أنهآر- بوداود عميـّر بن سليمان :
تقضي الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي الأيام الأولى لشهر رمضان الفضيل في الجزائر بين أهلها و أحبائها ، و هي عادة دأبت على ممارستها منذ سنوات ، و قد صرحت لجريدة الخبر الجزائرية أنها في الجزائر تلزم بيتها خلال صلاة التراويح في حين أنها لا تتأخر عن أداء الصلاة بمساجد دولة الإمارات التي ألفت على صيام العشر الأواخر بها حيث قالت لصحفيي الجريدة الذين نزلوا ضيوفا على منزلها في الجزائر العاصمة :
'' ما أجمل الصيام في الإمارات، وكم يشعر المسلم هناك بأنه نقي وتقي، كشوارعها النظيفة التي يفترشها المصلّون بالآلاف ، بعد أن تضيق بهم المساجد . أبواب السماء تكون مفتوحة، والصلاة ترفع من آلاف القلوب الخاشعة في مسجد لا سقف له سوى النجوم، وهو ما لا يمكن، وللأسف، إيجاده بالجزائر، لأن الأرض أضحت غير نظيفة ''.
وتضيف بصراحتها المعهودة فاضحة حال النظافة في بلدها الجزائر :
'' إحدى المآسي التي عشتها منذ قدومي إلى الجزائر، أنني لم أستطع الصلاة في المسجد، رغم أنه قبالة البيت.. وجدت أن أغلب الوافدين يأخذون هواتفهم النقالة ليتعالى رنينها داخل المسجد، وحتى الشوارع المحاذية له يطبعها الوسخ '' ، معبرة عن استعدادها لأن تتحول الى منظفة تكنس شوارع بن مهيدي و ديدوش و هي أكبر شوارع الجزائر العاصمة .
كما استغربت صاحبة " ذاكرة الجسد " تهافت الناس على الاستهلاك في رمضان قائلة : '' الجوع شيء مخيف، وأنا أسعد عندما تكون أطباقي قليلة في رمضان . حقا لست أفهم هوس الناس بالأكل ، بالطبع نفسي تشتهي أطباقا معينة مثل الزلابية ( و هي قطعة من الحلويات المشهورة في الجزائر ) ، لكن ذلك لا يصل درجة الهوس، فقد أكتفي بكوب حليب بعد صيام يوم كامل '' ، فعلا أنا أعشق الحليب، إذ أتذكر أنني صمت مرّة في واشنطن، أين حضرت مؤتمرا عام 1999 ، وكانت معي كوثر البشراوي ( الاعلامية التونسية) ، وهي متدينة أيضا، وكنا الصائمتان الوحيدتان، وهناك اكتشفت أنها تفطر على الحليب مثلي، لا يمكنكم تصوّر مقدار سعادتي حينها ... التقاليد الإسلامية أخذت منحى تجاريا واستهلاكيا، وحتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يرفض الأمر في زمانه ويقول '' أوَ كلما اشتهيت اشتريت ''... لتخلص الى القول : " أنا أمتلك إمكانيات الشراء ولكنني أزداد ثراء كلما قاومت إغرائي، إذ إنني غنية باستغنائي '' .
ترى في إعداد الكثير من الأطباق، وإمداد الموائد تبذيرا، بل معصية لإرادة الله. وعن قناعتها بالقليل، وكرمها الذي ورثته عن والدها تقول أحلام : '' ورثت كرمي غير المحدود عن والدي رحمه الله.. أنا أزداد ثراء كلما كانت مائدتي فقيرة.. أستحي من الله عندما تمتد الموائد والولائم أمامي، وعندما أكون ضيفة على مائدة عامرة أشعر بالحياء.. بل وأشعر بالحياء حتى من حيوان جائع، فلطالما أثرت عدّة مشاكل في مطاعم فاخرة، عندما يقترب مني قط، وأضع له قطعة لحم في الأرض''.
تتذكر أحلام حادثة وقعت لها بأحد المطاعم الفرنسية الفاخرة، حينما دنا منها رجل كان يبيع بعض المستلزمات ''لقد اقترب من مائدتي ولم يعرني اهتماما كبيرا ، حيث لاحظت أن عينيه بقيتا في صحني وهو يغادرني ، تألمت كثيرا، وتوقفت عن الأكل، لأنه لا يمكنني أن أواصل الأكل من صحن ترك فيه الرجل عينيه ''.
و في موضوع آخر صرحت أحلام مستغانمي أنها ذكية في الكتابة وغبية في الحياة و لعل أهم دليل حسبها هو قصتها مع الشغّالات حيث قالت :
".. شرّ البلية ما يضحك. أنا أشتغل شغّالة عند نفسي، وشغّالة عند شغّالتي، ورغم ذلك لم أنج من مكر بعضهن.. أتذكر حينا تلك الخيانة التي تعرّضت لها من قبل الخادمة السابقة التي كانت مقيمة ببيتي.. بعد خمس سنوات من العشرة، عاملتها فيها بإنسانية كبيرة ، لطالما فضلتها على نفسي وأعطيتها، فقامت بخداعي هاربة مني إلى فرنسا ، أذكر تلك الليلة ، حيث كان جسدها مغطى بالكامل ، وظننت أن البعوض أزعجها ، فأخذت آلتي الخاصة من غرفتي ووضعتها بغرفتها، فقالت لي '' ثانكيو مادام ''، وكانت في الحقيقة تقول لي ''ثانكيو يا غبية يا مدام''.. أنا حقا غبية، وحتى زوجي يقول لي أنت ذكية في الكتابة وغبية في الحياة''.
ثم تستطرد : '' كثيرا ما كان ابني يعاتبني لتقبيل الشغّالة وعدم تقبيله، ولكنني لازلت أصر على أن الأمر طبيعي، بل هو حقه المعنوي عليّ ، أما هو فإنه ابني ، ولهذا لست بحاجة لإثبات حبّي له، فالأمر فطري ولا جدال فيه ''.
''علينا أن نتعلّم كيف نعطي دون أن نهين، فبإمكاننا فعل الخير بشتى الطّرق ، وإذا أحب أي شخص معرفتي على حقيقتي فليذهب إلى أولئك الناس البسطاء ، فهم الأعرف بي '' .
و قد أكّدت بأنها على دراية دقيقة بالنفس البشرية وما تحمل كوامنها الداخلية ، وأشارت إلى أنها تكتب أبطال رواياتها لأنها تعرف شخصية أحلام الحقيقة ، ولكنها تُصاب بالعمى العاطفي في الحياة : '' شخصياتي لديها أخلاق، فخالد ( بطل رواية ذاكرة الجسد) و في 400 صفحة ظلّ واقفا ولم ينحن ، لم يخن الوطن ولم يخن المرأة ، أنا متواجدة في كل واحد من شخوصي، وبذلك أنا ذكية، ولكنني غبية في الحياة ''.
تتذكر أحلام أن والدها قام ذات مرة بشراء كل الكتب التي كانت على رفوف مكتبة ''العالم الثالث حاليا''، وأهداها إياها، لا لشيء سوى لأن صاحب المكتبة آنذاك ثار في وجهه متهما إياه بأنه لا ينوي شراء ولو كتابا واحدا، فكان رد والدها أن أفرغ المكتبة من كل الكتب..''.