الأدب الفصيح

رجل من الريف صنع المستحيل / بقلم : محمود عبدالعزيز

نشر الموضوع :

 

كان يراه البعض شريرا. عنيفا. جبارا في الأرض يمشي بين الناس دون هوادة أو تواضع، يبطش بيُسراه ما عجزت يُمناه عن البطش.. بينما رآه البعض الآخر، رمزاً للكفاح والصبر والأمل، ومحاولة جديرة بالتأمل، والسير حذوها خُطوة تلو الأخرى.

 

“نظرة الحفيد”

الوضع كان مختلفاً، كل شيء كان له ثمن، أبسط الأشياء كانت تسُر خواطرنا، الحياة بذاتها كانت تحترم وجود ذلك الرجل بيننا، طلّته البهية كانت تُضفي مساحة كبيرة من الغفران والأمان ممزوجة بالخوف والقلق تارة أخرى.

إنه هيئة مستقلة تصدر قراراتها بقوة، وقانون صارم لا يتعداه شخص، ومجلس مُكوّن من أعضاء دائمين، بل إنه دولة قائمة بذاتها.. فيبدو أن قسوة الحياة أحيانا تُغير من جلود المُغامرين العاشقين لحفر أسمائهم في سجلّات التاريخ، لتحوّلهم دون إرادة منهم إلى أناس قل بداخلهم حسهم العاطفي، ليتدثروا بأخر خشن.

 

لم تكن العجيبة، كيف وافقت نسائه على الزواج منه، بل العجب كيف ألّف بين قلوبهن إلى هذا الحد، أي وسيلة تلك التي جعلته يُسحرهن، رغم أنه في الأصل ليس من أرباب الشهادات!.. كان يمتلك من الأبناء الذكور ستة، ومن الإناث تسعة، ومن الأحفاد ستة عشر ما بين ذكور وإناث.

 

“ليلة من ليالي رمضان”

كُنّا نستقبل ليلة رمضان بالفوانيس البلاستيك، والألعاب النارية عند مسقط جلوس جدي وأبي وأعمامي في دوّار العائلة بالقرية. كان لا يحب الإزعاج، غضبه دائما قاسي جدا، صوته يحدث هزة قوية في دواخلنا الهشة، وبرغم ذلك كان يسمح لنا بقسط لابأس به من اللعب في وجوده.

في نهار رمضان كانت نسائه وأزواج أبنائه يقضون وقتاً طويلاً في تحضير الفطار، وليمة بمعنى الكلمة، كان الرجال يأكلون في دوّار العائلة، أما النساء و الأحفاد في بيت آخر بجوار تلك العمارة مهيبة المنظر.

قبل الإفطار بلحظات، نجلس نحن الأحفاد أمام التلفاز في انتظار الأذان ونستمع للشيخ عبدالباسط عبدالصمد، نترقب الوقت الذي لا يمر من شوق الانتظار الطويل للإفطار، أكثر من 16 حفيدا في مكان واحد ونَفَس واحد، يأكلون معا، ويتحدثون معا، ويتعاركون معا أيضا.

نأخذ كوب من عصير البلح، ونسرع إلى المسجد لصلاة المغرب، ثم نرجع بذات السرعة لملء بطوننا الخاوية، ننتظر الرجال حتى يفرغوا من إفطارهم، ثم توضع أمامنا الصنية التي يعلوها الطعام بأصنافه المختلفة، ونحن مُتابعين عبر التلفاز لمسلسل بكار ومغامراته.

“ليلة من ليالي العيد”.
إحدى عمّاتي التسعة، كانت تعبث في أُذننا وتُلقي بكلماتها التحفيزية لتُلهب مشاعرنا حماسة، فنندفع بتهور أطفال طائشين، وبقوة رجال مُهلّلين ومُصرخين نُطالب بحقوقنا المتأخرة، لكن ثورتنا المتواضعة لم تُعجبهم، فسرعان ما أُخمدت في شراراتها الأولى بانقلاب مفاجئ من عمي، الذي كال لنا الضرب أكيالا، فرجعنا وقد هُتكت كرامتنا وأجسادنا، أمّا عمّتي صاحبة فكرة التمرد، فقد استنكرت تلك الجريمة النكراء التي قُمنا بها، ولامتنا على الخروج عن المألوف؟!.

 

“لحظة الوداع”

“مارس 2007”
لم أراه يوماً مكسوراً أو حائراً طيلة حياتي القصيرة التي جلست بجواره فيها، إلّا في مساء تلك الليلة الحزينة، رأيته في حالة عجيبة، انتابني حينها آسى عميق من قلة حيلتي في انقاذه، لم أكن أتخيل أن أرى في تلك العينين الداكنتين بالسواد كل هذه  القوة في لحظة الوداع، لم أفهم إيماءاته ونظراته الثاقبة، كنت أسأل نفسي وقتها وأنا أُحدّق النظر به في لحظة شوق ولهفة بينما ملك الموت يتنزع أنفاسه الأخيرة: لماذا لا يهاب هذا الرجل ملك الموت؟. فقد استقبله بصدرٍ مُتسع، ونفسٍ عامرة بالرضى، وابتسامة لم أعدها عليه قط.

 

رحم الله رجلاً كان عائلة بمفرده.

رحم الله جدّي.

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق