الأولى | أسرة التحرير | المنتديات | ضع إعلانك | أرسل مشاركتك | المساعدة | راسلنا | [كيف تتصفح أنهآر]

إحدى خدمات مجلة أنهآر الأدبية

  الأخبار الأدبية ..
بعد تزايد حدة التوتر , الشيخ علي القعيط لأنهآر : توجهنا بخطاب رسمي لولاة الأمر لإيقاف مسلسل العواجي والنتائج ستكون مفاجئة للجميع .. :: جائزة المنتدى الثقافى اللبنانى لعام 2007 للروائية السعودية رجاء عالم .. :: بحظور الدكتور ماهر دلي وزير الثقافة في جمهوربة العراق .. إقامة أمسية ثقافية متنوعة في مركز الحسين الثقافي :: بندر السعيد : توقف مهرجان أهل القصيد ( إشاعة ) والنسخة الرابعة في شهر نوفمبر بمفاجآت كبيرة .. :: اهتمام كبير بمسابقة "شاعر المليون" في ليبيا :: هاشم قيسية : مسلسل سعدون العواجي يحكي سيرة شخصية ولا يهدف إلى النعرات القبلية .. والمسلسل جاء تكريما للشيخ سعدون العواجي .. :: من كلمات خالد بن سعود الكبير..(يانور عيني) يتغنى بها العيدروس ::

التوحد الإنفرادي عند سيدة الشعر النسائي في الساحة الشعبية / الشاعرة ريمية


بقلم : محمد مهاوش الظفيري

بعد إنتهائي من القراءة الأولية لديوان " التداوي " للشاعرة ريميه " حصة هلال " أحسست أن هذه القراءة لا تكفي ، ولابد من إعادة المحاولة برفقة القلم والدفتر ، لقد كنت في البدء أحاول التقاط الصور المتعلقة بموقف الشاعرة من الرجل كعاشق وكمحبوب في قصائد الشاعرة ، ذات الباع الطويل في التجربة الشعرية ، وبينما كنت أتواصل في إطلاعي على ديوان الشاعرة وجدت من الأنسب لي تغيير وجهة البحث ، والإنتقال به من صورة الرجل في شعر الشاعرة إلى صورة الأنثى في ذات الشاعرة ، وقد أطلقت على هذا المنحى في تجربة الشاعرة ريمية بعد الإنتهاء من خطوطه العامة  بـ " التوحد افنفرادي " ورغبتها بالخروج عن السرب النسائي في هذا الجانب محاولاً الوقوف عند النقاط التي تنظر فيها الشاعرة إلى نفسها وما هي الرؤى التي اعتمدت عليها في تعاطيها مع هذا الجانب في تجربتها الشعرية ؟؟!!
 
 من خلال متابعتي الثانية التي كانت برفقة القلم والدفتر ، والتي دونت من خلالها  النقاط ونقلت ما أريد نقله من نماذج شعرية للشاعرة ، رأيت أن الشاعرة تحاول بشكل مقصود أو عفوي تغييب وجه المحبوب لديها ، وهذا الإجراء الشعري الذي قامت به الشاعرة ، فتح المجال للتخيل ، لأن هذا التغييب اكسب نصوصها فرصة للإنفتاح  ومنحنا متعة تصور مدى تأزم موقفها الذاتي مع ذاتها ونفسها ، وأنه من الممكن ان تكون هذه التأزمات التي وصلت في بعض الأحيان إلى درجة التشنج ، أن الشاعرة تريد عكس روحها أو ذاتها الغارقة في البحث عن التوحد ، وان هذه النصوص المطروحة للبحث ما هي إلا محاولة للإنفصال عن سربها الحوائي العام ، وهو انفصال جزئي مبسط ليس له علاقة في الزمان أو المكان ، قائم على تكثيف الصورة الذاتية للشاعرة بعيداً عن المجموع . وعلى هذا الأساس سيقوم هذا البحث ، حيث سنعتمد على النماذج الشعرية التي تدعم هذا التوحد لكشف علاقة الشاعرة بذاتها وموقفها من ذلك .
 
 
 - التوحد الإنفرادي بشكل انسياجي
في هذا الجانب سنقف عند بعض النصوص ذات الصلة بهذه النقطة محاولين سبر تلك النصوص للتعرف من خلالها على الشاعرة ريمية " حصة هلال "
 
أنا في دمعة عيونك
ربيطٍ ما وراه .. رجال
كفيها .. علام تغيم عيونٍ ..
ذبحني .. وعدها الختال
وعلام تذل لي مهرة ..
رسنها .. قطع بعمري ..
ليالي دارسة وجبال ..
وعلام .. تصيح لي ظبية ..
عهدها كسر .. بقلبي
قصايد " ماضية " ونصال
 
 
 تحاول الشاعرة هنا التوحد مع ذاتها في محاولة منها للإبتعاد بنفسها عمن حولها ، عن طريق استسلامها لمسوغات أرادت لها الخروج والحديث عنها بشكل انفصالي عن نفسها ، لكنه له علاقة غير مباشرة بها " ربيطٍ ما وراه .. رجال " وكذلك من خلال كلمة " مهرة " التي لها ارتباط بالشاعرة ، وسوف نراها تتكرر كثيراً في نصوصها الشعرية مع مفردات أخرى مثل " ظبية " وهنا نلاحظ جنوح الشاعرة إلى النأي بنفسها والإبتعاد عن السرب ، غير أنه ابتعاد بطريقة أفقية عن الآخر رغبة منها بالتوحد والإنفراد ، وهي بهذا السلوك الإجرائي تشير إلى ملمح فني وتقني يتعلق بالشاعرة ، من أنها لا تريد الإنقياد لأحد ، وهذا واضح من خلال اعتمادها على دلالات التوحد الإنفرادي لا التوحد الإنعزالي البدائي ، وذلك كونها شاعرة تريد التحليق خارج السرب ، ولعلها في هذا السياق الشعري تطمح إلى ذاتها مع القصيدة وكتابة الشعر ، أكثر من كونها باحثة عن حب رجل .
 
