صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 13




الموضوع: مع بهاء طاهر

  1. #1

    مع بهاء طاهر






    بهاء طاهر يفوز بجائزة بوكر للرواية العربية
    .................................................. .............

    فاز الروائي المصري بهاء طاهر مساء الاثنين بجائزة بوكر للرواية العربية على روايته "واحة الغروب"، وذلك في احتفال اقيم في ابو ظبي للنسخة العربية من جوائز بوكر البريطانية الشهيرة. واعلنت النتيجة في حفل استضافته مؤسسة الامارات في ابو ظبي وهي المؤسسة الراعية لهذه الجائزة التي تمنح للمرة الاولى في نسختها العربية.
    واختيرت رواية طاهر من بين ست روايات وصلت الى المرحلة النهائية واعلن عنها في وقت سابق، وفازت كل منها بعشرة الاف دولار. وبلغت قيمة الجائزة الاولى 50 الف دولار. واضافة الى الجائزة المالية ستترجم الرواية الفائزة الى الانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية والايطالية.
    والروايات الست التي وصلت الى التصفيات النهائية هي "مديح الكراهية" للسوري خالد خليفة، و"مطر حزيران" للبناني جبور الدويهي، و"واحة الغروب" للمصري بهاء طاهر، و"تغريدة البجعة" للمصري مكاوي سعيد، و"ارض اليمبوس" للاردني الياس فركوح، و"انتعل الغبار وأمشي" للبنانية مي منسى. وقد اختيرت الروايات الست من اصل 131 رواية كتبها روائيون من 18 جنسية مختلفة.
    ألف مبروك لللمبدع الكبير بهاء طاهر.

  2. #2
    حكاية صعيدي آخر... بهاء طاهر ينفي عن نفسه تهمة التواضع

    بقلم: عبد السلام باشا
    ......................

    اشتهر الروائي المصري بهاء طاهر بالتواضع واهتمامه فقط باجادة عمله. وفضلا عن هذا فهو يعرف ان البعض قد يفسرون هذا التواضع بأنه تواضع كاذب زائف. لهذا حرص في بداية كلمته في محور زمن الرواية المخصص لكتَّاب الرواية لكي يتحدثوا عن تجربتهم والذي يستضيفه المقهي الثقافي بمعرض القاهرة للكتاب علي أن يقول هذه الحكاية الصغيرة:
    ذات مرة قرأت مقالا لمراسل حربي أمريكي، كتب فيه انه عندما سأل الأبطال الذين حصلوا علي اوسمة ونياشين علي أعمالهم البطولية في المعارك، لكي يكتب عنها فوجئ بقولهم عدم تذكر شيء، أو أنهم لا يجدون شيئا يستحقون عليه هذه الأوسمة. ظن أن هذا مجر تواضع من بعضهم، لكن عندما تكرر نفس الأمر مع كل الجنود الذين قابلهم قام ببحث الأمر فوجد أنهم بالفعل لا يتذكرون شيئا وإنهم لا يدّّعون التواضع..
    وأضاف بهاء طاهر إنه لو لم يتكلم عن تجربته الروائية فسيتهمه البعض بالتواضع الكاذب، لكنه بالفعل لا يجد ما يقوله. لهذا أفضل أن أتحدث عن حياتي ونشأتي والظروف التي كتبت فيها بعض الأعمال، ربما تجيب لمن قرأ ولم يعرف الكاتب عن قرب عن الأسئلة التي ربما تكون قد دارت في ذهنه. وأترك للقراء الحكم علي اعماله .
    وبدأ بهاء طاهر حكايته مع الزمن والحياة...
    أنا من مواليد 1935، من أسرة صعيدية، الأب كان موظفا حكوميا ومثل موظفي ذلك الوقت كان عليه ان ينتقل من مكان لآخر، إلي أن استقر به المقام في القاهرة حتي وصوله للتقاعد. لهذا لا أعتبر نفسي صعيديا خالصا أو قاهريا خالصا. كانت لأسرتي قدم في الصعيد وقدم في القاهرة. أنا صعيدي مزيف، لم أعش في صعيد مصر الوقت الكافي لمعرفته جيدا. كما أنني لست قاهريا تماما، فالبيئة التي عشت فيها كانت صعيدية. والدتي واخوتي كانوا يتحدثون اللهجة الصعيدية. والدتي كانت تتعامل مع حياتنا في القاهرة وكأنها جزء من القرية، كانت تتابع الاخبار. كان بيتنا بمثابة فندق لزوار القاهرة من قريتنا. وهكذا كانت تستمع للأخبار وتجدد حكاياتها ثم تقوم بحكيها لنا بتفاصيل جديدة. كانت والدتي تعوض حرمانها من بيئتها الطبيعية بأن تحكي لنا ما يحدث هناك. لم تحكِ لي قصص الجنيات والاساطير كما تفعل الأمهات والجدات مع الاطفال ، وإنما كانت تحكي لنا قصصا حقيقية: فلان فشل في الاخذ بالثأر من فلان، وفلان اخذ أرض فلان وأصبح غنيا. استطاعت أن تنقلنا إلي هذا الجو.
    بعد ذلك جربت كل أنظمة التعليم في مصر في ذلك الوقت. والدي الذي كان مدرسا ألحقني بالمدرسة قبل السن المسموح بها، في الثالثة من عمري تقريبا. دخلت التعليم الالزامي والأولي ثم التعليم الديني حيث قرر أبي أن أذهب إلي (كتاب) لأحفظ القرآن وفي هذا الباب أمضيت عاما. ثم دخلت المدرسة الابتدائية وكنت متفوقا في اللغة العربية والفضل للكتاب الذي امضيت فيه عاما. وكان المدرسون يعتقدون أن أبي المدرس هو الذي يكتب لي موضوعات (التعبير)، وظللت موضع اتهام حتي امتحان نهاية العام الذي كان علي فيه أن أكتب موضوعا لا أعرفه مسبقا. وحصلت علي الدرجة النهائية وكان هذا مجد كبير لي، حيث تقرر أن يقرر الموضوع الذي كتبته كموضوع إملاء علي باقي الفصول كنوع من التشجيع.
    ثم دخلت المدرسة السعيدية الثانوية التي كانت بجوار جامعة القاهرة وكنا نطلق عليها كلية السعيدية. وكانت هذه المدرسة حافلة بالنشاط الوطني. كان الفصل وكأنه برلمان صغير: صفان من الوفد، صف من أحزاب المعارضة، كما كان يوجد(اخوان مسلمين) أيضا. ولم تنقطع المشاجرات بين أتباع المذاهب المختلفة.
    كان أساتذتنا يشجعوننا علي العمل الوطني فكنا نخرج في المظاهرات ونشارك في مظاهرات الجامعة. وكان في المدرسة جمعيات للنشاط، منها جمعية التاريخ التي انضممت لها وجمعية الادب وجمعية الجراموفون. ذات مرة ألقيت محاضرة عن مذبحة المماليك بالقلعة واعتبر ما قلته عدائيا ضد العائلة المالكة في ذلك الوقت. حاول مدير المدرسة أن يقنعني بتغيير أفكاري لكنني رفضت فلم يحدث شيء. كان الاختلاف في الرأي يقابل بالاحترام، ولو حدث هذا في عهد الثورة لكنت قد اعتقلت.
    في الجامعة تعرفت علي الكاتب وحيد النقاش والناقد رجاء النقاش والشاعر عبدالمنعم عواد يوسف والقاص مصطفي أبو النصر. ثم تعرفنا علي سليمان فياض وعلي غالب هلسا وكوكبة الكتاب الذين عرفوا فيما بعد بجيل الستينيات.
    كنا متحمسين لثورة يوليو. كان لها نفس مطالبنا. كنا نطالب بجلاء الانكليز والقضاء علي الاقطاع واعتبرنا انفسنا جزءا من الثورة. ثم فوجئنا أن الثورة رغم الجوانب الايجابية فيها، لا تحب الديمقراطية ولا تقبل أن يشاركها أحد فيما تفعل. فعشنا في ازدواجية بين المنجزات والروح القمعية. كنا اذا خرجنا في مظاهرة نقمع بشكل أعنف مما كان يحدث في العهد السابق. الكتابة كانت تنعكس فيها هذه الازدواجية.
    قصص الخمسينيات النضالية مثل الارض لعبدالرحمن الشرقاوي وارخص ليالي ليوسف ادريس كانت ذات خط واضح وهو الصراع مع الملك والانكليز. كانت البيئة واضحة والشخصيات واضحة والتفاعل مع الاحداث واضح. لم يكن الوضع هكذا في الستينيات. البيئة كانت مفككة، وكذلك كانت القصص. اختفت القصص النمطية وحلت محلها قصص لها بيئة مختلفة تعبر عن الواقع الذي كنا نعيشه. قصص مجموعة الخطوبة تعكس هذا العالم.
    خرجت من مصر في نهاية السبعينيات لأن السلطة لم تكن تقبل الاختلاف. فكان علينا اما أن نجلس في بيوتنا بلا عمل أو ان نخرج، فذهبت إلي جنيف. تأثير المكان والغربة واضح في أعمالي (قالت ضحي) و(الحب في المنفي). وبعد العودة كتبت عملين هما (ذهبت إلي شلال) و(نقطة نور)، محاولا استكشاف التغيرات التي حدثت في المجتمع خلال غيابي.
    أنهي بهاء طاهر كلمته، وقام الجمهور في اثارته للحديث عن موضوعات ونقاط أخري لم يتطرق لها. الدكتورة فوزية أسعد، الكاتبة المقيمة في باريس سألته عن كتابته للفرعونيات بينما كان يعيش بعيدا عن مصر، ولماذا لم يكتب هذه الاعمال قبل سفره، فأجاب بهاء انه لا يكتب بناء علي قرارات، مثل الكتاب الذين لديهم مشروعات ابداعية واضحة ومحددة ينفذونها.
    واكد أنه ليس صاحب مشروع وإنما يترك نفسه لشعوره وعندما تلح عليه فكرة أو قضية يقوم بكتابتها. وأنه ربما يكون قد صور العالم الفرعوني في أعماله بينما كان يعيش في أوروبا كنوع من انواع التعويض أو اقامة علاقة مع الارض التي ابتعد عنها.
    وعن عدم كتابته بلغة أوروبية لكي يضمن الانتشار في أوروبا قال إن النفي الجسدي كان قاسيا والشيء الوحيد الذي كان يربطه بأرضه هو اللغة، فكيف يمكن ان يكون النفي مزدوجا. وأضاف أن الانتشار في أوروبا يمكن أن يتحقق عن طريق الترجمة، لو كان الغرب مهتم بترجمة أعماله. وأن الانتشار لا علاقة له باللغة التي يكتب بها وإنما بما يكتبه، فلو أنه كتب بالانكليزية أو الفرنسية صورة غير التي تخيلها الغربيون عن مصر لما اهتم أحد بما يكتب.

  3. #3
    "الحب في المنفى "لبهاء طاهر..
    بين الحنين إلى الحلم الناصري وتشريح الحضارة الغربية

    بقلم: د.محسن خضر *
    ............................

