المقالات الأدبية

المعتقد و المنهج في مسألة تفسير ماهية اللغة و أصله / بقلم : محمد مرزاق – المغرب

نشر الموضوع :

 

 

بقلم : محمد مرزاق – المغرب

توطئة

اعتمدت اللغة منذ العصور الإنسانية الأولى لتحقيق التواصل بين بني البشر، و ساهمت في بناء التاريخ العلمي، و الأدبي للأمم عبر العصور، حيث تعددت أدوارها، و تنوعت أصنافها منذ آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، و الملاحظ أنه مع ازدياد الحاجة في المناهج، و الحياة بشكل عام تظهر مصطلحات جديدة، و هذا ما دفعنا إلى البحث قليلا في ماهيتها، و تفسير أصلها عند بعض الأقوام التي أثرت في التاريخ اللغوي لدى الشعوب مثل الهنود ( بانيني و باتينجالي )، و اليونان ( محاورة كراتيليوس )، و العرب من خلال ابن جني، و الله المستعان.

 

  1. اللغة:

يعرفها ابن جني بقوله: ” و أما حدها فهي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم “، و بهذا نجد أن ابن جني قد قدم تعريفا كونيا بذكره الصوت الذي هو مشترك إنساني، بحيث إن البشر لا يمكن أن يختلفوا في هذا القسم من الحد، إضافة إلى هذا فقد عرض لمفهوم الغرض، إذن فتعريفه تركز على جانبين، الأول هو الصوت و الثاني هو الغرض أي النظرة البراغماتية للغة. و هذا التعريف يعطي معنى عاما بحيث يركز فيه على الماهية ( الأصوات )، غير أننا لا يمكن أن نسمي الأصوات لغة إلا حين الحبس عليها، لأن حروفها لا تتشكل إلا به؛ أي الحبس، و الوظيفة الأولى و الأخيرة للغة هي الوظيفة التعبيرية.

أما من وجهة النظر اللسانية، أو البنيوية بأدق تعبير فقد اعتبرها السويسري ” فيرديناند دي سوسير ” نظاما من العلامات يتأسس على علاقات مجردة من العلامات، و هذه العلاقات التي تربط بها العلامات هي ما يؤسس البنية و النظام و الظاهر مما قال به اللغوي السويسري أنه قدم تعريفا أكثر دقة من خلال المفاهيم التي وردت في التعريف من بنية، و نظام، و علامات نرى أن دي سوسير قد أعطى إشارات منهج علمي معين بدأت بوادره مع محاضراته في 1913. و من جهة أخرى يعرفها  مايكل كورباليس  بأنها ” جهاز مهندس بإتقان لوصف الأماكن، و الناس، و الأشياء الأخرى، و الأحداث،… إننا نستخدم اللغة لنقل الخبرة إلى الآخرين، و بتقاسم خبراتنا نجعل التعلم أكثر خبرة “. من خلال هذا نستشف أن مايكل كورباليس أيضا ينحو نحو سوسير في تعريفه للغة، و بحيث وصفها بنظام مهندس فقد أغنى عن كل المفاهيم اللغوية القديمة و الحديثة في دراسة اللغة، إضافة إلى ذلك يبقى القاسم المشترك بين البشر  في استعمالهم للأصوات أو البنيات…، أو غير ذلك من المفاهيم هو الجانب البراغماتي أو النفعي الذي سنعرض له في موضع آخر.

قد تتعدد التعريفات التي يمكن أن تقدم للغة باختلافات المنهج، و المرجعية، إلا أن الاتفاق قد يكون واردا في مجمل الحالات أن اللغة إنما كانت، و تكون أصواتها لتأدية وظيفة معينة، و إنجاز فعل كلامي معين، و هذا الفعل الكلامي قد يختلف باختلاف سياق الاستعمال، أو السياق التداولي بتعبير آخر، و المراد من كلامنا هذا أن الاتفاق قد وقع بين جل اللغويين حول الوظيفة التي تضطلع بها اللغة.

  1. أهمية اللغة و وظائفها.

لا غَرْوَ أن تتمتع اللغة بما نشهده من الدراسات، و ذلك لما اكتسبته من الأهمية في الدراسات الفلسفية المعاصرة، حيث إنها أصبحت موضوعا للفلسفة، و قد تركز عليها كل الاهتمام في السنوات الأخيرة من القرن العشرين؛ و ذلك لارتباطها بعدة علوم أخرى، مثل علم الاجتماع، و علم النفس…و هذا ليس بالموضوع المستجد؛ لأن الوضعية اللغوية في أوروبا خصوصا، و العالم عموما في القرن التاسع عشر كانت قد توسعت في مجال استكشاف اللغويات باعتمادها النموذج الإحيائي؛ لأن اللغة شأنها شأن الكائنات الحية تولد فتنمو حتى تصير لغة، ثم تموت، و اللغة من العناصر الحيوية في التاريخ البشري التي تساعد في خلقه، و تحرك أحداثه. نأخذ على سبيل المثال احتلال الجزائر، فلولا الذي قاله الداي لمبعوث سلطات الاحتلال الفرنسي لما تأزم الوضع بينهما، حيث لعبت اللغة دور المحرك هنا، فساعدت على زحزحة الواقع من خلال تحريك القوى.

 

لقد قدر الله عز و جل الأصوات في خلقه، و هداهم إلى استعمالاتها حتى تؤدي هذه الأصوات الوظائف المنوطة بها، قد نفترض جدلا أنه لا توجد لغة يتواصل بها الناس، حيث إن الأفكار و الأحاسيس و كل شيء سيبقى حبيس الذهن البشري، و لن يقع أي انتقال أو تحرك في الواقع. و الفلسفة المعاصرة باعتمادها اللغة موضوعا للدراسة؛ إنما للدور الذي أصبحت تضطلع به على كافة المستويات، تساهم في خلق هذا الواقع، و تحريك أحداثه.  فأوطو سبيرسن يقول بأن اللغة ظاهرة اجتماعية تستخدم لتحقيق التفاهم بين الناس و من هذا نفهم أن الوظيفة التواصلية تبقى الأولوية الرئيسية عنده، و الأساس الذي كانت من أجله؛ بحيث إنه لا يمكن للبشر أن يحيوا دون تواصل فيما بينهم.

أما لويس هيبر في مقاله فيرى أن للغة من الوظائف وظيفة اتصالية، و إخبارية، و معرفية، و أمرية، و بلاغية،… إذا فاللغة مهما اختلفت التعريفات أو الدراسات التي يمكن أن تتناولها، يبقى أن الاتفاق قد وقع على الوظيفة مهما كان نوعها، إذ إن الإنسان بطبعه الاجتماعي يحتاج إلى آلية تمكنه من التواصل مع الآخر لنقل أفكاره، و مشاعره، و إعطاء أوامره، و تأدية المعاني التي تعجز اللغة التقريرية عن إيصالها، إلى غير ذلك مما ذكر من الوظائف، أما رسم الأصوات فهو ضرورة فرضتها الطبيعة البشرية، بحيث تكون الفكرة متاحة كليا للمتلقي، و مما نلاحظه في الإشهارات يوميا من اعتماد كلي على الأيقونة اللغوية لإثارة المتلقي؛ يفرض الرجوع إلى دراسة هذه الظاهرة.

إن الإنسان من خلال تكلمه بهذا الكم من الأسماء، و الأفعال، و الحروف يفرض نوعا من الدهشة التي تقود الباحث في هذا الشأن إلى النبش في أصلها، و تتبع كل الإشارات التي يمكن أن تقوده إلى نتيجة في شأن أصل هذا العنصر الحيوي.

و أمام هذه الوظائف، و الأهمية التي تكتسبها اللغة، فقد اختلفت الأمم نوعا ما في تتبع هذا الأصل، و هذا الاختلاف  قد يرجع إلى مسببات منها ما هو عقيدي، و ما هو فكري،…و قد حاولت الدراسات الحديثة الانسلاخ من كل هذه النزعات الخارجة عن مجال دراسة اللغة؛ لتصل بها إلى مستوى العلوم التجريبية.

 

  1. أصل اللغة عند الهنود ( بانيني ).