 
هذي هي .. أحاسيسي
حرة بك .. ومجنونة
ومجنونة .. وأخاذة

 ثم تقول في نفس هذه القصيدة ، لكن في مقطع آخر
 
 وهذا فيك إحساسي
 حصانٍ وحشي .. ومرصود
 لعيون القصيد اللي
 قرت بك ألف إلياذة

 
رغبتها بالتوحد الإنفرادي الذي حددناه في العديد من مفرداتها الشعرية وفي هذا المسمى الذي اصطلحناه لتناول هذه التجربة ، ها هو يتجدد لا على مستوى ذات الشاعرة فقط بل على مستوى الأحاسيس والمشاعر ففي حالة الجمع كانت الأحاسيس " حرة " كما تقول ، وفي حال الإفراد كان الإحسان " حصان وحشي " أي حر طليق لا يخضع لنواميس الطبيعة من حوله ، والشاعرة هنا في كلتا الحالتين أو كلا الوصفين تجنح إلى التوحد والإنفراد الذي لا يشبه سواها ، وهنا يظهر تولعها بالشعر وعشقها له عندما تلتفت إلى هذا الجانب .

 
حصان وحشي .. ومرصود
لعيون القصيد اللي
قرت بك ألف إلياذة

 
وكأنها في هذا السياق ، وفي العديد مما لمسناه في نصوص الشاعرة رأينا ميلها للإنقياد للشعر ، وكأنه المعشوق الأزلي الذي تبحث عنه ، وتتمنى الإنضواء تحت لوائه والإرتماء بين ذراعيه ، وأنها لم تحب رجلاً بالمعنى الحقيقي لهذا الحب ، لأننا لمسنا من نصوصها الشعرية تعاليها على الرجل المفترض أن يكون المحبوب لها بينما تنقاد للشعر انقياد الذليل المطيع وأنها كذلك وكما سيمر معنا ، غير ساذجة في تعاطيها مع الحب ، وهما أمران ضروريان لمن أراد العيش في أكناف الحب ، السذاجة في التعامل مع الحب والتصاغر في حضرة المحبوب ، كما أننا لم نقرأ الشاعرة ريمية وهي تمارس دور البنت المراهقة في أي نص من نصوصها الشعرية ، بل كانت تتعامل مع الرجل بطابع الندية والنضوج الفكري ، وهذا واضح لكل من يقف عند نصوصها الشعرية .
 
وهنا تقول الشاعرة على لسان أمها ، موجهة الخطاب إليها في هذا
المقطع القصير
 
" بنتي .. الله وضميرك "
ظبيتي .. لا تضعفين ..
تنهزم بك .. كل قيمة
 
حتى في تقمصها لأدوار غيرها أو حينما تتحدث على لسان غيرها فإن الحديث كان يدور حولها إذ تستحضر دلالات التوحد الإنفرادي ها هي الشاعرة تنطلق عن طريق التعاطي مع صوت أمها الموصي لها حيث ترتكز على مفردة " ظبية " أي أن أمها كذلك تراها من هذه الزاوية أو لعلها هي تريد أن تراها أمها من هذه الزاوية ، لذا توصيها بعدم الضعف خشية أن تسقط لديها كل قيمة إنسانية نبيلة في هذه الحياة .

أنتي فرس ما يروضك  كود  خيال
ضاري بترويض الخيول الأصيلة
وانتي ظبي ... يستاهلك ضلع رجال
ما روي من فتنة قصيدة .. غليله
 

تتكلم الشاعرة في هذه المقطوعة على لسان المحبوب أو على لسان من واجهته في هذه الحياة وهي في الحقيقة كانت تتحدث فيها عن نفسها بالطريقة التي تشاء وإن جاء هذه الكلام عبر صوت خارجي لا علاقة له بصوتها ، غير أنها وضعت هذا الصوت حسب الطريقة التي تريد ، بل أن هذا الصوت لم يرها إلا بالمقدار الذي هي ترى فيه نفسها ، لهذا جاءت مفرداتها متوافقة مع الجو النفسي العام الذي تعيشه الشاعرة في نصوصها الشعرية ، هذا الجو النفسي المتكئ على جدلية التوحد الإنفرادي ، إذ أنها قالت أو قال عنها بأنها " فرس " وأنها " ظبي " أي أنها لازالت تسير وفق هذا التوظيف الدلالي للمفردة الشعرية لديها ، هذا التوظيف الموحي بتمردها ، وأنها خارج السرب ، بعيداً عن المجموع المحيط بها ، لهذا كانت تسعى للوصول إلى الأنموذج المراد في هذه الحياة " خيال – ضلع – رجال – ضاري بترويض الخيول " لكنها لم تحدد موقفها من هذه النماذج الحياتية ذات المثل العليا للمرأة ، إذ تركت المشهد الشعري مفتوحاً دلالياً على مصراعيه ، نتخيله بالطريقة التي نريد دون أي تدخل منها في هذا الجانب .
 
بالضيم شيخة وغندوره
ولا بنت تقدر تجاريني
 
لقد تحدثت عن الشموخ الموجود في هذا البيت وفي القصيدة ككل أثناء تقديمي لقراءة  قمت بها قبل سنوات لهذا النص الذي منه هذا البيت . لكننا في المقابل نستطيع تلمس تباهي الشاعرة ريمية من خلال هذا الكلام وحرصها على التوحد الإنفرادي حتى في الحزن و " الضيم " رغبة منها في توحدها وتفردها عن المجموع النسائي " ولا بنت تقدر تجاريني " حيث تصف نفسها في هذا السياق أنها " شيخة وغندورة " في هذا الهم رغم جثومه عليها ، متباهية في ذلك على بنات جنسها " ولا بنت تقدر تجاريني " وكأن حرصها الدؤوب على تميزها عن الأخريات ، دفعها للتباهي بالألم والجراح ، وهو إعلان صريح منها على توحدها الإنفرادي الملموس في نصوصها .
 