    علاقة المثقف بالسلطة، وآثار التحولات الاجتماعية تكاد أن تكون القيمتين الغالبتين على أدب بهاء طاهر، واذا أضفناهما ثالثا يشغل بهاء طاهر وهو علاقة الشرق والغرب أو الذات والآخر لخرجنا بمعادلة تختزل المشروع الإبداعي لبهاء طاهر وهي قضية النهضة والتقدم، ولعل كتابه التاريخي "أبناء رفاعة " حول بعض شخصيات النهضة في التاريخ المصري الحديث يؤكد هذا التحليل، حيث حاول رصد تطور مسيرة النهضة في الوعي المصري الحديث. في روايته المبشرة "قالت ضحى" (1985) يناقش بهاء طاهر ظاهرة سلبية المثقفين وانقطاعهم عن التواصل مع حركة الشارع، وعملية الهدم والتغيير التي تمت في مجتمع الستينات في مصر الناصرية، وتصور الرواية عجز المثقفين، وانحرافهم عن التزامهم السياسي، وفي "قالت ضحى" نشهد التوتر بين الحلم بالعدل الاجتماعي وبين سطوة الحب، أو الصراع بين الحب والعدل معا، من خلال بحث مصر عن نفسها وانبعاثها.
    كما أن "قالت ضحى" تناقش مصير الثورة في العالم الثالث، ومدى مسؤولية قادتها عن نجاح سيرتها. وبعد "شرق النخيل " و" بالأسى حلمت بك " وفيها توترات علاقة الشرق بالغرب، و"خالتي صفية والدير" عن النسيج الوطني المصري من خلال مناقشة العلاقة بين عنصري الأمة والتأكيد على وحدة الأمة العرقية، تأتي خاتمة المطاف في مسيرة بهاء طاهر الإبداعية "الحب في المنفى" الصادرة عن روايات الهلال لتناقش بلغة دراسية وبحرفية الروائي الماهر علاقة الثقافة العربية بالثقافة الغربية، أو علاقة الأنا العربية بالآخر الغربي، عبر بنية روائية متماسكة وممتعة.
    تدور أحداث الرواية خلال عام 1982، من خلال رؤى ومشاهدات المراسل الصحفي المصري في إحدى العواصم الأوروبية، وحيث تتابع توتر العلاقة بين الصحفي المرموق شبه المنفي، والذي للحقبة الساداتية، وحيث تتفجر- أيضا- أحداث غزو لبنان ومذبحة صابرا وشاتيلا خلال الزمن الروائي. ان بطل بهاء طاهر: المثقف السلبي، المأزوم، المحبط يواصل مهمة بطل "قالت ضحى" في نقد الحقبة الناصرية، في نفس ملحمي ايزيسي تقترب نبرة البطل فيه بين الاستنجاد بالبطل الكاريزمي الميت من قبل 12سنة - جمال عبدالناصر- ونبرة العتاب والتبرير، وخاصة انه يشهد من على البعد تداعي مقومات الوطن وتحول المثقفين، سقوطهم وانتهازيتهم وخيانتهم، وتفكك عرى العرب وافتقاد بوصلته الديناميكية، واستثراء الثورة المضادة والانقضاض على مكاسب ثورة يوليو والاجهاز عليها.
    يقول: "قفزت من الفراش وخرجت مرة أخرى الى الصالة ووقفت أمام عبدالناصر، سألته لماذا يعيش غسان محمود ويموت خليل حاوي؟ لماذا يموت من صدقك وصدق الرؤيا؟.. كان قد وآنا- كما قلت أنت - نغتسل الصبح في النيل وفي الأردن وفي الفرات. فلماذا كذبت عليه؟.. لماذا ربيت في حجرك من خانوك وخانونا؟ من باعوك وباعونا؟.. لماذا لم يبق غير غسان محمود؟ لا تدافع عن نفسك ولا تجادلني، فها هو خليل حاوي قد انتحر.. لا تبك.. على الأخص لا تبك !.. ولا داعي لهذه الحشرجة في الصوت، ولا داعي لقرار من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية، ولا داعي لقيام دولة عظمي تحمي وتهدد وتصون وتبدد، ولا داعي لكل هذا الطنين في الأذن فأنا لا أحتمل ! اسمعت ". الرواية لا تناقش فقط انهيار الحلم الناصري، ولكنها تناقش أيضا انهيار الحلم القومي وصعود عصر النفط، أو التحول من قوة الثورة الى قوة الثروة، وفساد السياسات النفطية، والتجزئة العربية، والحرب الاهلية اللبنانية، والمد الاسلامي، والمحور الاساسي للرواية هو علاقة الشرق والغرب، من خلال علاقة المراسل الصحفي ببريجيت المرشدة السياحية النمساوية ومن خلال هذه العلاقة يناقش بهاء طاهر الثنائية الحضارية، ويناقش عنصرية حضارة الرجل الأبيض، فقد رفض المجتمع الغربي استمرار علاقتها بزوجها الأفريقي الأسود- من غينيا بيساو- ويضطهدونهما حتى ينهار الزوجان ويستسلما للانفصال. يراهن البطل على قدرة الحب على تصحيح الفجوة الحضارية، وعلى تجاوز ذكريات الظلم الاستعماري لبقية العالم.
    ان الرواية تحمل في ثناياها ادانة الحضارة الغربية وتتنبأ بأفولها لأنها قامت على الجشع، والعنصرية، والأنانية، كما تدين الرواية التحيز الغربي للكيان الصهيوني.
    يفلت الروائي الحاذق من الوقوع في خطأ التعميم، والاطلاق، فليس كل البيض أصحاب وجوه قبيحة، فبرجيت المثقفة العاشقة، ومولى رئيس منظمة لجنة الأطباء الدولية لحقوق الانسان يمثلان الوجه الناصع للغرب: النزاهة والعدل والحب، والقدرة على تخطى جلد الذات الى الآخر، والتضامن مع ضحايا العدوان والديكتاتورية في شيلي ولبنان وفلسطين، كما يفلت من تجميل الوجه العربي على اطلاقه، فالى جوار بطلنا وابراهيم الصحفي المصري الماركسي الذي يسقط في مخيم شاتيلا وهو يتصدى لوحشية جنود جيش الدفاع، فاننا نجد الأمير العربي حامد الذي يمثل لا أخلاقية الرأسمال النفطي، والذي يتخفى وراء شعارات براقة ليخفي تعاونه مع مليونير يهودي في أعمالهما المشتركة.
    تعددت الأساليب الفنية في الرواية بين الحوار والمونولوج والحلم وصوت القصيدة والكابوس، وبين لغة محايدة، ولغة شاعرية مكثفة رقراقة تصيغ فضاء انسانيا يسمو فوق بشاعة الواقع، وليست اللغة الشاعرية هنا مجرد قناع او حلية، ولكنها ضرورة فنية يمليها منطق العمل الفني، فتجيء شاعرية الأسلوب هنا معادلا موضوعيا للسقوط العربي والقبح الغربي معا.. ونجح الكاتب في مزج الجانبين الفني والتسجيلي في لغة متماسكة، كما مزج بين الجانبين التسجيلي والخيالي (شهادة بيدرو الشيلي). نقرأ "انتهى عمري ولكني أحبك وكأني أبدأ هذا العمر فتقولين بضحكة صافية وأنت تضعين رأسك في صدري ولكن الا تعرف أن كل المحبين صغار لا عمر لهم وأن الحب طفل؟ وكنت أعرف أيضا أنها كذبة ولكن ما أجمل هذا الكذب ! ما أجمل هذا الوهم !.. وأنا احبك، وأنت معي، في الليل الحنون، في الحديقة المائية، ولا تعودين صغيرة ولا اعود كهلا ولكننا مجلوان معاني ذلك القمر الفضي، في عمر واحد دون عمر، في قلب الحب الطفل، في الزمن الوحيد الأبدي، وأنا أحبك، وانتهى.. وكان هذا في البدء، ليلة أصبحنا واحدا. لن يكون بهاء الدين أول أو آخر المثقفين العرب الذين يناقشون قضية الأنا والآخر، وهي القضية التي تكاد تكون القضية المركزية في الثقافة العربية المعاصرة، مهما تعددت صيغها، فقد سبقه يحيى حقي، وتوفيق الحكيم، ويوسف ادريس، وسهيل ادريس، والطيب صالح، وفتحي غانم، وسليمان فياض وغيرهم، ولكن يتميز بهاء طاهر برؤيته ولغته الخاصة في هذا النقاش وعندما تسأله بريجيت في نهاية علاقتها عن الخلاص، (اذن فأين السلام يا صديقي فيجيبها: بأن ننام، وأن نحلم)، تسقط العلاقة بين المراسل الصحفي المصري المنفي، وبين الفتاة النمساوية المنصفة والمؤمنة بالانسانية في رحابتها، وباحترام الآخر في وجوده، تسقط بسبب ضغوط الأمير العربي، وأنانية صاحب الشركة الذي استجاب لضغوط الأمير.. ان المال هو السيد الوحيد.
    تنبع قوة الرواية من الثنائيات التي تحفل بها: صعود الثورة وسقوطها، الحلم القومي والتشرذم القومي، الشرق والغرب، الثروة والثورة، الحب والعجز، المقاومة وإسرائيل، وهذه الخطوط المتوازية، والمتقاطعة حينا تدعم الفكر الذي تحفل به الرواية ان المثقف الناصري المحبط، ابن فراش المدرسة، والتي فتحت له الثورة أبواب الصعود الاجتماعي من خلال سياستها وتسييل عملية الحراك الاجتماعي يختزل ازمة المثقف العربي المعاصر، وخاصة ان غزو لبنان نجح في ان يخرجه من شرنقته القطرية الى الهم القومي، فيحاول البطل حشد المشاركين في تظاهرة كبيرة بالمدينة الاوروبية للتنديد بغزو لبنان، وادانة مذبحة صابرا وشاتيلا، ان بطل بهاء طاهر يعبر بشكل ناجح عن وعيه الخاص والذي يمثله بطله - فكما يذهب جولدمان ان وعي المبدع جزء من الوعي الكلي للجماعة، وان الحياة الاجتماعية تبدو كبنية كلية مترابطة يندمج داخلها الفرد المبدع. ويعد الابداع الأدبي رمزا للحياة الاجتماعية، فالآثار الأدبية العظيمة تعبر عن رؤية متماسكة للعالم وهذه الرؤية تعد ظاهرة اجتماعية لافردية مترابطة العناصر.
    والدلالة الجديرة بالتوقف ما تحمله هذه الرواية من استناد أو علائق كوكبية تتعلق بالتحول الحادث في الخريطة العالمية خلال السنوات الأخيرة، وانعكاس ذلك على ملاك الحقيقة المطلقة من قطاع عريض من المثقفين العرب الذين أربكهم حجم الانهيارات، وسعة مشهد التحول، والتخلخل في البنية الايديولوجية، وعجز المثقف العربي المعاصر عن استيعاب أبعاد التغير.
    يعترف ابراهيم الصحفي الماركسي، وصديق البطل اللدود عن عمق أزمة المثقف العربي (اننا نشعر اننا شبحان من عصر مات.. نعرف ان عبدالناصر لن يبعث من جديد وأن عمال العالم لن يتحدوا..). ويعترف المثقف الناصري بدوره (فعلمت انه مثلى.. يتشبث بيقينه لكيلا ينتهي عالمه.. لكيلا يضيع الحلم الذي دفعنا فيه ثمنا عمرا بأكمله) انها أزمة اليقين الماركسي، واليقين الناصري في ظل انسحاب زمانهما، وصعود يقينات أخرى: الاسلامي والامريكي والاسرائيلي والنفطي.. انها أزمة جيل بأكمله، فقد منطقا وهيمنته، وضاع حلمه، ليحيلهما الى فضاء آخر مغاير وقبيح وسط عجز مثقفنا العربي، مولدا أزمة الاغتراب الوجودي له. هل يمكن أن تقول لي أنت ما الذي جرى؟ أقصد لماذا لم نعد نعرف أبدا أية فرحة حقيقية ولا حتى أية سكينة حقيقية؟ هل تعرف كيف صدر الأمر بحرماننا من السعادة.
    سقوط الحلم الناصري أورث الحلم الاسلامي السيادة، فابن البطل المنفصل عن زوجته وزميلته الصحفية - الذي يدرس الهندسة يتحول الى التشدد الديني ناعتا لعب الشطرنج "بالعمل الحرام،" بل ويمنع شقيقته - الابنة الثانية لبطل الرواية - من مشاهدة التلفاز لنفس السبب، انه نفي كامل للحياة، كما يرى أبوه.
    كما تنتهي الرواية بموت بطلها، والذي نجا من أزمة قلبية سابقة لانفعاله بأحداث غزو بيروت والتي قدمها مستعينا بالوثائق والأرشيف والشهادات دون إثقال للعمل، يموت بطلها الذي رفض الانتحار قبل ذلك لان حياته فقدت معناها، من قبل بغياب الحلم الناصري وقدرة الثورة على التغيير، والآن بتحطيم الحب وافتراق بريجيت عنه التي كانت تتمنى انجاب طفل منه، فقد الحياة معناها عنده.
    تمتلئ الرواية بإحالات الى البحتري والمتنبي وزهير وعمر بن أبي ربيعة وكثير عزة وصلاح عبدالصبور والسياب وخليل حاوي وأمل أنقل ولوركا، ويورد ابياتا للمتنبي ونيرودا والى جانب اغنيات لأم كلثوم وشادية.
    ان لهذه التضمينات والاستعارات أكثر من وظيفة، منها اكساب الملامح الثقافية المطلوبة للشخصية، والتعبير عن الفضاء الثقافي العربي الخاص وصيرورة الثقافة العربية، وثالث وهو الاهم الاشارة الى وحدة الثقافة الانسانية باعتبارها المسار المشترك لالتقاء الحضارات المختلفة والمتصارعة، ويعمق المؤلف هذه الوظيفة بتكرار قراءة الحبيبين للشعر في خلواتهما.
    تحاكم الرواية العجز العربي "ولكن هل هذه يا صديقي هي العروبة التي عشت تحلم بها؟" ويختزل العجز العربي في مصدره الاساسي "نعم، لماذا ندمر أنفسنا بأيدينا؟.. يواصل بهاء طاهر في هذه الرواية نقده ومراجعته للحقبة الناصرية، ولكنه يحيله الى حلم أناس مفقودة، بل يتوحد المثقف المنفي مع حلمه الناصري (ان تشبثي بحلم عبدالناصر ايامها لم يكن ايمانا بالمبدأ الذي عشت مقتنعا به، بل كان أيضا تشبثا كلي الشخص - بايام المجد والنجاح والوصول). بل انه يؤلف كتابا عن عبدالناصر في الحقبة الساداتية منعت الأجهزة توزيعه، واطلقوا عليه اسم "أرملة الفقيد".. يريد بهاء طاهر ان يؤكد على رسالة وقساوة الحلم، فالحلم هو العاصم والملاذ، والتشبث بالحلم أشرف من السقوط المهين.
    يظل الزمان الناصري حاضرا بقوة في الرواية التي تدور في الثمانينات، ويجمع وعي المراسل بين التوحد والانبهار بهذا الحلم وبين ادانته، وهو يدين انتهازية المثقفين بالاخص، فقد ضارب بفائض الدولارات التي تقاضاها كبدل سفر في سفرياته الصحفية، أما زوجته فقد تاجرت في التاكسيات والأراضي "كنت أنت ايضا تشتري وتشترى... لماذا؟ ومتى بدأت الكلمات تصبح مجرد كلمات.. الثورة والعروبة والاشتراكية والعدل؟ كلمات للمقالات والندوات ولكنها ليست للحياة ! لم افعل سوي ما كان يفعله نغيري! ان نقنع الآخرين بكلماتنا.. بالعدل والمساواة والثورة والتضحية، ولكننا نعيش مع ذلك كله في درجة أرفع، في رفاهية أكثر لكي يواتينا الالهام ".. والى جانب انتهازية المثقفين، تناقش الرواية مسألة صراع الاجيال، وعلاقة المثقف بالسلطة، والكذب في الثقافة العربية، وفساد الصحافة وشقاء الحب، وسطوة الانفتاح الاقتصادي (لم ينه من هذا الانفتاح أحد)، ووضعية الجنس في الحضارة الغربية، والسيطرة الصحفية على الاعلام الغربي.
    وبرغم مشاعر الاحباط والاغتراب التي تسم شخوص (الحب في المنفى) الا ان الرواية تحمل وعودها أو بشرى الخلاص (لا يمكن ان تكون الفجوة قد ضاعت الى الابد، هي دهاء على كل حال تلك التي تجري في عروقنا وليست جليدا وسينفجر الغضب قبل الصباح ).
    ستبقى طويلا في الذاكرة الأدبية شخصيات "الحب في المنفى". شخصيات بريجيت المثقفة الرومانسية والتي تمثل الوجه السمر والانساني للحضارة الغربية، وشخصية مولع الذي يمثل الضمير الأوروبي العذب وسعيا للتكفير عن خطاياه، وشخصية إبراهيم الصحفي الماركسي الذي ينتهي في المنفى اللبناني والذي تتداخل في شخصيته ملامح إبراهيم نوار الصحفي المصري الذي استشهد في بيروت. ويستوقفنا عنوان الرواية، فالمؤلف كان حريصا على تثبيت معنى "المنفى" ليجسد من خلاله ظاهرة النزوح الكبير- قسرا او اضطرارا- لعشرات المثقفين المصريين الى الخارج - في منافي المشرق العربي والشمال الاوروبي خلال الحقبة الساداتية والتي شهدت تدهور الوضع الثقافي عموما، والمطاردة المستمرة للمعارضين وخاصة المثقفين الفاعلين النشطين. وبهاء طاهر بحكم إقامته الطويلة في الشمال منذ عام 1981م حيث عمل في المقر الاوروبي للأمم المتحدة يصور أبعاد هذا المنفى بصدق وتمكن معا، وهو يطور في هذا العمل النموذجي القيمة التي بدأها على استحياء في "وبالأمس حلمت بك" حول علاقة الشرق بالغرب، وهذا المنفى لم يمنعه - من ناحية أخرى ان يرى ويتابع أبعاد الأزمة - من على البعد- في الوطن الصغير (مصر) وفي الوطن الكبير- الأمة العربية - وحيث ينجه في طرد أبعاد الأزمة في كليهما متلمسا سيبل الخلاص. وعندما يغادر الحياة نشعر إن المثقف الناصري، والعاشق الولهان، والفنان الشاعر يغادرنا الينا، وان نهايته ليست إلا مجرد استراحة محارب: غفا قليلا من التعب، ومن الاحتجاج على زمن النفط بعد غياب زمن عبدالناصر.
    ..................................
    *قاص، وأكاديمي مصري.

