صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 17




الموضوع: محمد حافظ رجب

  1. #1

    محمد حافظ رجب






    عن محمد حافظ رجب

    بقلم: محمد جبريل
    ..................

    هل أخطأ محمد حافظ رجب حين ترك الإسكندرية..؟ وهل أخطأ حين عاد إلى الإسكندرية..؟ سؤال يناوشنى -أحياناً- فلا أعثر له على إجابة محددة.
    محمد حافظ رجب -إن كنت لا تذكر، أو لا تعرف- هو صاحب مقولة: نحن جيل بلا أساتذة..
    قصصه القصيرة موسومة بطابع فنى لم يقلد، وإن حاول البعض تقليده.. حتى نجيب محفوظ -هذا رأيى- لم يكتب ثرثرته النيلية إلا بعد أن قرأ حافظ رجب جيداً..!!
    وصف فؤاد دوارة قصة حافظ "البطل" بأنها أعمق من قصة مشابهة لجوركى، وقال يحيى حقى إن أعماله سبقت زمانها بأعوام كثيرة، وذهب بعض النقاد إلى أن ما يكتبه حافظ رجب لا يعدو هلوسة كلامية..!
    لكن حافظ رجب ظل هو الظاهرة الأشد تميزاً بين مبدعى جيله..
    تعرف كبار الأدباء إلى حافظ رجب، وإلى إبداعاته، من قبل أن يجاوز مكانه فى محطة الرمل.. وتوالت النصائح بأن حياته الوظيفية فى القاهرة أفضل من السعى إلى رزق يوم بيوم فى مدينته الملحية..
    ولأن الزن على الأذان أمر من السحر، فقد توكل حافظ على الله ذات صباح -وربما ذات مساء- وسافر إلى القاهرة.
    مثَّل انتقال الشاب ذى الأعوام الخمسة والعشرين عاماً إلى العاصمة، انعطافة -حسب الكليشيه المتوارث!- فى مسار القصة القصيرة المصرية.. تباينت الآراء فى استقبال أعماله بين الحفاوة والرفض، وإن ظلت تلك الأعمال معلماً من المستحيل إغفاله.
    إذا استعرت وصف نجيب محفوظ للمهمين من الأدباء، فإن حافظ رجب ينتمى إلى طبقة الفتوات الذين يحسنون توجيه ضرباتهم، بينما يتحدد دور المساعدين فى تلقى الضربات.. إنه فتوة فى جيله، مثلما كان إدريس بين مبدعى الفترة التى قدم فيها إبداعاته، ومن قبله محفوظ فى الرواية، الأمر نفسه بالنسبة لنعمان عاشور فى المسرحية، وعبد الصبور فى قصيدة الفصحى، وجاهين فى قصيدة العامية..
    كنت أتردد على حافظ فى المجلس الأعلى للفنون والآداب، التقى به فى الغرفة الخشبية، فى الناحية المقابلة لمبنى المجلس، كان عباس محمد عباس هو أقرب أصدقاء حافظ إليه، فهما فى مكتبين متجاورين، وأحاديثهما لا تنتهى.. فى الغرفة نفسها تعرفت إلى عبد المعطى المسيرى وحامد الأطمس بعد أن هجر أولهما مقهاه فى دمنهور، بينما أغلق الثانى دكانه للنجارة فى المدينة نفسها..
    ثم عاد حافظ رجب إلى الإسكندرية بعد أن هدته المتاعب!
    بين أوراقى رسالة من محمد حافظ رجب -بخط يده- يعتب فيها على عبد الفتاح الجمل تغاضيه عما سماه وصاية من اثنين أو ثلاثة ينتسبون إلى جيل الستينيات، فهو -الجمل- ترك لهم أمر الموافقة أو الرفض فى الأعمال التى يتلقاها من الأدباء.. وحافظ واحد منهم!
    أتردد فى نشر الرسالة التى تعرى بعض الأسماء التى مازالت تحاول فرض الوصاية على حياتنا الأدبية، مع أن المبدعين الذين أضيروا بوصايتهم، ووشاياتهم، ورفضهم غير الموضوعى لإبداعات الآخرين.. هؤلاء المبدعون يستطيعون المطالبة بترحيل السادة الأوصياء إلى محكمة العدل الدولية لمحاكمتهم بتهمة قتل مواهب كانت مبشرة وواعدة!

  2. #2
    إحياء الأساطير البائدة
    (قراءة فى بعض أعمال محمد حافظ رجب)

    بقلم: سمير الفيل
    ...............

    في الستينات من القرن الماضي ـ أي منذ حوالي أ ربعين عاما ـ انطلق في سماء الأدب المصري شهابا جديدا , فأضاء سموات الإبداع , وترددت حينذاك مقولته المشهوره " نــحن جيل بلا أساتذه " وكان يعني بها ضرورة حدوث انقطاع فنى حتي لا يحدث التكرار والاستنساخ بين جيل الرواد الذي يجثم علي صدر الحركة الأدبيه , وبين جيل جديد يقدم جماليات مختلفة للنص الأادبي , ويحمل أفكارا مغايرة .
    أما هذا الشهاب فهو الكاتب المجيد : محمد حافظ رجب , صحيح أن القصة القصيرة المصرية كانت تواصل التجريب والكشف عن تخوم جديدة للتجربة الابداعية , وقد تجلي ذلك علي يد عدد لا بأس به من الكتاب مثل يوسف الشارونى , إدوار الخراط , صبري موسي , و إلي حد ما يوسف إدريس برغم واقعيته المؤثرة ,إلا أن محمد حافظ رجب كان يقدم كشفا جديدا , وطرائق في الآداء غير مطروقة , بحيث يصح القول بأنه أحدث انقلابا حقيقيا في القص المصري المعاصر دون أي تفريط في جماليات النص , وما يحققه من متعة .
    والسؤال الذي يصح لناأن نطرحه هو : هل أثرت تجربة " حافظ " في كتابات الأدباء الجدد ؟
    ويصح أن نحور السؤا ل المحوري إلي سؤالين فرعيين هما :
    • ما مظاهر التجديد التي حملتها قصص محمد حافظ رجب ، والتي يمكن رصدها بدقة ؟
    • هل أ ثرت تجربته في الجيل الذي تلاه ؟ وإلي أي حد كان هذا التأثير ؟
    وللإجابة علي السؤال المحوري والسؤالين الفرعيين يجدر بنا أن نقدم قراءة نقدية موجزة للإنقلاب الأدبي الذي قدمه رائد مجيد من رواد القصة المصرية , بل العربية.
    حداثه غير مسبوقه :
    استطاع محمد حافظ رجب في مجموعتيه " الكرة ورأس الرجل " , " وكائنات براد الشاي المغلي " أن يقدم حداثة غير مسبوقة لا تقف أمام زخرفة الشكل الخارجي , بإضافة صبغة شعبية علي النص الأدبي فقط ، لقد أفصح القاص عن نبذ السائد تماما ,والتمرد علي كافة الأساليب المطروقة والمواصفات التقليدية , بل أمكنه التوغل في مناطق تعبيرية جديدة , وبلغة طازجة معبأة بطاقات مدهشة من التخييل .
    لقد استوعب منجزات تيار الوعي , ووظفها بصورة رائعة كما استخدم العناصر السريالية لتتضافر مع ما هو واقعي بشكل لا يمكن معه فصل كل منهما عن الآخر .
    واستفاد بوعي كامل من عطاءات السينما فنراه يقدم المزج والقطع , و " الفلاش باك " , والتوازي بين الأزمنة فيما يسير الحدث في طريقه دون إحساس بالصنعة او الافتعال . وتلك هي أهم مزايا ذلك الأسلوب الجديد .

    • الواقع... نقطه وثوب :
    وقد يظن القارىء أن محمد حافظ رجب ينفض يديه تماما من الواقع , ويقع في أحبولة التخييل المطلق ـ وهذا غير صحيح البتة ـ فقدرة الكاتب تنتج من إدراكه لعناصر الواقع , والكشف عن علاقاته غير السوية , وعجنها علي مهل لتتشكل بعد ذلك فتجمع بين الجوهري والعابر , بين العالم المعيش والأنموذج المثالي , وأخيرا بين العيني والمتخيل.
    كانت الحياة مرتبكة في مصر عبر سنوات الستينات , برغم الصعود الثوري , إلا أن رهافه المبدع أدركت الخلل مبكرا , لذا فإن فحص الواقع استدعي الولوج إلي المناطق المسكوت عنها , ولقد تأكد القاص من حدوث ذلك الشرخ بين ما يقال في الصحف وأجهزة الإعلام الأخري ، وبين ما يراه من تفسخ .
    تنطوي قصصه علي مفارقة تستحق التريث عندها قليلا , فبالرغم من أن البناء كله تخييلي بحت ,إلا أن عناصره الأولي , ومادته الخام الأساسية من عناصر واقعية .
    إنه يحذف ويضيف , يكبر ويصغر , لكنه لا يهمل الواقع بكل تفاصيله ، فنجد " محطه الرمل " مسرح أحداث العديد من أعماله , وتجد " ترعه المحمودية " , و " سوق المسلة " وفي كل الأحوال ثمة امتزاج كامل يجمع النقائض .
    إن التواصل مع نصوص الكاتب تتأتي من قدرته علي تركيب علاقات انسانية بشكل جديد تماما , وبصورة غير جزئية. إن مفهوم الإبداع لديه اتسع بحيث قدم رؤية سريالية لواقع يفهمه ويعيه , دون أن يقع في شرك الغموض الأسود .
    فقد حدثت تغيرات كثيرة في الواقع , أمكنه أن يرصدها ويقدمها في شكل فني متماسك , قادر علي طرح الدلالة.
    وبهذا التصور فإن الواقع هو نقطة وثوب لطرح ما يود قوله في سبيكة فنية انصهرت فيها العناصر جميعها .

    • منطق الواقع .... والمنطق الفني :
    كان أرسطو له نظريه متقدمة عن المسرح , لكن أفلاطون كان يري أن الفن تقليد لما في الحياة, وهو ـ أي الفن ـ يقول الحقيقة دائما , ويكشف الزيف , لذلك فهو يسهم في إثراء الحياة , وجعلها أفضل .
    واختلفت الرؤية مع تقدم الفلسفات وتنوعها , ولم يعد الفن أو الأدب تقليدا فوتوغرافيا للحياة .
    فالوجودية مثلا تري أن حياة الإنسان محنة , ولهذا ينبغي أن يتحرر الإنسان من أي سلوك إلزامي أوغريزي .
    فالحياة عبء يعاني فيه الفرد من الخـــــــــــــوف الدائم , وعليه أن يتخفف من هذا العبء والشعور بالإثم .
    في قصص محمد حافظ رجب لا نجد أصداء للنظريةالقديمة التي تري أن الأدب تقليد للواقع , ولا نعثر علي النزعة الوجودية التي تري أن الحياة الانسانية محنة .
    ان المسأله لديه تأخذ أ بعادا أخري , فهو يتفهم الواقع , لكنه لايقع في أسره , كما أن حرية أبطاله ليست ذات نزوع وجودي .
    إن المحنة تنبع من إثم المجتمع نفسه , وتفسخ علاقاته , وعدم التواصل الإنساني الحميم . لذا يبدأ أبطاله حركتهم من تخوم واقعية, لكنه ـ أي القاص ـ يحررهم من العلاقات الاجتماعيةالمأزومة , ويعمق معني الشعور الداخلي , والباطن , واللاوعي . وكلها إشارات تعتمد علي نشاط العقل الإنساني دون أن تتقيد بالمنطق الواقعي . تتلاشي الحدود بين العناصر الواقعية , وبين الإرهاصات النفسية لأبطال قصصه , وهذا يفسح المجال للتحليل الدقيق , والتأمل الهاديء, والتحليق في عوالم الحلم والاستبطان .
    فبائع اللب والسوداني في " حديث بائع مكسور القلب " يتعرض للقسوة والبطش , وبنبرة هادئة يسرد لنا الراوي تفاصيل حفر النفق , في مراوحة بين عناصر واقعية , وأخري تخييلية . لكن الشيء الجدير بالتسجيل إن التجربة ذاتها تحتمل تلك المزاوجة، إذ أن ثمة نزعة للإحساس بالمأساة بالرغم من غرائبية الأحداث , وتداخل الأمكنة وتضارب أنماط السرد .

    • الحدث ... وكسر التوقع :
    الحدث عند الكاتب مركب , ومجموعة الأحداث داخل النص القصصي تكسر التوقع لدي المتلقي . والإطار المرجعي الذي يتعامل به المبدع ينهض علي رفض المحاكاة .
    صحيح أن العناصر الاولية , والمادة الخام للقص لها أبعاد واقعية, ومؤشرات عيانية, لكن العلاقات نفسها تدحض قوانين الواقع الخارجي , ولا تسلم نفسها إلا لما هو استنباطي،جوانى .
    لذا فإن أغلب النصوص برغم خلوها من الشاعرية, واقترابها من التعبيرية مع أمشاج سريالية إلا إنها قادرة علي إثارة الدهشة, وصدم القاريء . ( وهي علي أية حال صدمة فيها قدر كبير من المتعة) .
    يتشكل النص ـ إذن ـ من تلك العناصر الواقعية التي نعرفها جيدا , مع قدر كبير من التفصيلات الداخلية, لكنها تتحرر تماما من دلالاتها النصية القديمة .
    وثمة إشارات منبثةهنا وهناك عن محاولة التحرر من أسر الواقع وقوانينه الجائرة , وتأتي الحلول في غاية القسوة:
    ( صرخ في أبيه : اصمت .. يجب أن أذبحك لأتحرر .. وليتيتم الأولاد .. لا يهم . حريتي : الهدف .خروجي من العادة. إن عطست أقل لك : "يرحمكم الله " , والمنديل في يدي )
    ( جولة ميم المملة )
    الموت هنا موت رمزي , ولا نعثر علي منطق التتابع السببي , فالمقدمات غالبا لا تؤدي الي النتائج , ويفتقر هذا النمط من الكتابة إلي استبصاربالنتائج الواجبة ،الحتمية ، وتوقعها .
    إن الكاتب يتعمد كسر التوقع لأنه يريد أن يوصل رسالة محددة علي مهاد غير تقليدي , ولذلك نراه يقتصد في اللغة , ولا يرصعها بالكناية والاستعارة والمحسنات البديعة المجلوبة من نطاق الشعر قسرا. إنه يلجأإلي البديل : الاختزال في العلاقات , الاقتصاد في اللغة , عدم تسلسل الأحداث , غياب الحبكة التقليدية،فوضى العلاقات .
    الكاتب هنا لا يبدد جهده في صنعة زائفة , ولا يقف أمام الأشياء التافهة والزائلة , هو يتوقف فقط عند اللقطةالتي تلمح ولا تصرح , كما يجتهد في أن يقدم بنية جمالية دون زيادة أو إطناب .
    لنعود ثانية إلي " حديث بائع مكسور القلب " من مجموعة " الكرة ورأس الرجل " , ولنتفحص العلاقات التي يبنيها القاص علي مهل :
    " تسللت من ثقب إحدي عيني إلي داخل رأسي . صرت داخل المحطة , ودرت أبحث عن مكاني القديم . قال لي أبي يوما : أنت مولود هنا ..نزلت من بطن امك تبحث عن زبائن لتبيع لهم علي الفور !
    أطعت أبي ونزلت أبيع . منذ ولدت وأنا اقف في هذا المكان " .
    تتكيء التجربة علي علاقات جديدة بين شخوصها , فالبطل ـ وهو بائع اللبن ـ يستعيد حواره مع الأب ليكشف عن جانب هام في العلاقة المتوترة . والنزعة القدرية يغلفها سحر قديم ؛ فمنذ نزل الطفل من بطن أمه , وهو يبحث عن زبائن . هذه العلاقة الصادمة تكسر توقعنا , من حيث خبرتنا القديمةعن علاقة الابن بأمه , وأبيه .
    في "الأ رض الخراب " لأليوت نبرة واضحة لرثاء العالم , وفي قصائد عديدة لصلاح عبد الصبور عبر ديوانه " الناس في بلادي"و" أحلام الفارس القديم " رنة أسي واضحة يجمع القاص ـ هنا ـ في خيط سرد متماسك بين الرثاء الكوني ورنة الأسي الذاتية00000 من خلال رؤية تكشف عن عطب العالم ولا معقوليته ! مع اختلاف بين في الأدوات والإيقاع والدلالات .