ما كل من دوى مع الهير غواص
ما يجني الدانه سوى بايع الروح
ولا كل من سدد ... نواياه قناص
ما يرمي الظبية سوى ضاري جروح
 
هذا البيتان قريبان للحكمة أكثر من قربهما للشعر ، أي أن الشاعرة تخلت عن لباس الشاعرة وارتدت ثوب الحكيم ، وحتى لا نتجنى على الشاعرة نقول بتركيز أكثر أنها خلطت الشعر بالحكمة ، فلا هو شعر خالص ولا حكمة صرفة ، غير أننا نستطيع أن نلمس في هذا الجانب مدى تعلقها بالتوحد الإنفرادي البعيد عن المجموع ، هذا التوحد الغارق في الإبحار مع الذات ، إذ أنها حاولت أن تصف لنا العاشق بصفتين اثنتين : الصفة الأولى : بأنه " غواص " والصفة الثانية وصفته بأنه " قناص " وهي في هذا التعاطي الثنائي ، ربطت بين البحر واليابسة ،موظفة كل دلالة لغوية حسب سياقها الخاص كما أنها وصفت المحبوبة أو الفتاة المعشوقة بصفتين استسقتهما من عالم البحر واليابسة " الدانة – الظبية " وهما مدلولان يوحيان بعسر المنال ومشقة الحصول عليه ، وهي في هذا التوظيف تحاول أن ترسم لنا ما بنفسها من إحساس بالتوحد والإنفراد ، رغم تداخل مساري الشعر والحكمة في هذين البيتين .
 
ظبية الشعر .. روحي
بس وين النصال ..
مهرة العشق .. نفسي
بس وين الحبال .. !!
 
يتجلى التوحد هنا عن طريق اعتماد الشاعرة على ثنائية الشعر والعشق ، الشعر عن طريق البحث عن الرؤى والعشق عن طريق الإنقياد وراء المضمون ، وهما عنصران يتجاذبان المرء في كل مراحل حياته ، والشاعرة ريمية في هذا التوظيف الجميل للرؤى والمضمون يظهر لنا مدى رغبتها بالتمرد على هاتين الإشكاليتين ورغبتها بعدم الرضوخ تحت ظل أي سماء ، حتى سماء الشعر الذي تملكها ، ومن خلاله كتبت عنه وله هذا الكلام .

للحين .. لي بالحب كل القرارات
للحين .. أنا .. بالشوق ظبية عفية
 
تتكرر نفس المفردات التي استخدمتها الشاعرة في العديد من نصوص كما مر معنا في هذه الدراسة لكن بسياقات مختلفة ، وها هي هذه المرة تربطها بالشوق ، أي القدرة على التحمل والصبر رغم مرارة الحب ، وتلهف الإنتظار ، وهذا السياق يؤكد الرأي الذي اتخذناه حيال تعاطي الشاعرة ريمية " حصة هلال " مع الحب ،  من أنها غير ساذجة في تعاملها مع ذلك الموقف الإنساني ولم تكن فتاة مراهقة ، لذا فهي تستخدم الدلالات اللغوية التي تشير إلى العنفوان والتوحد وعدم الرضوخ ، والصلابة في تعاملها مع الحب والتمرد على نواميسه الطبيعية ، فالشخص الذي يملك القدرة على المبادرة في الحب ، وقادر على اتخاذ الموقف المناسب في الغرام ، لا يمكن أن يكون محباً حقيقياً ، أو محباً في الدرجة الأولى ، وهذا يتعارض مع الناموس الحقيقي للحب كما نتصور ,  والذي أقره الشاعر الأمير بدر بن عبد المحسن في جملة شعرية مختصرة " محدٍ يحب اللي يبي " والشاعرة ريمية تريد أن تحب وفق مقاييس خاصة ، فالحب أهم مقوماته الإنقياد والسذاجة في التعاطي مع الحبيب والطيبة المفرطة في ذلك بينما الشاعرة ريمية ، وكما تقول عن نفسها مع أنها تملك " بالحب كل القرارات " وكذلك " بالشوق ظبية عفية " أي أنها متعالية على الحبيب ، وغير ساذجة في التعاطي مع الحب ، وهذا مؤشر على أنها تحب بتعقل ، ولا تنقاد لمشاعرها ، وقادرة على اتخاذ مبادرتها للتخلص منه ، لأن  لديها " بالحب كل القرارات " أي بإمكانها التنازل عنه ، والتلاعب به والإنقياد له ، متى أرادت هي ذلك .
 
