anhaar
الرئيسية | مجلة أنهآر الأدبية | المقالات الأدبية | زين الدين الآمدي ' سبق برايل في الكتابة لغير المبصرين '

زين الدين الآمدي ' سبق برايل في الكتابة لغير المبصرين '



نحن نهلل كثيراً لكل عمل يأتينا من الغرب ، تلك عقدة تساورنا منذ زمن بعيد نطلق عليها مجازاً " عقدة الخواجة " فحين حقق " برايل " ايتكاره في عمل الحروف البارزة لجعل غير المبصرين يعرف القراءة ، وإذا كان "برايل" الذي فقد بصره منذ صغره فعوضه الله بنعمة البصيرة حتي استطاع أن يقدم للبشرية طريقته التي حملت اسمه علي مستوي العالم منذ العام 1887م ..

واعترافاً بفضل هذا الرجل قام العديد من المواطنين الفرنسيين في بلدة "توفري" بمقاطعة "سين إيمارن " بفرنسا بعمل اكتتاب عام لإقامة تمثال له في تلك البلدة الصغيرة التي ولد فيها عام 1809 فإذا كان أهل " الفرنجة" يفخرون بواحد من بني جلدتهم مثل "برايل " وقاموا علي تكريمه ، فهل لنا أن نتذكر رجلاً أحرز قصب السبق قبل " برايل " بخمسمائة وخمسين سنة ، فنزيح الغبار عن ذكراه ونلقي الضوء علي سيرته ، فقد ابتكر الآمدي طريقة خاصة للحرف البارزة تساعد غير المبصرين علي القراءة مع اختلاف الظروف والامكانيات..
ورجل في حجم زين الدين الآمدي يستحق أن نقف له إ‘جلالاً واحتراماً ونفخر به ..
والآمدي ولد في مدينة " آمد "القريبة من ديار بكر في شمال العراق ، وسافر إلي بغداد العامرة لتحصيل العلم فأصبح من أهلها ولم يفارقها حتي مماته في العام 713هـ / 1314م .
هو علي بن أحمد بن يوسف بن الخضر ، الشيخ الامام العلامة زين الدين أبو الحسن الحنبلي الآمدي ( كما أورد ذلك الصلاح الصفدي في كتابه : نكت الهميان في نكت العميان ) وجاء وصفه في نفس الكتاب علي النحو التالي :
كان شيخاً مليحاً ، مهيباً صالحاً ، ثقة صدوقاً ، كبير القدر والسن ، وكان لا يفارق الأشغال والاشتغال "أي التدريس والدرس " أبداً ، وعنده تودد عظيم وتؤدة تامة في سائر أموره وحركاته ، وأنه كان للناس والحكام والرؤساء عليه إقبالاً كبيراً لما له من خير وفضل وورع ودين ونزاهة ومروءة وحلم ..
كتب عنه خير الدين الزركلي في كتابه الشهير " الأعلام ":
أنه كان من أكابر الحنابلة فقهاً وصلاحاً وصدقاً ومهابة ، كان آية في الفراسة وحدة الذهن وصدق الرؤيا ، عارفاً بلغات شتي منها الفارسية والتركية والمغولية والرومية ، بالاضافة إلي لغته العربية التي بها تثقف وكتب وألف وكان يؤدي بها حاجاته اليومية في التعبير والتفاهم ..
كان الآمدي عالماً من علماء المدرسة المستنصرية ، مصاباً بالعمي منذ نعومة أظفاره ، لم يقف الأمر به حد الاشتغال بالدرس والتدريس فقد اتخذ أيضاً من بيع الكتب مهنة يكسب بها قوت يومه ، وكسب بذلك احترام الخاصة والعامة ، فقد وضع نصب عينيه وبإباء شديد ألا يلجأ إلي الحكام أو الروساء فسعي لرزق عياله سعياً حثيثاً وابتعد عن مواطن الزلفي ومواقع الذلة والهوان ..
