هي ، لم تقل كل الذي تريد أن تقوله :
أشارت الى النخلة وأغمضت عينيها ،
أشارت الى فضاء ركلَ غيمتها ،
ومضى بعيداً
الظل ، لم يلتفت إليها ،
ترك الجسر يعبر حافياً فوق الماء
لتكتمل ، صورة الخروج ، عن متن المدونة .
النخلة قالت : هذا ليس ظلي ،
أنه أصلع وممسوخ الوجه ،
كان ظلي ، ذا شاربين طويلين ، مثل جديلة مهرة ،
قبل أن يسقطها الجري المتواصل .
قال الظل : هذه ليست النخلة التي أنتمي اليها ،
يمكنك أن تسمها ماشئت ، إلا نخلة ،
النخلة التي أنتمي إليها ، كانت نخلة !!
الذي أراه الآن : جذع خاو يكاد
أن يسقط فوق جدار البيت المائل .
الفراغ قال : أجل لمحتها جالسة هنا،
قبل أن ينطلق السهم من قوسه ،
ولما إلتفت ، رأيت المقعد فارغا ،
لذلك لم يعد بالامكان ، إعادة السهم إلى القوس ثانية .
المرأة قالت : سأصعد على كتفي ، وألقي بنفسي إلى الهاوية .
ـــ الوطن ، مثل قطعة شكولاتا،
بيد طفل جائع يقف على الرصيف ،
بإنتظار الحافلة .
المرأة قالت : أتقصد الذي أخبئه ،
بين الفواصل والحروف ،
في المساءات الباردة المزروعة فوق رعشة الدماء ،
في التراب
المعبأ برائحة السردين ؟ .
أتقصد ، قلبي الذي تلاقفته العجلات ؟ .
لقد تعبت ، وأنا أحمله أينما أذهب ،
حتى لم تعد الحقيبة بمستطاعها ،
أن تعبر المنحدر .
وطني المتسكع في شوارع المدن الأخرى ،
الممنوع من دخول شارع الرشيد .
الكلبة التي تهز ذيلها للعابرين ، نبحت ،
الفراغ لوح لها بعصاه ،
المرأة قالت : سأمزق ظلي ،
وأكشف عن مفاتني للغرباء ،
وأجعلكم إضحوكة ،
تقرأ بجميع اللغات ،
النخلة قالت : هذه ليست المرأة
التي كانت الريح تتهجى ملامحها ،
كلما داهم الأرض المخاض ،
الظل ، يرقب بريبة ،
سقوطه المدوي .
ـــ البلاد ، أمنا التي ولدتنا بغتة ،
من غير أن تلتفت لحاجة المكان ،
وضعتنا على قارعة الطريق ،
ومضت ،
تفرقنا بين الشعاب والأودية ،
الأول : أصبح نجاراً ، إفتتح باب مهارته ، بتابوت يسع الأرض ،
الثاني : خماراً ، أقام مملكة باهرة ، لخمور ، تغري الطير بفتنتها ،
الثالث : بحاراً ، شق جدار البحر الى نصفين ،
الرابع : دليلاً ، قاد الى البيت الشجرة ،
الخامس : دجالاً ، لم يترك زاوية ، إلا وذر عليها ، ما تمليه الرغبة على ماجنها ،
السادس : أفاقاً ، أنشأ سوقا رائجة لمساحيق شتى ،
السابع : بليداً ، يأكل لحم الموتى ، ويلقي بعظامها لكلبته .
ـــ بلادي أتعبها المنفى ، وما زالت بلادي ،
المرأة قالت : إلاما يحط على كتفي غراب أسود ،
يأكل القصائد ،
ومن ثمة يصفق بجناحيه ، ويطير ؟
أعيدو إليَّ ، الساقية ، والوردة ، وكتابي المسروق ،
أعيدو إليَّ ، ترابي ، ويدي المتوغلة عميقاً فيه ،
النخلة قالت : هه .. ، إنظر ، تبحث عن يدها ،
والأرضة تنهش جذري ،
الظل ، جلس يعد ثقوب فجيعته ،
دون أن يلتفت اليهن ،
المرأة صرخت : آه ، من الطائرات اللواتي ،
ينثرن الصداع برأسي ،
النخلة رفعت يدها مستئذنة الموت ،
ليعيد المشهد لحالته الأولى ،
الظل ، أدرك أن لاخلاص له ،
من ثرثرتهن ، بغير وئد حائطه ،
ـــ البيت ، مصيرنا الأبدي الذي نسير إليه
بأقدامنا دون أن نلتفت إلى الوراء ،
كنا إخوة فيه ، رأينا الغامض يركض ،
تبعناه ، وتركنا البيت وحيداً ،
أخذتنا الطرقات ، فأنفرط العقد ، وضاع البيت .
نوال الغانم
فنانة تشكيلية وشاعرة
سيدني/استراليا