وياما كفحت بضيمها واشهرتني
حتى تهيب ظبيتي .. كل صقار
 

هنا تتكلم عن  القصيدة  ، وعن  الشعر  ، معشوقها الحقيقي ، وقد وصفت تلك القصيدة بالـ " ظبية " كما هو واضح في هذا البيت الذي أمامنا ، وبشكل عام فإن المتتبع لقصائد الشاعرة أثناء تعاطيها مع الرجل الذي جاء في هذا البيت من خلال مفردة " صقار " يجد أن هذه القصائد تسير وفق مسارين : المسار الأول : وهو أن الشاعرة تتعامل مع الرجل بندية ، وفي بعض الأحيان بتعالٍ مشبع برائحة الـ " أنا " أما المسار الثاني : وهو مسار مرتبط بالمسار الأول ، إلا أنه ينحرف عنه نوعاً ما ، إذ أن تلك الندية وذلك التعالي ، خلق من الشاعرة امرأة غير ساذجة في تعاملها مع الحب ، فهي وكما هو ملاحظ في نصوصها ، لم تكن بنتاً مراهقة أو فتاة عابثة في الغزل ، حيث أنها كانت تتعامل مع الحب وكما قلنا سابقاً بتعقل ودراية ، وهي في هذا الجانب أكثر فهماً للرجل من الرجل ، ومدركة له ومحيطة فيه ، وواعية بما تريد ، وهذا واضح في قصائدها ,  لذا فهي متعلقة بالقصيدة ومغرمة بالشعر ولا تكتب القصائد إلا من أجل السيد الشعر ، باعتباره محبوبها الأزلي وهذا ما جعلها تصف قصيدتها بالظبية ، وهي بذلك تصف نفسها بطريقة مباشرة وهنا مزجت الشاعرة بين إشارتين إشارة أرضية وإشارة سماوية ، والإشارة الأرضية مرتبطة بالظبية ، والإشارة السماوية مرتبطة بمفردة " صقار " أي أنها تريد الخروج من هاتين الإشارتين للوصول إلى نفسها وذاتها المتعلقة بالتطلع والتوحد ، وهذا ما سيكون واضحاً معنا في المنحى الآخر من الدراسة ، وذلك بشيء من التفصيل .

 
التوحد الإنفرادي بشكل تصاعدي:
 
في هذا  المنحنى الشعري تنتقل الشاعرة من الحياة على الأرض وتتطلع إلى السماء إلى الأعلى لتناجي نفسها أو لتبحث عن نفسها محاولة اكتشاف ذاتها ، حيث تتوارد الدلالات الموحية بالعلو والسمو في هذا الجانب .

وأغيب في دمعي .. صحا دمعي أسرار
وعيوني أطفالٍ صفح شوفهم سور
من يبي يذكرني فأنا .. غيمة أشعار
تمطرني عيوني على ذاكرة .. يور

الأطفال عندما يمنعهم الواقع المتمثل بالـ " سور " عن تحقيق أحلامهم ، أو يقف الزمن حائلاً بينهم وبين الإنطلاق وراء طموحاتهم ، يبدأ الخيال بالسفر معهم ، وتتحرك فيهم براكين من التخيل ، وفي هذا السلوك الطفولي إنطلاق وجنوح عن الواقع من أجل الإرتماء في عالم الخيال ، وهذا ما نراه عند الشاعرة ، وفي نظرتها إلى الحياة التي لا تؤمن بالأطر والسياجات .  هذا التوجه نشاهده في البيت التالي للبيت الأول من هذه المقطوعة الشعرية ، إذ أنها تصف نفسها في البيت التالي [ـ " غيمة أشعار " مما يؤكد هذا المنحنى ذلك المذهب الذي ذهبنا إليه من أن الشاعرة عاشقة للشعر ومغرمة بكتابة القصائد وهي في هذا الجانب تشير إلى كونها " غيمة " وهذه إشارة على الإرتقاء والعلو ، والذي اصطلحناه عليه في هذه الدراسة بالتوحد الإنفرادي البعيد عن ماديات الأرض ، ورغبتها بالتعلق بكل ما هو علوي وشامخ ، كتجسيد حي لأحاسيسها المتوثبة الحالمة .
 
ما لقلبي عن الحر النداوي .. مهج
وين قبلت جنحات الفرار .. استدار
في ضلوعي كل ما أرمي .. تلج
وفي ضلوعي هقاوي كل ما أركي تغار
طاح طفل الضلوع من انكساره .. وضج
يشكي الوجد لعيونٍ تضل النهار
 
يتواصل حديث الشاعرة عن التوحد ، وعن رغبتها في العيش في ملكوتها الخاص ، رغم أنها تقدم لنا في أكثر من موقف رأيها بمن تهوى ، كقولها في هذه المقطوعة عن محبوبها أو من تتمنى أن يكون محبوباً لها ب " الحر النداوي " و " النداوي " اسم أول ديوان شعري لها ، صدرت منه الطبعة الأولى عام 1997 وهو من إصدارات المجموعة الإعلامية العالمية ، وقد اعتمدنا عليه في هذه الدراسة التي نحن في صدد الحديث عنها ، لقد وصفت ذلك المحبوب بـ " الحر النداوي " كما قلنا ، وهي في هذا السياق تحاول أن تبحث لنفسها عمن يشاطرها هذا التوحد ، وكأن نفسها مرآة داخلية تعكس لها الأشياء التي في الخارج ، في محاولة منها لرسم ما تريد رسمه عن ذلك الحبيب الساكن فيها ، لهذا تصف نفسها في هذا السياق الشعري بـ " حباري " ثم يتمحور معها الموقف  لينتقل  من الداخل كما في قولها " حباري " إلى الخارج عن طريق مفردة " هقاوي " أي رؤى وآمال وتطلعات بعيدة المنال ، فهذا الشعور بالتوحد أو التوحش الإنفرادي الذي تتمناه في ذات المحبوب ارتسم عليها عبر مسارين : مسار داخلي شعوري وجداني ومسار خارجي رؤوي تطلعي ، وهذا ما رأيناه اجتمع في بوتقة صغيرة ، كما عبرت عن ذلك في بداية البيت الثالث " طاح طفل الضلوع " إذ جمع الطفل بمعناه الإيحائي كلا الموقفين المرتسمين في وجدان الشاعرة . وبعد ذلك تواصل الشاعرة الحديث في نفس هذا النص ، لكن بسياق قريب من هذا الفهم .
 
