إحدى خدمات مجلة أنهآر الأدبية

الأولى | أسرة التحرير | المنتديات الأدبية | مركز أنهآر الإخباري | أرسل مشاركتك | خدمة الـ RSS من مجلة أنهآر | إشترك في قائمة المراسلات

 
 :: تصفح أنهآر :

    

تحقيق أنهآر

  الأخبار الأدبية ..

علي المسعودي لأنهآر : قناة الخليج ستشهد نقلة نوعية تزامناً مع العيد الوطني لدولة قطر ... :: مع قرب موعد الإنطلاق , حمى مقاطع الفيديو لشاعر المليون تبدأ من جديد ... :: ديوان ليل مشغول بالفتنة للشاعرة سعدية مفرح يحقق أعلى مبيعات في معرض الكويت للكتاب ... :: الشاعر والإعلامي السعودي عبدالله حمير القحطاني يشيد بأنهآر ويبارك لها المئوية الأولى .. :: مساء غد الخميس، وللمرة الأولى: جمهور الشعر النبطي في حوار مباشر مع أعضاء لجنة تحكيم شاعر المليون ... :: صدور العدد المئوي من مجلة أنهآر الأدبية , وإشادات كبيرة من كبار الإعلاميين في الخليج .. :: يرأس تحريرها الزميل الصحفي محمد ساري ,, مجلة أصالة الخليج في الأسواق الخليجية خلال شهر ديسمبر ... ::

الرجل الذي فقد خطـّه / عميّر بوداود


مـرّ عقدان من الزمن و يزيد على تعلمه استخدام جهاز الكمبيوتر و إتقان العمل به ، لقد بات الآن  وسيلته الوحيدة في ممارسة الكتابة و القراءة كذلك...
أثاث جديد احتل مكانا مميّزا في بيته ، و لكنه ليس كجميع الأثاث ! فقد تمتّع منذ أن ولجت خيوطه الكهربائية جدار الغرفة بحظوة و مكانة خاصة ، راح يحيطه بعناية
فائقة و اهتمام خاص ،  تطورت العلاقة مع الجهاز  ليصبح جزءا لا يتجزأ من أفراد العائلة ينافس باهتمامه الرعاية التي يوليها لزوجته و ابنته و بعض أثاثه .
 لقد استشعر صحبته و مع مرور الزمن و تطور الوسائل بشيء هو مزيج من الألفة الدائمة و الإدمان ... أضحى منذئذ جليسه في صحوه و نومه ، لا يستطيع لفراقه سبيلا ، جميع محاولات  الابتعاد عنه باختلاق بدائل جديدة باءت بالفشل ...

 كان أول فعل يقدم عليه عندما يلتحق بمنزله هو تشغيل الجهاز ، بشكل لا إرادي  أحيانا ، ثم يمضي بعد ذلك متابعا شؤونه داخل البيت ، ليس مهما أن يقوم بعمل معيّن به ، و لكن يكفي اشتغاله ليشعر بشيء لا يجد له معنى ، يتسلّـل إلى وجدانه فيحدث فيه ما يشبه الاطمئنان .       
اليوم ، راوده حنين غريب !

لقد عقد العزم على مطالعة كتاب ورقي ، أجل كتاب ! كائنا ما كان هذا الكتاب ... لا يهم عنوانه و لا مؤلفه ! المهم في كل ذلك أن يسترد سعادة اكتشاف ملامسة أوراقه من جديد ، يشمّ رائحة افتقدها منذ أمد بعيد و ينصت مستمتعا إلى رنّة مميزة تحدثها خشخشة وريقاته و هي تتابع متعة عدها العكسي نحو آخر سطر...   

منذ أن حلّ الجهاز بمنزله... توقف اهتمامه بالكتابة و القراءة قليلا ثم تماما ! غابت أقلام الكتابة أو تكاد من البيت ، لم يعد لها جدوى ! أما كتبه فقد  انتقلت من موقع متميّز في حجرته الخاصة إلى غرفة تقوم مقام المخزن و قد رصّت عشوائيا إلى جانب أشياء من سقط المتاع و مؤجلات الأدوات المنزلية المتوقفة عن الاستعمال...

هذه المرة قرر أن يعود إلى الكتاب يحاول اكتشافه من جديد، تماما كما هو دأبه عندما يستبد به الحنين للماضي ، يعود ليحدق بلهفة في صّور قديمة التقطت أيام شبابه و صباه ، يفتش عبثا عن شيء يطفئ  ظمأ حاضر امتلأ إلى حد التخمة بمنغصات حياة ترفض التوقف عن الدوران . 

فكّـر أنه لم يتصفح كتابا واحدا و لا حتى مجلة أو جريدة منذ أن احتل جهاز الكمبيوتر تفاصيل حياته ! أي منذ عقدين من الزمن أو يزيد ، و لكن ما جدوى أن يقرأ كتابا و جميع أصناف الكتب و المجلدات القديمة و المعاصرة متوافرة في بضعة أقراص فاقت عشرات العشرات من الكتب التي كانت تملأ حجرته و بيته لحد التخمة !


ليس هذا فحسب بل و في استطاعته أن يتصفح أوراق كتبه الافتراضية بسهولة و يسر بما يكسبه وقتا و جهدا و مالا ...
حاول جاهدا إبعاد فكرة مطالعة الكتاب عن ذهنه ، و لكنه سرعان ما رضخ لتصميمه بعد أن ألحّت عليه الفكرة كالهاجس .
توجه صوب غرفة لفّها الظلام ، ثمة كومة من الكتب مبعثرة هنا و هناك في غير ترتيب ،  هناك أيضا جرائد و مجلات ملقاة على الأرض بإهمال واضح.
كتب ، مجلات و صحف ... احتلت ذات زمن مكانا مميّـزا في غرفته الخاصة و في ركن مشع من قلبه و وجدانه ، التهمها على حين غرة جهاز اختزل المكان و الأشياء  و قد أوصد عليه داخل حيز ضيق من غرفة حاولت أن تصنع من حياة افتراضية حياة جديـدة ...

أشعل نور الغرفة ثم انحنى لتناول كتاب بعينه ، نفض عنه الغبار ، وضع نظارته ، أحس و هو يقلّب بمهل صفحات الكتاب برعشة خفيفة تسري في أنحاء مختلفة من جسده كدبيب النمل ، و كأنه يكتشف القراءة لأول مرة أو هكذا خيّـل إليه ، ولكنه لم يلبث أن داهمته سعادة عارمة  و هو يتبيّن بمشقة خيوطا رهيفة لشيء عزيز على قلبه و وجدانه افتقده و كاد أن يلفـّه النسيان.
ها هو يقرأ ! ما كان يتوهم وقوعه لحسن حظه لم يحدث ، خيط التواصل مع القراءة لم ينقطع ، و لكنه شيئا فشيئا و مع استمرار لهفة قراءة تلتهم سطور كتاب لم يكن يعنيه محتواه في شيء ، اكتشف أمرا أربك كيانه ، صحيح إنه يقرأ ! و لكنه يقرأ ببطء شديد ، يتلعثم ، يقرأ و لسانه يتعثر بين الفينة و الأخرى كما لم يحدث له ذلك من قبل ... من قبل ! لا ! من زمن بعيد ! منذ أن حلّ الجهاز اللعين بمنزله...

ياه ! و هو الذي كان يفتخر منذ سنوات تعليمه الأولى بسرعته الخارقة في قراءة نصوص الكتاب المدرسي ، قراءة لم يكن يضاهيه فيها أحد ، كان يتفوق على أقرانه في سرعة القراءة و في حسن الإلقاء  ، و كان مضرب المثل في ذلك  ...

في لحظة  توتـّر استوطن جزءا واسعا من تفكيره ، تذكّر فجأة الكتابة ، حاول عبثا أن يطرد من تفكيره اعتقاد داهمه على حين غـّرة ، ماذا لو يكون قد نسي الكتابة ! أو في أحسن الأحوال أن يصبح خطّه غير خطّه ! بذاك الرونق و الجمال المميّزين له ،  تذكر مفتخرا خطه الجميل الذي كان يثير غيرة أترابه و تهنئة أساتذته ، لم يتعلمه من أحد  و لكنها موهبة حباها الله بها .  
انتفض قائما يسرع البحث عن قلم و ورقة يحاول اختبار الكتابة عليها ، فتّـش أركان غرفته ، بعثر أشياءها ، تفطن إلى أنه قلق و متوتر بشكل لم يسبق له نظير ، لعن في قرارة نفسه اللحظة التي أعادته إلى حنين الكتابة و القراءة خارج ما بات متعودا عليه منذ عقدين من الزمن ، شكر الله  انه وحيدا في المنزل و إلا كانت تصرفاته تثير ريبة زوجته .  لم يعثر على القلم !  تفطـّن إلى أنه لم يشتر قلما منذ أمد بعيد ، منذ أن استقر رأيه - بتواطؤ مع الكمبيوتر – على عدم جدوى حضوره .

تذكر فجأة محفظة ابنته ، ارتسمت ابتسامة شاحبة على أسارير وجهه و هو يستعيد شريط صخبها الجميل الذي كان يملأ البيت نشاطا و حبورا ، يسدّ من خلالهما أبواب فراغ كاد أن يتحول الى وحش ضار لولا وجودها الملائكي.

 فكّر أن الوحدة مهلكة حقا ، كفيلة بأن تنحو بالمرء إلى متاهة الجنون ، كان يهزأ أمامها من المحفظة و ما تحمله من أدوات و كتب . في البلاد المتطورة - قال لها ذات يوم - شرعوا في التخلي تدريجيا على وظيفة المحفظة بعد أن حلّ محلها جهاز صغير جدا يوضع في الجيب بإمكانه أن يحمل مكتبة بأكملها.
هرع مسرعا صوب غرفة ابنته ، بحث عن محفظتها ، فتـّش في دولابها ، بعثر بعضا من لعبها و ملابسها ، تفطن إلى أن مؤشر الارتباك تضاعف أكثر بشكل خشي أن يتحول إلى شيء يشبه الهوس ، حاول جادا أن يلتقط شيئا من أنفاسه اللاهثة ، لكنه سرعان ما دبّ في جسمه ارتياح بعد أن عثر أخيرا على المحفظة ، عاد إلى حجرته ، سحب من داخل المحفظة كراسا ، ثم قلما ، و بدأ يكتب ...

- يا الهي ! نسيت الكتابة !
صاح فزعا بعد أن توقف القلم جامدا بين أنامله أو يكاد ، و لكنه ما لبث أن تدارك قلقه بعد هنيهة عندما تحرك القلم بطيئا من مكانه ، قائلا بنبرات أقل حدة :
- لا ، لم أنس الكتابة !

ثم أردف في شيء من الحسرة :
- و مع ذلك ... الخط لم يعد خطي ، لقد فقدت خطي الجميل إلى غير رجعة ...  
اجتاحته من جديد دوامة من الغضب ، عبثا حاول أن يعيد كرّة الكتابة كما يشتهيها  و لكن دون جدوى ، انتهى إلى النتيجة نفسها : خط ردئ لا يمت إلى خط يده - أو ما كان خط يده - بصلة .
مزق الدفتر حاقدا ، رماه ملء قّوته إلى أبعد مكان ، قبل أن يستلقي متهالكا على الأريكة ، مسح بكف يده حبات العرق التي تصببت على جبينه ، بحث في جيوبه عن علبة سجائر ، ارتسمت على أسارير وجهه ابتسامة ساخرة لما آل إليه حاله بعد أن تفطّن إلى انه أقلع عن التدخين منذ فترة .

 فجأة حانت منه التفاتة إلى الدفتر الممزق ، راح يبحث عنه ، التقطه من الأرض ، قلـّب صفحاته ، ثمة جداول ، معدلات ، إمضاء  المعلم  و خاتم مدير المؤسسة لا يكاد يتبيّـنه من أثر التمزيق .
- اللعنة ! الدفتر ، دفتر اختبار ابنتي !
صاح حانقا و هو يرمق بشزر جهاز الكمبيوتر.

قصة : عميّر بوداود - الجزائر




الأربعاء, 01 أكتوبر 2008 08:04:00


 

[يرجى ذكر المصدر في حال نقل الموضوع - مجلة أنهآر الأدبية ]



 

  إقرأ أيضا  ...


العرض مستمر / هاشم فتحي أحمد
صفارة إنذار ..كلمات متداخلة (ابتعد ..قف ..السرعة مراقبة بالردار..أخبار .أهرام. جمهورية ..بدلة حمادة بجنية وربع ) انه ينتظر شيئا ما .. ربما يكون


سمــك بانـيـة / وائل صلاح محمد
محمد عبد الرحمن العوضى شاب مصرى من إحدى القرى التابعة لمركز المنزلة محافظة الدقهلية بمصر ، ذهب إلى المملكة العربية السعودية كما ذهب غيره من المصريين

تداعيات البعد الواحد / أحمد الجنديل
منطقــتي الآمنــة / ضياء الخالدي ..
إسبانيا / نهى غنام
قصص قصيرة جداً / عادل العابر
رغـيـف الـخبــز/ خالد النهيدي
غيــبــوبــة /عادل العجيمي
خيّرتك... / ياسمين عبدالله
فرصة عمل / محمد سلوم
ســــنوات الــــنحــــس / خالد عبد اللطيف - المغرب.
قريبا سينتهي / ياسمين عبدالله

:: التعليقات ::

 

:: أضف تعليقك::
الإسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان الرسالة:
رسالتك أو تعليقك :


 

  للتسجيل من هنا ..

منتديات أنهآر الأدبية


جميع الحقوق محفوظة © لمجلة أنهآر الادبية وأصحابها - لأي استفسار يرجى المراسلة ( من هنا )

تعتبر الآراء والمقالات وكل ما يكتب في مجلة أنهآر الأدبية رأي خاص بالكاتب وليس بالضرورة رأي مجلة أنهآر