    • إقتناص الملمح الوحشى :
    يندر أ ن تخلو قصة من قصص محمد حافظ رجب من ركيزة هامة ،وهى اقتناص الملمح الوحشي في العلاقات , وفي سير الحدث , ناهيك عن فعل الموت ذاته : ذ بحا ,أو غرقا , أو خنقا،أو سحقا .
    نستطيع رصد هذه الظاهرة في مجموعاته المختلفة , ويحكمها نزوع دائم الي التعامل مع الموت بكل تفصيلاته عبر طرائق آداء تنهض علي المألوفية .
    فمنظر الجثث التي تتراكم , والسكين الذي يلوح به الأخرون للذبح , وسيل الدم المنبثق من الأعناق المجزورة مؤشرات لذلك القدر من الوحشية , والفعل الخشن الذي يتعدي الحدث إلي اللغة , وهو منطق فني يخضع لرؤية الكاتب التي يضمنها نصوصه . وثمة تساوق بنائي بين ردود أفعال أبطاله تجاه الأزمات وبين الأفعال ذاتها الأكثر حدة .
    ان القص الذي يقدمه محمد حافظ رجب مليء بالرعب والفزع والغرائبية , ولكن هذا الأمر ليس بغريب , فالرجل لا يخفي ما وراء السطح الساكن من تفاعلات مضطربة غاية في العنف والقسوة .
    وإذا كانت تجارب أوربية مثل ما قدمه كل من جيمس جويس , أ و فرجينيا وولف أو حتي نتالي ساروت قد اتجهت إلي تيار الوعي بكل ما يحمله من ذكريات ومخاوف وآلام . فإن تجربة محمد حافظ رجب تتعدي ذلك الحفر في اللاشعور, والبحث عن الممكنات والمستحيلات , التي يري صداها وتجليها في الواقع من حوله دون أن يكون قادرا علي القبض عليها بيديه . إن شبهةالقتل تحوم حول أبطاله, ودور الأديب هنا أن يبحث في جيولوجيا النفس البشرية عن المقدمات والدوافع , عن الجذور والمنطلقا ت .
    تكاد رحلة البحث هذه أن تسفر عن كشوفات جمالية اقتنصها محمد حافظ رجب علي مهل وبتؤدة , ليؤكد للقاريء الحصيف إن الأزمات في الذات ؛ في داخلنا الممزق بين الواقع والمثال .
    أنظر إليه في " جولة ميم المملة " :
    " تلفت (ميم) حوله .. فوجد عددا من الجثث تجلس متكومة بعضها حول بعض تحتسي الشاي , وتدخن اللفائف , وخلف كل جثة قدمان معلقتان فوق المشجب علي الحائط " .
    ويتخطي العنف عوالم البشر إلي الحيوان , وهنا نجد " برهوته " يقوم بفعل شائن حين يجز عنق الحمار , في قصته " برهوتة والحمار المهموم " :
    " سقط برهوتة علي الأرض .. تحامل علي نفسه ..قام بالموسي .. قطع عنق الحمار .. سالت منها الدماء .. حمل الرأس .. سار بها إلي أمه .. من خلفه سارت قطرات الدماء .. رسمت فوق الطريق خطا أحمر من لهيب " .
    يتردد ذلك الملمح الوحشي هنا وهناك , وتصبح جثة البطل هي الأكثر حضورا في " حديث بائع مكسور القلب " , وربماأمكننا القول إن الأصل في الأشياء هو الحزن , وإن أصالة المبدع تتبدي في الكشف عما وراء ما هو ظاهري . وحسب مقولة " فاليري " , فان " الاسد مصنوع من الخراف التي التهمها !! "
    لننظر إذا الي هذا البعد الوحشي , ونبسطه علي مهاد خبرتنا الإنسانية ثم لنتأكد بعد ذلك أنه قد أفصح عن المسكوت عنه لدي الانسان الذي يدعي التحضر . وهنا تصبح جثة الإنسان هي البديل الأمثل لذلك الكائن الذي يتقن اللغة , ويمارس الحب في رومانسية شائقة .
    " الطريق الي الأبدية يمر فوق رصيفي , حيث جـــــــثتي ملقاة منذ أعوام بعيدة .. لا تجد من يدفنها "
    ولا يأتي الموت بالطرائق القديمة , فلا يكتفي الكاتب برصد الخنق والذبح والركل , والضغط بحبال مجدولة علي الحنجرة , فثمة وسائل عصرية منها طلقات الرصاص , كما في قصــــــــة
    " حديث شاعر مهزوم " :
    " وضعت الوسادة فوق أذني لتوقف صوت الغناء حولي .. لكن صوت طلقات نارية دوي في الجو .. تحسست جسدي خائفا وجدت ثقبين في جبهتي " .
    وبأكثر من طريقة يأتي القتل بديلا عن حياة مضطربة , وعلاقــــــــــات مــــــتــــــــأزمة !
    (يتبع)

  3. #3
    • التداعي , بأكثر من طريقة:
    أتصور أن منهج التداعي الذي اعتمده محمد حافظ رجب في أغلب قصصه قد أضفي علي تلك النصوص قيمة جمالية لا تزحزح الأبنية المعرفية التي بثها علي امتداد مساحة نسيج السرد .
    المادة الأولية للخيال استدعت ثلاث طرائق للتداعي عمقها الكاتب عبر مسيرته الطويلة , التي توقف خلالها لسنوات ثم عاود الإبداع بحذر وتوجس .
    الطريقه الأولي هي الاعتماد علي التداعي الخاص بالحدث , وهو بهذه الكيفية يقدم نهرا رئيسيا لموقف أساسي , ثم يتفرع منه إلي جداول حكائية بسيطة تخرج من النهر الرئيسي ثم تعود إليه علي هيئة فروع هامشية , لكنها محملة بالدلالات .
    وهذا الشكل نجده في " حديث بائع مكسور القلب " , حيث يبدأ الحدث من محطة الرمل , وتمتد يد البائع الي رأسه , فتقع عربة , ويسقط فاعل يحمل قفة تراب فوق كتفيه ..
    وبنفس طريقة تداعي الأحداث عبر حدث رئيسي حاكم هو ـ فعل الحفر ـ القادر وحده علي استبطان المأساه , وهنا تتواتر بقية الشخوص : الرشيدي بائع الجرائد , الأب , المهندس , عيد بائع الفسدق , المعلم متبولي , يورغو بائع الجيلاتي ...
    كل شخصيه مما ذكرنا تقدم نهيرا صغيرا من القص عبر تداعي الحدث . وتكون مهمة البطل هي الإمساك بالخيوط كلها في يده يجذبها في الوقت الملائم , أو يرخيها , حتي يأتي " الحاكم " فيعض يده بدلا من أن يقبلها !!
    الطريقة الثانية هي تداعي الجمل الحوارية , وتبدو تلك الحيلة هي الاكثر تحررا من تبعة الحبكة القصصيةالتي يرفضها القاص وتتجلي كأفضل ما تكون في قصته "مذاق اشتهاء رائحة الشواء"
    من مجموعة " طارق ليل الظلمات " .
    فثمة حوار ساخن بين " بركات " والمرأة , مع إطلالة أوراق سعيد مطر تشعر من خلال الحوار بفيض من التوجس والريبة , لكن الحوار نفسه يقوم بمهمة إضافية في تحوير الصورة , واستدعاء مناطق خفية من الذاكرة.
    يكفر بركات بلعبة الحاوي , وهو يعرض ألاعيبه في دائرة السذج , وفي الوقت نفسه يستدعي العلاقة القديمة : بين فلة وبركات .
    داخل فك سمك القرش الملتهب تلوح مشاهد عبثية ذات تاريخ قديم مهمل ما زالت تقوم بتأثيرها الضار .
    اما الطريقة الثالثة فتعتمد علي تداعي الفكرة الكلية مع أفكار تتقاطع معها , أو تختلف عنها , وربما تنقدها ، أ و تفسرها .
    نجد أن هذا النسق الأخير هو الأقل استخداما , فهو يحـــــتاج إلي وعي شديد لتوظيف المعني في إ طار اسلوبي محدد .
    ويعتمد هذا الأسلوب علي بناء مدرك لمنظومة الأنساق الفاعلة في النص . فالفكرة الكلية ، ولتكن عن الموت مثلا تولد فكرة أخري عن الميلاد , ثم تتولد عنها فكره ثالثة عن البعث , أو الخلود , وهكذا .
    في قصة " ألقاه .. ألقاه .. ألقاه " من مجموعة " طارق ليل الظلمات " , نعثر علي تداعي الافكـــــار بصورة ناصعة , فالجارة سميحة تصرخ في أولادها بعد ان اختفت " قرونها " في بطن جارها مبروك !! وذلك الضجيج ينقلنا الي اختفاء من نوع آخر , فالشاب حسين مبروك قطعوا لسانه , وصار أبكما .
    أما " وردة " التي تقفز فوق حبال السيرك المنصوب كل يوم مع لاعب جديد , فهي تحول آخر أو توليد للمعني الكلي للفقد أو الاختفاء , للانتقاص وعدم الاكتمال .
    وهذا التداعي لا يعتمد علي الحدث , ولا الحوار لكنه يبرز وبالأساس من خلال تداعي الفكرة الكلية , وقد يأخذ شكل تقاطع لكنه يصب في رؤية موضوعية .
    وربما استدعي ذلك المحور أو تلك الصورة من التداعي ما يشير اليه " لوسيان جولدمان " حين يؤكد أن الوجود الموضوعي في الحياة ذو رؤي عالمية كونية . ويستطيع الكاتب الموهوب أن يدركه ويفسره عبر أكثر من صورة .
    ويحدث الترابط بين مختلف الصور حين ينجح الكاتب في التعرف علي الرؤي الاجمالية التي تشكل حالات الوعي .
    يعتقد الكثيرون ان التداعي لا يحتاج الي وعي يقــــــظ , فهو أقرب إ لي اجترار الذاكرة, وهذا الفهم لا يصدق في كل الأحوال .

    • الاساطير البائدة , وتراسل الحواس :
    يحدق محمد حافظ رجب في العالم من حوله , ويقدم نصوصا يتخلي فيها عن فرصة استدعاء الذاكرة القديمة , ويعتمد علي بنية تشكيلية تراعي استعادة الأساطير البائدة , وتراسل الحــــــواس , فمن الصعب في عالم يتجه إلي هوة العدم أن نري كل شيء بأبصارنا ، أو أن نسمع ـ فقط ـ بآذاننا , او نكتفي بالشم عن طريق الأنف وحده .
    لذا تذخر قصصه بتراسل الحواس , فيمكن أن يري الأشياء بأذنيه , ويستطيع أن يري بالـاــــــمس , أ و يسمع عن غير طريق الأذن .
    كل هذه المواضعات القديمة لا تهمه , هو يبحث أولا وأخيرا عن الإدراك , والسمع والبصر كما نعرف هما أهم عناصر الإدراك لدي الانسان , غير أ ن القاص ـ وتحت وطأه الخلل الاجتماعي , والنكوص النفسي ـ يعتمد علي تراسل الحواس .
    إ ن الرغبة لديه متزايدة كي يلج إلي جوهر الأشياء , وسيحتاج الأمر دائما إلي القفز فوق الموانع الطبيعية التي تعوق عملية التواصل . فيمكن إثراء الذاكرة التي يصعد إليها الكاتب علي جدارمن التخييل اليقظ من خلال تعظيم الأ نا , ورفض كل المحاولات القديمة لتأنيب الذات , ودمجها مع الجماعة .
    والشيء اللافت للانتباه أن تراسل الحواس تسعي إلي اقـتناص ما وراء المعرفة المجانية ،إنها تتسرب نحو الباطني , وتخدش القشرة الصلدة الخارجية , وصولا الي الجوهر .
    وبقدر ما تحاول المعرفة دحض كل ما هو وهم , فإنها ـ وفي المقابل ـ تسعي الي إحياء أساطير بائدة عن بشر يتحولون إ لي زواحف , أوأن أرجل بشرية تتحول الي قطع خشبية .
    وهي تحولات غير التي عرفناها عند " فرانتس كافكا " فهي تركب الموقف , وتسقط الاحتمالات المفتوحة إلي ما لا نهاية .
    إ ن الاسطورة البائدة , وفي نصوص محمد حافظ رجب لها منحي تأملي , تهكمي , ثم هي تأخذ اشكالا جنينية لفكرة " الواقعية السحرية " التي ستشيع بعد ذلك فور ترجمه آداب أ مريكا اللاتينية إلى كافة اللغات الحية .
    نقرأ في قصه " حكاية رجل يترنح " من مجموعة " اشتعال الرأس الميت " هذا المقطع :
    " تدحرجت عربة الأ حجار المتثاقلة فوق رصيف سكني . الثانية وخمس دقائق .. ألقيت بملابسي داخل النافورة لتبرد وحدها . سخرت المرأة مني. خير لي أن أعود إلي ثدي أمي ، أحمله .. أ دخل به علب سجائري .. أ جلس فيها بلا حركه تعوقني " .
    هذا التشكيل الفانتازي يتردد عبر قصص حافظ رجب كلها , ويولد الدهشة , ويكشف عن الانفصام التام بين الاحلام الموؤدة ، ,و بين الواقع المأزوم . إن العلاقات تتكون في ذاكرة مزدحمة بتفصيلات ماضاوية بائـــسة .