آه .. يا من عيونك .. للمشقى محج
صرت بينك .. وبينك نجمةٍ في مدار
 
 يستمر تواصل الشاعرة مع هذا المشهد الشعري ، حيال نظرتها إلى ذاتها ومحاولتها اكتشاف نفسها بنفسها لذا نسعى جاهدين إلى سبر أعماقها النفسية من خلال الإتكاء على بعض المفردات الموحية بكشف  الدلالات المشيرة إلى تلك الروح المتوثبة في كيانها ، وها هي تكرس هذا الفهم الإستنباطي عندما وصفت نفسها بـ " نجمة في مدار " أي أنها ترى نفسها بعيداً عن الأخريات من بنات جنسها ، وتسير في فلكها البعيد نجمة ترحل بين النجوم ، كإشارة دلالية على توحدها الإنفرادي وهو توحد تصاعدي مرتفع إلى أعلى ، بعدت فيه الشاعرة وارتفعت عن الأرض ، وهو متوافق مع تداعيات المشهد السابق " الحر النداوي – حباري – طفل " هذا التوحد في تعاطي الشاعرة مع هذه المفردات الإيحائية ، يؤكد الإعتقاد الذي ذهبنا إليه ،  من  أن الشاعرة لا تحب القيود أو الثبات في محيط معين ، وهذا واضح عندما تريد الحديث عن أي أنثى فإنها تلجأ إلى ذاتها وتحاول تسليط الضوء عليها ، لتفهم عن طريقها أي أنثى أخرى ، أو لعلها تتمنى أن تكون كل أنثى مثلها ، أو لعلها تسعى لأن تكون إنموذجاً لكل أنثى تأتي بعدها .
 
يا فرقا
يا مزيونة .. وطرقا
يا حرة .. مثل ورقا
 
ثم تواصل الحديث في المقطع التالي من هذا النص
 
وأفكاري مثل أطفال
مات .. أبوهم القاسي
ما ت .. أبوهم الجاهل
مات .. أبوهم الظالم
وصار الكون من غيره
أرحب .. وأطيب .. وأنقى
أحياناً يكون اليتم
أرحم .. وأطيب .. وأنقى
 
تتكرر مشاهد تصوير الشاعرة لذاتها بزوايا مختلفة باختلاف تعاطيها مع المشهد الشعري الذي تتعامل معه ، فها هي في هذه المرة تصف نفسها بـ " حرة " أي لا تؤمن بالقيود ، ثم تشبه نفسها بـ " ورقا " أي الحمامة التي تحلق في الفضاء ، وهي لا تحمل إلا الخير والسلام والمحبة ، وحينما تتواصل مع المشهد الشعري في هذا النص ، نجدها تشبه أفكارها بالأطفال في أحلامهم ، وفي تطلعاتهم ، وفي عبثهم ، بعد أن تحرروا من القيود النفسية والإجتماعية ، ورغم ما بهذا الموقف من بشاعة غير متوقعة في التعاطي مع الموقف الإنساني ، ورغم أن هذا السلوك قد يعكس إشكالية تأزم إجتماعي قد تعاني منه الشاعرة ، لكن هذه النقطة ليست من مواضيع هذا البحث ، إلا أنني أحببت أن أشير إليها في هذا العرض ومن الممكن الإلتفات إليه في كتابات أخرى قد يقوم بها سواي ، أقول رغم ما بهذا الموقف من إحساس بالتأزم ، ومؤشر على وجود حالة تشظي إجتماعي  إلا انه في المقابل يعكس رغبة الشاعرة بالخلاص من كل قيد ، مهما كان هذا القيد مقدساً ، أو ذا طابع إجتماعي محافظ ، لكنه مؤشر على رغبة الشاعرة بالتوحد الإنفرادي البعيد عن أي قيود تجذبها إلى الخلف ، وتقف حائلاً بينها وبين أن تكون كما تريد .
 
وأنت بيدك كسرت
كل نجمة عطت
ليل الأحزان نور
 
 رغم عدم وضوح هذه الصورة في هذه المقطوعة الشعرية ، وعدم توافقها المباشر مع الخط الذي نحن في صدد البحث عنه ، إلا أننا بالإمكان أن نلمس مدى تعلق الشاعرة بهذه المسميات الموحية بالتوحد الإنفرادي ، سواء على مستوى التوحد  الإنسياحي  او التوحد التصاعدي كما هو الحال معنا الآن ، حيث يوحي هذا الجو العام الموجود في هذا الكلام إلى عمق ارتباط الشاعرة ريمية بهذا التعامل المتعلق باستخدام مثل هذه المفردات .

يارب ترسل لي من طيور حوران
رجال ما يدرج على كبده الحوم
 لو مت في نفسي .. وأنا ظل وأغصان
أخير من بومٍ يورثني البوم
 
 
 ثم تقول في بيت آخر ضمن هذه القصيدة

لابد ما ألقى لي نداوي كحيلان
لو قيل هالدنيا غدت حولي رخوم
 
يتجلى مشهد الإنفراد في هذه الأبيات ، من خلال اعتماد الشاعرة على بعض الدلالات اللغوية التي توحي بذلك " طيور حوران – تداوي كحيلان " فهذا التوظيف لهذه الدلالات في هذا السياق ، دفع الشاعرة إلى اللجوء إلى الإتيان بإشارات لغوية تدل على رفضها  لكل ما هو عكس ذلك المفهوم مثل " بوم – البوم – الحوم – ظل وأغصان – رخوم " كإيحاء بمدى رفضها ومقتها لكل ما يوحي بالمضاد للعزة والكرامة ، وهي الصفات أو المسميات النقيضة للتوحد الإنفرادي الذي تنشده الشاعرة في العديد من نصوصها أثناء تعاطيها مع النظر إلى ذاتها أو ما تريد من ذاتها تحقيقه .
 
