هبط قرص الشمس تاركا لونا أرجوانيا يشع من الغروب ؛ كان عبد الستار- فيما مضى- وهو جالس أمام النافورة؛ بتابع القرص الذهبى المائل للاختباء تدريجيا وراء الأفق ، وقد تصاعدت تكوينات أخرى من الألوان الوضيئة لتملأ صفحة السماء ؛ تلك التى يسمونها " قوس قزح" كما سمعها من ابنته فرح التى مازالت فى المرحلة الإعدادية .
حاول عبد الستار - عامل النافورة- أن يدقق النظر حوله ، كما كان يفعل فى الماضى .
فى تلك الأيام كان يرى كل شىء فى السماء، الآن تبدلت الأحوال ؛ صار النظر إلى أعلى صعبا ، اختفت معظم المشاهد تقريبا ، ارتفعت تلك الغابات الأسمنتية ؛ فى سنوات قليلة ؛ لتملأ الأرض أبراجا وتدارى الأفق .
فى طريقه إلى النافورة ؛ يعترضه كثير من الناس ليسلموا عليه ، تميزت مشيته بعرج خفيف ، لا ينس ما حدث عقب تلك المشاجرة التى تدخل فيها لإنقاذ طفل لا يعرفه ، يومها أصيب عبد الستار فى قدمه إصابة بليغة، كانت سببا فى تغيير وظيفته ؛ لم يعد يعمل سائقا بجراج المحافظة .
---***---
عندما اقترب من صنبور النافورة ؛ حاول أن يتناسى مطالب ابنته لكى يبدأ التشغيل ، ظل يراقبها فترة كما يفعل كل يوم ، لا يستطيع أن يتركها ، أحس بالارتباط الشديد بينه وبينها ؛ فى الأيام الأخيرة شعر أنها ملجأ له وملاذ. جلس على كرسيه كالمعتاد ؛ ضغط على صنبور النافورة ، ظل يراقب شلال المياه وهو يرتفع أعلى وأعلى ، تتناثر القطرات على الزهور والورود التى تزدان بها ستة أحواض محيطة بالنافورة ..
تسللت إليه قطة سوداء ...آه من هذه القطة ؛ صغيرة هى ، ولكن ! ما كل هذا الخوف والتوجس الذى يداخلنى ويكاد يفتك بكينونتى وهدوئى النفسى ؟ لا أدرى على وجه الدقة متى كان فزعى من تلك المخلوقات العجيبة ؛ القطة والفأر آه من الفأر! قام من مقامه وانتحى بعيدا وأخذ يرقب القطة فى انزعاج تام .
---***---
عاد إلى مكانه بعد أن غادرت القطة ، يبدو أنها لم تجد شيئا يثير اهتمامها ، توقفت سيارة بالقرب منه ؛ هبط منها رجل سمين وسيدة وبضعة أطفال ؛ توزعت نظراته بين شلال المياه المتدفق وهؤلاء الأطفال وقد امتدت أياديهم إلى حوض النافورة ؛ يسبح عبد الستار بناظريه فى النافورة ، تتخلل روحه تلك القطرات المتكاثفة الصاعدة فى جو السماء بحرية وانطلاق ، يعجب ويتمنى الحرية والانطلاق ، قطرات المياه قوية وتتجاوب مع الظروف ، منها الصاعدة ومنها الهابطة ، كما تصعد بسهولة ويسر يمكنها الهبوط أيضا بنفس السهولة واليسر ، بعد قليل ملأت ضحكات الأطفال المكان، كانوا يتلقون رذاذ المياه المنعش الذى يدغدع مشاعرهم ؛ محلقين حول النافورة ؛ و قد ذابوا فى حبور تام .
---***---
ها نحن فى نهاية موسم الأجازات ، وعلى أعتاب رمضان والمدارس ، جاءا سويا هذا العام...أغتم عبد الستار قليلا..ترددت فى ذاكرته كلمات ابنته..
لا تنس يا بابا لبس المدرسة مع المصروفات
قالت فرح
يرد الصغير العكروت:
و أنا يا بابا
و أنت إيه يا رامى؟
زيها يا بابا..
---***---
فتح الرجل السمين باب حقيبة السيارة ، واخرج منها كرسيين من البلاستيك و وضعهما إلى جواره، وأخرج حقيبة كبيرة ، ناولها لزوجته ؛ وضعتها بدورها على الأرض ؛ فتحتها وأخرجت منها كرة ومضربين ، أشياء أخرى لم يتحقق منها وعلب" كانز" وسندوتشات ؛ كان المشهد واضحا إلى حد كبير ؛ تصاعدت رائحة لم يألفها وإن كانت عزيزة عليه ، يبدو أنها كباب وكفتة.
---***---
يتذكر بالأسى والعجب يوم أن دب الرعب فى قلبه وقلب أولاده – عقب إصابته فى قدمه- صرخت زوجته إثر استيقاظها فى جنح الليل ؛ أو ربما فى ساعة السحر ؛ على طرقات شديدة ومتتالية ؛ فتحت الباب لتجد أمامها ضابطا يشهر مسدسه ،وقد وقف وراءه اثنان من الجنود.
قال لها الضابط بغلظة:
أين المدعو عبد الستار؟
أقبل عبد الستار من الداخل مرعوبا ، كان يرتدى بيجامته ؛ قال له الضابط:
أنت عبد الستار؟
نعم
هيا معنا
إلى أين سعادتك؟
سأقول لك على السلم..
على الفور وضع الجندى الكلابشات فى يده ؛ واقتادوه بسرعة وسط ذهول أبنائه وصراخهم، سحب قدمه التى مازالت فى الجبس ، زج به داخل عربة ترحيلات ضخمة كالحة اللون ؛ حيث رأى مجموعة من البشر وقد حشروا بها حشرا ..
بات ليلته فى الحجز ؛ يضرب أخماسا فى أسداس ، أمام القاضى عرف أنه تم القبض عليه تنفيذا لحكم غرامة عشرين جنيها للمحكمة ، عقب المشاجرة!
لم يخبرنى أحد بشىء يا سعادة البيك...
مكتوب لم يستدل على عنوانك يا بنى آدم
وكيف قبضوا على ؟
لم يجب القاضى..
---***---
" اقتربت زوجتى من الولادة ؛ لا أدرى أين أذهب بها ؟ المستشفى العام؟.. لا أقارب لى ، أخى الوحيد سافر العراق منذ سنوات طويلة ؛ ولا أدرى عنه شيئا؛ لا يوجد أقارب لها هنا ، أخواتها متفرقون فى البلاد ..كل واحد مشغول بهمومه !"
عبرت أمامه سيدة عجوز تقوس ظهرها ؛ ا تكاد تنكفىء على وجهها.." هى الدنيا" حدثته نفسه.. ؛ انتابته لحظة حزن أتبعها بابتسامة ؛ ثم ضحك وقهقه حتى دمعت عيناه ...
توقف الرجل السمين قليلا عن المضغ ؛ كان يمسك سندويتشا ضخما ؛ اتجهت عيناه تلقائيا إلى عبد الستار للنظر والتعجب والتمحيص ..
استأنف الرجل المضغ والاستمتاع هو وأبناؤه، لم يجذب منظر عبد الستار أدنى اهتمام من تلك العائلة ؛ بالرغم من أنه يكاد يغمى عليه من الجوع..
---***---
سرت فى الجو نسمة منعشة ، مع إطلالة الليل أضاء أنوار الكشافات الثلاثة الضخمة المحيطة بالنافورة ، جلس ينظر كعادته إلى اندفاع المياه وقد تلألأت قطراتها بعد أن تشبعت بالألوان ، الأصفر والأحمر و الأرجواني ، الأخضر والأزرق أيضا..
كل قطرة تأخذ دورتها ؛ يا سبحان الله!تصعد من الأسفل لكى تصل إلى أعلى ؛ إلى عنان السماء ..تأخذ أشواطا متتالية ؛ دون زهق أو يأس! لابد من ناس فوق وناس تحت ، الذى يصعد إلى أعلى من الجائز أن يهبط !
زاد عدد الأطفال وارتفعت ضوضاؤهم وعبثهم ...زادت ابتساماتهم وضحكاتهم...
---***---
كل هذه السعادة التى يدخلها على الكبار والصغار لم تكن شفيعا له عند الأستاذ حامد رئيسه فى العمل ، رجل قاسى القلب ، لا يعرف للود سبيلا ، حبيبه الجنيه، دائما ما يقول : القرش صياد ..
يقترض منه فى كثير من الشهور ، تراكم عليه الدين ، فى المرة الأخيرة ؛اقترح الأستاذ حامد على عبد الستار أن يشترى بضائع بالتقسيط من المعرض الخاص بالموظفين؛ و يبيعها له فور شرائها..
---***---
يقيم عبد الستار فى شقة ضيقة بالمساكن الشعبية التى بناها عبد الناصر ، لا تتمتع بأى لون من الصيانة ، مياه المجارى تتسرب على الحوائط عبر أنابيب متهالكة ؛ انتهى عمرها الافتراضي ، ياله من زمن! مازال الناس متشبثين بها بدلا من السكنى فى الشارع..
بعد أيام رأت الزوجة العمال يدخلون البضائع .. تعجبت؛ وتساءلت:
للأولاد؟
لا
صفعت صدرها بيدها صفعة شديدة ، وهى تحملق فى وجه زوجها متسائلة بصوت جهورى:
هل تزوجت يا رجل؟
ابتسم فى وهن قائلا:
تزوجت؟ والله فكرة !
يا رجل! ياما تحت السواهى دواهى!
زواج إيه يا ولية؟ هل تجننت؟
لمن إذن التلاجة والبوتاجاز والتلفاز؟
---***---
فى اليوم التالى ؛ جاء رجلان وحملا الثلاجة والبوتاجاز والتلفاز؛ تعجبت الزوجة ؛ لم يفسر لها الموضوع ؛ كان حزينا ولم يشأ أن تشاركه حزنه ؛ قالت له:
أريد أن أفهم ؛ أنا لست طرطورا فى هذا البيت !
مادمت تريدين أن تفهمى ، أقول لك أن أولادك فى حاجة إلى المال ، اشتريت بالقسط، وبعت وقبضت الثمن" كاش " هل تفهمين؟
وكسبت فيهم؟
بعتهم بنصف الثمن تقريبا !
يعنى إيه؟
يعنى قومى حضرى لنا لقمة لنتعشى بها!
---***---
عم عبد الستار .عم عبد الستار ..
نادى عليه أحدهم
لم يلتفت إلا بعد أن لكزه فى كتفه :
أنت يا سرحان يا عبد الستار ! الولد غطس فى الحوض..
انتفض عبد الستار واقفا ، اقترب من حوض النافورة رأى الأطفال مازالوا يعبثون وقد أمسكوا بزميلهم الذى كان يخرج من الحوض فى ملابسه المبلولة ؛ وهو لا يكف عن الضحك..
---***---
مع ازدياد العتمة ازدادت إضاءة النافورة رونقا وبهاء ؛ مازالت المياه تتدفق فى شلال رائع وقد داعبتها نسمة هواء رطبة ، زادت من تناثر القطرات ، انتصف الليل ؛ خفتت الأصوات ، وغادر معظم الناس المكان؛ بالرغم من ذلك لم يشأ عبد الستار أن يعود إلى بيته؛ آثر أن يظل متمتعا بجلسته إلى آخر الليل..
أخيرا .ابتسم عبد الستار ..
---***---
رضا صالح / السويس