  4. #4
    جدلية الحياة والموت دكتوراه في إبداع الروائي بهاء طاهر
    .................................................. ....................................

    تمت مساء أمس السبت في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة المصرية مناقشة رسالة الدكتوراه المقدمة من الشاعر المصري البهاء حسين وكان عنوانها جدلية الحياة والموت في سرديات بهاء طاهر ونال عنها الباحث درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى.
    أراد الشاعر المصري البهاء حسين أن يرصد مسألة الحياة والموت في إبداع الروائي المصري بهاء طاهر فوجد نفسه لا يتناول القصص والروايات فحسب وإنما يؤرخ لكاتبها والجيل الذي ينتمي إليه.
    وقال حسين إن جيل الستينيات الذي يأتي طاهر في مقدمة أبرز كتابه تفتح وعيه مع قيام ثورة 23 يوليو تموز 1952 في مصر وحاول امتلاك الحياة بالأحلام لكنه كان على موعد مع الحزن والانكسار حيث أرادت الثورة أن تعيد صياغة الناس وتنظم أحلامهم لكنها لم تر لتنفيذ ذلك سوى الطريقة التي اختارتها. حبست عقول الناس في قفص وأطلقت من جهة أخرى ملكاتهم على حد قول الشاعر المصري الراحل صلاح عبد الصبور.
    وأضاف الباحث أن الكتابات الأولى لهذا الجيل كانت ضد الثورة أي ضد أحلامه ثم جاءت النكسة (حرب يونيو 1967) فانهار يقين أبنائه بكل شيء مشيرا إلى أن طاهر الذي تخرج في قسم التاريخ بجامعة القاهرة 1956 كان إحساسه بالتاريخ في حالة يقظة دائمة كأنه يتجاوز بالتاريخ التساؤل عن جدوى الحياة إلى تدعيمها أمام الفناء.
    وقال إن الزمن في أعمال طاهر ليس ساكنا وان ظاهرة الموت تشغل حيزا كبيرا في هذه الأعمال فمن النادر أن تخلو إحدى قصصه أو رواياته من ذكر الموت الذي لا يحضر بوصفه الطبيعي بل تتعدد أنواعه ومنها الموت المعنوي-الاجتماعي كما تحفل كتاباته "بنماذج نسائية دائمة التفكير في الموت بوصفه خلاصا من أعباء الحياة."
    وسعت الدراسة استقصاء هذه الظاهرة عبر أعمال طاهر منذ مجموعته القصصية الأولى (الخطوبة) 1972 حتى روايته الأخيرة (نقطة النور) 2001 مرورا بأعمال أخرى منها (الحب في المنفى) 1995 و(خالتي صفية والدير) 1991 التي تحولت إلى مسلسل تلفزيوني مصري وفازت عام 2000 بجائزة أفضل رواية مترجمة إلى الايطالية.
    وتنوعت فصول الدراسة بين (موت في غير أوانه) و(حياة أم منفى) و(الحياة بالحلم/ الحلم بالحياة) و(الحياة وشرك التراجيديا) تطبيقا على رواية (خالتي صفية والدير) التي تبدو كأنها إحدى التراجيديات الإغريقية.
    ولا يعتد طاهر الحائز على جائز الدولة التقديرية بمصر عام 1998 بالغزارة في النشر لكن النقاد والقراء ينتظرون كل جديد من كتاباته كحدث ثقافي يستحق الاهتمام. وتتزامن الدراسة مع رواية طاهر الجديدة (واحة الغروب) التي صدرت قبل أربعة أيام في سلسلة روايات الهلال بالقاهرة.
    وقال الباحث إن طاهر له تصور للأدب باعتباره تعبيرا عن هموم الفرد والمجتمع ونقدا للحياة في تدفقها وجمودها وهذا التصور مرتبط بدور المثقف في تغيير الواقع بالتفاعل الجمالي بين الكاتب والقارئ.
    ......................................
    **مفكرة الإسلام ـ في الأحد 28 من شوال 1427هـ 19-11-2006م.

  5. #5
    بهاء طاهر: في الأدب نقاء وفي الساحة غياب
    ..........................................

    قدم الروائي المصري بهاء طاهر شهادة حول تجربته الإبداعية في عمان، وذلك ضمن احتفال دار مجدلاوي للنشر والتوزيع السنوي لأدباء والمثقفين العرب، وقال في شهادته " سأعترف بأنني أجد صعوبة حقيقية في الحديث عن نفسي أو كتاباتي،
    تجربتي دلتني على أن الكاتب في هذه الحالة إما أن يسرف في تمجيد ذاته والحديث عن انجازاته بما يدخله في دائرة الغرور المقيت أو العكس تماماً.
    وأضاف طاهر أن "لغتي تخلو من كل زخرف بلاغي؛ فعنصر الوصف فيها محدود جداً وجملها خبرية وألفاظها قاطعة الدلالة وبلعب الحوار فيها دوراً أساسياً".متحدثا فيها عن تجربته الأدبية وعلاقته بمبدعين عاصرهم.
    واحتفى المثقفون الأردنيون بتواجد بهاء طاهر في عمان، حيث قدم الناقد عز الدين المناصرة ورقة بعنوان "بهاء طاهر صعيدي في عمان، وفيها قال "بهاء طاهر القاص والروائي والمثقف طائر ليلي صعيدي قدمت عائلته من الكرنك إلى القاهرة يؤمن بالحرية ويؤمن بدور للثقافة والمثقفين وقد تأثر بالأفكار الوجودية والماركسية كما تأثر بالحقبة الناصرية سلباً وإيجابا".
    وأشار الناقد محمد عبيد الله إلى أن كتابات طاهر تأتي ضمن أفق الواقعية الجديدة التي تلت كتابات الواقعيين الأوائل، متطرقا إلى ابرز القضايا في أعمال بهاء طاهر "تجربته قد ارتبطت بأحوال المجتمع المصري وتحولاته في النصف الثاني من القرن العشرين ومبيناً مساهماته في صناعة المجتمع كقاص وروائي امتلك هاجس العلاقة مع الآخر في المرحلة الثانية من إنتاجه".
    من جهته، تناول إبراهيم مجدلاوي دور دار المجدلاوي في النشر قائلا فيها، "تقليد سنوي تنتهجه دار مجدلاوي قبل حوالي ثلاثة أعوام حين أعلنت لحظة اختيار عمان عاصمة للثقافة العربية وقررت فيه استضافة كل عام مبدع عربي له حضوره المتميز على خارطة الإبداع العربي كان آخرها الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد، والآن المبدع المصري بهاء طاهر".
    وتابع.."أعمال بهاء طاهر قد ارتادت بقاعاً جديدة وعوالم بكراً وجعلت من كاتبها واحداً من ابرز الأصوات الإبداعية في عالمنا ومن أكثرهم عمقاً وشاعرية".
    وقدم كل من النقاد..محمد عبيد الله، وإبراهيم مجدلاوي ود. حسن عليان ود. لانا مامكغ ود. أماني سليمان بكلمة دار مجدلاوي للنشر والتوزيع كلمات احتفالية بهذه المناسبة.
    وأبدى العديد من الحضور اهتمامهم بالروائي المصري، الذي يعتبر مُقلا بأعماله الإبداعية، حيث ولد طاهر عام 1935 في الجيزة قرب القاهرة، ويعد من أبرز كتاب جيل الستينات في مصر والعالم العربي، ومن أعماله القصصية: الخطوبة، بالأمس حلمت بك، ذهبت إلى شلال، ومن رواياته: خالتي صفية والدير، الحب في المنفى، نقطة النور؛ وحاز بهاء طاهر على جائزة الدولة التقديرية في مصر عام 1998، وكذلك جوائز عالمية كجائزة كفافي اليونانية، وجوائز أخرى.
    وكان الدكتور ناصر الدين الأسد، قد كرم بهاء طاهر، درع دار مجدلاوي للنشر والتوزيع.
    ..................................
    *عن موقع: عمان نت .

  6. #6
    بهاء طاهر في حوار شامل:
    الأدب المصري زوبعة في فنجان

    حاوره: حسن عبدالموجود
    ...................................