إن المتأمل في الأبيات السابقة ، يجد استحالة تحقيق الشاعرة لذلك التميز ، أو الحصول عليها , لا  لأنها لا تريد الوصول إلى درجة التوحد الإنفرادي ,  بل هو إشارة دلالية على تطلعها للوصول إلى ذلك الأنموذج غير أنها في قرارة نفسها مؤمنة بعدم مقدرتها على إمكانية تحقيق ما تريد وذلك واضح من خلال إتكائها على قوة خارجية جبارة " يارب " لأن هذا الدعاء التوسلي نتاج حتمي للشعور بالقحط العاطفي ، بعدم مقدرتها على إيجاد ما تريد ، لذا تتوسل الشاعرة إلى خالقها " يارب ترسل " وهذا مؤكد عن طريق قولها المبين في هذا الكلام أي أن ما تريده غير موجود ، أو لعلها لا تستطيع الوصول إليه ومن ثم الحصول عليها ، لهذا تتمناه أن يأتيها من عالم اللا واقع ومن خلال الإستعانة بقوى خارجية جبارة غيبية ، لهذا فهي لازالت في قرارة نفسها تمانع " أخير من بوم " وكذلك " لابد ما القى " لأن مثل هذه الأساليب إيحاء بمدى إحساسها بالقحط العاطفي والنضوب الوجداني المتمثل بتأزم موقفها المرتبط بالطموح ، وما تتمناه من هذه الدنيا .
 
 - التوحد الإنفرادي بشكل متداخل

في هذه الفقرة تتشابك الرؤى الشعرية عند الشاعرة حيث أنها تخلط الأثنين معاً في سياق واحد سواء على مستوى البيت الواحد أو من خلال تعاملها مع النص الشعري ككل  من  حيث كونه مادة أدبية متكاملة بحد ذاتها ، وهذا ما سوف يتضح لنا في هذه الوقفة .
 

اقصد الليل ..  ديم
صب هيل الحديث
بروح من ذاب شعر
يا فناجيل شربت ..
ألف غيمة .. وريم
 
في هذه المقطوعة دعوة تحريضية للتواصل والإستمرار في الكلام ، هذه الدعوة التي بدأت مع أول هذه المقطع " اقصد " أي قل شعراً وكلاماً منمقاً عذباً " هيل الحديث " وذلك من خلال الإعتماد على فعل أمر آخر " صب " لتأكيد عملية التحريض وتأصيل حركة الإستمرار مع الحب ، لكن المفيد بالنسبة لنا من هذا الكلام ، هو محاولة الشاعرة المزج بين الغيمة والريم ، حيث أن كل مدلول من هذين المدلولين يسير وفق مساحة مكانية معينة ، رغم ارتباط كلا الدلالتين بالتوحد الإنفرادي ، وهذا إن دل فإنما يدل على حرص الشاعرة على إيجاد هذا النسيج في هذا السياق من أجل تكثيف صورة الربط بين السماء والأرض ليشكلان في  الأخير  محوراً واحداً للتوحد والإنفراد بعيداً عن تداعيات الواقع ، وهنا يجدر بنا العودة إلى أول الكلام الذي ذكرناه في هذا القسم من أن الشاعرة عندما مزجت " هيل الحديث " بـ " فناجيل شربت " وذلك من أجل إيجاد هذه الخلطة السحرية الجميلة في التواصل مع الآخر ، إلا أننا ربطنا هذا السحر في نهاية الأمر بعالم المرأة الخلاق من خلال الإتكاء على مدلولين يشيران إلى الأنثى وهما " غيمة " و " ريم " لأن المرأة هي المحصلة النهائية لكل شيء جميل في هذه الحياة ، وهذا ما أرادت توضيحه الشاعرة لكن بطريقة غير مباشرة .

ما شفت لك طير .. شلع قبله الصيد
وإذا ارتكى ما ينفض إلا .. الجميلة
 
 هنا يبرز معنا ملمح آخر للتوحش وللتوحد الإنفرادي ، وهو توحد تصاعدي لا 
 انسيابي وهذه الثنائية في التوحد تم الحديث عنها ، لأن الشاعرة تريد
 البحث عن أرض تناسبها لا تشبه الأرض التي تسير عليها لهذا تلجأ إلى
 الهروب الإنسياح في الأرض أو تتمنى التحليق في الفضاء بعيداً عن كل
 الماديات المحسوسة بحثاً عن عوالمها المجردة التي لا يمكنها أن تلتقي بها
 على أرض الواقع . وكان استخدام الشاعرة لكلمة " طير " إشارة إلى تعلقها
 بالصعود وحرصها على الصعود إلى أعلى والبحث في الفضاء عن حياتها التي
 تريد ، ثم تواصل الحديث في نفس هذا النص الذي منه هذا البيت
 
 
محدٍ قواه وروضه .. عاطف الجيد
وروض غلاه .. المهرة .. المستحيله
قبله .. وأنا .. بي ظبيةٍ تدمي الجيد
تطعن سنين المهتوي من غليله
 
 
 
 يستمر المشهد الشعري ، لكن بسياق مختلف ، حيث ينتقل التوحد الإنفرادي  ليشغل مساحات شاسعة من الأرض ، من خلال الإعتماد على مفردتي " المهرة –  ظبية " وهما كلمتان توحيان بالنفور والإنسياح في الأرض وعدم الترويض ،  وهذا من خلال إلتفاتنا إلى كلا البيتين " محد قواه وروضيه – تطعن "  وكأن   عدم المقدرة  على عسف هذه المهرة هو ما ولد الطعن أو الشعور به في هذا   السياق:
 
ما يعيّر عشقته كود " الصغير "
ولا يسيء لظبيته .. غير الردي
 
ثم تقول في نفس هذا النص
 
ولوك رجالٍ ولك قلب وضمير
 ما تخيلها .. بالأيام تغدي
 
 
 
وتقول في آخر بيتين من هذه القصيدة
 
والعطا .. يا خيل يا القلب الضرير
ما يعيبه .. الكريم الأجودي
لا تذب الشوك بالقلب الحرير
ولا تعذرب بالثريا .. يا الجدي
 
 
هذه القصيدة ككل مجموعة من الشتائم الحادة القاسية ، وقد يكون هذا النص ابن ساعته ، أي كتبته الشاعرة على عجالة ، وفي حالة غضب .. ونحن هنا سنتعامل مع هذا النص وفق السياق الفني الذي نتحرك من خلاله ، لذا سنتوقف عند البيت الأخير ، ثم ننطلق فيما بعد إلى بقية أبيات القصيدة .
 