 

إن كثرة المذاهب الدينية، و تعدد الاتجاهات الفلسفية عند الهنود ترك أثرا في مسألة أصل اللغة، حيث غلب الجانب الأسطوري، إذ إنه ليس أمرا عجيبا أن تجد عند أمة أدباء أطلقوا العنان لخيالهم ليسترسلوا في المعاني التي خلقها الله عز و جل في كونه، و أن تجد من أدبها جزءا كبيرا مبنيا على الخرافة، و الأسطورة، أو الخيال بتعبير آخر، إلا أن الغريب عند الهنود أن تجتمع في الشخص صفتان؛ صفة العقلانية و هي أن يكون شخص عالما يعرج بالمتلقين إلى العلا، ثم ينزل بهم إلى غياهب الأسطورة و الخرافة، حيث يكون مضطرا إليها عند عجزه عن تفسير بعض الظواهر؛ ” إذ إن محاولة ربط حقائق العلم بقوة خفية مسيرة للعالم عندهم يدل على أن العقل البشري يبقى قاصرا “.

فالعجز عن تفسير الظواهر تكون نتيجته أن يرجع الدارس إلى الجانب الميتافيزيقي مجبرا، لأنه لا يمكنه تفسير ما يوجد في العالم الفيزيقي من أشياء تفسيرها مرتبط بعالم الميتافيزيقا، لكن انعدام الأسس العلمية التي تحقَّق من خلال المحسوسات، و الملموسات،… يبقى حاجزا دون الوصول إلى الهدف المنشود، و هذا هو المقصود بالقاصر؛ أي قاصرا عن إدراك مجموعة من العلاقات.

إن تفسيرهم لأصل اللغة ينطوي على مجموعة من التفسيرات الخرافية، كما بني على بعض الخلاصات العلمية التي وقف عليها علماؤهم، حيث يقول أحمد مختار عمر: ” كان كثير من الهنود يعتقدون أن لغتهم الأساسية التي خلقها الإله لاستعمال الناس، بل و يعتقدون أنها اللغة المستعملة بين الآلهة “، و مما يُظهر جليا أن الهنود قد عالجوا مشكل أصل اللغة من ناحية عقيدية محضة، و هذا قد وقعت فيه الكثير من الأمم، و يقول باتينجالي ( مؤلف القواعد اللغوية في اللغة السنسكريتية ): ” إننا ندرس النحو، فربما نكون مثل الإله العظيم “،  و من هذا المنطلق يطمح الهنود في دراستهم للغة أن يحاكوا الآلهة، إذا فالجانب العقيدي قد كان دافعا من هذه الناحية، و هذا ليس محصورا على الهنود؛ أي أنهم ليسوا الوحيدين الذين وصلوا بلغتهم إلى هذا المستوى من التقديس بل نحت أمم أخرى نحوهم في هذا.

و تقول أسطورة متداولة عند الهنود أن خلافا وقع بين اللغوي ” بانيني ”  و أستاذه أدى إلى طرد        ” بانيني ” فذهب إلى جبال ” الهيمالايا “، و هناك قدم قربانا للمؤله ” شيفا ” و تلقى عنه قواعد النحو. و لأن الإنسان أحيانا قد يود جذب انتباه الناس إليه، ف” بانيني  ” قد يكون في إطار صراعه مع أستاذه عمد إلى هذه الحيلة، لأن المجتمع الهندي و كما هو معروف عن المجتمعات كلها يؤمن بالأسطوري خصوصا إذا تعلق الأمر بالجانب العقيدي، و الصراع الذي كان دافعا للتعلم، و البحث عند ” بانيني ” كان محكوما بالنظرة أو الاحترام الذي كان يكنه الهنود للمعلم في جميع المجالات، يُبقي الدافع قويا لنسج حكاية يمكن أن يؤمن بها الناس.

و من جانب آخر فالإنسانية مدينة للهنود لما قدموه من دراسات وصفية للغة، حيث كانت الانطلاقة الفعلية لمجموعة من الدراسات اللغوية المقارنة بعدهم، لأن إيمان الهنود بالأسطوري لا ينفي أنهم توصلوا إلى معطيات اعتمدت بعدهم في الدراسات اللغوية، فقد كان لهم الفضل الكبير في دراسات اللغوي السويسري ” فيردناند دي سوسير ” في دراساته المقارنة للغة، و اعتماده لــ ” السنسكريتية ” و هذا يعتبر فضلا لهذه الحضارة، يقول روبينر Robins: ” إنه من الصعب – في نواح كثيرة – أن نعتقد أن علم اللغة الأوربي كان من الممكن أن يحصل مركزه اليوم بدون الأفكار التقدمية التي انتقلت إليه من خارج أوربا، و بخاصة من الهنود اللغويين في دراستهم للغة السنسكريتية من الناحية النحوية و الفونولوجية ” إن اعتراف روبينز هذا لا يمكن أن نحصره على الدراسات اللغوية الأوروبية فقط، بل استفادت أمم أخرى من دراساتهم، و حاضر القول أن الهنود قدموا دراسات للغة السنسكريتية ساعدت في بناء متن معرفي لغوي، أعطى قفزة نوعية لتاريخ الدراسات اللغوية عند الإنسانية جمعاء؛ لأن الانتقال المعرفي أمر ضروري بين بني البشر. فكما أخذت الأقوام منهم اعتمد الهنود على الفينيقيين، و غيرهم ممن سبق من الأقوام.

لقد تطورت الدراسات اللغوية كثيرا عند الهنود خصوصا مع ” بانيني ” الذي أسس لعلم الصوتيات، حيث كانت هذه الدراسات مرتبطة بفروع لغوية أخرى، لكنها انفصلت فيما بعد لتكون علما قائما بذاته غرضه خدمة النصوص المقدسة، و لتحسين نطق الناس للكلمات فيها أو ترتيلها، حيث وضع بانيني قواعدا لنطق كلمات النصوص الدينية، و في هذا الصدد يقول ” باتينجالي “: ” إن الشخص الذي ينطق نصوص الVida بشكل صحيح، كلمة كلمة، نبرا نبرا، و مقطعا مقطعا، حقيق بأن يقف في مقام الرب و يقدم القرابين له ” و بهذا يتضح أن الدراسات النحوية و الصوتية عند الهنود كانت لخدمة النصوص الدينية، كما كانت عند أمم أخرى ( العربية مثلا )، و منه فاللغة بهذا المنطق يجب أن تكون ذات وظيفة تعليمية خدمة النصوص المقدسة بشكل خاص، لتنتقل الدراسات بعد ذلك إلى خدمة القارئ بشكل عام، باعتماد المقاطع الصوتية، و كذلك فمبدأ الاشتقاق كان من المبادئ التي قامت الدراسات عليها عندهم.

و بالتالي فعلم اللغة عند الهنود قد نقول أنه كان له محرك أساس و هو الوازع الديني، ثم ارتقوا في دراساتهم و توسعوا فيها، بالاشتقاق و دراسة المقاطع، إلى غير ذلك.

 

  1. أصل اللغة عند اليونان ( أفلاطون ).

 

اعتبرت الحضارة اليونانية منذ عصرها إلى يومنا هذا الحضارة المائزة في العالم، أو كما حلا للبعض تسميتها ب” الحضارة المعجزة ” و ذلك لما قدمته للإنسانية من دراسات في الطبيعيات، و الرياضيات، و اللغويات، و غيرها من العلوم، فإنجازاتهم قد جعلت كل الذين اطلعوا عليها يصفونها بالمعجزة أو الحضارة التي غيرت مجرى التاريخ البشري منذ سقراط، و الحكماء السبعة، حيث كانت دراساتهم مرجعا لكل الأمم بعدهم، و هي حضارة لا يمكن تجاوزها حين نتكلم عن تاريخ المعرفة، إن محاورة كراتيلوس في اللغة اعتبرت و لا زالت مرجعا أساسيا عند عموم الباحثين، حيث بدأها أفلاطون بسؤاله الصريح عن أصل اللغة: هل هي طبيعية أم اصطلاحية؟ ثم استرسل بعد ذلك و تحدث عن وظيفتها، و الاشتقاق في اللغة اليونانية، حيث وصل إلى حقيقة ” أن ماهية هذه الموجودات أو المسميات تتضح معانيها بدراسة الموجودات نفسها ” إذن فالوصول إلى النتيجة المرجوة من دراسة اللغة يتاح من خلال دراسة الموجودات، لا دراسة الأسماء التي وضعت من أجل التعبير عنها، و بذلك يعطي أفلاطون الإشارة العلمية الأساسية في الوصول إلى ماهية الأسماء التي وضعت للموجودات، فالفعل حسب أفلاطون حركة إنسانية، و الأفعال في جوهرها تعبر عن الوجود الإنساني، بمعنى أن ما يوجد في الكون من الأفعال و ما يعطى لهذه من التسميات يكون ثابتا، أي أن بينها مشترك وجودي.