    ينتمي بهاء طاهر إلي نوعية المثقف الذي يؤمن بالدور الاجتماعي للكتابة، للكاتب ،ولهذا فهو دائما في طليعة من يبدون الرأي في الأحداث التي تقع علي مختلف الأصعدة.
    ولكن يبدو أنني التقيته في لحظة غير مناسبة لأنه يري الواقع الأن من منظور اكتئابي: 'لا أملك الحل ولكنني متأكد من أن الأمور تسير إلي الأسوأ'.. ذهبت إليه لأحاوره حول أحدث أعماله "واحة الغروب لكنني وجدت نفسي أحاوره أيضا في الأحزاب والإخوان وأحوال مؤسسات الثقافة وتراجع التعليم وحوادث المجتمع وعودة اليسار ومنزله وأصدقائه وزوجته وابنتيه.. وهو في كل هذا كان حريصا*كعادته*علي إبداء الرأي دون مواربة ودون حسابات.
    مؤخرا بدأ بهاء في الانصراف عن الواقع الثقافي،بدا زاهدا وربما يائسا من أحوال المثقفين ونميمة المقاهي فاختار المنزل والتواصل مع أصدقاء معدودين عبر الهاتف.. وقد اخترقنا عزلته تلك لنقترب من عالمه..
    - 1 -
    لماذا لجأت إلي أسلوب الرواة المتعددين في 'واحة الغروب'؟
    الحقيقة حينما أقول أن الروايات هي التي تفرض نفسها لا أكون مبالغا بأي شكل من الأشكال.. مثلا لقد بدأت الرواية بالضمير الثالث، الراوي الذي يعرف كل شيء أي أنني لم أكتب علي لسان أحد ثم شعرت وأنا أعيد القراءة أن هذا ليس مقنعا جدا وأن الشخصيات لابد وأن تتحدث بنفسها.
    بالنسبة لي * كما أكرر دائما* الكتابة هي إعادة الكتابة،أنا أعيد كتابة الرواية أكثر من مرة،إعادة الكتابة تمثل هاجسا حقيقيا بالنسبة لي،في أحد الأيام قلت لفاروق عبد القادر وكتب هذا في أحد مؤلفاته: إن مسودات رواية قالت ضحي تفوق في حجمها رواية تولستوي الحرب والسلام .
    الرواية عملية بحث شاقة،من يجلس ليكتب رواية جاهزة في رأسه إما عبقري مثل شكسبير الذي لم يشطب سطرا كتبه في حياته،أو حرفي جدا، وطبعا الذين يشبهون شكسبير قليلون جدا.
    لقد كتبت هذه الرواية أكثر من مرة،في المرة الثانية كتبت فصلا علي لسان محمود،وآخر علي لسان كاثرين، وغيرهما،وموضوع الرواية هو الذي فرض مسألة تعدد الشخصيات والرؤي فهذا لكن لم يكن بقرار مسبق.
    ألم تخش حين اخترت الكتابة بأسلوب 'الرواة المتعددين' من تكرار التفاصيل وهل تري أنك تغلبت علي تلك المشكلة ؟
    أعتقد أنني تغلبت عليها ولا أدري إذا كان هذا ميزة أو عيبا، ما حدث أنني حاولت أن أجعل كل شخصية تحكم علي الأخري، لم يحدث هذا في تلك الرواية فقط لكنه حدث أيضا في قالت ضحي ،حتي في القصة القصيرة أهتم بالكتابة الخالية من أية ثرثرة أو تزيد،بالنسبة لي حاولت أن أجعل كل شخصية تحكي تصورها للأخري لا أن تكرر تفاصيل المشهد الذي عايشه الاثنان مع بعضهما.
    لو رأيت أن هناك مشهدا من الممكن حذفه أقوم بذلك فورا أثناء إعادة الكتابة،المشكلة عندي تكمن في الحذف لا الإضافة.
    وأنت مقدم علي كتابة الرواية هل كنت تعرف أنك ستستخدم فيها جزءا تاريخيا.. وارتباطا بهذا هل كان هناك نوع من البحث والتخطيط للعمل قبل تضفير التاريخي في الفني؟
    استغرق التحضير لهذه الرواية عدة سنوات،بصدق أعمل عليها منذ أربعة أعوام،زرت سيوه وعددا من الواحات الأخري ولو ذكرت لك كل الكتب التي قرأتها حتي أستطيع أن أرسم بورتريه الإسكندر الأكبر لملأت صفحة كاملة،اشتغلت شغل الحرفية الذي لا تشعر به ولكنك تحس روحه،التخطيط استغرق سنة كاملة وكتابة الرواية ثلاث سنوات متصلة.
    بمناسبة الإسكندر الأكبر هل كان وجوده أشبه بمرآة لشخصيات العمل؟
    بكل تأكيد،ويسعدني رأيك هذا..فالإسكندر هو مرآة لشخصيات أساسية..بالذات شخصية محمود،مرآة لتيمات موجودة في الرواية،تيمة الخيانة،تيمة الطغيان،تيمة الاحتلال،مرآة لموضوعات تشمل الرواية بأكملها.
    هل كان في ذهنك الإسكندر الأكبر تحديدا أم كان هذا لأن له قصة كبيرة في سيوه؟
    ترددت تماما في الكتابة عن هذه الشخصية.كنت أخشي أن أقطع السرد والحياة وتساءلت: هل سيساهم في تعميق أفكار الرواية أم أنه سيعوق القراءة والمتعة؟ عموما كتبت وبعد أن قرأ عدد من الأشخاص الذين أثق في رأيهم قالوا لي إن فصل الإسكندر من أجمل فصول الرواية،وآخرون قالوا:لا هو معطل أو ممل. هو بالنسبة لي كان ضرورة فنية وحتي لو كنت رأيت أنه فصل ضعيف كنت سأضيفه أيضا،لأن ما كان يهمني أن يكون مرآة للشخصيات وبلورة للموضوعات التي تتحدث عنها الرواية وهذا لا يعني أنني لم أحاول إضفاء جانب المتعة عليه.
    شخصية الإسكندر مزيج من المتناقضات،يبني المدن الجديدة ويحرق مدنا أخري بناسها كأنه يمنح الحياة ويسلبها.يقرب جنديا أنقذه في الحرب منه..ويعود ليقتله بحربة في جنبه وفي كل مرة يفعل هذا يغلق علي نفسه الباب ليبكي بحرقة ويفكر في الانتحار.. هل حاولت تقديم جانب آخر من الإسكندر لا يعرفه الكثيرون؟
    معظم من كتبوا عن الإسكندر كتبوا عن عبقريته وأمجاده العسكرية وقليل جدا من المؤرخين خاصة كورتيوس هم اللذين اهتموا أن يدققوا في جوانب حياته الإنسانية.. لقد تعبت كثيرا وأنا أبحث عن الإسكندر الشاب الصغير الذي مات وهو في سن 33 حتي عثرت علي كتاب كورتيوس : حياة الإسكندر ووجدت فيه جانبا مختلفا تماما ،علي الأقل لأنه ذكر المؤامرات التي حيكت حوله وردود فعله عليها.
    هل يمكن اعتبار الرواية بغض النظر عن المشهد الأخير رواية عن الموت؟
    أعترف أن معظم الشخصيات كانت مسكونة بهاجس الموت.
    هل يخشي بهاء طاهر الموت؟
    يرافقني منذ الطفولة،أفراد أسرتي ماتوا بطاعون الملاريا في الصعيد،وقتها كان عندي سبع سنوات،قسوة الموت ترافقني طوال عمري،فقد صادفت موت أقارب وأحباء في ظروف مأساوية رغم أن كل إنسان يعرف منذ مولده أن نهايته حتمية، لكنه يظل لغزا يطاردنا أبدا، وهو بالنسبة لي سؤال جوهري،ليس بمعني أني أخاف الموت أكثر من غيري، ولكني مشغول بالتفكير فيه وأظن أنه يظهر في كثير من رواياتي أو حتي في القصص القصيرة لاسيما الموت المفجع أو المفاجئ.
    مثل انتحار آن ماري في بالأمس حلمت بك ؟
    نعم..أو مثل موت سمية في نقطة النور موتها بمرض بسيط كان يمكن أن تعالج منه.كان موتها مأساويا ومفجعا،الموت سؤال غريزي مطروح علي كل إنسان وعلي الكاتب بشكل خاص وأظن أن هيمنجواي قال إن كل قصة تنتهي بالموت.
    محمود كان شجاعا وشجاعته كان من الممكن أن تغير مصيره،صمت لمدة عشرين سنة وأراد أن يثبت لنفسه في المقام الأول أنه شخص جيد ولهذا كان مشهد انتحاره أمرا غريبا، ألم يكن من الممكن أن يذهب باتجاه آخر بخلاف الغروب؟
    بمنطق الرواية مصير محمود كان حتميا.أحب فيولا حبا يائسا ورآها تموت أمام عينه وهذا الحب وحده كان كفيلا بدفعه إلي تلك النهاية لأنه حب مستحيل بكل المعايير،ثم إن حياته الوظيفية انتهت بوشايات وصفي،بالإضافة إلي أنه أحس بالذنب لموت مليكة ولإصابة إبراهيم ولهذا فإن أحداث الرواية هي التي قررت نهايته.
    هل كنت تقصد استخدام لغة متقشفة خالية من البلاغة والكلاشيه؟
    حاولت علي مدار حياتي أن أحقق أشياء كثيرة في اللغة، وأعتقد أنها تحققت في تلك الرواية..وهي أن يكون الكلام موجزا جدا ومكثفا ومعبرا في الوقت نفسه.يوجد إحساس لديٌ بأنني استطعت أن أصل لأقصي ما أستطيعه في اللغة بهذه الرواية، والقارئ الحصيف سيشعر أن هناك فرقا كبيرا بين لغة كاثرين ومحمود والشيخ يحيي وصابر،سيشعر أنه بالرغم من طابع التكثيف إلا أن هناك لغات مختلفة علي مدي الرواية،الذي يمكن أن يؤخذ علي واحة الغروب وهذا لا حيلة لي فيه وأشار إليه صديقي بلال فضل ،أن الرواية لا يوجد بها حس السخرية الذي كان قادرا علي التخفيف من جهامة الواقع،كنت واعيا بهذ أثناء الكتابة لكن لم أشعر أنني أستطيع إضفاء أي نوع من خفة الدم علي الواقع المأساوي،كان سيصبح شيئا مفتعلا جدا لأن الروايات تكتب نفسها،من الصعب أن يقارن بلال فضل بين هذه الرواية و نقطة النور التي يوجد بها مناطق كثيرة للبهجة بعكس الحالية، نقطة النور من الممكن أن تساعد علي خلق هذه الحالة ففيها شخصية الباشكاتب المحب للدنيا،لكن في رواية مأساوية وعصر مأساوي وواقع أكثر مأساوية صعب جدا أن تتواجد السخرية.
    هل كنت تقصد إضفاء طابع التشويق البوليسي علي الرواية؟
    هناك أمر أعتز به منذ بدأت الكتابة ، كثيرون يقولون لي حينما نبدأ قراءتك لا نستطيع التوقف إلا مع آخر سطر.لم أكتب أعمالا كثيرة جدا لكن أظن أن معظم أعمالي فيها عنصر التشويق وفي رأيي أن الرواية إذا لم تكن ممتعة للقارئ فالأفضل عدم كتابتها.إذا لم يشعر القارئ أنه يريد مواصلة القراءة لأنه يتوقع جيدا ما سيأتي فالأفضل أيضا عدم كتابتها.
    اختيارك لسيوه هل كان بهدف إلقاء الضوء علي المناطق المنسية في مصر؟
    قرأت كتب الدكتور أحمد فخري وتخيلت أن مأمورا في الواحة فوق الخامسة والأربعين لا بد وأن يكون قد عاصر الثورة العرابية في عز شبابه وانعكست عليه هزيمة العرابيين. تلك الفترة تستهويني جدا،وهناك شخصية أتمني لو أكتب عنها هي شخصية محمد عبيد..كان فلاحا مصريا ووسيما، أراني حفيده صورة قديمة جدا له،كان بطلا من أبطال مصر اللذين لابد أن نفخر بهم جدا.
    بعض الشخصيات الرواية كانت مضببة مثل شخصية طلعت والبنت التي كان يحبها محمود في شبابه ولا أعرف إذا كان هذا مقصودا أم أن الرواية لم تهتم برصد تفاصيل مثل هذه الشخصيات؟
    طلعت تحديدا يمثل الثورة العرابية،كان متحمسا جدا لها ومع هزيمة الثورة هو نفسه انهزم،وكان من الواضح أنه يحسد محمود الذي كان يمتلك جارية وحينما أمسك الانجليز البلد وعاد الشراكسة لعهدهم السابق كانت فرصة لأن يلتحق بالركب.
    - 2 -
    كنت أحد المشاركين بقوة في الحركات الشعبية ولو حتي بالكتابة..الآن كيف تري المستقبل؟مستقبل الجماعات الشعبية والحركات الوطنية؟
    كنت أتمني ألا تسألني هذا السؤال في تلك اللحظة لأن معنوياتي ليست بخير ورؤيتي للأمور ليست جيدة في الوقت الراهن وأظن أنني عبرت عن إحساسي بالرسالة التي كتبتها لرئيس تحرير العربي عبدالله السناوي،جربنا التظاهر السلمي،جربنا الكتابة الملتزمة،جربنا الانتخابات،جربنا حكاية أدباء من أجل التغيير لكن للأسف أري الآن أن الواقع متكلس سواء علي صعيد الحياة الرسمية أو الحياة الشعبية والبحث عن مخرج أصبح شغلانة ،أنا أبحث عن مخرج يؤدي لنوع من التغيير في نطاق التجمعات التي تتحدث عنها،يؤدي إلي نوع من تصور المخرج،حتي هذا ليس موجودا،علي العكس..هذه التجمعات مليئة بتبادل الاتهامات والانقسامات لذلك أنا متشائم في تلك اللحظة.
    هناك عودة قوية لليسار في أمريكا بعدما اعترفت الكنيسة بأهمية فصل الدين عن الدولة كما أن حركات اليسار ترتبط بالطبقات الدنيا مثل العمال والفلاحين ولكن المسألة كانت مقصورة لدينا دائما في الأغلب علي طبقة المثقفين وخريجي الجامعات وأشخاص قليلين ينتمون للطبقات التي نتحدث عنها.. كيف تري أحوال اليسار الآن؟
    كتبت ذات مرة مقالا قلت فيه إحنا رايحين الحج والناس راجعين ،بمعني أننا نجرب الآن سياسة السوق الحرة مع أن الذي ضرب أمريكا اللاتينية هي هذه السياسة.. سياسة الحفاظ علي التوازن المالي مع إغفال البعد الاجتماعي للسياسة الاقتصادية هذا بالفعل هو الذي أضر بأمريكا اللاتينية،خصخصة كل شيء وتراجع الدولة عن القيام بدورها الاجتماعي وإطلاق يد المستثمرين،مستثمري القطاع الخاص لتحقيق أقصي أرباح في اقصر وقت ممكن،الناس هناك يقولون الآن ليس مهما أن تكون الميزانية متوازنة المهم أن نأكل لقمة عيش،لماذا نجرب ما سبق فشله؟ لا أعرف،لماذا نجرب شيئا جربه سوانا واكتشف أن له نتائج كارثيه؟ لا أعرف!
    وكيف تري الحقبة الحالية في تاريخ المجتمع؟
    الناس كانوا يقولون لي كيف تؤيد عبد الناصر الآن وهو ديكتاتور؟ أقول لهم إنه في عهد عبد الناصر كان كل من يتخرج يعمل ومرتبه يكفي لأن يسكن ويأكل ويتزوج،أنا عشت أكثر من عصر ولم أر أن هذا تحقق إلا في عهد الناصرية،كان لدي الدولة إحساس ناحية الطبقة المحرومة والفقراء ولم تطلق عليهم أبدا مصطلح محدودي الدخل لأنه نوع من اهانة الناس، لم أكن ناصريا أيام عبد الناصر ولم ألتحق بالاتحاد الاشتراكي،لكن بعد رحيل ناصر قارنت ما حدث بعده وما كان قبله فأصبحت ناصريا،لا يعني هذا أني أوافق علي أخطاء الناصرية وأنا لست عضوا في الحزب الناصري ولكن أتمني لو كان هناك تيار ناصري في المستقبل يعرف كيف يتلافي أخطاء الفترة الحالية حتي يصبح مشروعا مبنيا علي أسس قوية جدا.
    بما أنك تكلمت عن الحزب الناصري.. دعنا نعرف رأيك في بقية الأحزاب؟
    حزب الوفد مأساة وأنا طالب في المدرسة السعيدية الثانوية كنت شايف الشعب المصري كله وفدي. لم نكن أعضاء في هذا الحزب ولكن كل عواطفنا كانت وفدية النحاس باشا كان شخصية أبوية ودودة ولهذا كنا نقدره ونحبه ولا تتصور فرحتنا حينما جاء الوفد للحكم عام 50 كان عندي تقريبا 15 سنة..
    كنت واعي باللي بيحصل؟
    أظن كتبت في مقدمة خالتي صفية والدير أن الفصل كان في المدرسة الثانوية السعيدية عبارة عن برلمان. كان جزء كبير من الفصل ينتمي إلي الوفد،وجزء صغير'يضحك' يمثل أحزاب الأقلية اللي هما السعيديين..أولاد الأغنيا، وجزء إخوان مسلمين،وثلاثة أو أربعة شيوعيين،كان الفصل في الحقيقة عبارة عن برلمان تحدث فيه مناقشات رهيبة،كان الطلاب يأتون إليه وهم يحملون الجرائد التي تعبر عنهم،منهم من يأتي وهو يحمل جريدة "الكتلة أو الملايين بتاعة الشيوعيين،أو "المصري بتاعة الإخوان.حينما أري أولادي الآن أو زملاءهم بدون وعي سياسي من أي نوع يصيبني الإحباط وأشعر بالحزن.
    يصمت لحظة ويعود للنقطة الأولي نفسها:حينما كانت توجه دعوة للإضراب،كان كل شخص منا يقف ليلقي بكلمة الحزب الذي يمثله ثم نخرج جميعا في كتلة واحدة يعني لم يكن تعدد الأحزاب يؤدي كما يحدث حاليا إلي تناحر وانقسامات وأشياء أخري.
    (يتبع)