في هذا البيت تصف الشاعرة نفسها  " بالثريا " كدلالة على التوحد الإنفرادي والإرتفاع عمن حولها من بنات جنسها ، وهي في المقابل تصف المقابل لها بـ " الجدي " والجدي هنا ليس المراد منه النجم المعروف في السماء ، لأنها في هذا الوصف أو في هذا الترميز ستمدحه وستثني عليه ، وهذا الإجراء لا يتناسب مع الجو العام للنص ، إنما تريد الشاعرة من هذا الكلام وصفه بـ " التيس الصغير " وهذا الوصف رغم ما به من بشاعة وتدنٍّ في التعامل مع الآخر غير أنه يتناغم مع الجو العام للنص ، فهي في هذا الترميز تربط نفسها بالسماء بينما تربط المقابل لها بالثرى ، والثرى عكس الثريا ، وهذا الوصف يتوافق مع معنى القصيدة رغم ما بهذا النص من بشاعة في الوصف وسوء تعامل في الطرح ، حيث أنها وصفته في أبيات أخرى بدلالات لا تقل بشاعة عن هذا الكلام إذ تقول في البيت الأول " الصغير " وهي من الصغار والإحتقار , أو الصغير  بمعناه الواضح المعروف ، ثم أطلقت عليه مسمى " الردى " فيما بعد من نفس ذلك البيت ، وبعد ذلك انطلقت في شتمه كما تريد وكما يحلو لها " ولوك رجالٍ ولك قلب وضمير " ثم تقول عنه " يا خبل " وبعد ذلك " يا القلب الضرير " وهذا ما جعل الشاعرة تخرج عن عباءتها التي عرفناها بها ، وقد نجد العذر للشاعرة في هذا النص ، أنه صادر من موقف عفوي تلقائي ولم يكن نابعاً  عن الصوت  المدوي في الوجدان , أي أنه نتاج لموقف عفوي تلقائي .
 
 
 
وقفة عابرة :

هنا سأضع بين يدي القارئ الكريم عدداً من نصوص الشاعرة ريمية " حصة هلال " التي أرى أنها بحاجة إلى التوقف وإعادة النظر بها للتعرف على جماليات النص الشعري لدى هذه الشاعرة التي شغلت المهتمين بالساحة الشعبية فترة من الزمن ، وهذه النصوص باستثناء نصين  ، وهما " أنا .. فقيرة ومشهورة " ونص " تبشيرة إخصاب " ، أما بقية النصوص فهي نابعة من تعامل الشاعرة الحدسي المتخوف من الرجل , وأنا هنا سأكتفي بالوقوف عند بيتين في إحدى هذه النصوص ، بينما أترك الباقي من النصوص وفق رؤية القارئ الكريم لها ، حيث تقول في " ضلع .. أعوجاج "
 
لا تقومني .. وأنا ضلع اعوجاج
ينكسر بايديك قلبي يا غشيم
الرضا محتاج له وقت ومزاج
وما خبرتك طمس .. بطباع الحريم
 
 
هذا النص من الوجهة العامة استغراق في عالم الأنثى وفهم عميق لعالم الرجل ، وهو نص عقلاني رغم أن مفردة العقل أو أي إشارة تدل عليه ، لم تكن ضمن هذا النص ، إلا أن جوه العام يوحي بهذا المنحى ، ولعل الشاعرة شعرت أن هذه القصيدة لها ولبنات جنسها ، لذا أبت أن يطل عليها أو يشاركها الرجل رغم أهميته بالنسبة لها ، إلا من خلال مفردة " غشيم " التي جاءت كنوع من التهكم الاستفزازي وكأنها لا تريد في هذا المشهد إلا ذاتها الأنثوية ، وهنا يتضح لنا ، ومن خلال هذا النص أن الشاعرة لم تكن فاهمة الرجل فقط بل تجاوزته وكادت أن تلعب به من خلال توجيهه وتأنيبه .
 
