قبل الأوان..
يصرخ رفيقي: نخب الحياة. الحياة جميلة يا صاحبي ويقهقه.
أقهقه: الحياة جميلة أكثر وأنت تموت قبل الأوان..
أدخن سيجارة وأنفث دخانها مثل مسعور، وأسكب كأسا بلذة. أرفع رأسي للسماء وأرسم وجه أمي. المرأة التي كانت تسمى طاطا. الشمس التي أنجبت تحت شجرة كاليبتوس وتمتمت بلغة محشوة بحرف الشين. وأكلت من حقل مجهول.. الشمس التي غاصت في الفراغ وتركت رجلا يموت واقفا كل لحظة. الشمس التي أنجبتني ذات خريف. الأم التي رائحتها كرائحة المطر الأول، والحب الأول، والحزن الأول..
الشمس التي كانت..أمي التي كانت ولم تزل.
أمي التي أحلم بها نكاية في الموت والحياة معا.

يونس طير_ كاتب من المغرب

دعم المشاريع الأدبية المساهمين في دعم المشاريع الأدبية
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x