    • معني التفكيك :
    يذكر " كينيث كلارك " في كتابه الهام " نهاية الحضارة " أ ن الإخفاق في فهم عالمنا يقف وراء الفوضي البادية بصورة أ ساسية في الفن الحديث .
    وفي أعمال القاص السكندري محمد حافظ رجب محاولة للتغلب علي فوضي العالم , وهو يقدم محاولة لإعاده ترتيب عناصر تجربته الفنية . لذا يعمد إلي تفكيك عالمه , ثم يعيد البناء اعتمادا علي ذاكرة جمالية توحي بالاطمئنان والتماسك .
    قلنا إن الكاتب لا يصور الواقع , ولا يرصد الصراع بصورته العيانية الظاهرة , بل هو يتعمق في دخائل شخصياته , ويستبطن الحدث , ولا يقف عند ترديداته البادية .
    علي رقعة التضاد بين الظاهر والباطني , يفكك القاص عناصره , ويشحنها بخبرته , ثم يعود علي مهل يكون , ويركب , ويشكل معمارا فنيا باذخ الجمال .
    التفكيك محاولة للتغلب علي فوضي الأشياء , والتدفق الزمني الحر , ومحدودية المكان . إنه يمسك بحقائق الإدراك الحسي دون أن يخون وعيه لمعرفة ما وراء الظاهرة .
    وهو يضفي مشروعية محددة علي المنحنيات , والظلال , وأجواء العتمة , ففيها يتم التخليق الحقيقي للازمة : أزمة الواقع , وانكسار البطل .
    التفكيك والحال كهذا لا يعني رسالة احتجاج فكرية فقط , بل هو تمرد حي على الوجـــــود الناقص . لا يمارس الكاتب سلطة الهدم وحدها, لكنه يتجه إلي تفكيك العناصر الواقعية , وتحريرها من سطوة الاعتياد , ويعيد البناء علي غير منوال سابق .
    اقرأ قصة " رجل معلق في دوسيه " وستلمح حالة التفكيك المضمرة , ثم محاولة البناء , والاختلاف المثير بين الكائنات في صورتها الواقعية , وبين صورتهاالمتحولة الجديدة :
    " اليوم عاد إلي الديوان , كما تعود أ ن يعود بعد رحلة كل هروب .. لاعنا الاستمرار البليد .. حاملا اصرار تجهمه لهذه المدينة وأشواقه لبلده البعيد . عاد إلي الديوان من جديد .. وفوجيء بالرجال المكاتب وقد ظهرت لهم أرجل خشبية زائدة : كل واحد صار له 4 ارجل , وفي داخل قلبه ثقب لمفتاح يدور " .
    هو إذا يفكك العناصر ليعيد تركيبها في ذهنه , كي يتغلب علي الخلل الذي يواجهه أ ينما تأمل الحياة . وفي نفس القصة هناك تفكيك من نوع جديد :
    " في امبابة فك مسامير جثته , ونحي يقظته جانبا ونام . في الخامسه أيقظه راديو أ مونة . فنهض وأعاد تثبيت مساميره , والتقط يقظته . إلي أين . إلي مسكن صديق له ".
    غيرأن التفكيك يأخذ شكل التقرير لإثبات واقع ما ، فالكاتب قد انتهي من إنشاء عالمه الجديد , وعلينا أن نتعامل مع الأمر من هذه الزاوية , وهذا يقترب من يقين الأولياء والمتصوفة !!

    • رؤية جارحة :
    في حوار أجراه القاص أحمد محمود حميدة مع القاص محمد حافظ رجب ( الثقافة الجديدة ـ العدد العاشر ـ أبريل 1986 ) يؤكد الأخير إن الحاجة كانت ملحة إلي التجديد , كما كانت واجبة ,إ نـها انبثاق من صخور الواقع الوحشي الذي صبغته ظروف وملابسات تلك الفترة .
    ويضيف : لقد كنت مضغوطا وضائعا في غابات القاهرة , وكنت أري وأ سمع لعق الذئاب لدماء الإنسان في مصر . ثم يختم شهادته بقوله : من هنا خرجت كلماتي في وجه البوم والخفافيش . لم يكن في هذا الوقت بالإمكان سوي التلميح بالإشارات والرمز . " .
    تلك الرؤية الجارحة للواقع انعكست في نصوص الكاتب انعكاسا واضحا وقويا , وجاءت مظاهر التجديد التي أطاحت بكل ما هو معتاد ومكرور , ونقبت عن جماليات جديده أثبتنا بعضها في صدر المقال ومنها : الارتكاز علي منطق فني جديد , وكسر التوقع , وإقتناص الملمح الوحشي , والتداعي بأكثر من طريقه , وتراسل الحواس , وتفكيك البنية القديمة , ثم الرؤية الجارحة التي تؤكد علي تأسيس الشعور بوجود إشكاليات في الواقع .
    لقد طرح محمد حافظ رجب صيغة أ شد استفزازا لواقع صادم , يتواطأ مع كل ما هو زائف ورخيص وتابع .
    جاء ت نصوص الكاتب لتسخر من الثابت والمستقر , ولتنفي بلاغة النخبة التي استحوذ ت علي السلطة،وجرت البلاد إلى هزيمة عسكرية مريرة . وتحولت لحظات الكاتب المأساوية الي نصوص حيه لاتراعي البعد الجمالي المسيطر , لذا فإن تلك النصوص لها قراءات متعددة , تسمح للقاريء بأن يختار الزاوية التي يعتقد بصحتها , وأ ن يبصر سياق العمل استنادا الي خبرته .
    النص الحي الذي قدمه " محمد حافظ رجب " هو نص متطور , متنام علي صعيدي الدال والدلالة معا , وهو قادر علي الاستمرار من نص الي آ خر , بنفس طريقه الأداء التي تزيح أي سلطة معرفية سابقة .

    • التأثير ، وتردد الصدي :
    نستطيع أ ن نقول بكل صدق أ ن نصوص " محمد حافظ رجب " في مجملها نصوص متمردة , تمارس فعل الاحتجاج علي كلا المستويين الجمالي والفكري . وفي كتابه " نقد الحداثة " لألان تورين ( ترجمه أنور مغيث , المشروع القومي للترجمه , ص 316 ) يتوقف المؤلف أمام مسأله الاحتجاج , ويري " إ ن فكرة الذات بإستمرار مشحونة بالاحتجاج ، لان المجتمع الحديث يميل لأن ينكر إ بداعيتها الخاصة وصراعاتها الداخلية ، ويقدم نفسه كنظام مضبوط آليا , متخلصا بالتالي من الفاعلين الاجتماعيين وصراعاتهم " .
    لقد جاء احتجاج محمد حافظ رجب رافضا وبلا مواربة الحيل الشكلانية القديمة , ونظرة الرثاء المنكسرة , فراح يؤسس لنوع جديد من الكتابة , غير مسبوقة في الأدب المصري وربما العربي , وعبر تكنيك فني بالغ الرهافة , وباستخدام لغة حادة وقاطعة قدم أعمالا غير مسبوقة , ولا شك انه استفاد من انجازات الفن التشكيلي السكندري ( بالتحديد الأخوين سيف وأدهم وانلي ) , والزخرفة الشعبية في أحياء غربال، كرموز , الأنفوشى ، وغيط العنب , ثم من لا معقوليه بيكيت وآدموف .
    لكنه في كل الأحوال قدم كشوفا جمالية باذخة , وتكوينات لغوية مدهشة , ثم ـ وهذا هو الأهم ـ رؤية حادة للواقع المقلوب , فلقد حرص الكتاب القدامي علي إعاده تنسيق المشاهد اليومـــــــية لتتآ لف وتتساوق مع معرفتهم القديمة , وطريقه تفكيرهم .
    لكنه رد المسألة إلي أصولها , وترك العيوب ظاهرة , والمآخذ بارزة , ثم أحاط كل ذلك بموجات صغيرة تقوم بعمليات مد وجذر في محيط التفصيلات المهملة والمهمشة .
    أستطيع القول بأن نصوص محمد حافظ رجب علمت أجيالا جديدة من الكتاب , وأضاءت الطريق المرهق بمصابيح قوية , لا تقدم حلولا جاهزة بقدر ما تعبر عن منهج الضدية , ودحض السائد , والبحث عن جماليات غير مطروقة.
    إ ن جيل الستينات ـ وعبر نصوص كتابه المجيدين ـ قدموا مادة إبداعية قادرة علي اختراق الجدار المصمت الذي أقامته السلطة , وشمل العطاء حقولا جديده للإدراك وكثافة التجربة الحسية , وكسر كافة الحواجز التي تعوق رحابة الإبداع ، وربما كان إ نجاز محمد حافظ رجب ـ وسط تلك الموجة العارمة من التنوع الخلاق , وزخم المحاولة ـ متوازيا مع إنجازات أخري لم تتوقف أمام الواقعية بشقيها الكلاسيكي والرمزي .
    يخيل إلي , أن الكاتب الـــسكندري الكبير , كان يعرف أنه يسبح ضد التيار , وأ ن الكتابـــــــــة أ صبحت لديه هي مادة الحياة التي يغترف منها كنوزها , ولقد تأكد لديه أن أي محاولة لطمس اللآليء التي عثر عليها في القاع كفيلة بضياع التجربة كلها , وطمرها تحت ركام التكرار الروتيني الممل .
    لقد راح الكاتب يخسر من الجثث التي تمتليء بها الشوارع والمكاتب ومقاهي الأدباء ليكشف مرة بعد مرة عن حقيقة الخواء الذي يختفي تحت القشرة الصلدة البراقة التي أدرك زيفها .
    هذا هو الأثر القوي الذي تركه الكاتب في الجيل الجديد من المبدعين الذين عكفوا علي استجلاء ملامح التجربة , والتعمق في فهم أسرارها التي تتكيء علي بعدين لا يمكن إغفال واحد منهما : البعد الأول : الرفض الكامل للكتابة التقليدية التي ترسخ للوحدات المستقرة ( زمانيه ، مكانيه، ووحدة الحدث ).
    البعد الثاني : استنفاز الطاقة الجمالية الكامنة في طيات التجربة , وتحرير الكتابة من الصنعة الجاهزة " والأكلشيهات " المستقرة .
    ولا يعني التمرد علي أشكال الكتابة السابقة نوعا من التعالي , بقدر ما يطمح الكاتب إلي الانفلات من كل الصيغ النمطية في الأداء , والرتابة في التفاعل مع الموقف .
    إن نصوص محمد حافظ رجب بمحمولاتها الفكرية , ومستوياتها الجمالية تعضد موقف الجيل الجديد في مشروعية البحث عن آفاق جديده للإبداع , وبشكل قصدي , عبر رؤية مختلفة تعتمد اساليب سرد مغايرة , وتستنهض نبرات لغوية متنوعة .
    ولا يخفي علينا أ ن الكتابة التي خرج علينا بها محمد حافظ رجب منذ أكثر من ثلث قرن تقريبا ، قد كشفت عن مناطق غير مطروقة في الحكي , فبجانب عوالم يوسف ادريس المترعة بالــحياة , وإ ضافه إلي فسيفساء ادوارالخراط وكشوفه اللغوية العارمة بالمتعة , وفي محاذاة عطاءات كتاب عظام مثل بهاء طاهر , وخيري شلبي , وصبري موسي , وعبد الحكيم قاسم , وابراهيم اصلان ,وجمال الغيطانى ،وعبد الوهاب الأسوانى،ويحيى الطاهر عبد الله ،وابراهيم عبد المجيد ،واجتهادات يوسف القعيد وعبد العال الحمامصى ومحمد مستجاب ومحمد مبروك ، وغيرهم من كتاب القصة والروايةفى مصر ,أصبح بمقدور الناقد المنصف أ ن يتوقف طويلا أمام تجربة محمد حافظ رجب ليسجل حقيقة أن هذا الرجل قدم كتابة مغايرة , وأبحر في لجة أمواج عاتية , واستطاع أ ن يقدم لآليء ثمينة للقراء المصريين والعرب .
    وأجمل ما في تجربة محمد حافظ رجب أنها اتكأت علي عصامية فريدة , وأعتقد أن مشروعه الإبداعي قد صار المهاد الحقيقي لجيل تال من المبدعين , الذين نهلوا من التجربة , ثم شرعوا في ارتياد طرق جديدة . فقد علمهم هذا الكاتب أ لا يستنيموا إلي الجاهز، وأن يبحثوا بأنفسهم عن فضاءات ابداعية جديدة !!
    سمير الفيل

  4. #4
    جيل بلا أساتذة

    بقلم: محمد جبريل
    .....................

    نحن جيل بلا أساتذة!.. شعار رفعه - في الستينيات - صديقي الأديب الكبير محمد حافظ رجب. وكان يقصد ان الأدباء الشباب - حينذاك - اعتمدوا علي أنفسهم في إبداع محاولاتهم الحداثية. وفي الوصول إلي القارئ بلا مساعدة من الكبار!
    لم يذكر حافظ رجب أنه قد قرأ الأعمال السابقة لأدباء الشرق والغرب معاً.. ذلك الكم الهائل الذي يمثل - في تلاحقه - تطور الفن القصصي والروائي. بما يجعل الجديد متصلاً بالقديم. والحالي متصلاً بما سبق.
    قرأ حافظ رجب - وأدباء جيله - أعمال من سبقوهم. فلم يبدءوا من فراغ. وإن حاولوا التعبير عن الفترة والذات والمغايرة.
    اقرأ الآن محاورات مع العديد من الأدباء الشباب. يؤكد غالبيتهم أنهم يتابعون الإبداعات الأدبية في امتداد قارات العالم. حتي الأدباء العرب. يسرفون في التحدث عن متابعتهم الجادة لاعمالهم.
    أما أدباء الأجيال السابقة من المصريين. فإن العديد من الأدباء الشباب يحرصون علي نفي قراءة أعمالهم. ويخصون أديب نوبل نجيب محفوظ. فهم قد أبدعوا دون أن يمروا عليه.. لم يقرءوه ولا قرءوا إدريس ولا مكاوي ولا السحار ولا البدوي ولا الشاروني ولا الشرقاوي وغيرهم من رموز الإبداع القصصي والروائي في بلادنا.
    الطريف - والغريب - ان محفوظ والعديد من مبدعي الأجيال السابقة. قد بلغوا العالمية. ونال محفوظ أكبر جائزة دولية.. فمحاولة إغفالهم بدعوي التأثر فحسب بالآداب العالمية. لا تعدو سذاجة ومراهقة.. بالاضافة إلي أنه من الصعب تصور أن تقتصر قراءات المبدع علي الأعمال الأجنبية. فالبديهي أن اقرأ في مرحلة التلمذة بالذات لأدباء يعبرون عن البيئة والخصوصية.. إلا إذا ظن البعض في نفسه الأستاذية مطلقاً.
    ولعلنا نذكر - بالمناسبة - أحاديث نجيب محفوظ وحواراته. منذ قدم إلي الحياة الأدبية. لقد تحدث عن أساتذته الذين أفاد من كتاباتهم في صياغة تكوينه الثقافي والإبداعي.. ذكر تولستوي وملفيل وزولا وفلوبير. كما ذكر طه حسين والحكيم وتيمور وحقي.
    أخشي أن فوز أستاذنا محفوظ بنوبل. قد شكل عقدة في نفوس بعض أدبائنا الشباب.. فهم يتوهمون أن الادعاء بعدم قراءتهم له. يعني عدم التأثر. والقفز إلي العالمية دون جسور.
    منتهي السذاجة كما تري!..
    هامش: كتب رجا شحادة المواطن الفلسطيني المسيحي. لديفيد جروسمن مؤلف كتاب "الزمن الأصفر": "يخيل لي أن المستقبل البعيد يحمل في ثناياه خطراً لإسرائيل أكثر منه لنا. لا يمكن أن ننكر حالة العالم العربي. إنه عالم يصعب جداً العيش فيه. عالم قمع. لكن إسرائيل قائمة علي تناقضات هائلة وطاقات متناقضة. تجعل وجودها محفوفاً بمخاطر كبيرة. مثلا. هناك فرق كبير بين تصور الاسرائيليين لأنفسهم وبين الواقع. انكم تعتقدون أنكم قادرون علي كل شيء جراء مقدرتكم علي التحكم بنجاح. بهذا العدد الكبير من السكان. لكن الواقع يدل علي أنكم تعتمدون بشكل كلي علي الأجانب. إنكم تذكرونني بالابن المدلل للرجل الغني الذي يعتقد أنه قادر علي كل شيء. إلي أن يجد نفسه مضطراً لمجابهة الحياة وحيداً. ليكتشف عدداً من الحقائق المحزنة".
    ..............................................
    *المساء ـ في 11/4/2009م.