ولعل السبيل الذي توصل إليه الآمدي يجعلنا في دهشة من أمره إلي إكتشاف طريقته تلك في فترة سبقت "برايل " بزمن ..
كانت تلك التجارة نتاج تجارته وهو " الضرير " الذي يبيع الكتب ، فكيف بتأتي له ذلك الأمر وهي تجارة تحتاح لأن يكون صاحبها مبصراً ، فكان الآمدي يصنع حروفاً بارزة ليتعرف بها علي ثمن كل كتاب يعرضه للبيع في مكتبته دون أي ظلم يرتكبه في حق نفسه أو حق الشاري ، فجعل كلما اشتري كتاباً بثمن معلوم أخذ قطعة من الورق الخفيف وقام بفتلها بطريقة رقيقة ثم يصنع منها حرفاً أو أكثر من حروف الهجاء ليحدد سعر الكتاب بحساب الجمل التي تشكلها الحروف ثم يقوم بلصقها علي طرف جلد الكتاب من الداخل ثم يلصق فوقه ورقة رقيقة لتظل ثابتة ، فإذا ساوره الشك في تحديد أو معرفة ثمن كتاب ما أو اختلط علبه الأمر لمس بطرف أصابعه الموضع الذي علمه فيعرف علي الفور الثمن المحدد ..
ومن طريف مايدل علي فراسة الرجل ـ كما وصفه معاصروه ـ من حدة في الذكاء ورهافة في الحس أنه أثناء تجارته في الكتب كان إذا طلب أي مشتري كتاباً قام الرجل علي الفور بإحضاره له من خزانة كتبه وأخرجه منها دون عناء أو خطأ فكأنما وضعه لتوه حتي ولو كان الكتاب مؤلفاً من عدة مجلدات وطلب منه مجلداً بعينه ..
ومن حدة ذكائه أنه اذا مس كتاباً حدد عدد كراساته ( ملازمه) فإذا مر بيده علي صفحة منه عرف عدد سطورها ونوع القلم الذي كتبت به ومدي غلظة الحروف أو نعومتها وحدد كذلك لون الحبر المكتوب الذي استخدم في الكتابة سواء باللون الأحمر أو الأسود ، كذلك يحدد نوع الخط وما إذا كان لكاتب واحد أو أكثر مهما تعددت خطوط الكتابة ..
ومن الطرائف التي تروي عن الشيخ زين الدين الآمدي أن السلطان المغولي غازان وهو أحد أحفاد هولاكو بن جنكيز خان لما دخل بغداد عام 695 بلغت مسامعه سيرة الشيخ ومحامده وأفضاله وما عرف عنه من فطنة وذكاء فقرر السلطان زيارة المدرسة المستنصرية ليمتحن ذكاء الشيخ وفطنته ، فلما وصل السلطان إلي المدرسة احتفل به الناس واجتمع من حوله أعيان بغداد من قضاة وعلماء وعظاء وفيهم الآمدي ، فأمر السلطان الأمراء الذين معه بالدخول إلي المدرسة قبله والسلام علي الشيخ وكل منهم يقدم نفسه إليه ويوهمه بأنه السلطان علي سبيل الامتحان ، فجعل الناس كلما مر أمير جللوه وعظموه ، وأتوا به للشيخ ليسلم عليه ، والشيخ يرد السلام دون أن يحفل به أو يقوم له من جلسته ، ولما جاء دور السلطان غازان ولم يقدمه أحد للشيخ سلم عليه الأخير وصافحه بحرارة وحين وضع يده بيد السلطان عرفه علي الفور ونهض إليه وكلمه بالعربية والفارسية والتركية والمغولية والرومية ..
وقد ترك لنا الشيخ الآمدي تراثاً رائعاً في كافة فروع المعرفة :
ـ جواهر التبلصير في علم التعبير ." وهو يعني بتفسير الأحلام .
ـ منتهي السو ل في علم الأصول " وهو يعني بأصول الفقه .
وله تعليقات كثيرة في الفقه والحديث والمذاهب

الكاتب : محمد عبده العباسي - مصر


مجلة أنهآر - العدد 79
مارس 2007