” إن هذه الفكرة بأن الأفعال أو تسمياتها ذات حقيقية وجودية قد وجهت بحث أفلاطون عن حقيقة الوجود ” و المستفاد أن أفلاطون قد أعطى علامات منهج علمي في حديثه عن أصل الأفعال، و الأسماء باعتبارها أدوات ذات وظيفة معينة و هي التعبير عن المسميات، و أن هذه الأسماء إنما تصنع في لغات البشر لوظيفة التعبير عن الموضوعات، فلا يمكن التعبير عن فعل معين دون استحداث اسم معين كذلك، و لا يمكن إعطاء معنى الماء إلا باستحداث اسم يعبر عنه، لكن شكل هذا الاسم قد يختلف من قوم إلى آخر باختلاف استخدام الأقوام للأصوات، غير أن أهل الاختصاص في علم الاصطلاح عندهم لا يمكن إلا أن يكونوا إلا من أهل الاختصاص étymologistes، أو كما سمو عند اليونان أنصاف الآلهة demi-dieux أو الحكماء بتعبير آخر.

و ” أفلاطون اعتمد منهجا، و طريقة تحليلية ليتوصل إلى مدى ملاءمة الطبيعة لمسمياتها ” و لأن التسليم بأن الأسماء قد وضعت، و لا داعي للبحث في العلاقة بينها و بين ما وضعت له في الطبيعة أمر لا ورود له بالنسبة لأفلاطون، لأن الوصول إلى أصل الموجودات يقتضي المرور بدراسة هذه العلاقة، علاقة قد تكون ضرورية أو اعتباطية، و هذه التسمية ليس مما ورد عنده بل مما ورد عند علماء آخرين، إضافة إلى هذا فمسألة الملاءمة بين الأسماء و مسمياتها، أمر يجب الخوض فيه للوصول إلى حقيقة الوجود، لأن المحاكاة في المحاورة قد جاءت جوابا عن هذا الأمر، حيث الصفة صفة الاسمية تبقى المشترك بين الأسماء الأولية و الثانوية، و حيث إن معرفة صحة الأسماء الثانوية يبقى متوقفا على معرفة مدى صواب الأسماء الأولية، ثم يلجأ أفلاطون إلى اللغة الإشارية، أو لغة الصم و البكم حيث إننا نقلد بها الأشياء في أصولها، مثلا إن كنا نقصد فعل الكتابة، فإننا نستعمل حركة اليد و القلم، و إذا كنا نقصد التحذير فإننا نستعمل حركة اليد و الأذن، أو اليد إشارة إلى الصفع و هكذا دواليك، ثم إن الحاجة بالنسبة إلى أفلاطون تدفعنا إلى التغيير في المبنى إما تعبيرا عن معنى، أو تسهيلا للنطق كمثال إذا أردنا قصد اسم الفاعل في فعل الكتابة؛ فإننا نضيف الألف، و كذلك في المضارعة… و قد أورد أفلاطون في المحاورة أن الاسم الصحيح هو ذلك الاسم الذي تربط بينه و بين المسمى علاقة يمكن أن نسميها ضرورية اقتراضا، و كذلك فمسألة الصدق و الكذب في الأسماء و مسمياتها، مثلا إذا أطلق أحدهم اسم حصان على الرجل يبقى صادقا بالنسبة له حتى و إن كان كاذبا بالنسبة إلينا، إذن فوفق هذا المبدأ يصبح كل اسم صادقا.

أنهى أفلاطون المحاورة بتساؤله حول إمكانية إدراك حقيقة هذا الوجود، حيث يقول الأستاذ عزمي طه السيد أحمد: ” و الجواب في هذا التساؤل مرتبط بنظريته في المحاكاة الطبيعية ” أي إن التعرف عن حقيقة الأشياء، و الأفعال يتم عبر دراستها و التعرف على حقيقتها بحيث إنها – هذه الدراسة – تعطينا إمكانية التعرف إن كانت هذه التسمية محاكاة جيدة للأشياء و الأفعال، أما بالنسبة للأسماء التي تطلقها الآلهة على نفسها و على الأشياء – وفق أفلاطون – لا يمكن إلا أن تكون صحيحة. و بهذا نكون قد وصلنا إلى المشترك بين أفلاطون و الهنود في القول على أصل اللغة، أي أن القول في الأصل الإلهي بالنسبة إلى الطرفين صواب، و ثابت لا يمكن أن يناقش.

 

  1. أصل اللغة عند العرب ( ابن جني ).

 

لقد بلغ العرب مبلغا عظيما في الدراسات اللغوية منذ أبو الأسود الدؤلي الذي قدم محاولة في تبويب أقسام الكلم في العربية، و هذا لا يعني أنهم لم يقتبسوا من الأقوام السابقة، شأنهم شأن الحضارات الأخرى، فكما أخذت العرب من الحضارات السابقة؛ فقد قدَّمت للاحقاتها، أما قولهم في أصلها فقد حكمته الصبغة العقيدية تارة، و النزعة العلمية تارة أخرى، حيث إنه من غير الممكن الخوض في اللغة العربية دون المرور بابن جني لأنه روض لغة العرب ترويضا، أنتج من خلاله تراكما معرفيا بقي مرجعا إلى يومنا هذا، يقول في الخصائص باب القول على أصل اللغة أ إلهام هي أم اصطلاح؟: ” هذا موضع محوج إلى فضل تأمل ” من خلال هذا يتضح أن ابن جني قد وعى حقيقة أن القول في أصلها إنما يحتاج جهدا كبيرا، فالقول في الأصل وفق هذا الكلام علم يحتاج من الدارسين وقتا كبيرا، و جهدا جهيدا، لا يمكن أن نفصل فيه بجرة قلم، و إرجاع أصل اللغة إلى الإلهام كان يُعتمد فيه على قوله عز و جل:    { وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } البقرة 31 ، إلا أنه ليس معروفا، و لا يمكن ذلك؛ أي معرفة اللغة التي تكلم بها آدم عليه السلام مع الله عز و جل، قد تكون حسب ابن جني: ” جامعة لكل أسماء المخلوقات بجميع اللغات و أسماء البشر ” و هذا يدل على أن الفصل في ماهية اللغة التي تلقاها آدم من ربه تبقى مسألة مستعصية على العقل البشري، و لا يمكنه إدراكها، و لهذا يصرح ابن جني في بادئ كلامه بأن القول في أصلها إنما يحتاج إلى فضل تأمل، لأن الله عز و جل وحده يعلم بماهيتها، و لا يعلم غيب الأمور إلا خالقها، و هذه التفسيرات لم يقف عليها العرب وحدهم، إنما وقفت عليها أمم قبلهم كما رأينا عند الهنود و اليونان.

يعرض ابن جني إلى رأي آخر في خصائصه و هو رأي المواضعة، حيث يقول: ” لو بدئت اللغة الفارسية، فوقعت المواضعة عليها لجاز أن تنقل و يولد منها لغات كثيرة من الرومية، و الزنجية… ” إذا فمن الجائز القول بهذا الأصل وفق الاقتناع بهذا الاتجاه، و هذا مما شهدنا به عند الإغريق من خلال المحاورة، حيث إنه من الممكن أن يجتمع اثنان من البشر، و يتواضعا على تسمية معينة لمسمى، فيتم الاتفاق على أن يتم التعبير عن الشيء بهذه التسمية، حتى يشيع بين الناس، و هذا مما انتشر في عصرنا عصر التكنولوجيا، لما شهده من التطورات، حيث ظهرت علوم جديدة، و صنائع مختلفة تطلبت اصطلاح أسماء لتسميتها ( مصطلح الروبوت مثلا ).