  5. #5
    القاص المصري محمد حافظ رجب
    *العنف الذي عشته وتنكر الأصدقاء جعل الكتابة لدي مجرد حطام سفينة
    *أطلق صيحته في الستينات «نحن جيل بلا أساتذة» وبعدها اغتالته أمراض الحياة الثقافية في مصر

    حوار: عبد النبي فرج
    .....................

    لم تكن صيحة محمد حافظ رجب «نحن جيل بلا أساتذة» التي أطلقها في مطالع الستينات من القرن الماضي مجرد خبط عشواء، وإنما كانت تجسيداً لهموم جيل يجاهد في أن ينفض عن كاهله ميراث الكتابة التقليدية، ويشق لنفسه طريقه وهويته الخاصة، سواء في الكتابة الروائية أو القصصية.لقد بزغ رجب في تلك الفترة، وأصبح يشكل رأس سهم مؤثرا وفاعلا في تيار كتابة الستينات، لكن سرعان ما أجهضت أمراض الحياة الثقافية المصرية أحلامه، فانزوى وحيداً في ركنه يتحسر على الأيام التي كان يبيع فيها المحمصات أمام إحدى دور السينما في الإسكندرية، ثم مضى في سبيله ينتقل من وظيفة إلى أخرى، وبين الحين والآخر تشده جمرة الكتابة من بئر عزلته، فيطالعنا بقصة قصيرة لا تخلو من نزق الشهوة الأولى. لا يحب محمد حافظ رجب الكلام للصحف، ويبدو أن الصمت مع مرارة السنين أصبح لغته غير المنطوقة. بصعوبة انتزعنا منه هذه الكلمات والتي يكشف فيها عن لمحة شديدة الصدق والخصوصية من حياته. وهنا نص الحوار:
    * ما العوامل التي دفعتك إلى كتابة نص مختلف عن ميراث الكتابة المصرية في ذلك الوقت؟
    - كنت في أشد التعاسة، وصرت على وشك الانهيار الكامل، فكانت تلك القصص التي ظهر بعضها في مجموعات مشتركة مع الأصدقاء، مثل «عيش وملح» و«غرباء» ثم «الكرة ورأس الرجل». كانت هذه الكتابة بالنسبة لي هي حطام السفينة الذي تمسكت به، وكان علي أن أسبح بحطامي، فسبحت، فكان هذا الوميض الذي قد يكون مختلفاً عن الكتابات الموجودة في ذلك الوقت، بالإضافة إلى الافتتان بالكتابة التي كانت تترجم آنذاك بالعظيم مكسيم جوركي، الذي عرفنا على كتابة مختلفة، شديدة الارتباط بالإنسان، وبالحياة في الوقت نفسه.
    * في قصص «اشتعال الرأس الميت» و«طارق ليل الظلمات» تبدو الوحشة والعنف وكأنهما المحرك الرئيسي والخفي للسرد، وكأنه ناتج عنهما، إضافة إلى عنف خاص بداخلك، وأنت اشتهرت بخناقاتك في تلك الفترة خاصة خناقتك مع القاص الراحل يحيى الطاهر عبد الله، كيف ترى ذلك؟
    - الوحشة هي نتاج وحشية ما رأيته من عنف قاهر. في ذلك الوقت كنت أعمل وأنا صغير أبيع المحمصات بجوار سينما ستراند الشهيرة بمحطة الرمل بالاسكندرية والتي تمتليء بالبشر وبائعي الجرائد واللصوص والبلطجية والمتسولين، بالإضافة إلى الحروب التي كانت قائمة في ذلك الوقت، من الحرب العالمية الثانية إلى حرب 48، وحرب 56 و67، كل هذا العنف الذي عشته هو الدافع الأول، ناهيك عن ظروف الحياة المريرة والخانقة. أما بالنسبة لخناقتي مع يحيى الطاهر عبد الله فقد كان الصحافي أحمد صالح رئيس تحرير «أخبار النجوم» يعمل ريبورتاجاً أدبياً عن جيل بلا أساتذة، لينشر في مجلة «آخر ساعة». بحثت عن أحد ينطبق عليه جيل بلا أساتذة لم أجد إلا يحيى، وأخذ يحيى يرقص ويتحنجل أمام الكاميرا، وكل ما أقول له إهدأ يا يحيى، يقول: أنا باتعالج نفسياً. وعند قهوة الجيزة فوجئت بقريبه الذي أحضره معه يحتضنني، ويحيى ينهال علي ضرباً، وعندما استطعت الإفلات منهما أسرعت وكسرت زجاجة بيبسي وجريت وراءهما في الشارع، لكن التحقيق في هذه الواقعة ودوافعها لم يكتمل.. لكنها خلفت في نفسي جرحاً عميقاً آنذاك.
    * من في جيلك من الكتاب تحبهم وتعتز بكتاباتهم، ومن الذي أثر فيك؟
    - كثير من الكتاب، لكن الأهم ابراهيم أصلان، وعبد الحكيم قاسم، لكن الذي أثر في بقوة هو الكاتب المصري العظيم يوسف إدريس، الذي لم يؤثر في وحدي، لكنه أثر في كل الأجيال التالية له.
    * تقطيع الزمن في قصصك، وإيقاع المونتاج هل بسبب تأثرك بالسينما، أم بأشياء أخرى؟
    - لقد أوضحت لك قبل ذلك، أنني كنت أعمل بجوار سينما ستراند، أشاهد كل فيلم جديد يعرض، وكان بجوارها سينما الهمبرا. كانت الأفلام - إلى حد بعيد- هي بديل الروايات، كانت الرسوم المتحركة تجذبني بخاصة «توم وجيري» الذي قلب موازين الأمور، القط الأليف في الواقع أراه على الشاشة شرساً، والفأر الجبان الرعديد له من الذكاء والحيلة مما يجعله في مأزق، تعاطفنا مع الفأر على الشاشة، بالإضافة إلى السينما الأميركية القائمة على التشويق والإثارة، حتى لو كان الفيلم حدوتة مكررة، هذا يوضح السرعة في القص والشخوص المضغوطة، وكأنها شخوص كرتونية. ومن ثم التقطيع الزمني يا سيدي نتاج أنفاس لاهثة متحشرجة.
    * هل تتفق مع مقولة أن هذا الزمن هو «زمن الرواية». وهل تعيش هذا الزمن بالفعل، ثم لماذا لم تكتب رواية؟
    - هذا ليس زمن الرواية، بل زمن الكاميرا، الكاميرا مازالت هي العلاقة المتفوقة في عصر يندفع بجنون إلى الهاوية. أما بخصوص الرواية، فقد كتبت الكثير من الروايات لكنها مقصوصة الجناحين حتى يمكنها أن تنشر، ويمكنك أن تقول إن قصصي هي روايات.
    * البعض يرى أن القصة القصيرة فن أوشك على الانقراض، كيف ترى ذلك؟
    - المستقبل المقبل من صنع القصة القصيرة، فهي قادرة على تجسيد علاقة العصر الذي يندفع إلى غاياته بلا أثقال وحرج، وأنفاس مجهضة مثلما يحدث في الرواية. القصة القصيرة هي أكثر الأشكال قرباً لروح الإنسان، لكن يجب الانتباه إلى أنني أكتب وأتكلم عن القص الجميل القادر على القبض على جوهر الإنسان، وليس الرثاثة وضحالة الموهبة.
    * برغم وحشية عالمك القصصي إلا أن الملاحظ أنك تتميز بشعرية اللغة، كيف استطعت التوفيق بين الإثنين؟
    - الكابوس شبح الإنسانية السائرة باهتزاز عميق وزعيق، والشيطان الأكبر هو هذه القوة المدمرة المسيطرة على أعناق الأمم والشعوب والإنسان الفرد، الرصاص يدوي في كل مكان، انه مشهد يوم عظيم، الكابوس سيد الموقف الآن، سواء كان في العراق أو السودان أو الهند أو أفغانستان. ولغتي الشاعرية، كما تقول، هي لهاثي في هذا في العالم الموشوم بالوشم الوحشي الذي حاولت من خلالها أن أهرب من قتامة هذا العالم والرؤى السوداوية والحروب والقتلة والجماجم التي أصبحت سمة أساسية في هذا العصر.
    * في «طارق ليل الظلمات» كان السرد أكثر انتظاماً واكتمالاً وأقل تفكيكاً من «الكرة ورأس الرجل» لماذا؟
    - أنا ولدت في الإسكندرية الكوزموباليتانية، إسكندرية دأرييل وكفافيس، ورأيت وسمعت اليونانيين، والمالطيين، والإيطاليين، والفرنسيين، بالإضافة إلى الفقراء من الصعايدة والنوبيين والفلاحين والمغاربة الذين قذفت بهم عوامل الطرد الاقتصادي. كنت مطارداً في الأحياء الشعبية «بائع سريح» من الشرطة، وحاولت أن أعبر عن هذا العالم المسحوق تحت وطأة الفقر في «مخلوقات براد الشاي» و«الكرة ورأس الرجل». كما كنت في ذلك الوقت شاباً أعيش الحياة وبي رغبة في امتلاكها، لكني كنت أحس بأنني تحت المقصلة تماماً. أما الآن فقد هد القلب التعب وخشع إلى الله وحده. اليوم أنا في معترك جديد. لقد أخذني الشيطان كثيراً ولكن الآن أنا في مفترق طرق حقيقي لا لهو فيه ولا خداع.
    * بالنسبة لعبثية السرد والبناء الروائي.. هل تأثرت في ذلك بتيار العبث في المسرح العالمي، الذي كان مزدهراً في ذلك الوقت؟
    - العبث صرخة أوروبا ضد اندحار القيم، إنها قفزة هائلة لكنها بائسة، الأيدي والأرجل ممزقة. وعندما وصل إلينا تيار العبث من خلال الترجمات، تأثرنا به بشكل عميق وصرنا نباهي بأننا امتلكنا هذا العالم وكأننا نحن الذين صنعناه، ورغم ذلك أنا متفائل وستتبلور الرؤى شيئاً فشيئاً وسنخرج من قارورة العسل المر، ونحن أشد عزماً وقدرة.
    * انضممت إلى الماركسيين بين 54 و56 ما الظروف التي دفعت بك إلى ذلك خاصة أن لك ميولاً إسلامية؟
    - انضممت لمدة أسبوع واحد في خلية يرأسها الدكتور حسونة حسين أحد كوادر الحزب حتى قابلت الناقد الراحل علي شلش. كنت أقابله في المقهى وفوجئت به يقول للموجودين «يا جماعة حافظ رجب انضم لتنظيم ماركسي»، طبعاً أنا ذعرت وقلت «هو فيه تنظيم سري يبقي علنيا بالشكل ده». ثم في عام 56 كونت رابطة في مقهى الفنجلي بالاسكندرية وانضم إليها عدد كبير من الماركسيين. وحين امتلأت القهوة بالمخبرين استدعاني بعد ذلك ممدوح سالم وزير الداخلية ورئيس الوزراء في عهد السادات، وكان في ذلك الوقت ضابطاً في مديرية أمن الإسكندرية وقال لي: «إن الشيوعيين يحومون حولك اليومين دول»، قلت له «لا يوجد حد يقدر يلفني»، قال «طيب لو أي حد قرب منك منهم بلغني فوراً»، قلت له حاضر، وتلك كانت حكايتي معهم.
    * ماذا تفعل الآن؟
    - لا شيء أسمع النشرات الإخبارية وكل يوم أزداد تعاسة من الوضع الذي وصلنا إليه في العراق وفلسطين وأفغانستان، وأنشر قليلا من القصص كل حين وآخر في مجلة الثقافة الجديدة الذي يرأس تحريرها الناقد سامي خشبة الذي احتفى بي قبل ذلك ونشر لي «طارق ليل الظلمات».

    * من أعماله:

    - «عيش وملح» مجموعة قصصية بالاشتراك مع الدسوقي فهمي، صدرت في الستينات.
    - «الكرة ورأس الرجل» مجموعة قصصية صدرت عن الهيئة المصرية للكتاب.
    - «اشتعالات الرأس الميت» قصص قصيرة، صدرت عن دار سعاد الصباح.
    - «طارق ليل الظلمات» قصص قصيرة صدرت عن الهيئة العامة للكتاب، سلسلة كتاب فصول.
    - «حماصة وقهقهات الحمير الذكية» مجموعة قصصية، صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة.
    الشرق الأوسط ـ ثقافة، 4/12/2004م

  6. #6
    أصابع شَعْرِكَ للموت

    شعر: د. حسين علي محمد
    ............................

    (إلى الصديق القاص المُبدع محمد حافظ رجب
    صاحب قصة «أصابع الشعر»)

    أعطيتَ لهذي المهرةِ
    أُفْقَ صباكَ الغامرِ في الفجرِ
    وحكمةَ أسلافِكَ
    فجرَهمُ الكاذبْ
    أعطيْتَ
    أصابعَ شَعْرِكَ للموْتِ
    وللأمواجِ القاربَ
    كيْ تهبَ لجسدِكَ شهوةَ فعْلٍ
    يتجذَّرُ فيهِ الموْتُ
    وألفُ صنوْبرَةٍ تتآمرُ
    كيْ تصنعَ نعْشاً
    (أوْ إكليلا)
    للجسدِ الخائرْ !

    ديرب نجم 29/4/1990م.

  7. #7
    جولة الدرويش فى حوش الملح

    قصة قصيرة، بقلم: محمد حافظ رجب
    ........................................

    هدير الشيخ الضرير يدوى فى أنحاء العالم.«لكن عذاب الله شديد» ومضى يتحسس بعصاه معالم الطريق المندثرة أنواره»
    وميض خاطر مضىء انجفر داخل (الدرويش) : غضب الله سبحانه وتعالى لما حدث له فى نقطة بوليس (المفروزة) أهدروا هناك آدميته..
    ..... ........... .
    ذهب (الدرويش) إلى شغله كالعادة : الأفواه المذعورة تخرج بخارها ثرثرة عن (الزلزال)..
    .. قالت (الثرثارة) و(ابتسام) : «أنت اللى عملت الزلزال ده» وحاولت «نرجس» الثرثرة معه عن الحدث العظيم.. لم تطاوعه نفسه على الاشتراك فى وليمة الثرثرة المباحة للجياع أجمعين... شعر بالغثيان يعود إليه من جديد.
    (إيمان) المرعوشة مع ابنها المعجون بمية العفاريت يتدحرجان من المرجيحة .. الرجل (صغير الحجم) يداعب ابنها بغزارة ليكتسب خطوة جديدة عند نساء الكهفين.
    نرجس تحاول - من جديد - لضم إبرة الحديث مع الدرويش بلا جدوى .. الإبرة لا تخترق القماش العنيد.
    المحققة غارقة فى صمت مأساتها.. بلا ذكر هى حتى هذه اللحظات : أين الذكور يا أولاد.. غارقون فى نهر الحرمان.
    عاد الدرويش مقهورا إلى بيته.. تجرع الحزن الحزين آسفا من أين يأتى بمن يقتلع من عينيه ماء الحزن الأسيف هو لا يحتمل أى شىء.. اخترق باب عمر باشا : لا حرس ولا حراس من الإنكشارية الشداد اشترى صابون غسيل وصابون حمام وكيلو رنجة.. خدعه البائع.. لف السمك المدخن فى لفافتين سميكتين ليطب الميزان قبل أن يستريح فى سريره : الأوغاد يلعبون لعبة الموازين بلا براعة.
    قال الدرويش لنفسه : لم يذكر أحد من الفاعل الحقيقى.. لم يقل أحد إنه الإنذار الإلهى
    المحققة العانس مهزومة فى كل الحروب.. فى قدمها جروح وتقيحات تغطى مساحة خريطة العالم الفسيح - تقهقه الآن - قهقهاتها تهز الداخل لم يبق لها إلا القهقهات لإخراج دخان العربة التى لم تسترح بعد من مشوارها الطويل.
    هدى المطلقة تحضر للحسابات تضرب التليفون.. تبتلع حبوب ضغط الدم تضحك أحيانا وتبكى فى أغلب الأحيان : مات الميت ولم يظهر له أهل ولا ولد يرثه.
    إيمان وابنها يثيران ضجة تصرخ فيه ليكف وتتركه يفعل ما يشاء... يلتقط الطعام تدسه له فى فمه : الرجل (صغير الحجم) يداعب ابن ايمان يجلسه على ركبتيه يهز المرجيحة تحلق بها بعيدا بعيدا حتى سماوات الله السبع..
    ليلى العاشقة المسكينة : امرأة حفظ الأمانات عاشقة ضواحى المخازن تحضر كالعادة.. تدردش مع المحققة : فتح شهية ثم تدخل قفص الشمبانزى الوسيم.
    علم الدرويش آخر النهار أن مدير الإدارة المالية والإدارية فى مصلحة المظاليم قال لها : ما تطلعيش فوق وتقابلى الشمبانزي الوسيم .. لم تهتم به.
    نرجس قالت للدرويش انت اتغير لون جلدك خالص صار أزرقا
    قال الدرويش : هل تتبادل معى.. تعطينى لون جلدك أنا أعطيك جلدى وغاصا فى المهد إلى اللحد.
    حديثها طويل التيلة وهو موجوع من الزلزال : رقصوا جميعا فى ربوعه .. قالت نرجس للدرويش كلهم مش عارفين احنا بنقول إيه.. أنا وانت بس اللى عارفين : لك الشوق والشوك ولهم الخذلان أجمعين.
    ...
    اليوم ولد بداية غريبة للدرويش .. عند مغادرته لمأواه نزل خلفه النجار الشرس (مأواه هناك فى حديقة الحيوانات) ابن صاحب البيت وثالث ثلاثة أشقاء أشقياء.. حياة الشرس رد الدرويش التحية من مكان نزول الفضلات وانصرف كل منهما إلى حال سبيله
    وصل الدرويش إلى الصينية وجدها عارية اللحم إلا من أكواب الشاى.. وجد عربة مشروع دخلها وجد أحد الركاب يهىئ له المقعد الخالى.. تفرس في الرجل وجده النجار الشرس سبقه إلى المحطة.. ركب المشروع.. أخرج الدرويش العملة ليدفع له وله لكن الشرس صمم على الدفع : «ابنى شاطر وأم ابنى طليقتى تحضر لرؤيته وهى زوجة رجل عجوز عنده أولاد كبار.. لكن تعرف أنا مش عارف إزاى تم الطلاق..
    «قطع الله عنقك» قالها الدرويش فى نفسه
    وسرح الدرويش فى ملكوت الله العريض : الشقى النجار يهدم عليه مظلته.. تأويه الليل والنهار.. سأل الدرويش سيده ومولاه : «انظر مولاى .. كيف يدمر الشقى هدوء مأواى.. خذ بثأرنا منه.. احرمه ربى من لذة امتطاء أنثاه..
    قال الدرويش اوعى تهدم السقف فوقنا
    لن يهدم السقف إلا بأمرى.
    قال الشقى : جاركم عاوز يعمل تقاطع فى الشقة : يفصل بين النهرين.. قلنا له إوعى تقطع حاجة وإلا قطعنا رقبتك نلقيها تحت عجلات قطار مرسى مطروح.. مش كفايه إنه دخيل على الشقة.. إحنا فى شوق لنتذوق لحمه النى
    سأله الدرويش : انت رايح فين
    قال : أنا بتمشى شوية من جهة محطة مصر وراجع تانى
    ليتنى أراك محمولا على الأكتاف تقتات من دمك أسراب الناموس الجائعة الهائمة فى نهار الليل وليل النهار القادمة من ترعة النوبارية الوغد راح والوغد جاء متى يحملونه الحمل الأخير
    قال الدرويش تعال.. معايا ديوان المظاليم.. لنفسه : تدخله ولا ترجع منه على الإطلاق.
    وضع ذراعه فى ذراعه.. لكنه فى داخل سوق القطارات والفحم المشتعل بالدموع الحارقة .. سار وحده إلى مصلحة المظاليم وجد سعيدة المطلقة الثانية تأكل أظفارها ولا تهضمها يبدو عليها الإرهاق الشديد.. تحتضن ابنتها (الأب موظف من امبابه أنجبها فى ساعة عسر عسير) فى حنان حزين لم تحضر العانس الجميلة إلى مصلحة المظاليم .. اليوم (إيمان) ابنها يتبرز عفاريتا وجنونا .. تصرخ فيه يعبث بأدوات المطبخ تقتلع شعر نعليه .. يزداد جنونا.. ويلوك شعره حتى التخمة الحائط يركز ذكورته على الكاهنة رئيسة الحسابات.. نرجس تحتضن كلمات الدرويش وصغير الحجم يتناول سندوتش الصباح رشوة كل صباح من أمانى المشتاقة إلى يوم العناق.
    النساء فى الحجرين يشحن بوجوههن عن وجه الدرويش المتآكل من الحزن الحزين.. يبدو لهن عفريتا من الجن.. تحولن بأنظارهن إلى الرجل صغير الحجم قال الدرويش أظنه من عمل الشياطين يريدون محاصرتى لأكف عن متابعتهن. حمل الباب.. نفذ منه أوقف الناس عن السير حتى يعبر النفق .. أسأل الذين يسألون : يا ناس يا بشر : خيرات الله تغمرنا فى الطريق العام حيث يتبول الحمار والبغل والحصان .. فلم تدوس المعزة على عنق جرتها.
    بطاطس اشتراها مذاق كل عصر.. حملها مع كيلو بامية.. اشتراها من عامل فلاح يعمل بمصلحة المظاليم.
    تتابعت الكاميرات الحية والميكروفونات حول شاب أنقذوه من تحت أنقاض عمارة مصر الجديدة المنهارة بعد أن قرض فئران المذبح حديدها في يوم الزلزال العظيم قال مدير مستشفى هليوبوليس إن الشاب شرب من بوله حتى ارتوى من مائه الذى اقترضه من فئران المذبحة أسفل الصهاريج الصدئة ورفضت زوجته الأجنبية شرب بولها فماتت.
    فتح صنابير النافورات المتدفق سيرها وأخمد حريق الجسد الفائر فى منتصف مياه ميدان التحرير.. صلى الشيخ صادق العدوى صلاة الغائب على أرواح ضحايا .. قال : «إن السوء انتشر
    قال الدرويش لرجل يمر أمامه.. يتعب المرآة ويمر : الطحال يباع فوق عربات.. يجب أن يتطهر الناس بفرشة أسنان جيدة..
    يحترق الدرويش حريقا حريقا يدمر بنيانه كلما فكر فى السبب فى الطول والعرض ويباع أنقاضه فى سوق الجملة بأرخص الأسعار كل ما يريده من الدنيا استخراج بطاقة شخصية ولا يعرف كيف يستخرجها من تحت الأنقاض..» ترك الأمر لله دليل الحيارى فى متاهات الأيام العجفاء.. قال: «مولاى لا يريد الآن - على الأقل - أن يدلنى على طريقة أحصل بها على البطاقة..
    عطس عطسة حلوة.. فكت كربه الشديد.. شكر (الدرويش) ربه القدير عليها.
    ليلى امرأة حفظ الأمانات حبيبة أمين المخزن وقرة عينه .. نقلتها هودج اللحم العظيم إلى فرع من فروع مصلحة المظاليم. من الأرض الحارة نقلتها تنبت شعيرا وحنطة إلى حمامات السباحة أيام المجد الرومانى التليد : لمحها موظف الأمن فى المصلحة وهى تسير مع حبيبها من فتوات محرم بك صار أمين المخزن العاشق وحيدا : كلبا أجرب ينبح وحده بلا إناث متيمة بحبه.. ماتت أم هودج اللحم العظيم مديرة مصلحة المظاليم وتوافد الرجال يبحثون عن مقر وضع جثة الأم الكبيرة فى مدافن المنارة.. فى عربة مصلحة. جلس رجل الإدارة المالية القبطى والمهندس القبطى بجوار السائق.. فتح السائق أبواب محطة القرآن الكريم وباقى العربة تحمل مظاهرة المعزين.. أما الإبراهيمية حيث إقامة هودج اللحم العظيم رفعت رايات الحزن العميق تحية لجثمان الأم وهى فى طريقها إلى نهاية النهايات.. وجلس بجانب الدرويش هانى شارب البايب الموظف القبطى الجديد.. ومدخنة البايب تنفث دخانا رماديا بنكهة لذيذة غطت الطرق والكبارى والترع والمصارف عند أول وآخر الطريق السريع.. عند السرادق وقف الشاب الطبيب الممتلئ لحما وعظاما ودما تمرح فيه سيارات الحزن الغامر على الجدة الحنون ووقف بجانبه ضابطان كبار من البحرية ومعهما عدد من الجنود ببنادقهم.. قال الدرويش لأحدهم : ما لزوم حملة البنادق وإطلاق النار فى الهواء.. وبث القلق فى نفوس الموتى الراقدين فى هدوء تحت عالم الأتربة قال : لزوم العز والأبهة والمجد المهيب .. وقف شعب المصلحة بجوار بعضهم يتهامسون ووقف الدرويش بجوار دهاء التصق دهاء بالدرويش قال الدرويش لنفسه لعل شجرة الجميز طرحت ثمارها فى داخله.. أما النصف بغلة فإنه لا يمسك نفسه بحبل غليظ.. تطل من شبابيك عينيه قهقهات ملتصقة بالغراء فى وجهه لا يقدر على نزعها إلا نجار عقير متمرس فى الداخل أشار دهاء للدرويش إلى حجرة تتصدر مدخل الباب : حمدى صالح الضابط السابق ورئيس الوزراء فى عهد سابق ينام فى قبره حزينا تذرف عينه دموع ساكنة صامتة أغمض العينين يزهد فى الدنيا بعدما رأى ما وراء الغمام حيث المسرات والأحزان ومجدى فواز أحد المحافظين السابقين لا حرس يحييهما ولا يتذكرهما أحد.. قال الدرويش : صمت أنتما صمت والعالم مشتعل الإوار قالا : عافنا الدنيا وان كان هناك حنين للعودة ولو كضابط صغار الرتبة .. قال قائل : تقبل العزاء فى الداخل يا سادة حيث يرتفع الموت فى الساحة الآهلة بالمنسيين.. رحلوا ثم يعودون فى يوم من الأيام.. سبقه دهاء وجد الدكتورة شقيقة هودج اللحم العظيم وأختها الغارقة فى بئر الدموع الممتلئ حتي الحافة.. ولمح الدرويش ابنة أخت هودج اللحم العظيم وأخريات يقرأن آيات من القرآن : الآن تتجلى الحقيقة رائعة.. ضوء عظيم يضىء لعدة ساعات ثم ينساه الناس : رحلة اللاعودة للدنيا إلى الأبد.. دنيا حافلة بالأحزان والمسرات واللامسرات..
    صافح الدرويش الدكتورة وصافح أختها النائحة بشدة على الميتة حتى غرقت سفن أحواض المقابر..
    وتوجه الدرويش إلى عرب المصلحة فى الطريق إلى المصلحة مكتظفة هى بالعائدين : عادوا من نزهة الحقيقة الصارمة لا حدود لها.. يغرق من يغرق ويسبح من يسبح حيث لا شاطئ إلا شاطئ لله..

  8. #8
    الذى تجشأ قشا..

    قصة قصيرة، بقلم: محمد حافظ رجب
    ......................................

    أرسلت (المرأة) تستدعيه... طاعة الجبناء طاعته... نادت بنت شقيقها على (سلوى)...
    قال لها: «أغلقى النافذة ـ ذات الكوات الكئيبة ـ وحضرى القفل..»
    التفت إلى مخلوقات الحجرة النائية: «صباح الخير أيتها المرأة التى تثيرنى» .. الحلوف الصغير داخل دورة المياه يزوم،... يبتلع ملء وزنه ليرش أرض الله المحترقة تحتهم... يعرقل اطمئنانه فى كل اللحظات...
    ـ «راهبة بوذية تحرق نفسها إحتجاجا على تزوير الانتخابات فى فيتنام الجنوبية».
    خرج مثقل الخطى : الأغلال فى العنق والقدمين.. تسحب جثته طفلة ضريرة تسوقه إلى حيث الانتهاء...
    .. قال للرجل المشارك له فى حوض المغسل والمشرب: «الصباح مبارك عليك يارب الأشقياء»
    .. قالت زوجته: «مش تجيب الوليه»
    فرت منه: من عالم الأسرار الرهيب... مقطوعة صلته بالسماء .. بلا رب يعيش .. يأكل لحمها فى الصباح والمساء... بلا موقد يطهيها : فرت بما بقى من لحم الجسد والروح...
    .. قال لها: «يا ابنة سمنود... لن تعود .. دى فى أجازة خليها فى أجازتها أحسن»
    .. تسربت من ثقب الباب.. إلى ابن خالتها مسعود .. تائه فى عالم حائر... يبحث هو و(سلوى) عن القفل.. لم يجده.. يبحثان وسط الزحام... فى كل الطرق والميادين .. حيث تنكسر علامات المرور... يخترقها كل صبى أرعن يملك عربة بها أبواب ونوافذ من سيراميك .. ياعين البشر هل شاهدتم قفل بابنا.. تائه عن عين البشر هو الآخر...
    .. قال (لسلوى) : «روحى لها .. اسأليها عن قفل لم يأكله الصدأ.. بريقه يخطف عين القمر... اسأليها عنه فقد يكون فى يد فريق كرة القدم المنتصر»
    عادت: «ملقتش»..قال لها: «اطلعى لسمية»
    .. صعدت إلى السحاب المثقل بالهم... عادت: «قالت معنديش»
    مد يده الملتاثة العقل.... دمر بنيانها .. جاس خلال لحمها وعظامها .. هكذا هو غول كل لحظاتهم...
    .. قال لها: «خليكى هنا... ومترحيش المدرسة النهارده».. لا تملك سوى ماء العيون تذرفه آبارا وترعا وأنهارا أو بحارا .. وذهب إليها وجدها تمسح البلاط بالخيشة... قال باصقا لعنته على الفارة من عشهم القاتم : «بنت الإيه ضيعت القفل»
    قالت: «لازم (سميرة) شايلاه... إنت لازم تاخد أجازة علشان تقعد فى البيت... وكمان أنت عيان» تصير أنت أم الدار.. بدلا من دخولك حوض النار»
    .. غادر البيت رمادا.. مشى فوق جثمانه أهل (غربال) شيعوه فى جنازة منتفضة.. كل مشيعيه من العمى ومقطوعى السيقان والأذرع وأجساد بلا رءوس.
    إشترى الأهرام... دخل يوقع فى الساعة الميقاتية بالديوان .. وجد (بهجت) مع (أحمد صالح): الرجل ونصفه... صافح الرجلين...
    ـ ليه أجازة والا لأ... أنا عيان وأمى مش فى البيت .. قال (النصف رجل) : «أنا قلت كده برضه.. وأنت لك أجازة».. دخل عليهم السكرتارية وهو ساقط من أعلى السور داخل أعماقه المنهارة فى ساحة (مقابر المنارة)... هل سيغيرون معاملتهم له بعد زيارة الساعى (صلاح) والموظف (بسيونى طلبه).. وشاهدا عن قرب جثمانه المعلق فى السقف الخشبى المثقوب... قال يواجههم برعبه من ظهور احتقارهم له: « صبحين ياحلوة» وصافح الساعى (حسن) وعم (مصطفى) العجوز المرح... و(فخرى) القبطى... وجاء (صلاح) الساعى... فأخرج سيجارة وأعطاها له... يغريه على شاهده: سقف بيته المغروس بحبات البق والحشرات: سيجارة شعيراتها ملتفة حول عنقه يحس بالعار: سقف بيته يأوى المردة من حبات البق... يشعر بالعار أنه من أهل (غربال) .. قال (فخرى) القبطى راكبا عربة الموتى يشدها عدد من الخيل: أنا من (غربال) وحضر (بسيونى طلبه) بقميص جديد غالى الثمن... أول ما رآه أخرج له لسانه: أنا سيدك ياابن (غربال) أرتدى غالى الثمن وأعيش فى عمارة متخمة بالوجاهة والفرنجة كانت لمهاجرين من الأجانب.. زرتك أمس فى إصطبلك رأيت مأساتك الفتاكة مع الحمير... ترعى جرذانك.. حيطانك وسقف بيتك معششا بالبوم والحدآت ... أصبحت منذ الآن عبدا لى.. صرخ (الشحات) فى وجهه: «صبحين ياحلوة» .. بعيد هو عن مدد السماء..
    ..حضر (حمدى) ـ الملتصق به دائما ... كما البق ملتصق به ـ جلسا يثرثران: «اذهب .. قل لكبيرهم أن يتدخل .. فنحن بين فكى النجوم الصغيرة يمضغوننا متى أرادوا ويبصقوننا فوق أسفلت الطريق..» قال (حمدى) .. شاب كلية التجارة: «أود أنا وأنت أن ندرس الفرنسية معا... ربما تفيدنا فى الهجرة إلى الخارج».. بالأمس .. ظل سجينا فى سجن (الحضرة).. تناول حبتين نوفالچين... فاستولى عليه السلطان ... ولم ير نور الحياة إلا بعد أن جاء الصغير وسأل عنه... بعدها جاءت قريبته ونزلت... ونزلت (سمية) من الطابق الأعلى: «قابلت (عزيزة) و(سادات) ابنى سمع (فوزية) تقول: أنا ح أجره زى الخروف جوه» شخرت لهم. وقلت: «أنا ح أطلع دينكم» و(على السنطاوى يتظاهر بالنوم».. قالت قريبتهم: « البنت الدكتورة ـ ممرضة ـ راحت عند (إبراهيم فهمى) ابن خالتك وقالت لهم: أيوه إحنا حرقنا الجلابية وأنا سبق وضربت (أم الشحات) وجرجرتها على السلم.. إشمعنى المرة دى يعمل كده... أنا ماما برضه تركب عربة السجن... الحق عليها هى اللى سمعت كلام العسكرى لو كنت أنا موجودة كنت رحت مع العسكرى النقطة وشربت معاه جوزة .. أنا المرة دى اللى ح أقف له بمطوة وأضربه بيها» .. قالت (سمية) .. ساكنة الطابق الأعلى ..إنت لازم تعمل احتياطك.. آدينا اتفقنا معاه... يجيب السمتو وإن مجبش دول... لازم يبقى مخبيين حاجة»
    ..قالت قريبتهم: « ياللا قوم وانزل معايا»
    ... فى (المبالة) المواجهة لسينما (ستار) دخلت (فهيمة) (القريبة) لتتبول ... وتقدم هو من عسكرى المرور: «دخلت تتبول وأنا أدور باحثا عن القفل...لا أراه ولا يرانى... هل من العسير العثور عليه فى هذا العالم المحتشد بالأقفال».. فى الطريق قال لها: «تيجى نروحو للضابط اللى فى مديرية الأمن» .. واكتشفت فجأة أنه نسى اسمه: غاب فى الكهف والديناصور حارس الكهف يزأر... يقف أمامه بالمرصاد..آه لو اصطدته فى متاهات... متاهاته... ما كان يعيقنى أى شىء عن ملاقات الكبير لأشكو له ضراوة الصراع مع سكان الطابق الأرضى وأقاربهم المختفين فى فاه (شارع أخوان الصفا) ... وتذكره .. عندما غاب الوحش عن كهفه ليشرب كوب شاى وسيجارة.. قال لها: عارف من اسمه (رحمى) .. قالت زى بعضه .. نسألو عنه».
    .. انتهى التحقيق مع (صلاح نصر) فى حادث انتحار (المشير عبد الحكيم عامر) .. أعلن اليوم الجنرال (إسحاق رابين) أن القوات المسلحة المصرية قد عوضت أسلحتها».
    يعيشون هذه الأيام على علب اللحم المحفوظ القادم من الاتحاد السوفيتى كمعونة.. بالأمس تناولوا فى الغداء لحما دسما بــ 9 قروش أدخلوا ألسنتهم داخل العلبة بعد ما أكلوا ما فيها... لعقوها وجدوا فيها رجلا سوفيتيا يئن... أداروا ظهورهم إليه... «إحنا ناقصين نواح»... وضعوا على اللحم بقرش فول مدمس... عزق أرضه فلاح مصرى.. مزجوا الفول المصرى باللحم الروسى وصرخات الهلع تندفع من داخل العلبة والطبق... وقف (الشحات) وعائلته ينشدون : نحن الشعب المصرى.. طعامنا الآن اللحم المستورد من الإتحاد السوفيتى وعجوة العراق... رخيصة الثمن... الكيلو بأربعة قروش: «أبانا الذى فى السموات : الاتحاد السوفيتى: العطاء والمنح والجود والكرم والشبع... شبع البطون الجائعة... فليتقدس اسمك... آمين».
    .. بالأمس ذهب الفأر الرابض فى جيب (الشحات) : (حنفى محمود) الطالب بكلية التجارة وآخر بكلية الفنون الجميلة إلى شركة بيع المصنوعات واشترى (الشحات) زوجين من الأحذية بــ 259 قرشا .. ومشوا فى الشوارع يقهقهون: اضحكوا يا أولاد من هذه الأيام الحافلة ـ قهقهوا... أمامكم طريق السد أغلقوه أمامكم.. سترون الدهشة والعجب فى باقى أيامكم القادمة... فى السكرتارية... قال (حنفى محمود) للشحات: فيه جوارب روسى فى (عمر افندى) الجورب بثمانية قروش ... وخرج (الشحات) مع (حنفى محمود) (والهبيان) ليشتروا الجوارب... قال النصف رجل (بهجت) شوف لى الثمن كام.... وأراد (أحمد حامد) أن يرقص فوق المتوازنين قال:
    ـ هات لى جوز معاك نمرة 42 ووضع يده فى جيبه يتظاهر بإخراج النقود .. لكنهم انصرفوا وتركوه...
    ... فى (ميدان التحرير) عثروا على الترام الجديد.. الذاهب إلى القبارى يسير مزدهيا بفروته اللامعة: غير ملامح الميدان وشكله... ووجدوا (شركة بيع المصنوعات) مغلقة.. قال (حنفى محمود) : «تريدون سلخ فروة الترام... سأسلخها .. لكم .. المهم أتغدى عند واحد منكم» يعنى تناول الغداء عند (الشحات) .. قال (الشحات) فى نفسه: «يشاركنا فى تناول لقيمات عزيزة المنال.. لكن المكان يتسع له دائما».
    .. وطوال الطريق راح (الشحات) يسأل (الهبيان) «هل تعرف كيف يخترق الرجل المرأة...» فكان «الهبيان» يتعلق بذراعه فى نشوة وجوع: «دى متين فولت .. دى تلتميه.. دى ربعميه وخمسين فولت»
    ـ لو كان (للشحات) ذرة من إيمان بالسماء .. لتغير الحال غير الحال ـ (والهبيان) يغرق فى حمام بخار ساخن ويتشبث بيد (الشحات) ليحميه من سخرية (حنفى محمود).. لحق بهم (حسين جمعه) عند السنترال ... تعلق بالصارى الهائل .. قال (للشحات) : «أنا وأحمد قعدنا ننتظر (جودو) فى النادى ساعتين.. مشينا واحنا بنقول ملعون أبو جودو: وقح كعادته يدخل فى الواحد شمال.. لكن الشحات عامله بهدوء صادر من كثافة تجمع الإعياء فى بنيانه فى الطول والعرض... عند (محطة مصر) اعتذر (حنفى محمود) عن المشى معهم وتركهم يبحث عن وجبة غداء عند أحد من الآخرين... وسار (الشحات) و(حسين جمعه) و(الهبيان)... عند مدرسة (النهضة) النوبية تركهم (حسين جمعه)... فى سراديب الليل تناولوا عشاءهم بقايا اللحم الروسى الدسم والفول المدمس أبو منديل محلاوى... (سميحة) نامت بلا عشاء.. أصابتها لعنة الزكام وجز الصداع دائرة رأسها ومن أنفها يتعالى الشخير...
    ـ قومى يابنتى ناكل اللحم الروسى المصنوع من لحم الناس السوفييت
    ـ رفضت : «أنا شبعانة» أعطاها حبة نوفالچين ونامت ..وشعر بحاجته إلى النوم .. والتعب يسرى فى طول وعرض جسده.. قال: «لا مؤاخذة ياابنتى.. أنا ح أسيبك دلوقت» وسرت فى الليل أصوات قادمة من مهجر عائلة (ريحان) ورأى (الشحات) الضفادع النائمة على ضفتى (المحمودية) تنقنق .. قال: «بلاشك .. هى تشعر بالتألق والمحاورة رغم أنها نائمة فى أمان الله... لو كان ضفدعة.. وله صلة أو شعاع من السماء لكان الحال غير الحال.. لكنه وعائلته الصغيرة معرضون للفتك واللعنة بلا حارس يحرسهم وبلا قفل على الباب يطرد الطارقين..
    .. وسمع (رئيسه) زوجة (حسب الله) «تقول ده بيرمى علينا قزايز ميه..» يتآمرون فى الظلمات .. لم يكفهم ذبح الجلباب وحرقه والجيات أكتر من الريحات (وغربال) يشهد مصرع بنيه...تموت الكلمات قبل أن تولد .. ماذا يقول والحريق التهم جلبابك ياصغيرتى بعد أن انتزعوه من فوق جسدك ودخانه يتسرب حاملا جرابه من تحت عقب الباب..»
    .. لم ينم إلا بعد أن ابتلع حبة نوفالچين أخرى: « أيام المهدئات أيامنا..،. تحت طاسة الخضة تموت العوالم... وضى الشمس يلتهم كل المرئيات..»
    ..ونهض فى عمق سواد الليل... (وزينب عبد المقصود) شريكتهم فى الشقة تستحم : سرقت لحظة لذة من زوجها الإسكافى (محمد على عيسى) بعد أن نامت البنات ونام الصبيان.. مرصوصين رصا فى القبو المظلم .. يريد أن يستحم هو الآخر.. رأى نفسه يمارس عملية جنسية غريبة فى كوخ مثل صناديق سطح المهندس فى (العجوزة) والطرف الآخر فى العملية (إسماعيل العشماوى) ساعى المكتب .. وبحث عن القصرية ليتبول... لم يجدها،، تبول فى طبق فارغ وعاد إلى سريره....
    (بسيونى طلبه) ساكن شقة الخواجات (بالأزاريطة) سلوكه تغير مع (الشحات ) بعد أن رأى جحافل البق تمرق من بين ضلفتيه وهى تترنح من حمل آلاف القناطير من الدماء..
    قال (بسيونى طلبه) : « أنت بقة كما باقى البق المنهمر من دلايات السقف.. اسمح لى .. أن أعاملك بتحفظ فأنت سليل غجر (غربال)..»
    حاول (الشحات) فتح سلة الدردشة معه... «السلال رفض مقابلة اللجنة الثلاثية»
    استمع إلى كلامه ببرود قطعة ثلج تتصاعد منها الأبخرة الحادة... وجلس (بسيونى) على مكتبه بلا إقبال عليه... أما عدوه الملقاط (أحمد حامد) فإنه أدخل إبرة ماكينة الخياطة فى عضله : «سمعت إنك اشتريت إمبارح جزم» قال (الشحات) : «اشتريت جوزين بمتين وستين قرشا» قال (أحمد حامد) : « لابس جزمة منهم» قال : (الشحات) : لأ...
    ـ أمال لابس إيه
    ورأى الحذاء البلاستيك الأصغر فى قدميه..
    .. استدار (الشحات) دخل حذاءه... إختبأ فيه صار جلده بلاستيك أصفر بعد دقيقتين..
    .. عمال النظافة يحتشدون حول مبنى السكرتارية وسور ديوان المحافظة يطالبون بصرف أيام الجمع....
    ..الآن يعرون جثته الملقاة فى حذائه ... رخيص الثمن صار... لم يعودوا ينخدعون بشقشقة أحاديثه فى السياسةوحكام اليمن الجدد وانتحار المشير عبد الحكيم عامر والأحاديث اللامعة... قال (أحمد حامد) وهو يشده من تحت غطاء الحذاء: « مش عيب تلبس جزمة صفرا.. أنت حقك تلبس جزمة حريمى.. و،إلا تلبس فرده حريمى وفردة رجالى..»
    وقهقه الجميع وهم سكارى من الانبساط والفرفشة... «الآن يشرب الوغد من دمه العكر.. من ماء حياته الموجعة الغضب فى داخله يقرضه كلب أجرب.. لم يجد ما يقوله سوى: «إنت ح تسكت وإلا أصبحك.. إنت بتحسب دمك خفيف... إنت دمك تقيل قوى كما البقة فى سقف بيتنا..
    قال (أحمد حامد) : « أنا دمى تقيل وزى البق علشان اللى باكلمه دمه أتقل تلاتين مرة»
    .. واستدار (الشحات) ـ وهوعار تماما ـ يطلب العون من النصف رجل رئيس المكتب (بهجت) : «والنبى خليه يبطل لأحسن هو فاكر إنه ظريف»
    ..قال (عم مصطفى) كبير السن المرح: «والنبى ده بيحبك» .. واقترب (أحمد حامد) من (الشحات) وقبل رأسه قال: «حقك على وأنا مش ح أتكلم معاك تانى» وأخرج العامل (صلاح) سجائره وأعطى (الشحات)سيجارة: «يمتطيه بطول جسده وعنقه... يمنحه العطف الذى به يزدريه»
    «صرف السلف لتجار السويس فورا وتعويض المبانى التى أضرت بالعدوان»
    «(على صبرى) يبحث مع وزيرى الصحة والخزانة إجراءات عاجلة لحل مشاكل العاملين فى السويس»
    «(أم كلثوم) تفتح ثدييها لأخبار اليوم: ماهى أكبر خطيئة
    ـ أن ترى الخطأ ولا تنبه إليه
    ..أحسن صديق
    ـ شخص يشاركك فى ألمك
    .. أحسن مكان
    ـ حيث تنجح..
    .. أقصر طريق للنجاح
    ـ العمل..
    .. أحسن عمل..
    ـ الذى تحبه..
    .. أكبر راحة...
    ـ أن تؤدى عملك جيدا..
    .. أكبر خطأ..
    ـ اليأس
    ..أحقر شعور
    ـ الحسد
    .. أكبر لغز
    ـ الحياة..
    ..أكبر أمل
    ـ أن تعود فلسطين
    .. أسمى فكرة
    ـ الله..
    .. أكبر عدو
    ـ إسرائيل..
    .. أول أمس .. هل يتذكره.. آه... جاء ابن قريبتهم فى الرابعة والنصف .. أيقظه وباقى مخلوقاته يغصن فى النوم... قال الصغير: «أمى وخالى حسين والعسكرى جارهم جيين ومعهم الأسمنت ليرشوا البلاط كى لا يخر الماء على عائلة (محمد ريحان) .. نهض .. واشترى له الصغير موسا ليحلق دقنه... حضرت قريبتهم وابنها والعسكرى..
    .. عسكرى مارد يرتدى جلبابا اشتراه من جوار طنطا.. استعان به (محمد ريحان) لإجراء مفاوضات معه... جاءت به قريبتهم وهى حافلة بالرضاء عن نفسها... على وشك أن تضع مولودها .. أزال الشحات شعر ذقنه والعسكرى يربض فوق ظهر الكنبه والحمار ينهق من تحت ساقيه وعيناه لا ترى مخابئ البق
    ـ لم يكن (الشحات) راغبا فى الحديث معه... ودخل دورة المياه المشتركة..وأزال رائحة الهم من داخل منحاريه وارتدى ملابسه يغطى نفسه الأمارة بالسوء... وتبادل مع العسكرى بضع كلمات: «فيه ناس بتحرق الهدوم» قال العسكرى: « وبيحرقوا اللى جوه الهدوم» وضحك وضحكت القريبة وابنها... لو التفت برهة من الزمن إلى السماء فوقه لرآه وعرفه ولم يكن وقتها قد حدث له كل ما حدث: السير فوق أبراج النار إلى الأبد...

  9. #9
    عالم القاص المصرى محمد حافظ رجب .. اختلال وقسوة وظلام

    بقلم: أحمد الشريف
    .....................

    محمد حافظ رجب كاتب قصة أسهم فى ادخال شكل جديد للقصة القصيرة فى مصر عن "دائرة المعارف البريطانية". نعم محمد حافظ رجب احد رواد جيل الستينيات فى فن القصة القصيرة، وقد قال سامى خشبة: ان صرخة او صيحة حافظ رجب المشهورة نحن جيل بلا اساتذة اعلنت عن ميلاد جيل الستينيات، حافظ رجب صار الآن فى السبعين من عمره، ورغم كثرة ما كتب ونشر عنه من مقالات وملفات وكذلك اعادة طبع كتبه، فإنه لايزال يعيش فى منزله النائى فى الاسكندرية وسط اسرته الصغيرة، وحتى الآن لم يحصل على ما يستحق من تقدير معنوى ومادي، هذا الرجل صاحب الشخصية الفريدة والابداع الاكثر تفردا لا يزال يبحث عن يوم يعود فيه شعاع الامل والمحبة الى قلب الانسان، هنا قراءة لاعماله.
    فى خضم عالم اختل النظام فيه ولم يعد احد يحتفظ بتوازن، عالم يمتلئ بالجوع والعطش والزحام والقسوة والحروب المستمرة، يتساءل "محسن ابو الدهب" "فى قصة "اشياء مشطورة.. اشياء محترقة""، هل سيأتى يوم يعود فيه الشعاع الى قلب الانسان من جديد. رغم مصرع كل امل.. تحت عجلات الجمال العابرة.. "ص 75". بعد فترة انتظار طويلة سيشعر محسن ابو الدهب انه مات، رغم انه يفكر كثيرا ويتكلم قليلا، لذا كان يجب ان ينقذ نفسه والآخرين، يصبح خارج العادات ومدمراً لسلام زائف وعالم اكثر زيفا، الامتلاء بالجنون يمكن ان يفضى للخلاص، لا مفر القى ابو الدهب بالموقف المشتعل فى جوف الحجر/البيت/الشارع/المدينة /العالم القديم.. هذا الفعل الذى قام به ابو الدهب/الفنان، فعل ملحا للغاية، محو الماضى الضعيف الواهي، ارهاص بمستقبل افضل، فشهوة التحطيم شهوة خالقة، وفق تعبير م. باكونين، تحطيم القديم وبناء الجديد.. نعم يا اصدقائى كان ضروريا تفكيك وتكسير ذلك العالم، المهترئ، الرث، الشوق لوجود قتلة ملائكيين بات حتميا، تحديدا، لهذا الينبوع المضطرب الذى له عوالمه، وقوانينه "الادب"، لا بد من فعل التفجير والقطيعة مع الكتابات التقليدية، ثم التحليق بعيداً عن دخان الحريق القديم، كى تصبح الرؤية واضحة والاسلوب جديدا.
    شكل جديد للقص
    هدم العالم القصصى القديم، يستدعى بالضرورة، شكلاً جديدا، للقص، هذا الشكل الجديد تتكون له ديناميته الخاصة والقدرة الجبارة المرنة معا على استيعاب معطيات العالم فى ظل المتغيرات الدائمة، رغم المكاسب على مستوى الشكل/المضمون فى المجموعتين السابقتين "الكرة ورأس الرجل"، و"مخلوقات براد الشاى المغلي" من سقوط للأنساق التقليدية واطلاق لحرية المخيلة الفانتازية الى ابعد الحدود، واشتباك العوالم الداخلية والخارجية او الظاهر بالباطن، واتحاد المكان بالزمان، الا ان هذه المكاسب، صارت تحتاج الى تجديد واعادة بناء، فى ظل المرحلة الجديدة "حماصة.. طارق ليل الظلمات".
    بالاضافة الى عدد كبير من القصص خارج هاتين المجموعتين، ظهرت عوامل ومكاسب جديدة اضيفت للسابقة، التناص، الانطلاق من متكأ واحد للقص وليس عدة متكآت، ظهور البعد السياسي، الحوار الطويل او كثرة الحوارات، سأتوقف لاحقا عند الحوار، خفوت تدريجى للعنف الجسدي، ضيق المساحة المكانية مع مهارة شديدة فى التعامل معها فنيا لقد غدا العالم اضيق واللغة غاية فى التكثيف والشاعرية، تكاد تكون صوفية لولا انغرازها بعمق فى صلب العلاقات البشرية واليومى والمبتذل والمهمل والثانوى واللامألوف.
    الى جانب ذلك الطيران بعيدا عن هذا العالم فى بعض القصص، تلك العلاقة الخاصة جداً بين الفنان والكون وفعل الكتابة واسئلته التى لا تنتهي، محاولة، ربما للامساك بطرفى المعادلة المراوغة دوما ــ الخلود والحاضر المتناهى الصغير ــ او النهائى واللانهائى رأسى يميل، يغادرني، يفر، يمرح فى غابات استوائية. يركب نهر الامازون، يعود مع، دقات طبول الزنج فوق الافيال "ص 12". يمكن اعتبار هذه القصة التى اخذنا منها الاقتباس "عبور جسر الاختناق" نموذجا لعلاقة الفنان مع فنه، ومع الاسئلة المحيرة، كالسؤال عن معني، الليل والنهار، والزمن والحياة والموت والحزن والشقاء ومصير الفقراء والمعذبين فى هذا العالم.
    البتر والتقطيع
    ضمن التيمات التى ميزت محمد حافظ رجب واستمرت معه تيمة التقطيع والبتر، تقطيع السرد والجمل وتقطيع اجزاء الانسان، قضم الاذن، قلع الشعر، نشوب الاظافر فى الوجه، طعنات الرقبة، مضغ المخ بعد انشطاره، فقء العيون، غرس الأسنان فى اللحم، دهس اليد، قطع الاذرع.. الخ بعض النقاد القدامي، قالوا: ان هذا التقطيع انعكاس لمجتمع ممزق الاوصال، لا بأس، لكن الا يعنى هذا التقطيع الذى يقترب من السادية، فى بعد من ابعاده، قسوة "من وضد" من المجتمع والظروف المحيطة، ضد الانسان/الكاتب، ومن هذا الانسان ضد هذا المجتمع وتلك الظروف. اخشى القول ان هذه القسوة تعدت فعل الكتابة الى الحياة. اعتزال حافظ رجب الكتابة فترة، الانعزال عن الناس الاكتفاء بالحياة فى مكان اقل ما يوصف به انه مزعج، وبالطبع لا اود ان اوحى هنا بالزهد، لان هناك بالفعل قدرا من القسوة على النفس والآخرين. هذه القسوة شعر بها معظم اصدقاء حافظ رجب، وجائز ان تكون هذه القسوة، قسوة الولادة الجديدة والرغبة فى دفع الروح الفردية والجماعية للتطلع ولو بالقوة الى عالم افضل، والى سماع لحن ونشيد الفرح البعيد الآتي.
    عالم حافظ رجب توجد به سمات بارزة يجدر التوقف عندها اولاً، انسنة الاشياء، استوقفنى مكتب تركنى اجهش باكيا فوق كتفيه، عمود النور الذى يشعر بالدفء، الشعور بالحذاء الذى يئن من الضربات، التحدث للاحجار، التحدث مع الليل، رغبة التحول الى طبلة او مزمار، والحديث مع النمل واخذ موعداً غراميا من خنفسة داخل سلة مهملات، تلك العلاقات مع كائنات واشياء من الطبيعة، الا يعنى هذا حبا جارفا للطبيعة والحياة؟ حتى وان اخذ هذا الحب شكلاً غريبا وقاسيا، كغرابة وقسوة عالم حافظ رجب.
    صورة سلبية للمرأة
    ثانيا، المرأة، غالبا مدانة وقاسية وخائنة لعله ضاجعها وانجب منها اطفالا فى غيبتى "ص 66 ــ "ذراع النشوة المقطوع""، هنا كان احدهم.. اقتحم عرينه فى غيابه الطويل: تبول فى الشيء الكامن "ص 13 ــ "طارق ليل الظلمات"" الدماء والخيانة الوحشية، صفات، نجدها عندما تكون المرأة داخل المشهد، لذا لا نعثر على علاقة حب، حتى فى مجموعة "طارق ليل الظلمات" رغم تلويح الراوى بأنه اقام علاقة حب الا ان هذه العلاقة على ما يبدو كان الهدف منها تعذيب المرأة افسدت والشيطان معى هذه المرأة: لم تكن تعرف غير مذاق زوجها، جعلتها وعائلتها تعساء.. غفر الله لى ولها "ص 122 ــ "انسكاب قارورة العطر الفواح"" وعندما تسللت هذه المرأة او كادت، الى قلب الراوي، نجده يحكم عليها حكما نهائيا وردة حبيبتي.. ماتت اليوم "ص 132"، وفى طقس كهذا تصبح المتعة الجنسية التى تأتى من المرأة، لا معنى لها ما معنى الرحلة التى تنتهى بالعثور على امرأة تحت لحاف مظلم فوق سرير عال فى مدينة بعيدة؟ "ص 117 "عظام فى الجرن"" ضمن التنويعات المختلفة على لحن المرأة العذاب/المتعة الجسدية/ارتباط المتعة الجنسية بالتعدى على المحارم "قصة "صمت صوت هواجس الليل"" الحوذى "فتحى عبد الراضى خلف الله" ازاح الليل جانبا، دخل فى الترنح وتجرع آخر قرعة بوظة ابنتها.. اشتهيها.. ماذا يمنع.. اخذت من امها ما يكفينى "ص 89"، "فتحى عبد الراضى خلف الله"، يحاول ان يقوم بطقس شيطانى محرم، يريد مضاجعة ابنة زوجته، يعرف مسبقا ان هناك سلطة المجتمع/زوجته، تمنعه من ارتكاب فعله والتعدى على المحارم، رغم ذلك يحاول، فالتجربة مؤلمة، محيرة، كلها دناءة وقتامة وجنون، لقد استعد بأن تناول البوظة، كى تسقط امامه كل الحواجز بما فيها الزمان والمكان، ذات الفعل سوف يقوم به "حسن" فى قصة "اشياء مشطورة.. اشياء محترقة" مع اختلاف الدافع وشكل العلاقة، لكنه هو الآخر تجرع المسكر، صار طينة، ذهب الى بيته واحتضن زوجته المريضة يجب ان اضاجعك.. يجب ان يحدث هذا الآن.. قبل ان افيق.. والا لا فائدة "ص 76"، هنا اللذة الجنسية تبدأ بالتهور والرغبة فى ايقاع الالم، الفارق انها لذة، دافعها القهر الخارجى "حسن" الثور الصبور، الذى لا يحصل على اجازة فى ايام الجمع ينفجر فجأة كمردود طبيعى لما يحدث له.. "الاخصاء" هو التنويع الاخير على اشكالية المرأة/الرجل/العنف/اللذائذ المؤلمة، "قصة، "طارق ليل الظلمات"" تفض الاشتباك تركت البرج.. سبحت فى النوبارية.. سبقتنى زوجتى اليها.. حاولت الامساك بها.. حاصرتنى اسماك القرش.. هاجمت "عضوي" التهمته "ص 9".

    مرجل يغلي

    ثالثا: فى قصص حافظ رجب تكثر النقاط ومساحات الفراغ بين الكلمات والجمل، كأنها دعوة للقارئ، كى يملأ مكان هذه النقط والمساحات الفارغة ومن ثم يكمل القصة او يعيد تركيبها، لو اراد، تشعر ان القصص وكاتبها فى حالة بداية مستمرة، مرجل يغلى باستمرار، لا يوجد صمت او سكون، فقرات التأمل الطويل لا توجد ايضا، لكن القصص زاخرة بالجمل والعبارات الموحية، الرامزة، التى تحوى بنسيجها حكم وخبرة السنين وفلسفة الحياة، هل توجد علاقة بين حافظ رجب واسلوبه، التقطيع والبتر والانتقال السريع من مكان الى مكان ومن زمان الى زمان؟ لا شك ان العلاقة وطيدة بين هذا الاسلوب وشخصية الكاتب، لقد عاش حافظ رجب حياة ممزقة، ترك الاسكندرية التى عشقها وترك زوجته وابنتيه وذهب للقاهرة كى يجد له مكانا، لم يقدر على تحمل قسوة القاهرة فعاد للاسكندرية، شعر انه اخطأ فرجع للقاهرة ثانية، ثم اصيب بانهيار عصبى فرجع للاسكندرية مرة اخري، بالاضافة الى علاقات ممزقة مع الاب والاخوة والأهل وزملاء المهنة الواحدة هل هذا هو الثمن الذى يدفعه الفنان الصادق؟ عدم القدرة على العيش خارج النموذج المتكرر الوحيد، وعدم تحمل او الاستمرار فى علاقات زائفة لا جدوى منها، وفى نفس الوقت فوران داخلى وانفعالات ومشاعر جامحة وتوتر دائم ورغبة بأخذ ولو ابسط حقوق الانسان فى مجتمع مضطرب، يمكن ان نقول عن حافظ رجب واسلوبه انهما متطرفان، يتحولان من النقيض الى النقيض، من العنف والقسوة الى الحديث مع الليل والكائنات الضعيفة، من الملل والوجوم والزحام الى الشعور بروعة الحياة، البشر الكادحون المسالمون الى جانب الاثرياء والمنحرفين. حافظ رجب نفسه تحول اكثر من مرة، من الوداعة الى العنف ومن الثورة الى المهادنة ومن الكلام والثرثرة الى الصمت، من اللذة الجسدية وانعدام اليقين الى الزهد والدروشة.
    ذلك الرجل الذى كان فى بداية الخمسينيات ينتظر موكب عبد الناصر وقائد الثورة، كان الموكب يأتى من قصر المنتزه مرورا بمحطة الرمل ومتوجها الى قصر رأس التين، كان حافظ رجب يشترى الورود، كى يلقيها على عبد الناصر، وفى احد اجتماعات عبد الناصر بالجماهير فى الاسكندرية، جذب يد عبد الناصر وشد عليها بقوة قائلا له: نحن معك سر، هو حافظ رجب الذى عندما مات عبد الناصر، كان وقتها فى القاهرة، خلع الجاكيت وجرى خلف الناس، الباكين غير المصدقين موت الزعيم، كان يجرى لاعنا صارخا فيهم يا ولاد الكلب، واحد ومات واحد ومات، ايه يعنى ايه يعنى .

    تكنيك فنتازي

    نعود الى خصائص التكنيك والبناء، هذا البناء المتجاوز دائما لكل المرجعيات كان متوقعا ان يحمل رؤى ومضامين بعيدة، مغرقة فى الذاتية والشطحات الجامحة المنعزلة عن كل شيء، فهو تكنيك سريالى فنتازي، عبثي، مكثف وصادم، لكن مع كل هذا، لا يوجد انحلال او تفسخ ولا يوجد تجاهل ولا مبالاة تجاه العالم الراهن والحدث الساخن، انها كتابة اللحم والدم، متشبعة بكل ما هو واقعى بشري، متجذر فى علاقات الناس، شخصيات حافظ رجب: بائع متجول، عسكري، عربجي، قهوجي، بائع الجرائد، رشاد الفكهاني، زبائن قهوة فانجلي، سكان غبريال، كان من الممكن الاستغناء عن كل هذه القائمة، المنبع هناك واضح وجلى بشكل لاذع: سودانى محمص.. لب اسمر.. حمص ولوز "ص 42 ــ هذه الجملة من قصة "حديث بائع مكسور القلب"، هى هى ذات الجملة او الصرخة التى كان يطلقها حافظ رجب عندما كان يعمل بائعا للفول السودانى واللب بجوار سينما ستراند بمحطة الرمل".
    رابعا: قلت آنفا، انى سأتوقف عند الحوار، المتتبع، لاعمال الكاتب سيجد ان الحوار، كان قليلاً وقصيرا فى عمليه السابقين، اما فى ظل المرحلة الجديدة، او مرحلة ما بعد التوقف، نجد ان الحوار يزداد ويطول، توجد قصص بعنوان حوارات مثل: "حوارات: سفريات سائق المظلات"، "حوارات: تل العظام الهشة"، من مجموعة "طارق ليل الظلمات". فى اكثرمن حديث قال حافظ رجب: انه يحب المسرح كثيرا، لكن هل هو المسرح فقط سبب الحوارات الكثيرة ام ان مرحلة الشيخوخة وقرب نهاية الرحلة، توجب الحوار والفضفضة وحتى الثرثرة والبوح بالاسرار والذكريات.
    خامسا: المكان الصغير او الحيز الضيق، تبدأ القصة، غالبا، من داخل علبة سجائر على رف، او براد شاى مغلي، او غرفة مكتب او نافذة تطل على ليل لانهائي، ثم تتسع القصة وتتمدد وتغوص فى حياة الاخرين، عند قراءة اى قصة نحس انها تحوى عدة قصص وعددا كبيرا من الشخوص، رغم ضربات قلم الكاتب السريعة ونقلاته اللاهثة، ربما يكون منبع الفن فى هذه القصص، تلك القدرة على الانطلاق من ركن فى جدار حائط فى غرفة صغيرة الى براح عالم يمتد كالحياة ذاتها، يبدو ان الوقت أزف، كى اكف عن تجوالى فى عالم محمد حافظ رجب.

    الزمن والحياة والفرح

    قبل الختام احب ان اقف عند ثلاث كلمات: الزمن، الحياة، الفرح فى بعض النصوص، نجد الزمن متلاشيا متشظيا، وهناك حنين فى نصوص الى زمن مضي، ونصوص ثالثة ورابعة يقول فيها الراوي، انه لم يعد يعرف فى اى زمن هو، لكن يمكن القول بحذر كبير ان الزمن عند الكاتب يعتبر هاجسا انسانيا لفكرة الشيخوخة والموت واعمال رجب تحيد الموت او تنساه وتتعامل معه بعفوية، كأى فعل عادي، احتساء القهوة، الاستلقاء فى الشارع وتأمل النجوم الباهتة، الحديث العابر مع الاصدقاء، ومن ثم اتساقا مع هذا التحليل الاخير، يمكن الادعاء بأن الزمن ممتد ولا نهائي، حتى ولو كان هذا الامتداد، داخل الضباب وزرقة الليل ومجاهل الغموض، فالحياة ازلية ولا مطلق فيها سوى الحياة نفسها، مدهش.. كل شيء فى هذا العالم مدهش كل كلمة وجملة عند الكاتب لها اهمية وعمق فى ذاتها، تحس ان لها عالما مستقلا بها، محتشدة بالغنى والثراء ونابضة دوما بالحياة، معظم القصص نجد فيها جملة او اثنتين او فقرة كاملة، نشعر فيها برغبة/الراوى الاستمتاع بكل ذرة فى الحياة فهو يجلس مع الكلب تحت شمس الله، المطر عندما يسقط يعتبر شيئا بهيجا، يشاهد وجوه الفساتين الملونة فى انبهار، السيجارة متعة، لانها محشوة بقناطير الاوراق الهندية المعطرة، يود ان يركب اعالى السحابات العابرة ومجاهل المحيط وان يلعب مع الخيل الجامحة وقطيع الثيران ووحوش البرية، الامطار، العواصف، جبال الامواج، السهول الممتدة بلا نهاية كلها اشياء مدهشة وعجيبة وذات درجة فائقة من الجمال، فى قصص حافظ رجب، رغبة عارمة للقبض على لحظات الفرح، رغم قسوة المكان والظروف، يقول الراوى فى قصة "عظام فى الجرن" "ص 114": لو تدوم البهجة؟ لو تدوم الحياة كما هي، غنوة وتصفيق واناشيد، الدنيا بترقص، لو يبقى السرور سائرا فوق القضبان الممتدة الى آخر آفاق الحياة .. هنا جوع حقيقى للفرح، والجمال والدفء والنور، شراهة كامنة للتحرر من كل شيء.

  10. #10
    ارتعاشة عجوز الزبادى

    قصة قصيرة، بقلم: محمد حافظ رجب
    .............................................

    دخل عليهم دب الأمس : هائل الحجم .. رجولة فضفاضة فى جلبية زفير جسم ضخم يقنع أية امرأة به زوج (هويدا) الموظفة الجديدة : عيون خضراء : وادى أخضر .. فجل عال يا وراور لا تكف عن إطلاق الغازات : القولون واجعنى .. بيشدنى بيزقنى .. بيلاوعنى .. تستند على كوعها : «يا زوجى الهائل جئت بك لتأخذ بتار الإناث.. خذ بتارى يا رجلى .. خذ بتارى يا سيدى ..»
    .. صاح الدب «أين الواد النملة.. اللى عامل قملة على بنات الناس الكويسين».
    رمقه فاحصا بسرعة مناخ نزول الثلج فى القطر القارى : «لا شك أنها قالت له ما يقوله أهل الجناحين عن الدرويش : قاتل القتلى شارب الدماء .. ونكت معه صغير الحجم.. ولاغته نرجس وراحت المرعوشة تتحدث معه وابنها فى حجرها .. الجدة : «كتر الله خيرك يا محمد .. طلعنا الحج وأكلنا اللبن الزبادى .. يا من يجيب لى زبادى يطرى على القلب ويبرد الجوف».
    أراد «الدرويش» أن يتجاهل أمر الزبادى .. لكن الصغير (إسلام) قال له بحزم «هات لها زبادى» وأراد (الدرويش) النزول بالبيچامة لكنه وجد ثقبا خلف البنطلون يمر فيه فيل ملفوف فى منديل .. قال لها : «شوفى البنطلون فيه حفرة يدفن فيها الأموات المسلمين» ..
    حسست - وهى لا ترى - «مفيش حاجه فى البنطلون» غضب (الدرويش) : «الفتق فى البنطلون يظهر واحة لحمى» وهم بارتداء چاكت البدلة الإسموكنج .. لكن «سميحة»..
    قالت : «خلى الولد ينزل يجيب اللبن الزبادى..»
    نزل .. وعاد معه جردل ملآن بالزبادى .. خلعت الجدة ملابسها وهبطت إلى قاع الزبادى تدندن فى انسجام : «بلبل بلابل واقف ع الشجر .. زقزق فى عشه قام ع الخبر .. كده كده تطير العصافير .. كده كده يقعدوا الشاطرين .. يارب يا ربنا تاخد بيدنا كلنا.. الحمد لك سيد الوجود الحمد لك يا محمود فى كل وجود .. الحمد لك يا إلهى العظيم .. الرحمة منك والحمد لك يا عظيم الوجود».
    بالأمس وقبل نزول (رسمى فايز) مدير الشئون المالية والإدارية فى (مصلحة المظاليم) دخل عليهم قال للكاهنة الصغيرة (مديرة الحسابات) : «تحبى تروحى معايا أوصلك بالعربية شكرته ولم تغادر مكانها .. وغادرهم (رسمى فايز) وعلى الفور قامت القيامة فى (الكهف المجاور) : «يا هو .. يا هو .. المجد للعربدة .. المجد للفرفشة .. إحنا بنغنى .. إحنا بنرقص .. غنا ورقص وزغاريد .. إحنا الناس الكمل صدقنى ولا تهمل .. ارقص تكبر .. ارقص تكمل .. هيلا .. هيلا هب .. ارقص غنى .. وفتحوا الباب وانصرفوا فى أمان ...».
    اليوم عندما حضروا راحوا يلتقطون انفعالات الدرويش عندما يراهم بنت (الحامد) بلا طلاء .. لونها أسود أصم .. يدها محترقة وجنبها واجعها .. صامتة بلا عربدة .. لا تمتطى أعناق الموظفين، ناداها (الدرويش) وهى تهم بالانصراف «إيه اللى جرى لك» قالت بحدة : «جنبى واجعنى شويه» قال «الدرويش» «لله الأمر والتدبير تعشش الزنابير فى جسدها الساخن المثير» (والحائط) داخل طالع .. عريس الإناث فى زفافه اليومى مع نساء الكهف المجاور : مايسترو حفلة الأنس تم زفافه عليهم فى غيبة عمد ومشايخ الكفر ..
    فى الصباح (والدرويش) مستغرق مع نفسه .. يمر على قهوة (السلطان حسين) فوجئ (بسعد الشوتش) الشيال بائع الجرائد زمان .. سأله عن صحته وحمد الله أنه ما يزال يعيش والسرطان يأكل عروق الحديد .. لحظتها انبثق من داخل قرص شمس الظهيرة «فؤاد ابن أحمد الإنجليزى وهو يندفع بصاروخ دراجته حاملا حصة الباعة من الجرائد الأجنبية .. ملقنا كل بائع جرائد حصته من جرائد (لا ريفورم).. (والشدرومس) .. (الناتولى) ويقتحم الباعة مشرب (على كيفك) و (بتى تريانون) على الخواجات وبلهفة يتناولون جرائدهم وعلى الله التساهيل ..
    صاح (الدب) أشهر سيفك .. ستبارزنى غصبًا عنك .
    قال (الدرويش) : «روح يا شيخ منك لله».
    قال (الدب) اختار شهودك فأنا على عجل .. أسلخ جلدك وأعرضه فى سوق النخاسين .. أنا زوج (هويدا) منقريوس الأول .. إنك تغيظ نساء المصلحة بتدخلك فى ماسورة النخاع .. تشفط لابريز.
    قال (الدرويش) : «هل تحب الزبادى .. الجدة تعشق الزبادى هل أنت مثلها .. إنها غارقة فيه .. لم يخرجها أحد من عمقه العميق ..
    (سعد الشوتس) يجلس يدخن سيجارة توسكانيللى فيها مقتله فى انتظار فرج الله.
    منذ يومين فوجئوا فى المصلحة (بهودج اللحم العظيم) مديرة المصلحة تحييهم من فوق الباب .. سكان الحارة فى أماكنهم وكل شىء على الطبطاب.. لم تدر عن حفلات الكرنفال شيئاً ..
    (سميحة) تعطى درسا لابنها مشغولة بالامتحانات والبنت لا تكف عن النظر إلى المرآة .. زرعت وردتين فى رأسها.
    قالت (الجدة) «عقلى بيقول لى أعمل الكنافة دلوقت»
    قال (الدرويش) لأهله «خليها لبكره».
    ما هذه الرائحة يا جدة .. الكنافة بقت سودة من لفة الجرنال .. عاد يشمها .. نفث فيها ضبع أصم أنفاسه.
    قالت الجدة : «دلوقت تشوفها ترجع بيضه زى ما كانت».
    أحضرت حتة من السمن .. راحت تدعك بها ظهر الكنافة : «إيش تعمل الماشطة فى دمامة بنت أختها تبرز قرد فى الكنافة صارت الخميلة مقلبا للزبالة.
    - «إيه اللى جرى لك يا وليه».
    - «دلوقت أوديها لك تبقى حلوة خالص».
    قال الدكتور فكار : «الإنسان المسلم النافع بإيمانه يجب أن يعيش فى القرن الواحد والعشرين».
    «لقاء بين البابا والشيخ شعراوى»
    «كلينتون فى الكرملين يقابل يلتسين»
    «القتال فى الشوارع فى أفغانستان»
    قال زوج (هويدا) : «أنا فارس القولون ومشتقاته»
    قال (الدرويش) لزوج هويدا : «هل تحب الزبادى .. الجدة تعشق الزبادى .. هل أنت مثلها «إنها غارقة فى قاعه لم يخرجها أحد من عمقه العميق».
    وعلى الفور ارتمى على وش الأرض (دب الأمس) ودمدم غاضبا : «كسبت الجولة يا درويش» وأمسك بسيفه .. كسره قطعا متناثرة وهو يقول : «يا خسارة كنت أريد مبارزتك ولكنك مدعم بالزبادى .. النصر للزبادى وسيدة الزبادى» وراح يبكى البكاء المر.

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 2 (0 من الأعضاء و 2 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •