الثقافة الرقمية
هل يمكن ان تتحول إلى هموم ثقافية يومية
بعد أن حلت السبرنطيقيا محل الغطاء الفلسفي في الهيمنة على النقد والأدب والثقافة أخذت الثقافة الرقمية بالبروز كاشتغال مهيمن جديد . وهو امر لم يكن بالهين استيعابه من قبل القراء العرب فهو غطاء لم يألفه العربي وهو الذي لا يشكل من التعامل مع الانترنت الا نسبة 2% من نسبة مستخدمي النت في العالم وفق الاحصاءات الرسمية للمنظمات الدولية المهتمة بالعلم والأمية .
وهذا التنافر بين الغطاء الجديد والذين أرغموا للدخول في فضائه ولّد إشكالية جديدة عرفت في الابحاث العلمية الجديدة بالفجوة الرقمية . وهي إشكالية لم تقف عند حد الجهل بالتعامل مع النت والحاسوب بل تعدته الى أن أصبحت إشكالية معرفية وتواصلية .
ونحن نعيش هذه الإشكالية المتحولة شيئا فشيئا إلى أزمة تواصلية لا بد لنا من تفكير جدي بالخروج من عنقها الخانق الذي يزداد انطباقه على مجاري تنفسنا يوما بعد يوم .
يتخطر ببالي أن أولى المشاكل التي يمكن أن يركز عليها الاهتمام هي مسألة التعويد على هذا المولود الجديد من خلال تكثيف محاور البحث والترويج والاعلان بجميع قنوات الاعلام والصحافة المرئية والمقروءة والمسموعة حتى يتحول شيئا فشيئا الى أمر مألوف يتعاطاه الناس بشكل عادي .
وبعد أن يتحول من شيء غريب بعيد عن الذكر اليومي إلى شيء مألوف يكثر الحديث عنه حتى في أحاديث العامة من الناس يمكننا الخوض فيه تعليميا من خلال التدريج في إدخاله في المناهج التعليمية ليكون مرحلة ثانية من تعميم الثقافة الرقمية في أذهان التلاميذ وخاصة الذين في المراحل البدائية فهذه المرحلة كثيرة الاحتكاك والتساؤل مع الآباء والأمهات وهذا التساؤل المستمر للوالدين سيولد تساؤلا في المجتمع وهو فتح لنوافذ جديدة للاجابات ، فالآباء يحبون دوما ان يكونوا بالصورة البهية أمام أبنائهم ، وحين يريدون تحقيق هذه الصورة فعليهم أن يتعلمون ، ونكون بذلك أجبرنا العائلة على أن تتحدث عن مشكلة ثقافية يبحثون جميعا لها على حل ، ومن الطبيعي أن تكون أسئلة هذه المشكلة بسيطة وبدائية بحيث لا ترهل الطلاب ولا الآباء في الحصول على إجابات .
لو استطعنا أن نجعل من هذه المشكلة هما ثقافيا يوميا يدور في البنية الصغيرة في المجتمع وهي الأسرة وهي الأهم أيضا فيمكننا القول أننا سنتجاوز العقبة الأكبر في تحويل الثقافة الرقمية من هموم النخبة إلى هموم العامة .
يمكننا أن ننتقل إلى البينة العليا من المشكلة والتي تخوض في التفاصيل وهي من شأن المتخصصين التي تطرح في الورش العلمية والندوات المتخصصة والمؤتمرات ، وعلينا في هذا الحين أن نتناول قضايا متقدمة لا مكرورة لأننا نبحث هنا على تطوير الثقافة وتوسيع معلوماتها وقنواتها لا أن نعيد ما قاله غيرنا .
والحلقة الأهم في رأيي المتواضع أن تتشكل منتديات ومؤسسات على أرض الواقع للخوض والتخصص في هذه الثقافة سواء كانت ضمن المؤسسات الثقافية العامة او منفردة لأنها ستعمق من تجذير الثقافة الرقمية في بنية المجتمع النخبوي والعام وكذلك ستكون حلقة وسطى بين المختصين الباحثين في البنية العليا للثقافة الرقمية وبين العامة والمهتمين من غير المتخصصين الذي يبحثون في البنية البسيطة غير المرهقة فتوصل المعلومات والنتائج الصعبة التي توصل اليها النخبويون باسلوب بسيط الى عامة الناس .
فالثقافة الرقمية ثقافة جديدة تحتاج الى خطط عمل تنفيذية لتعميقها في الذات العربية التي لم تألفها بشكل جيد لحد هذه اللحظة . وهي مشكلة كبيرة تجعل الفجوة الرقمية بيننا نحن العرب وبين العالم تتسع بحيث لا يمكننا اللحاق بالآخر بسهولة . فما دمنا في أوليات الأمر فعلينا ان نسعى إلى معالجته قبل أن نكون متخلفين بشكل لا يمكن علاجه .