  7. #7
    ولماذا في رأيك لم تكن هناك انقسامات؟
    ربما لأنه كانت توجد حرية،الحرية هواء صحي لا يؤدي إلي أمراض،يطرد جميع الأمراض التي يجلبها الاستبداد..كانت هناك حرية تعبير وليس حرية أن تكتب لأن الحرية الأخيرة مالهاش أي لازمة إذا لم تكن حرية الكلمة مقترنة بحرية الفعل..
    وأنا أندهش الأن حينما أقرأ عن منع طلاب الجامعة من ممارسة النشاط السياسي،طبعا هم يقصدون منع طلبة الإخوان المسلمين من هذا،مع العلم أنهم هم الذين سمحوا للإخوان بالعمل وحرموا جميع التيارات الأخري ،وهذا نوع من اللعب السياسي الرخيص جدا،وأنا شبهت الحكومة والإخوان في أكثر من مناسبة بأنهم وجهان لعملة واحدة..
    بشكل عام.. هل فقدت الأحزاب الكلاسيكية دورها؟
    كتنظيمات نعم.. لكن كتيارات هي موجودة في المجتمع،يعني التيار الناصري موجود في المجتمع ،الوفدي الليبرالي يعني موجود.. وكذلك اليساري.. لكن كلها تيارات تحتاج إلي أشكال تنظيمية للتعبير عنها لأن الأشكال الحالية لاتعبر عنها.
    وما رأيك في الصراع الدائر بين الدولة والإخوان وإلي أين سيؤدي ال...
    أنا لا أريد أن أتحدث في هذه الموضوعات تماما لأنني أخشي أن يؤدي كلامي لاعفاء الحكومة من المساءلة،رأيي شخصيا أن السلطة هي التي مهدت لأن تكون البلد كلها مقسومة بينها وبين الإخوان لكي يكون الإخوان فزاعة للشعب والغرب،بمعني أنهم يريدون أن يضعوا الجميع أمام الأمر الواقع:نحن أو هم، وأنا لست مستعدا أن ألعب لعبة السلطة وأتحدث عن الإخوان،ثم أن الحلول الأمنية التي يفعلونها لا تؤدي إلا لزيادة سلطة الإخوان.تضييق الخناق علي هذا وحبس ذاك يحول الإخوان إلي أبطال ويظهرهم في صورة من يضحون لأجل مبدأ،فالسياسة الأمنية أيضا جزء من خدمة الإخوان.
    وما رؤيتك للصدام المفتعل الذي وقع بين فاروق حسني والإخوان؟
    أنا مش مصدق هذه القصة من أولها لآخرها..
    وتم التراجع وأعلن فاروق حسني إرضاء للإخوان عن إنشاء لجنة دينية في المجلس الأعلي للثقافة؟
    ولكنهم عادوا أيضا في كلامهم،أنا لست مستعدا للدخول علي الإطلاق أن أوقع نفسي في فخ الحديث عن علاقة الإخوان بالسلطة إيجابا أو سلبا لأنني اعتقد أنهما وجهان لعملة واحدة.
    هل تأثرت العلاقة بين المسلمين والأقباط بالحوادث الوافدة من الغرب كما حدث في واقعتي الصحيفة الدانمركية وتصريح بابا الفاتيكان؟
    العلاقة أكثر متانة وتجذرا من أن تؤثر فيها هذه الأحداث،كل ما ذكرته أمور سطحية،هناك أشخاص يهاجمون الآخر بكتابات عنصرية وهم ينتمون إلي الجانبين،لكن التعايش المشترك في هذا الوطن بين المسلمين والمسيحيين تعايش جذوره عميقة جدا ولا يمكن أن تؤثر فيه هذه الأحداث وليس معني ذلك اغماض العين وعدم رؤية ما يحدث حولنا وسأذكر هنا بكل اعتزاز أن أستاذي الكبير محمد عودة كان يري ضرورة تكوين جبهة من المثقفين من المسلمين والمسيحيين لكي تتصدي للظواهر السلبية التي نتحدث عنها وياليت أن تكون هذه اللجنة من ضمن أنشطة المنتدي الذي سنقيمه باسم عودة.
    فقدت الإيمان بأهمية العمل الثقافي؟هل هذا ما يمنعك من العودة إلي اتحاد الكتاب؟
    عاصرت كل الأجيال في اتحاد الكتاب بدءا من أول لبنة، وشهدت معظم الصراعات الموجودة حتي الآن.. وكلها ناتجة عن هيمنة وزارة الثقافة علي هذه المؤسسة،مع الأسف الشديد كلما تقدمنا خطوة نعود للخلف خطوات والثمن الذي تشتري به الوزارة.. الاتحاد رخيص جدا وهو دفع أموال المعاشات،تعطي كمنحة أو منة لا كحق..إلغاء هيمنة الوزارة علي الاتحاد كان مطلبا أساسيا لنا ونحن نؤسسه،هذه المسائل مر عليها أربعون عاما وما تزال تلك الهيمنة تفسد كل جهد لكي يقوم الاتحاد بنشاط مستقل وبما أن ذلك لم يتغير أنا لن أكون شريكا في خداع الناس بإيهامهم أن هناك اتحادا يسعي لجمع شمل الناس والتعبير المستقل عن الحركة الثقافية لأنه ليس كذلك..
    وما رأيك في ورقة الوزير هاني هلال بشأن تطوير التعليم الجامعي؟
    لم أدرس الموضوع تماما،لكنني أري أنه يسير في اطار الخصخصة المقنعة لنظام التعليم الجامعي،الأهداف المعلنة جميلة جدا وهي ضرورة النهوض بمستوي هذا التعليم لأنه أصبح منهارا بالكامل هو والثانوي والابتدائي.
    ثم إنك لن تقوم بتأسيس نظام تعليمي نموذجي إلا إذا بدأت من أول السلم،لن تمسك القالب فجأة من نهايته وتبلوره،لابد أن يكون الإصلاح متكاملا..الهدف كما قلت صحيح وجميل،ولكن كل الناس متخوفة أن يكون الطريق لتحقيق هذا الهدف هو زيادة الأعباء وتآكل حق التعليم المجاني للفقراء،سنعود إلي زمن ما قبل الثورة حينما كان علي من يرغب في التعليم أن يقدم شهادة تثبت أنه فقير.
    التعليم سيصير حسب الوزير أشبه بمنحة أو منة وليس حقا وأنا أري أن هذا متسق مع سياسة الدولة في القطاعات الأخري،وهي السياسة التي أصابت الناس ب "الكوليرا .
    ثم أن سياسة أي تعليم لا بد وأن تكون نابعة من فلسفة وفي رأيي لا يوجد مسؤول بالتعليم لديه رؤية متكاملة مثل تلك التي قدمها طه حسين،كلها عمليات ترقيع نعمل الثانوية سنتين ولا تلاتة؟ التعليم حق للقادرين، أم نعمل للأغنياء جامعات خاصة ممتازة والفقراء جامعات غلابة؟ ثم ما حدود التعليم الأجنبي بجوار الوطني؟ أنا شايف إن فيه ناس مبسوطة من وجود جامعات ألماني وإنجليزي وأمريكاني وفرنساوي..هذه كارثة أن نعمم هذا النوع من التعليم علي حساب الوطني وأن نجعله مقتصرا علي القادرين فهذا معناه خلق طبقة فوق الطبقات.هل يعلم أحد أن بعض المدارس الأجنبية في المراحل الأولي تعلم الهولوكوست للتلاميذ؟ وكيف كان اليهود ضحايا النازية؟تعلمهم المبرر الشائع جدا لوجود إسرائيل. هناك كوارث تحدث بسبب تخلي الدولة عن أدوارها في جميع القطاعات.
    أري أنه لا وجود للتنسيق يجعل الجامعات الأجنبية قادرة علي تخريج مواطنين مصريين ولهذا فهي تخرج مواطنين ألمان أو فرنسيين أو أمريكان. هذه الجامعات موجودة كما لو كانت علي أرض فرنسا أو ألمانيا أو أمريكا.. أي مستقبل نحن ذاهبون إليه؟
    وهل المثقفون غائبون؟
    مغيبون.
    ألا يوجد ما يمكن أن يفعلوه؟
    ما الذي يمكن أن يقوموا به بخلاف الكلام؟ ما السلطة المخولة للمثقف التي تجعله قادرا علي أن يكون مؤثرا في المجتمع.
    حتي علي مستوي الكلام بعض المثقفين لا يعلن رأيه؟
    لو عرف أنه لن يكون هناك ضرر فسيقول ومن مثلي سيصمت في النهاية فما الجدوي أن تتكلم وتتكلم وتتكلم وكل شيء يمضي في طريقه المرسوم دون أن يكون للكلمة أية أهمية أو دور؟
    هل تؤدي مراكز البحث وحقوق الإنسان الأدوار المطلوبة منها؟
    دعني أسألك: هل رأيت أي تغيير حدث في أي من المآسي التي تنتقد منظمات حقوق الإنسان مرتكبيها؟حتي المنطمة الحكومية تتحدث عن التعذيب ولا شيء يتغير علي الإطلاق..
    هل تحتاج إلي تغيير طريقة عملها لتكون مؤثرة؟
    في كل بلاد الدنيا منظمات حقوق الإنسان تقوم باصدار بيانات تفضح فيها ما يحدث، عندنا هايعملوا إيه؟ هايمشوا شايلين بوسترات؟ ولكن في الخارج ما ينشر لاسيما لو كان مقترنا بوقائع محددة يتسبب في حدوث تحقيقات ومساءلة،هنا لدينا إدارة اسمها إدارة النفي موجودة في كل الوزارات، نفي أي عيب حصل..
    وما رأيك في جوائز الثقافة المستحدثة مثل جائزة ساويرس..هل دخول رجال الأعمال لحقل الثقافة مفيد؟
    والله كتر خيرهم.. هذا موجود في كل الدنيا أن تقوم مؤسسات خاصة بإنشاء جوائز للثقافة،المهم ألا تستخدم هذه الجوائز لترويج فكر خاص أو لقمع آخر..
    وما رأيك في الأسماء الحاصلة علي الجوائز هذا العام؟
    ماليش رأي.
    - 3 -
    أريد أن أتحدث عن عزلتك..أنت تشارك في الحياة الثقافية والاجتماعية بإبداء الرأي كتابة،ولكن الملاحظ أنك منعزل واخد جنب ولا أحد يراك تقريبا في الفترة الأخيرة؟
    الكاتب يحتاج إلي مثل هذه العزلة ثم إن السن له أحكام..
    (يصمت)أظن أن التجمعات الثقافية أصبح فيها جميع أمراض المجتمع..أذكر أنه في أيام الشباب حينما كنت أجلس في مقهي مع سليمان فياض وغالب هلسا وأبوالمعاطي أبوالنجا والبساطي وأمل دنقل والطاهر عبدالله كانت هناك مشاحنات ولكن لم تكن روح الغل موجودة ولا النميمة السامة موجودة، الآن أنت تخرج من أي تجمع ثقافي وأنت تتمني ألا تلاحقك السهام،الغريب أنهم يقولون ما لم تقل، بالأمس فوجئت بفاروق عبد الوهاب وأنا بالمناسبة مبسوط جدا من ترجمته لرواية الحب في المنفي يقول لي إن أحد أصدقائك أخبرني بأنك مستاء من الترجمة.. قلت له: لا أريد أن أعرف اسم هذا الصديق ولا تفاصيل ما قاله.. أنا مبسوط من الترجمة ولا أقول رأيين في الشيء نفسه، عمري.
    هل فقدت رغبتك في الإصلاح؟
    خلاص.. لو استطعنا إصلاح أشياء صغيرة يكون كفاية،وأنا أعول علي منتدي محمد عودة وأشكر من اختاروني لرئاسته،كلهم أصدقاء لعودة ومحبون له وليس لهم أي هدف،لا يريدون شهرة أو أضواء ولكن يريدون الحفاظ علي تراث عودة،هدف محدود جدا.. وهذا يدل علي أنه ما يزال هناك أشخاص نفوسهم بريئة ولكن العثور عليهم صعب جدا..
    ماذا عن جلستك يوم الجمعة في الأتيليه..لماذا لا تواظب عليها؟
    في معظم الأحيان أذهب إلي هناك إلا في حالات السفر أو المرض لمقابلة الأصدقاء.. معظم مواعيدي آخذها هناك..أصبحت مرتبطا بأصدقائي عن طريق التليفون،أعز أصدقائي هو الدكتور نصار عبدالله من سوهاج،لا يأتي إلي القاهرة إلا علي فترات متباعدة حتي البساطي وتوفيق عبدالرحمن لا يربطني بهما إلا التليفون لأنك لكي تنتقل من حي إلي آخر في القاهرة فأنت تحتاج إلي فيزا ،المواصلات أصبحت لعنة ولكنها محتملة يوم الجمعة ولهذا اخترته لمقابلات الأتيليه.
    ولكن هناك صديق لي جار لي منذ أكثر من أربعين سنة هو جلال لطفي،رجل ليس له علاقة بالحياة الثقافية ويزورني في المنزل بالإضافة إلي بعض الشباب للأسف معظمهم هاجر،هناك كذلك صديقي عبدالله السناوي الذي ألتقي به في مقهي بالزمالك..لم يعد هناك تبادل للزيارات كما كان قديما.
    ما اللغة الأقرب لمنزلك؟ هل العربي أم الفرنسي؟
    مزيج من العربي والفرنسي،لكن زوجتي تحب أن تتحدث العربية..
    وما العلاقة مع البنتين..هل هما حريصتان علي قراءتك؟
    جدا،لا استطيع نشر أي شيء بدون أن أعرضه عليهما. وهما دائما ما تبديان ملاحظات هايلة يسر الصغيرة لغاية سن 16 سنة لم تقرأ لي حرفا،وفوجئت وهي في سنة أولي اقتصاد وعلوم سياسية بأن أحد أعمالي مقرر عليها،سألتني ماذا تريد أن تقول من هذه القصة؟ فشرحت لها..وبالمناسبة لم تقل لأستاذها أنني بنت فلان وكانت النتيجة أنها حصلت علي أسوأ "نمرة بسبب كلامي!! والذين حصلوا علي الدرجات النهائية هم من كرروا كلام الأستاذ،فقالت لي: عمري ما هاسألك تاني،ولكن دينا كانت تقرأ أدبا منذ كانت صغيرة أما يسر فكانت دائما تسخر من المثقفين،حينما تراني خارجا تقول لي: انت رايح حفل تأبين لواحد من زمايلك؟ لكنها فجأة بدأت تهتم بالقراءة، قرأت لآخرين خلافي، ثم قرأتني. أعجبتها جدا الرواية الأخيرة واحة الغروب وقبلها شرق النخيل ثم إنها دائما ما تأتيني بعمل وتسألني: هل هذا الكاتب جيد؟ ولكني أقول لها: هذا العمل لم أقرأه ،خوفا من الموقف السابق.
    ما القيمة التي كنت حريصا علي غرسها فيهما؟
    الأن تأثير الأباء والأسرة علي الأبناء أقل جدا من المجتمع،أعتقد أنني رغم حبي لهما إلا أن تأثير زملائهما أكبر بكثير،حكاية السلطة الأبوية أو الأمومية لم تعد موجودة في هذا الجيل،القيم أصبحت في صالح المجتمع لا صالح الأسرة.
    وكيف تري جيلك؟جيل الستينات؟
    أري أنهم جيل شجاع جدا لأنهم يواصلون العمل والتجريب رغم أن الأدب في مصر كله عبارة عن زوبعة في فنجان،ليست له أية أهمية،أعظم كاتب يوزع ثلاث أو أربعة آلاف نسخة، زمان كان التوزيع محدودا أيضا ولكن التأثير كان كبيرا،التوزيع له عناصر مكملة،الإعلام،التعليم،هذه العناصر أصبحت مضادة للثقافة،نفسي أفهم: ما دور وزارة الثقافة في خدمة الثقافة؟بصراحة لا أعرف..غير أنها تقيم المهرجانات والاحتفالات،ما دورها في تشجيع الإبداع المكتوب؟في تنمية الإبداع المسرحي لا في حرق المبدعين كما حدث في بني سويف؟في تشجيع الإبداع الموسيقي؟للأسف هذا لا يحدث..أليس من المؤلم أنه في ظل وزارة منوط بها رعاية المثقفين في البلد أن نقرأ كل يوم عن كاتب يموت وهو يتسول العلاج من وزارة الثقافة،ألم يكن من الأجدي توفير أموال المهرجانات لرعاية المبدعين أولا ونشر إبداعهم ورعايتهم صحيا؟
    تحدثت عن ضعف توزيع الأدب فما الذي يعنيه الجمهور بالنسبة لك؟
    مع احترامي الشديد لأراء النقاد والصحافة الترمومتر الحقيقي هو الجمهور، حينما يقول لي بائع الجرائد القريب مني أن رواية كذا نفدت أعرف أن الأمور جيدة،وأنني نجحت في الامتحان الأول،كل عمل إبداعي له امتحانان،امتحان الجمهور،وامتحان الزمن.
    ممكن الجمهور يقبل علي عمل ويموت؟
    نعم.. هذا واقعي جدا.
    وما طموحك في الانتشار؟
    طموح إيه يا أستاذ حسن؟ أنا عندي 70 سنة..
    يعني هل تنتظر جائزة مثل نوبل؟
    لا أفكر فيها ولا أعتقد أنها ستعبر علي منطقتنا قبل قرن.. نوبل جائزة مسيسة جدا..
    "يصمت طموحي في الانتشار أن تعود الأمور كما كانت،كتاب يصدر في بيروت تجده في الأسبوع نفسه بالقاهرة،لا أريد للأدب أن يصل للعالمية،إنما للقراء الطبيعيين العرب أذكر أن شخصا قال لي إن القيود علي الكتاب العربي أكثر من القيود علي الأمور غير المشروعة،أليس من العار أن ننتظر بلهفة معرض الكتاب حتي نعرف ما الذي صدر في الدول العربية؟!
    حينما صدرت 'السد'كتب عنها طه حسين في "الكاتب المصري ذلك لأنه قبل الوحدة السياسية كانت هناك وحدة ثقافية وهي التي تستطيع أن تمهد لأي وحدة، ليست وحدة إزالة حدود.. ولكن شيء أقرب إلي الوحدة الأوروبية القائمة علي الثقافة.
    الآن لدينا تشرذم ثقافي،كل قطر عربي عايش علي مبدعيه و خلاص كانت مجلة الآداب البيروتية مقروءة في كل البلدان العربية،كان صلاح عبد الصبور،عبدالوهاب البياتي وشعراء من مختلف الأقطار يرسلون إليها.. كانت بوتقة.. هذا طموح.
    ..................................................
    *أخبار الأدب ـ في 14/1/2007م.

  8. #8
    بهاء طاهر لـ«المجلة الثقافية »:
    حصة الثقافة في مجتمعنا العربي رمزية هزيلة وتخضع للرتابة والرقابة
    .................................................. ....................

    * القاهرة - مكتب الجزيرة - محمد الصادق:
    للأديب والروائي بهاء طاهر مكانة مميزة على خارطة الأدب المصري والعربي فهو يعد من جيل الستينيات ذلك الجيل الذي عاصر أحداثا وأحلاما وآمالا وتطلعات ومشروعات نهضوية كبرى ونكسة وانكسارات ومرارات كبرى ايضا.
    ورغم ذلك ما يزال يثري الساحة الأدبية بإبداعاته ونجح في إقامة عالمه الإبداعي الخاص بالعديد من أعماله التي منها مجموعته (الخطوبة) وشرق النخيل ومجموعته (بالأمس حلمت بك) و(خالتي صفية والدير) التي تم تحويلها إلى مسلسل في التلفزيون و(ذهبت إلى شلال) و(قالت ضحى) و(الحب في المنفى) وغيرها.
    نجح بهاء طاهر في المزاوجة بين كونه أديبا مبدعا وكونه مثقفا يلتحم مع قضايا الجماهير وتجلى ذلك عندما شارك مؤخرا في تأسيس حركة (أدباء وفنانون من أجل التغيير)..
    صدر لبهاء مؤخرا روايته (نقطة نور) كما صدر له قبلها كتابه (في مديح الرواية) وقد احتفلت به دار نشر مجدلاوي بالاردن مؤخرا بمناسبة صدور كتاب في عالم بهاء طاهر التقيناه وكان هذا الحوار..
    * يرى البعض أن الكتابة الأدبية أصبحت غائبة وغير مؤثرة؟
    - الكتابة غيرمؤثرة لأن هناك من يريد لها ذلك وإذا ما أريد لها أن تكون مؤثرة فإن ثمة قوى لا تريد لها أن تصل للجمهور، أمامك التليفزيون والثقافة الالكترونية والإذاعة انظر إلى حصة الثقافة في كل هذه الوسائل إنها حصة رمزية هزيلة جدا وتخضع لشتى أنواع الرتابة والرقابة، غير مسموح لك أن تقول ما تؤمن به لهذا أرى أن التكريم الحقيقي غير موجود لأن الإيمان بالثقافة ودورها يتطلب أن نخوض معركة تعيد للثقافة دورها في الإنهاض والتغيير، وهناك كثير من الكتاب الذين يخوضون هذه المعركة وهم خارج جناح السلطة.
    * وكيف ترى علاقة الروائي بالأحداث السياسية التي تمر بها المنطقة العربية الآن؟
    - الكاتب رسالة وكل عمل مكتوب رسالة وهذه الرسالة إما أن تزيد من وعيك بالواقع المحيط بك، وبعلاقتك الإنسانية المتشابكة، والسياسية، وإما أن تغيب هذا الوعي، حتى تغييب الوعي يعتبر نوعا من الفعل السياسي، ولذلك أعتقد أن تجاهل الكتابة في السياسة هو نوع من فصم العلاقة بين الكتابة السياسة. فكل كتابة في الأدب في العالم هي كتابة سياسية، حتى الكتابة التي تزعم أنها تبتغي وجه الفن الجميل وحده.. هي أيضا كتابة في السياسية فالسياسية موجودة في كل عمل مكتوب.
    * هل تشعر بالإحباط والهزيمة كما يشعر أبطالك المهزومون دائما؟
    - أتذكر هنا مقولة تشيكوف (عندما أكتب عن أشياء محزنة، فأنا لا أدعوكم للبكاء وإنما أدعوكم إلى التفكير في السبب أو الأسباب التي دفعت هذه الشخصيات إلى أن تصبح على ما هي عليه).. وإلى أن تغيروا الظروف ولكن يتشكل الواقع كما تراه العين الناقدة، لكن نستطيع أن نستفيد من هذه الرؤية الناقدة في تغيير هذا الواقع، أو تغيير ما نرفضه في هذا الواقع من هنا فلا يمكن أن تتهم كتابتي.. ولا كتابات أي مبدع آخر بالهزيمة لأنها دعوة للتسليم وإنما هي دعوة للتفكير والتغيير.
    وحدة وطنية
    * أحداث العنف التي شهدتها مدينة الاسكندرية تستدعي تجربتك في روايتك خالتي صفية والدير فماذا عنها وماذا عن تجربتك في كتابة الأعمال المرئية؟
    - بالفعل في خالتي صفية والدير أردت أن أقول فيها: إن المجتمع المصري نسيج مكتامل.. وإن هذا النسيج المتكامل عاش على أرض هذا الوطن في القرون المتتالية قديما وسيظل يعيش برغم المظاهر التي توحي بعكس ذلك نتيجة الفتنة العابرة أوالكتابات التي تفتقر إلى الفهم أو إلى النية الحسنة.
    تعمدت فيها أن أشير إلى أن الجلايات التي تعيش فيها الرهبان في داخل الدير شبيهة بالبيوت في داخل القرية، وأنك لا تشعر بفارق حينما تنتقل من القرية إلى الدير نفس العادات، وربما لم آت إلا بحوار صغير جدا بين الرهبان ولكنه حوار مثل الذي يدور في القرى بين أهل الريف عموما، وتعمدت عن طريق أكثر من وسيلة أن أشير إلى أن حياة هذا المجتمع هي حياة واحدة.. سواء في بيت مسلم أو مسيحي، لم أكن أول من اكتشف ذلك فحتى أعتى خصومنا (اللورد كرومر) اشتكى من انه لم ينجح في ان يستشير المسيحيين ليقفوا إلى جانب الإنجليز في فترة الاحتلال، وقال إنه لم ير فرقا بين المسلم والمسيحي في مصر، غير أن أحدهما يذهب إلى المسجد والآخر يذهب إلى الكنيسة. ولكن النص المكتوب له جمالياته وله خصوصياته وله خصائصة، والنص المرئي له خصوصيته وله جمهوره، فلا نفرق بين أفضلية أحدهم، ولكن الفن الجيد في أية حالة من حالاته فن قابل للحياة وقابل للاستمرار.
    ولا أزعم أن الكتابة لها فرصة الخلود أكثر من الفن المرئي، بدليل أننا حتى الآن نستمتع بأعمال (شالي شابلن) ونجيب الريحاني وغيرهم من الأعمال، كما نستمتع بقراءة الأدباء الذين كتبوا في هذه الفترة كطه حسين وغيره من الكتاب، فالأعمال المرئية لا تنفي الأعمال المكتوبة ومن هنا فلابد ألا نقع في سذاجة المفاضلة بين أعمال لا سبيل إلى المفاضلة بينها..
    * لكل مبدع طقوس خاص به في الكتابة فما هي طريقة بهاء طاهر؟
    - أنا لا اخطط سلفا للرواية أو القصة كما يفعل الكثيرون، ولا أعتبر نفسي قدوة في هذا الموضوع لكن تظل فكرة البحث فكرة صحيحية دائما، ولكن بينما تبدأ القصة بفكرة هلامية فإن عملية إعادة الصياغة تظل دوما عملية بحث عن جذور الموضوع، فالكتابة بالنسبة لي عملية بحث، فأنا أبدأ الكتابة وفي ذهني فكرة هلامية ثم الموضوع يتطور بشكل آخر تماما، أبدأ وقد سيطرت علي حالة نفسية معينة أو شخصية معينة ففي (خالتي صفية والدير) مثلا كنت أريد أن أكتب قصة قصيرة عن القس بشاي ولكن وجدت الاحداث فرضت نفسها على أثناء الكتابة، وفي (أنا الملك جئت) كنت جالسا في مكتبي بجنيف وكانت هناك عاصفة ثلجية شديدة عطلت كل مظاهر الحياة ولا أدري لماذا ذكرني منظر الثلج بالصحراء ولعل اكثر ما ذكرني بالصحراء الصمت، وأعتقد أن الكاتب لا يكتب لمجرد أنه أنه يجب أن يكتب ينبغي عليه ألا يكتب إلا عندما تصبح الكتابة ضرورية جدا مثل عملية المخاض بالضبط والقارئ يستطيع بذكاء شديد جدا التفريق بين ما هو حقيقي وأصيل وما هو كاذب ومصنوع..
    * ماذا عن تطورك الإبداعي كما تراه كناقد؟
    - عندما بدأت الكتابة في الخمسينات كان لدينا هدف هو تغيير المجتمع بعد ثورة يوليو ولم نكن على وعي كاف بما نود تغييره، وكانت الكتابة في ذلك الوقت إما رومانسية أو لغة كلاسيكية , ثم جاء يوسف إدريس بعاميته الجميلة ولم نكن نريد تقليد يوسف إدريس، ولكن كنا نريد الاستمرار في منحنى التغير، وكان لدينا نوع من الرفض للعاطفة السهلة التي تعبر عنها مضامين ولغة القصص الرومانسية وكنا نسعى لأن يكون الأدب وسيلة للتغيير للتعبير عن المسعى إلى تغيير مضمون وشكل الأدب إلى رؤية أكثر عقلانية وموضوعية للمجتمع.
    ثم أتت مواضيع قصصي التي عالجتها بعض ذلك في (بالأمس حلمت بك) و(قالت ضحى) والتي نحت ناحية الأسطورة ودخلت فيها عناصر ما وراء الطبيعة كانت تفرض لغة مختلفة إلى حد ما، وتحولت اللغة إلى شعرية دون قرار مسبق، وبقي في هذه اللغة الجديدة من اللغة الأولى البعد عن التهدج العاطفي، والبعد عن استخدام الكلاسيكية بقيت تلك المحاولة.
    * وماذا أردت أن توصل إلى القراء من خلال أعمالك الإبداعية؟
    - أنت لا تستطيع أن تخاطب الناس إلا بلغة يفهمونها وطبقا لمستواهم العقلي والفكري والحضاري وإذا لم تفعل ذلك فلن تصل إليه قط، والقيمة الأساسية التي أرجو أن تكون واضحة في كتاباتي هي الحرية.
    ........................................
    *المجلة الثقافية (ملحق الجزيرة) العدد (141) ـ في 20/2/2006م.

  9. #9
    عالم بهاء طاهر

    بقلم الدكتور محمد عبيد الله
    ...........................

    بهاء طاهر، الاسم المضيء لمبدع عربي مصري، اسم يجمع البهاء بالطهر، ليختزل كثيراً من صفات صاحبه، وعلامات تجربته؛ إنه الاسم الأدبي لمحمد بهاء الدين عبد الله طاهر، المولود في الجيزة قرب القاهرة في بدايات عام 1935، لأبوين يتحدران من الكرنك – الأقصر في صعيد مصر. درس في الجيزة وأتم دراسته الجامعية في جامعة القاهرة وتخرج فيها عام 1956 (ليسانس تاريخ)، ولاحقاً أكمل دراساته العليا في مجال التاريخ الحديث (1965)، وفي مجال وسائل الإعلام (1973).
    قدم بهاء طاهر مع مجايليه من أبناء جيل الستينات إسهامات أساسية في القصة القصيرة والرواية، كان لها دور جليّ في تطوير السرد العربي الحديث، وفي محاوراته الثرية مع الحياة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، إنه واحد ممن أكّدوا حضور السرد ومركزيته، رغم أن القطاع الثقافي كلّه، قد تعرض لمحاولات متواصلة من الإقصاء والتهميش في الحقبة العربية المعاصرة. ولكن الانتماء إلى جيل لا يكفي لفهم التجربة الفريدة لهذا المبدع، الذي يصحّ أن نصفه بالتعبير العربي القديم، فنقول إن بهاء طاهر "نسيج وحده" بمعنى تحقيق الذات ومنحها سمات فارقة رغم السياقات الجماعية التي يتشكّل فيها المبدعون. إنه ابن زمانه ومكانه، ابن المؤثرات الكبرى التي شكّلت جيله، لكنه فتش عن سبل الاختلاف والمغايرة ليؤسس معالم خصوصيته وهويته الإبداعية، ويطوّر رؤيته استناداً إلى مشروعية الإبداع الفردي الذي قد يصبّ في السياق العام، لكنه يظل رافداً له لونه الخاص ومذاقه المختلف.
    تعلّم بهاء طاهر على نفسه الإنجليزية حتى أتقنها، فغدا مترجماً معروفاً منذ زمن مبكّر من حياته، ثم سهّلت له هذه المعرفة أن يطوف في العالم ويستقر في جنيف موظفاً في مكتب الأمم المتحدّة مدة أربعة عشر عاماً. وهذه التجربة في السفر والتنقل والعيش في دولة أوروبية، ليست مجرد تجربة عمل، بل هي إحدى التجارب التي تسللت إلى كتابات بهاء طاهر، وأضيفت إلى خبرته المصرية العربية. ولعلّ من يقرأ أعماله يلاحظ ذلك التنوع في بيئات القصص وأجوائها من البيئات المحلية في الصعيد والريف المصري إلى بيئة القاهرة بطبقاتها وأجوائها الغنية، ثم هناك ما يمكن تسميته بالبيئة العالمية والإنسانية، تلك التي جمع فيها شخصيات من ثقافات وبلدان مختلفة ووطّنهم في دولة جديدة، هي الرواية أو القصة القصيرة، هذا واضح مثلاً في قصته (بالأمس حلمت بك) وقصته (أنا الملك جئت) وروايته الفريدة (الحب في المنفى).
    من المصادر الأساسية التي تأثرت بها ترجمته الإبداعية خبرته الدرامية والإذاعية، وهو الذي انخرط في العمل الإذاعي منذ عام 1957، وأسهم في تأسيس ما يعرف بالبرنامج الثاني في الإذاعة المصرية (البرنامج الثقافي) وعمل معداً ومذيعاً ومخرجاً وتولى منذ عام 1968 موقع نائب مدير البرنامج الثاني، وأسهم أثناء عمله بتقديم الأعمال الروائية والقصصية في شكل الدراما الإذاعية، وأتقن فنون كتابة السيناريو، وعلّم ضمن التجربة نفسها مادة (الدراما) في قسم السيناريو بمعهد السينما. هذه الخبرات لم تذهب عبثا، ومن يدقق في قصصه ورواياته سيلاحظ أنه من أكثر الكتاب تميزاً في تقنية "الحوار"، حتى يغدو عنده عنصراً أساسياً لا تستغني القصة عنه. حوارات أشبه بالسيناريو حتى وهي موجزة، تنبض بالحياة وتسمح للشخصية بتقديم نفسها، وتمنح القارئ متعة خاصة في الاقتراب من أنفاس الشخصية ومن تدرج منطقها.
    يعبر بهاء طاهر عامه السبعين، يواصل إبداعه المتجدد، ودون أن يتخلى عن إيمانه القاطع بدور الثقافة، وحاجة المجتمع إليها؛ الثقافة عنده بصورها وفعالياتها المختلفة، أداة كبرى للتغيير والتنوير، سمّها ما شئت: رسالة أو قضية أو التزاماً، لكّنها ليست مجانية ولا عبثية. يلاحظ بهاء ما حلّ بالثقافة والمثقفين من كوارث وأزمات، وهو نفسه عايش منتصف السبعينات تجربة إقصائية، كانت جزءاً من إقصاء السلطة للمثقف، لكّنه رغم كل شيء يشدد في إبداعاته وكتاباته على دور الثقافة في فهم المجتمع وفي تحليله وفي صيانته، لأن الثقافة مرادفة للحرية وللوعي وللعطاء النبيل. ولا يمكن للثقافة أن تنهض ببعض ذلك دون أن يكون المثقف نفسه مستقلاً صلباً بعيداً عن الأشكال المعروفة من شراء الذمم وفسادها. بهاء من أولئك الصادقين الأحرار الذين اختاروا الثقافة أفقاً للحرية وسبيلاً رحباً نحو الكبرياء، ولعل كتاب بهاء طاهر المسمّى (أبناء رفاعة: الثقافة والحرية) من أبلغ الكتب العربية في التدليل على مكانة الثقافة والدفاع عن دورها وعن استقلالها وحريتها.
    بهاء طاهر، مبدع ومثقف تنويري، بأوضح معاني التنوير، قاص وروائي مجدّد، مسرحي ومترجم، إذاعي عريق، كاتب مجيد في مقالاته ودراساته، ناقد مسرحي، وخبير بشوؤن السيناريو والدراما، يعرف الصعيد الذي يسكن روحه، ويعرف القاهرة ويعيشها، مثلما يمتلك خبرة في مدن العالم، وفي ناسه، يعرف درس التاريخ ويراه مستمراً فينا، بمحتواه الأسطوري القديم أو بوقائعه التي يمكن تجريدها في صورة تجارب وأفكار إنسانية متكررة. إنها خبرات في الحياة والكتب، ومن جماعها تكونت هذه التجربة المتفردة في حركة الأدب العربي الحديث.
    في سياق الإبداع السردي يسلك اسم بهاء طاهر في جيل الستينات، الجيل الذي رسخ الكتابة ونقلها إلى أحوال جديدة رؤية وتشكيلاً. ولبهاء طاهر صوته الخاص وتجربته المميزة بعيداً عن الفكرة الجماعية في مبدأ التجييل. يمكنك أن تحدس بمبلغ عنايته بكل ما يكتبه، بحيث تجمع كتابته بين الأناقة التعبيرية والغنى الرؤيوي، ورغم وضوح حسمه لوظيفة الكتابة، فإنه أبدا لم يقع في فخاخ الأيدلوجيا أو لغة الشعارات، الكتابة عنده تجربة مغايرة لكل ذلك، لها اشتراطاتها الصعبة جمالياً ورؤيوياً، وربما لهذا السبب لم يكن يستعجل النشر، بل إن مجموعته الأولى تأخرت في الصّدور حتى عام (1972)، كما أن ما نشره ليس إلا نسبة محدودة مما كتب، إنه من أولئك المبدعين الذين يقدّسون الكلمة، ويتعاملون مع الكتابة بحرص واحترام وإجلال.. ولعل القيمة العالية لإنتاجه المنشور خير شاهد على جرأة الحذف والاصطفاء والاختيار، بحيث لا يمرّر كلمة ولا جملة ولا قصة تمريراً عبثياً أو يوردها أو ينشرها دون قناعة كاملة بأنها في مكانها الملائم وأنها تنهض بالوظيفة الإبداعية المأمولة.
    إنتاجه أقل عدداً وكماً من مجايليه ومن الأجيال اللاحقة، لكن الإبداع يعترف بالنوع لا بالكّم، وكاتب صعب مع نفسه على طريقة بهاء طاهر، ينحاز حتماً للنوع وللتميز، وليس لعدد الأعمال أو كثرة الظهور في الصحافة ووسائل الإعلام. كل من كتبوا عنه شهدوا بنزاهته، وبتواريه عن الشهرة التي تلاحقه، لا يميل إلى الظهور في الصحافة ووسائل الإعلام. لكن أعماله تفرض نفسها بتميزها وخصوصيتها وسحرها الخاص. ينشغل بهاء طاهر بجوهر الكتابة وليس بما يحيط بها من سلوكيات ومظاهر، ولذلك يمكن القول أن اسم بهاء طاهر من أسماء عصامية قليلة مردّ شهرتها إلى الإبداع ولا شيء غيره، ورغم غيابه عن مصر والعالم العربي منذ منتصف السبعينات وحتى منتصف التسعينات فقد عرفه القراء العرب وقدّروا تجربته، فاجتاز الامتحان الصعب مما يدلّ بعمق على تميز هذه التجربة وفرادتها الخاصة، وصمودها الذاتي دون دوافع أو عوامل مساندة مما يشيع في حياتنا الثقافية العربية.
    (يتبع)

