الغزال بنوعية عفيفا وصريحة أول ما يدور في البوتقة الشعرية للشاعر الراحل محمود احمد حسن تميرك [2008:1934] فحينما تقع عيناك علي شعر الراحل فنجد صدق العاطفة وحرارة الشوق ورقة اللسان وبالغوص في أعماق شاعرنا نجد قصائد ثرية بالمفردات والتراكيب والصورة الرائعة المرتبطة بواقع الشبابي علي الرغم من اكتشافي المتأخر لشخصية الراحل فقد وجدت روحي أمام أسطورة شعرية رائعة تجسد الماضي في اجمل صوره ومن خلال غزله لشعر الغزل في عامية مفرطة يتبين انه إنسان يخضع لسلطان الحب ويعجب بمحبوبته ففي قصيدة (جمالك) يقول:
جمالك فوق ما اشتهي
وثغرك بسمه لا تنتهي
وعينك بحر لست ادري ما به
ووجهك فريد في أوصافه
وثغرك اسود ليل في سريانه
وفي قصيده أخرى يناجي محبوبته في أسلوب راق ففي قصيده إلى من احب يقول:
جلست من بدري......أرنو إلى الكبرى
أرجو محياك..........يطل كالبدر
يا سحر العين.........يا ضاحك السن
يا قطعه مني...........أفديك بالعمر
يا روعه القد..........يا احمر الخد
يا منبع الأنين...........بالهوي العذري
وعن تجارب الشاعر في الحب فهي قليلة فلذ لك عاش تجربه مع محبوبته التي عذبته وأذاقته مرارة الهوي واللهيب والجمر المتقد عند لقاء محبوبته وكأنه عاشق ولهان يذرف الدموع ليلا فقال في قصيدة ( أنا والغرام ) :
فأجاني الغرام... ما باليد حيله
واجهت الغرام....بتجربة قليلة
يا حبيبي جف ريقي...اقبل إلى اطفي لهيبي
ويستعطف محبوبته فهو رهن إشارتها فحينما تشير إليه ببنانها تجده بين يديها عشق ولهان مطيعا فيقول في نفس القصيدة:
ترفق حبيبي وخدني
رهن البنانا تجدني
فأنت الذي تسعدني
وتجعل الدنيا جميلة
وشاعر وطني مخلص لوطنه فتظهر بين ثنايا شعره المغدقة بالأفراح تارة والأحزان تارة فيجسد لنا أحزان الشعب المصري في نكسة67 التى عاشها كما عاشها أقرانه وأترابه وتأثر بها فطالب باسترداد الكرامة ورفع الهامة وعودة الابتسامة فقال :-
هنا فى بلدتى ... أهينت كرامتى
بجرح نافذ ... أهدر قيمتى
فقد قام العدو ... بهجوم من الجو
مزق خيمتى ... وقتل إخوتى
وكانت نكستى ... لها دوى
أراد باحتقار ... محو عروبتى
سأرفع الرايات ... وأجمع الشتات
سأرفع الهامة ... وأسترد الكرامة
أما معاناة مصر التى أصبحت كالطير الجريح منها الدماء تسيح وكان أمله أن نغسل العار ونضمد الجراح ففى قصيدة " مصر 1967 قال :
مصر كطير جريح ... بسكين حامية
منه الدم يسيح ... والروح باقية
أذهلتها الهزيمة ... مزقتها روعتها
ولولا العزيمة لصارت ... مصر غنيمة
مصر تكفكف الدموع ... مصر تضمد الجراح
مصر تتأسى انتظارا ... تريد أن تغسل العارا
ويخرج شاعرنا من أتراح الوطن إلى أفراحه ففى ذكرى تحرير سيناء الغالية يقول :
سطا اليهود عليك يا سينا ... واجتاحوا شطرا من أراضينا
وعاش الشعب فى نكسة ... مأخوذا بها مهموما حزينا
نسوا عبر التاريخ وأعماهم ... الصلف عن رؤية ماضينا
فقد سطا الهكسوس وغيرهم ... وردوا على الأعقاب خائبينا
ثم تولى السادات الحكم فينا ... وكان واعيا كيسا وفطينا
نزلنا عليهم نزول الصواعق ... ففروا مذعورين شمالا ويمينا
والآن اهدأ يا سادات بنوم ... فمبارك على أثرك بانينا
وعن ارتباط الشاعر بالبيئة التى عاش فيها فقطن قنا طالبا ومعلما وموجها وأبا عاصر فترة ازدهارها وتطويرها حتى أصبحت تضارع مدن أوروبا فقال فى إحدى وسائل المواصلات المبتكرة ( طفطف قنا ) :
طفطف يا طفطف ... يا حلو يا مزخرف
ماشى على مهلك .. ماشى تتلطف
والكل فرحان .. والفرحة بتهفهف
والراكب فى كل مكان .. ولا حد على الرفرف
بلد عبد الرحيم .. صارت بجمال متحف
وشكرا للإله على لبيب والطفطف
ونختم المجموعة الشعرية لشاعرنا الراحل تميرك بخير ختام ألا وهى النزعة الدينية لدى شاعرنا فنشأ رحمه الله عليه وسط أسرة دينية ملتزمة متمسكة بتعاليم الدين الإسلامي وسط المكتبات الزاخرة بأمهات الكتب والتفاسير فأهله هم علماء الدين والخطباء وأهل الرأي فكتب قصيدته فى ذكرى الإسراء والمعراج فقال : -
بكيت يا محمد حين ضاق صدرك
وشدد الكافرين عليك الأذى والخناق
ورحل عنك من الأحباب خير الرفاق
وكان الإسراء بك ليلا عابرا كل الآفاق
من البيت الحرام إلى الأقصى أمرا لك راق
على مشهد الرسل ينظرون إليك فى اشتياق
أميت الصلاة بهم وقلبك بالرضا خفاق
بعد الصلاة أتى جبريل ممسكا بالبراق
وتمت رحلة المعراج بك فوق كل سباق
عبرت سبع سماوات طويتها فى انطلاق
حتى بلغت السدرة واستحب جبريل الفراق
وقد رحل الشاعر / محمود تميرك عن دنيانا فى يناير 2008 م تاركا ورائه سجلا مشرفا حافلا من الشعر رحمة الله على شاعرنا .
بقلم : أ / أسامة محمد أمين – عضو رابطة الأدب الإسلامى العالمية