ففي البيت الأول والثاني ، يتجه الخطاب الشعري ، ومنذ اللحظة الأولى إلى تكثيف عالم المرأة ، ذلك العالم القائم على ضرورة القوامة والتقويم ، لهذا تلجأ الشاعرة إلى الموروث الذهني المعتمد بأن المرأة خلقت من ضلع أعوج وبدأت بالتحرك من خلال هذا السياق التاريخي ، حيث ترتكز على هذا الموروث الروحي والعرف الإجتماعي المؤمن بهذا الفهم المتعمق في الذاكرة الجمعية الخاصة بالمرأة ، فتخطف منه المبادرة وتعمل على توجيه الخطاب الشعري في هذا البيت وفق ما تريد لتصل في نهاية المطاف إلى وصف المقابل لها بالـ "  غشيم  " حيث تؤكد هذه الحقيقة الإجتماعية المستمدة من " عالم الحريم " باعتبار أنهن عارفات بما ينبغي وما لا ينبغي أثناء التعامل معهن ، كما هو مبين في البيت الثاني . وهذا تأكيد للرأي الذي ذهبنا إليه في عموم هذا البحث بأن الشاعرة لم تمارس الحب ، أو لعلها لم تعرفه إلا من خلال عشقها للشعر وتعلقها بالقصائد ، لأنها متجاوزة في هذا الفهم للرجل ومدركة لكل أبعاده ، لهذا كانت تتعامل معه إما بندية أو بتعالٍ ، وهذا ما جعلها تكون غير ساذجة في تعاطيها مع الحب ، إذ أنها كانت امرأة عاقلة ولم تكن فتاة مراهقة ، وبإمكان القارئ الكريم اكتشاف هذه الجوانب في شخصيتها الشعرية عندما يقف عند هذه النصوص التي اخترتها للقراءة وإعادة النظر فيها ، وللتعرف من خلالها على الشاعرة ريمية " حصة هلال " عن كثب . وقد أطلقت على هذه المجموعة الشعرية المختار مسمى " سباعية ريمية " ، التي أتمنى من الله سبحانه وتعالى أن تنال على إعجاب الجميع ، ويكتشف القارئ الكريم الملامح الفنية التي قصدتها في هذه الدراسة عن طريق تلك المجموعة المختارة .
 
لكن قبل  أن أضع يدي عن هذا الموضوع ، يجدر بي الإشارة إلى بعض الملاحظات التي لاحظتها على شعر ريمية ، وأهم هذه الملاحظات هي  عدم مرونة   المفردة الشعرية ، إذ أنها لم تمنحني المساحة الكافية  للتحرك من خلالها ، حيث أحسست أنني مكبل بقيود صارمة وكنت في بعض المرات كأنني أسير على السكين للوصول إلى ما أريد من الشاعرة أو ما تريد الشاعرة مني ، ثم لاحظت بعد ذلك ، وهذه الملاحظة مرتبطة بالملاحظة الأولى ، وهي محدودية  الخيال في النص الشعري لديها ، وهذه  المحدودية  مرتبطة  ارتباطاً وثيقاً بالمفردة الشعرية التي تم الحديث عنها ، أما الملاحظة الثالثة ، وهي ملاحظة شكلانية رغم أن لها علاقة بالمضمون ، حيث أن النص العمودي أقوى من التفعيلة ، كما أن قصيدة التفعيلة تدور في عالم القصيدة العمودية ، أي أن النفس العمودي مسيطر على أجواء قصيدة التفعيلة لدى الشاعرة وهذا الكلام في اعتقادي لا يقلل من مكانة سيدة الشعر النسائي في الساحة الشعبية ، بل تظل ريمية رقماً صعباً من العسير تجاوزه نسائياً . وفي الختام أترك للقارئ الكريم قراءة " سباعية ريمية "  التي اخترتها له  في آخر المطاف .

بقلم : محمد مهاوش الظفيري




الأحد, 01 يونيو 2008 01:01:00


 

[يرجى ذكر المصدر في حال نقل الموضوع - مجلة أنهآر الأدبية ]



 

  إقرأ أيضا  ...


رحيل سولجينتسين ..أسطورة المواجهة / د. أحمد الخميسي
على صدر صفحتها الأولى كتبت كمسمولسكايا برافدا الروسية - الاثنين 4 أغسطس - تحت عنوان " ألكسندر سولجينتسين يفارق الحياة " تقول : " في


هزمتك وانت انتصرت / فيصل العلوي *
ابحث عن نفسي في هذا العالم ولا اجد من الأخبار سوى ( مقترح تشكيل حكومة فلسطينية من خارج الفصائل ) .. (وزير الأوقاف الفلسطيني يدين اقتحام المستوطنين

أ ُكلت حين أ ُكل الثور الأبيض / فيحان الصواغ
الشعر الشعبي في الوجدان العراقي / فارس حامد عبد الكريم
عودة شاعر المليون بــ22مليون ووصوله للعالميه ودعم الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي للثقافة والأدب ..
كيف تبقى متميزا !? / بمناسبة العام التاسع يكتبه رئيس مجلس الشعر العماني
أمثال .. ولكن / تحكيها : أنفال القلاف ..
يا شعراء الكويت خذوا من الشبرمي هذا الدرس .. / أنهآر
بعض الصفحات الشعبية في الكويت .. والعمل الجاد / فيحان الصواغ
يا سادة الماء يا سباع المواني / خميس الوشاحي
الفضائيات الشعرية و الهدف الضبابي ! / الشاعر والناقد مبارك الودعاني
الثقافة الرقمية / فاطمة البحراني

  أقسام المجلة..

  تصويت ..

ما هي مجلتك المفضلة ؟
مجلة المختلف؟
مجلة وضوح؟
مجلة ليلة خميس؟
مجلة قطوف؟
مجلة شاعر المليون؟
مجلة جواهر؟
مجلة فواصل؟

  البحث ..

  

  الأرشيف ..

أغسطس 2008
السالأالأالثالأالخالج
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31          

  إشترك في أنهآر .. 

ضع بريدك هنا

إشتراك
إلغاء الأشتراك

 أخبار أدبية : الـ RSS..

- ما هي الـ RSS ?
الأخبار الأدبية : Preview Chanel

شارك برأيك في مواد القسم

 

:: التعليقات ::

 

:: أضف تعليقك::
الإسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان الرسالة:
رسالتك أو تعليقك :


 

  للتسجيل من هنا ..

منتديات أنهآر الأدبية


جميع الحقوق محفوظة © لمجلة أنهآر الادبية وأصحابها - لأي استفسار يرجى المراسلة ( من هنا )

تعتبر الآراء والمقالات وكل ما يكتب في مجلة أنهآر الأدبية رأي خاص بالكاتب وليس بالضرورة رأي مجلة أنهآر