الأدب الفصيح

إمرأة اللغة / بقلم : ماري محمد

نشر الموضوع :

 

يرقص البحرُ بهدأةٍ أمامه. ويبدُو له، لنهمه الجماليّ، كتموّج شعر امرأة. ينصت إليه. يشبه الإنصات إلى نغمِه غور الإنصاتِ إلى الذَّات. كل ذاتٍ بحر. وذاته -لذاتِ النهم- ساحٌ رحب. يسمع حفيف شجرةٍ، في الخلف، أو في داخل الرأس. وعيٌ يقظٌ بالبهاء، لا أكثر، مشاهدُ مُختزنة، لا فرق.

للعشب، حين يخضرُّ في مُقلتيه ينعٌ داخله. للندى حين ينزلق ملمسُ كفٍ حانٍ على وجنتِه، وللطيور في السماءِ تحليقٌ في صدره. إنه يعي، أن ما حوله محكومٌ بدور الحياد. أنه حين يتبايَن إزاءه إنما يخلع عليه أرديته، وأنه حين ينظر إلى الأشياءِ، يراه. يغويه الغُروب. كلما شهِده، تبدَّى إليه كقبلة، قُبلةٌ في هيئةِ أُفُق. الليل، كما اعتاد أن يعتقد، إسدالُ امرأةٍ كونيَّةٍ شعرها. الليل أن نعيش في خصلات امرأة، والنهارُ في نحرها. يبتسمُ لروعةِ الفكرة. ثم يقارب، متأملًا السماء، بينها والعقل؛ العقل ليل وإنما التلألُؤ بالأفكار. إنه يُؤمن بهذا.

يحب الجلوس، متابعًا، في سكونٍ السيرَ الحيّ للجمال. وتنتعشُ حساسيَّته الفنيَّة كلما رأى الناسَ يمشون؛ يقوده هذا إلى تداعياتِ أنساق، وقع مطر، مغزل مسنّة، وعنكبوتٌ ينسجُ منزلًا. يطيب له، بالسجيَّة، اقتناصُ صورِ جمالٍ حين يجلس قبالةَ حشدِ مُشاة. يرى فراشةً في صورةِ طفلة، رجلًا ساهمًا كتمثال، وامرأةً تلفُّ الخصل كأنَّما تغزِل لُغزًا. إن لجميع ما يقع على ناظره إيقاع. فهو، يملك وعيًا يقظًا بالبهاء. ويتنزَّه طيلة حياته بحواسَ لماحة. وكلما عاد، نهاية اليوم، إلى سريره، أرَّقه مشهدُ امرأةٍ تغتسل في اللُّغة.

Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x