و من ناحية أخرى فابن جني عرض إلى اللغة الإشارية كما رأينا مع أفلاطون، ردا على البعض من منكري المواضعة كاستعمال خشبة ما موضع الجارحة، لتأخذ نفس الدور، و يصح التعبير بها خصوصا بالنسبة للأسماء التي لا تتضح معانيها إلا عند الإشارة إليها مع النطق، و يعرج ابن جني على المحاكاة بذكره الأصوات؛ من صهيل الفرس، و نزيب الظبي، حيث إن بعض الكلمات بقي أصلها لصيقا باسمها، فإذا قلنا ” خرير ” للمياه، فإن ذلك الاسم ملائم لطبيعة الفعل فعل المياه، و بهذا تقع الملاءمة بين فعل الطبيعة و فعل التسمية، و الملاحظ أن ابن جني قد عرض للمواقف كلها دون الرضوخ لأحدها، حيث يقول: ” فأقف بين تين الخلتين حسيرا، و أكاثرهما فأقف مكثورا، …و إن خطر خاطر فيما بعد قلنا به و بالله التوفيق ” إن كلام ابن جني في هذا الموضع، و بعد أن عرض لكافة المواقف قد يعتبر به من باب الإنصاف، حيث صرح بذلك أي بورود الدليل للتصديق بالرأي، و الدليل هو الأساس لاتباع رأي معين، لأنه لا يمكن التصديق بكل رأي، بل مما يورده أهل الاختصاص في الاصطلاح، و هذا لا ينكر عندنا، و من الأسماء ما يصعب القول في أصله، و هي الأسماء المرتبطة بعالم الغيب أو الميتافيزيقا بتعبير آخر، و مما يمكن الإجمال به من خلال ابن جني أن إرجاع اللغة إلى أصل معين لا يمكن التسرع فيه.

 

إجمالا فبين كل الآراء التي عرضنا إليها في هذا البحث حول القول في أصل اللغة، و حيث إن المشترك بين الهنود، و أفلاطون، و ابن جني هو الجانب العقيدي، حيث لعب المعتقد، و الأسطورة، و المنهج دورا هاما في إعطاء التفسيرات حول أصل اللغة كما رأينا مع الهنود الذين اعتبروا أصل اللغة أحيانا كثيرة وحيا من الآلهة، خصوصا عند ” بانيني ” و ” باتينجالي “، حيث كان المعتقد السائد أن الآلهة قد ألهمت البشر اللغة و قواعدها، و أفلاطون في معرض المحاورة التي تناول فيها بعض آراء حكماء اليونان أن الآلهة لا يمكن أن تطلق على نفسها، و على الأشياء إلا أسماء صحيحة، رغم انتصاره بشكل آخر لمسألة المحاكاة، أما ابن جني فنجده قد اعتمد منهجا توافقيا؛ لأنه طرح مجمل الآراء لكنه لم ينتصر لأي منها رغم أن كل موقف كان يتجاذبه مع آخر، إلا أن إقامة الدليل بالنسبة إليه أمر ضروري للاقتناع برأي معين، و الله أعلى و أعلم.

 

الهوامش:

الخصائص، ابن جني، عالم الكتب للطبع والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، طبعة 2006م.

دروس في اللسانيات العامة، فيرديناند دي سوسير، ترجمة  د يونيل يوسف عزيز، دار آفاق عربية، 1985.

في نشأة اللغة، مايكل كورباليس، ترجمة محمود ماجد عمر، سلسلة عالم المعرفة، عدد 325.

فلسفة اللغة، سيلفات أورو، و جاك ديشان، و جمال كولوغلي، ترجمة د بسام بركة، مراجعة ميشال زكريا، المنظمة العربية للترجمة، ط 1، بيروت، 2012.

نظريات وظائــــف اللغـــــة، جميل حمداوي، صحيفة المثقف، العدد 4226.

البحث اللغوي عند الهنود و أثره على اللغويين العرب، أحمد مختار عمر، دار الثقافة، بيروت لبنان، 1972.

محاورة كراتيليوس، ترجمة و تقديم الدكتور عزمي طه السيد أحمد، منشورات وزارة الثقافة، عمان/ الأردن، ط 1995.

Louis Hébert:( Les fonctions du langage).

1     http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/katheer/sura2-aya31.html

 

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق