الشعر أسمى من التاريخ لأن التاريخ يروي أشياءً قد حدثت أما الشعر فهو يروي أشياء حدثت وأشياءً لم تحدث.. هذا ماقاله ذات يوم الفيلسوف اليوناني الكبير أرسطوطاليس.
عزيزي القارئ نكتشف من خلال المقوله السابقه السبب الرئيسي لبقاء الشعر عبر آلة الزمن وإرتباطه ببقاء الإنسان مع إختلاف لغته وإختلاف بحوره وأدواته ودوافعه فالشعر لايوصل المعلومه فقط للمتلقي ولكنه يغلفها بالخيال والتصوير من خلال طرح متسلسل وإبداع جمالي يأسر الأذهان ويعتبر الشعر أحد المعالم التراثيه للبشر الذين تناقلوه فيما بينهم وأورثوه للأجيال التي تليهم على مرّ العصور فأصبح موروث شعري للبشريه يفخر به الأبناء وتتباهى به الأمم كما يبرز لنا ذلك بشكل كبير في منطقة شبه الجزيره العربيه وتحديداً في العصر الجاهلي ونذكر هنا قول الشاعر عنتره بن شداد العبسي صاحب إحدى المعلقات السبع:
أنا الأسد الحامي حمى من يلـوذ بي وفعلي له وصف إلى الدهر يـذكر
سـل المشرفي الهندواني في يـدي يخبـرك عني أنني أنـا عنـتـر
وقال أيضاً قيس بن الملوح الشهير بمجنون ليلى:
ولم يـُنـسني ليلى إِفتـقارٌ ولاغِنى ولا توبةٌ حتى إحتَظنتُ السَواريــا
أحبُ مِن الأسماءَ ماوافق إسـمهـا أو أشـبههُ أو كان مِنه مـُدانـيـا
كما قال زهير بن أبي سلمى وهو أيضاً من أصحاب المعلقات:
ومَن لم يُصانـعْ في أمـورٍ كثيرةٍ يضرس بأنيابٍ ويوطأ بمنسـمِ
ومن يكُ ذا فضلٌ فيبخل بـفضلـهِ على قومهِ يستغنَ عنهُ ويذمـمِ
وقال أيضاً شاعر الرسول حسّان بن ثابت رضي الله عنه في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم:
وأحـسنَ منكَ لـم تـرَ قطُّ عـيني وأجـمـلَ منك لم تَلِدَ النساءُ
خُـلـقـتَ مُبـرأً من كلّ عـيـبٍ كأنـكَ قَد خُـلقـتَ كما تَشاءُ
يظهر لنا من كل ماسبق الشعر بأغراضه المختلفه فمن الفخر إلى الغزل مروراً بالحكمه إلى المدح وهناك أيضاً أغراض أخرى للشعر مثل الوصف والرثاء والهجاء وقد لُقب الشعر بأنه ديوان العرب لما أرّخه من أحداث ومواقف عديده ولكنه لم يصبح كذلك بشكل متعمد فعندما فاضت قريحة الشعراء في ذلك الزمان لم يقصدوا أن يدوّنوا أحداثهم من خلال قصائدهم ولكنهم أحسّوا بإختلاج مشاعرهم في داخلهم من جرّاء تفاعلهم بصدق مع مواقف مهمّه في ذلك الوقت –على الأقل بالنسبه لهم- فخرجت لنا هذه المشاعر والأحاسيس على هيئة نصوص شعريه رائعه الجمال دوّنت الموقف وخلّدت أسمائهم في الذاكره كما أنه وبكل تأكيد هناك شعراء ظهروا في حقبات زمنيه سابقه وإختفوا دون أن نسمع بهم أو تصل إلينا نصوصهم وذلك لأن مجتمعاتهم التي عاشوا فيها لم تتفاعل مع شعرهم بالشكل المطلوب وذلك إمّا لأنهم لم يكونوا على مستوى شعري يرقى إلى المستوي أو أنهم لم يحاكوا المشاكل التي تمس الشريحه الكبرى من البشر في ذلك الوقت ورغم أنهم كانوا مشهورين آنذاك وقد كانوا مقربين أيضاً من أصحاب القرار والمال والنفوذ وإستغلوا شعرهم أفضل إستغلال إستفادوا منه ولم يفيدوا المجتمع به لذلك رحل شعرهم معهم بمجرّد رحيلهم وبقي الشعر الحقيقي يعيش بيننا نردده بين الحين والآخر وكأن أصحابه لايزالون على قيد الحياه حتى لحظتنا هذه وفي ختام كل ما سبق هناك..
رساله أوجهها إلى كل شاعر معاصر عليك أن تعرف إلى أىّ النوعين تنتمي أنت!!
بقلم : خالد حمود العتيبي ..