  10. #10
    وحتى اليوم لبهاء طاهر أربع مجموعات قصصية، وخمس روايات، وبعض الكتب في النقد والدراسات. أما أعماله القصصية فهي الأعمال التالية بحسب طبعاتها الأولى:
    1- الخطوبة وقصص أخرى، 1972: وفيها ثماني قصص قصيرة هي: الخطوبة، الأب، الصوت والصمت، الكلمة، نهاية الحفل، بجوار أسماك ملونة، المظاهرة، المطر فجأة، كومبارس من زماننا.
    2- بالأمس حلمت بك، 1984: وفيها خمس قصص هي: بالأمس حلمت بك، سندس، النافذة، فنجان قهوة. نصيحة من شاب عاقل.
    3- أنا الملك جئت، 1985: وفيها أربع قصص هي: أنا الملك جئت، محاكمة الكاهن كاي نن، محاورة الجبل، في حديقة غير عادية.
    4- ذهبت إلى شلال، 1998: وفيها سبع قصص هي: أسطورة حب، فرحة، الملاك الذي جاء، من حكايات عرمان الكبير، شتاء الخوف، ولكن، أطلال البحر.
    أي أن مجموع القصص القصيرة التي نشرها أربع وعشرون قصة قصيرة في أربع مجموعات. ومن المناسب الإشارة إلى أن بعض ما ظهر تحت مسمى (القصة القصيرة) عند بهاء، أقرب لشكل الرواية القصيرة (النوفيلا) وخصوصاً قصص: بالأمس حلمت بك، أنا الملك جئت، محاورة الجبل.. وهذا الشكل الفني يحتاج دراسة خاصة يمكن أن تعتمد على أعمال بهاء طاهر، بما يسهم في بلورة شكل (النوفيلا) في الأدب العربي، واكتشاف خصوصيتها ومنقطها السردي الذي لا يقف عند حدّ الاختلاف في الحجم أو في عدد الصفحات، بل يتعداه إلى اختلافات جوهرية في الخطاب السردي وفي المبنى الحكائي بما يجعل منه نوعاً متميزاً عن القصة القصيرة والرواية وغيرهما من أنواع سردية.
    في مجال الإبداع الروائي، ظهر لبهاء طاهر خمس روايات هي:
    1- شرق النخيل، 1985.
    2- قالت ضحى، 1985.
    3- خالتي صفية والدير، 1991.
    4- الحب في المنفى، 1995.
    5- نقطة النور، 2001.
    ومن ترجماته الأدبية، ترجمته لعمل يوجين أونيل المعنون بـ (فاصل غريب) الذي ظهر عام 1970 وترجمته رواية (ساحر الصحراء) لباولو كويلهو (1996). ومن دراساته: في مديح الرواية، أبناء رفاعة: الثقافة والحرية، 10 مسرحيات مصرية: عرض ونقد، البرامج الثقافية في الإذاعة.
    وقد ترجمت بعض قصصه إلى لغات عالمية، أما روايته (خالتي صفية والدير) فكان لها نصيب واسع من الشهرة العالمية إذ ترجمت إلى معظم اللغات العالمية المعروفة.
    * * *
    هل من مفاتيح لهذا العالم الغني الذي شيّده بهاء طاهر على مدى عقود من الإبداع المتجدد المتألّق؟ يمكن أن نتوقف عند شخصية الراوي المشارك في القصّة التي تحمل عنوان (بالأمس حلمت بك)، ففي أحد حوارات الراوي ولقاءاته مع (آن ماري) (وهو اسم فتاة أجنبية يتعرف عليها بطل القصة بصورة قدرية أعقد من المصادفة) تقول له الفتاة: "قل لي أرجوك ماذا تريد؟
    ماذا تريد؟
    ما أريده مستحيل.
    ما هو؟
    أن يكون العالم غير ما هو، والناس غير ما هم، قلت لك ليس عندي أفكار، ولكن عندي أحلام مستحيلة".
    لا نستطيع في ضوء التمييز بين الكاتب والراوي أن نقول بأن هذه الشخصية هي ذاتها شخصية بهاء طاهر، خصوصاً في عمل ينتمي للمتخيل السردي وليس للسيرة الذاتية، لكننا أيضاً نتوقف عند منطق هذا الراوي الذي يعمل في مدينة غريبة في أحد بلدان الشمال (أوروبا)، وتبدو تأملاته تأملات مبدع أكثر منه شخصية واقعية.
    على لسان هذا الراوي يسرّب الكاتب بعض المفاتيح التي قد تساعدنا على فهم وظيفة الكاتب والكتابة، وربط الإبداع بالتغيير، أي أنه ليس مجرد معمار لغوي برّاق، لكنه فعل يهجس بالتغيير والتأثير بكل ما يملك من سبل، حلم المبدع، وحلم بهاء طاهر أن يكون العالم أفضل وأنبل.
    كذلك يمكن أن ندخل عالم بهاء طاهر من خلال رحلة الدكتور فريد بطل قصة (أنا الملك جئت) وهي رحلة ممتدة بين العالم الأوروبي والقاهرة، ثم مغادرة العالم الصاخب إلى الصحراء، بما يذكّر برحلة الصحراء في الشعر العربي القديم الذي عرفه بهاء في صباه، رحلة أقرب إلى البحث عن المعنى وعن أسئلة كونية كبرى، وليست طلباً لماء أو كلأ، رحلة من الوجود وإلى الوجود بحثاً عن فهمه وإدراك جوهره. إنها رحلة القلق والتسآل، وهي بمجمولاتها المعرفية والوجودية تشير إلى رحلة الإبداع والمبدع، وإلى طبيعة أسئلته القلقة الحارة التي تظل تتردد وتغذي استمرار الكتابة.
    لكنّ هذه اللمسات الوجودية والكونية لا تعني أن كتابة طاهر ذات مظهر تجريبي أو منحى فلسفي جاف، بل ترد هذه اللمسات في كتابة أقرب إلى الواقعية، وبشكل مجمل تتسم كتابات بهاء طاهر بمظهر واقعي غني ولافت، في شخصياتها وفي تعاملها مع التفاصيل الدقيقة، في اقترابها من أنفاس البشر، وفي بناء الحدث والاقتراب الحميم من منابع الحياة في اضطرابها وجريانها، كما تتضح الواقعية في أسلوب الحوار وفي وصف الأمكنة وخصوصاً في الأعمال القصصية الأولى وفي معظم الروايات، لكن هذا المظهر الواقعي الدقيق ليس إلا طبقة ظاهرية تشير إلى المظهر الاجتماعي كمصدر لمادة الكتابة، لكن ما يجعل لها امتداداً وغنى، يتمثل في العمق الإنساني، الذي يتمظهر إيحائياً ورمزياً في صور موازية وفي الأحلام والكوابيس وفي التداعيات الوجودية عند الشخصيات، في الحيرة التي تتجاوز الموقف الواقعي إلى أزمة الوجود وأسئلته الخالدة.
    ولعل من أصعب ما في كتابة بهاء طاهر، هذه الطريقة في إحكام العلاقة بين الواقعي والرمزي والوجودي، بعيداً عند التجريد، فإذا كانت الكتابة التجريدية تقوم على حذف التفاصيل والتقليل من الأحداث والوقائع الصالح بروز الفكرة، فإن بهاء طاهر يقوم بالعمل المعاكس الأصعب: إنه ينهض بتسريد المجرّد أو يقوم بتحويل الأفكار ذاتها إلى سرد غني حيّ، يمكنك أن تقرأه مجرداً من وظيفته الفكرية إن كنت تطلب السرد لمجرد المتعة، لكنك حين تعيد النظر فيما مر بك من حوادث ووقائع وحوارات تعيد تأويل العمل وقراءته بفهمٍ جديد، يطل على رعب العالم وأهواله ومآزقه. هذه التوازنات الشقية بين المنحى الواقعي والرؤية الإنسانية الوجودية، تحيلنا إلى المعنى الغامر والغائر الذي يتوارى خلف الوقائع الظاهرية، كما تذكرنا هذه الطريقة إلى حدّ ما بمبدأ جبل الجلد العائم، الذي شرحه همنغواي، واهتم به غالب هلسا، بمعنى أن الكتابة تشبه جبل الجليد العائم، يظهر خمسه وتختفى أربعة أخماسه، النص المكتوب هو الخمس البادي للنظر، لكنه ينبغي أن يساعد القارئ على تخيل أو تصوّر الأقسام المغمورة، كتابة بهاء طاهر من هذا النوع الصعب، الذي يحيل إلى طبقات مغمورة يشارك القارئ في اكتشافها وفي رسم معالمها وأبعادها غير المرئية، حتى يغدو شريكاً في تأويل النص وفي اكتشاف رؤاه وجمالياته.
    (يتبع)

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 3 (0 من الأعضاء و 3 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •