المقالات الأدبية

أسلوب المحكي النفسي في رواية يطالبني بالرقصة كاملة / بقلم : سها شريّف

نشر الموضوع :

 

سها شريّف  :

تأتي رواية الأديبة الكويتية منى الشافعي (.. يطالبني بالرقصة كاملة ) في سياق تطور وازدهار الرواية الكويتية والنسوية بشكل عام وقد رأينا هذا التطور في تعدد تجارب الكثير من أدباء وأديبات الكويت على سبيل المثال لا الحصر ( د. عالية شعيب . حياة الياقوت . دلع المفتي . سعود السنعوسي . اسماعيل فهد اسماعيل . سليمان الشطي ..) .

وخير ما توصف به هذه الرواية انتماؤها إلى تيار الوعي وخير ما يعرفنا على ذلك هو مضمونها الجوهري الذي يحتوي وعي الشخصيات وكما يقول روبرت همفري في كتابه تيار الوعي في الرواية الحديثة ص 22 “إن الوعي يخدمنا باعتباره شاشة تعرض عليها الرواية ”

فالحياة الشخصية هي أساس العمل في هذه الرواية (يطالبني بالرقصة كاملة ) ،والظروف الاجتماعية هي المحيط العام للعمل – لنقل هي إطار العمل ، لذلك كان الحوار بين الشخصيات حافلاً بالصور الشعرية والمشاعر الداخلية ، كما اهتمت الكاتبة بالزمن السيكولوجي للشخصيات أكثر من اهتمامها بالزمان والمكان الفيزياوي ، مثلاً تبدأ الرواية في لحظة خروج نوف من غرفة نورة قلقة بيدها بعض الأدوية وتخبر والدتها بأن نورة قد تعافت وأفاقت من غيبوبتها ، وهذه هي لحظة الزمن الداخلي للشخصية ، كما جددت العبارة الأولى بالحوار الحالة السيكولوجية للبطلة :” لا يهم ما تقوله أو تفعله يا نوف حبيبتي . المهم أنها أفاقت ، هي الآن لا تعرف ما حدث لها . إن حياتها مستمرة أمامها كشريط سينمائي ”

فبدءاً من العنوان ( ويطالبني بالرقصة كاملة ) يحمل في مضمونه رسالة تشير إلى علاقة الرجل بالأنثى ( هو من يطالب هي ) . فالعنوان كان جهازاً إرسالياً للقارئ وحمل وظيفة إيحائية وشعرية وتحريضية . فكيف يطالبها وهي مجروحة نفسياً وتلك الجروح غير المرئية تؤدي إلى انهيار العلاقات وتدهورها .

يتألف العنوان من جملة فعلية مستمدة من الفيلم ( لنرقص / Shall We Damce ) الذي جاء ذكره صفحة 217 قبل ختام الرواية . ويستعين عنوان الرواية بعنوان الفيلم على وظيفته الإيحائية وبداخله حمولات دلالية تتضح من سياق النص الروائي . تركت الكاتبة العنوان مرتبط بما تم ذكره في نهاية الرواية مما جاء على لسان البطلة نورة لخلق حالة من إغواء القارئ لكشف أسئلة النص الروائي وما يطرحه من أفكار . فكيف يطالبها زوجها بعد زواجه من الثانية بالرقصة كاملة وهي في حالة ألم وضياع وتمرد وثورة داخلية وترقص كالطير مذبوحاً من الألم !. وهكذا تكتمل الرؤية الدالة على المجتمع الذكوري الذي يطالب المرأة بما لا تحتمل .

ويأتي إهداء الرواية : ” إلى ذكراهما أمي غيمة من حنان .. أبي خيمة من أمان .” مفعم بالحب والحاجة إلى الحنان والأمان وهما الأم والأب ( الرجل والمرأة )

ثم تأتي مقدمة الرواية عن السيدة سارة حيث تقول الكاتبة : ” حين شعرت السيدة سارة بالغيرة ، طلبت من سيدنا إبراهيم ” عليه السلام ” أن يبعد السيدة هاجر – رضي الله عنها- وابنها إسماعيل “عليه السلام ..عنها ” ولعل الكاتبة أرادت أن تلفت انتباهنا هنا من خلال المقدمة إلى زاوية الرؤية التي تلتقط منها الحدث وتريدنا أن نتمعن فيما ترويه .

أما ما يخص أسلوبها السردي فقد عمدت الكاتبة إلى رؤية الأحداث من منظورات مختلفة لكي يشعر القارئ بالاضطراب والتشويش ويسهم في العملية الإبداعية . فقط اشتركت معظم شخصيات الرواية في سرد الأحداث وكلّ من رؤيته الخاصة . فتقنية الاستبطان الداخلي وسبر أغوار النفس عبر المونولوج إما عن طريق التداعي الحر للأفكار أو عن طريق مناجاة النفس ، لا تتحقق تلك التقنية إلا إذا تكلمت الشخصية عن ذاتها . فكل شخصية تمتلك حياة ذاتية خاصة روتها لنا و روت الأحداث من وجهة نظرها عن طريق المونولوج والذكريات واسترجاع الأحداث لتضاف إلى رؤية الراوي الذي كان دوره محدوداً جداً . فالتكافؤ السردي جعل الشخصيات تتحدث عن ذاتها حيث تضافرت الرؤية الذاتية والموضوعية في سرد الأحداث و تنوعت رؤية الأحداث من ضمير المتكلم لتتحول إلى ضمير الغائب (هو – هي ) . واعتمدت الكاتبة على الحوار لتكشف وتصور الأشخاص وشخصياتهم وأفكارهم ومشاعرهم . فقد اهتمت الكاتبة منى الشافعي اهتماماً عالياً عن طريق البناء الأسلوبي السردي بالفرد وبرؤيته الخاصة وصراعه النفسي والوجودي والبحث عن ذاته المفقودة ، وكان المونولوج من أهم أدوات التقنيات الحديثة للتحليل النفسي حيث نقلت لنا محكي الأبطال النفسي بحذافيره وما يعانون من اضطراب وصراع وقلق وألم ورصدت وعيهم وأفكارهم ومشاعرهم . فالأسلوب السردي كان يهتم بالسرد الإخباري الذي يهتم بالأقوال وليس حسب أسلوب العرض الدرامي الذي يعنى بالأفعال . فقد كان الماضي الدفين في ثنايا العقل والقلب وحاضر المشاعر الفياضة والواقع المؤلم والمستقبل الغامض القلق . وكانت تقنية الذكريات أصدق تعبير عن الذات وما بداخلها وعن دهاليز النفس . كما كانت هناك مسألة الاحتفاء بالجسد وهذا هو القاسم المشترك في معظم التجارب الروائية الحديثة في التعبير عن الرغبات الحسية .

تمحور السرد في الرواية حول رصد الحياة الداخلية لثلاثة شخصيات محورية تحرك الصراع والأحداث من خلال لغة يغلب عليها الطابع الشعري . فكل شخصية عبرت عن نفسها وما يعتريها من تساؤلات وصراع داخلي وألم نفسي وما تبوح به من أسرار وكان هناك حضور لشخصيات ثانوية وكان دورها ثانوياً جداً . وعدم تعدد الشخصيات في الرواية كونها قائمة على الذكريات والرغبات النفسية والجسدية واعترافات النفس للكشف عن القلق والوحدة والانتظار والوحشة والضياع الروحي والألم والحسرة والصمت والحزن والندم والسكون والتردد في اتخاذ القرار من خلال استرجاع الذاكرة للذكريات الماضية للتعبير عما يجيش في قلوب الأبطال والتحريض على الاستمرار في البحث عن الجرأة والانعتاق من الصمت واتخاذ القرار ووضع الحلول الصائبة . ولو حللنا الشخصيات تحليلاً نفسياً نجد الصراع بين الأنا والآخر ، وكذلك الصراع في مواجهة الآخر إلى مواجهة الذات فأصبح الصراع داخل النفس وأعماقها لذلك لجأت الكاتبة إلى أسلوب ( المحكي النفسي ) حيث تبوح الشخصية بما في داخلها إما عن طريق السارد أو عن طريق البطل نفسه عبر المونولوج – لذلك تعددت في الرواية الأصوات كما تعددت الضمائر . وقد لخصت الكاتبة الشخصيات كما جاء على لسان نورة حيث قالت : ” كنا ثلاثة أفواه قد جففها / لبسها الصمت ، لا أدري من منا الثلاثة الحلقة الأقوى / الأضعف في تلك اللحظة .” ص 211

فشخصية نورة محبة للفرح والمرح لديها ميول سياسية وبعد استفاقتها من غيبوبة خمسة عشر عاماً علمت بزواج زوجها من صديقة عمرها فوزية فالتهب قلبها غضباً واشتعلت نظراتها عتاباً وعناداً وتراكم كم هائل من الأسئلة بداخلها وغابت الأجوبة . ترفض العودة لزوجها لأنها تعتبره خائناً ولم يحفظ وعوده لها ولحبها ، ويأتي هنا الربط بما تم التنويه إليه في مقدمة الرواية :” حين شعرت السيدة سارة بالغيرة ، طلبت من سيدنا ابراهيم عليه السلام أن يعد السيدة هاجر رضي الله عنها وابنها اسماعيل عليه السلام عنها ..” فشخصية نورة تشير إلى رفض المرأة للهيمنة الذكورية وسطوة المرأة التي تسعى إلى إشباع غريزتها على حساب آلام المرأة النفسية . فزوجها من حقه الزواج بمن تعنى به وبأولاده الصغار بعد دخول الأولى في غيبوبة طوية جداً دامت خمسة عشر عاماً .

وعلى المستوى الدلالي فقد استخدمت الكاتبة الدموع تعبيراً فيزيولوجياً عن آلام الشخصيات ورمزاً لمأساتها بنفسها، وحلّت ألفاظ كثيرة دلت على الألم والضياع والوحدة وفقدان السعادة والقلق والانتظار : ( متوتراً، يغزو ، الصمت ، عتمة ، ترتجف ، المتيبستين ، الفراغ ، حزينة ، متعب ، وجعاً غدرك ، خيانتك ، ظلمك ، يؤذي صفعة ، العبوس ..)

وأحب أن أنوه هنا بأن الإنسان الذي يدخل بغيبوبة خمسة عشر عاماً يستفيق بعدها – وإن استفاق وهذا محال طبياً – يستفيق بأمراض جسدية من الاستلقاء وعدم الحركة وأمراض بالذاكرة وجسد ناحل وعضلات ضامرة والجسم مصاب بقروح والرئتين بحاجة إلى علاج – وعند ذلك فالزوجة لن تستطيع جذب زوجها جسدياً كما حصل بالرواية لأنها ستفقد هذه الإغراءات بسبب طبيعة المرض وستكون بحاجة لرعاية طبية لسنوات وسنوات ، ولن تكون قادرة على إضفاء الإغراء لزوجها كالماضي كما أنها لن تستطيع القيام بواجباتها الزوجية.

وأذكر هنا ما جاء على لسان يوسف ص 130: ” ها قد حصلت المعجزة وعاد جسدك الدافئ طرياً، جميلاً، يافعاً كالأمس البعيد، يبعث إلي بإشارات رغبته المحمومة سراً..”

ولكن ابتعاد شخصية نورة بعد المرض عن الواقع ليس مأخذاً على الرواية لأن الكاتبة لم يكن همها الشخصية بقدر ما كان همها طرح فكرة محددة وأن تعكس المعاناة بصدق وحرارة .

أما شخصية فوزية فهي عكس شخصية نورة تماماً من الناحية الخارجية والداخلية – فوزية شقراء ، عيونها ملونة مضحية معطاءة لديها ميول سياسية ، قارئة نهمة ،طيبة . حافظت على أولاد فوزية ورعتهم رعاية جيدة ، كرامتها فوق كل اعتبار ، حنونة ودودة .

أما شخصية الزوج يوسف تعبر عن ذات ضعيفة هشة من الأعماق غير قادرة على الدفاع عن حقوقه وعن حقوق من أصبحوا أمانة برقبته . فكان عليه اتخاذ القرار وقول الصراحة وإيجاد الحل بذكاء الرجل وفطنته . وتكشف الرواية عبر شخصية يوسف عن علاقة الذكورة بالأنوثة . فالرجل حسبما جاء على لسان بطلة الرواية يحب الملذات أما حب المرأة فهو حب الرومانسية .

وأتت شخصية يوسف كما صورتها الكاتبة محطم نفسياً بعد أن استفاقت زوجته الأولى من غيبوبتها ،يعيش في حيرة وألم . يعشق فوزية ونورة وممزق بينهما. فالاثنتان تمتلكان الجمال الخارجي والروحي والحب والمشاعر الفياضة . فلجأ يوسف إلى الألم والصمت وعجز عن اتخاذ القرار مما زاد من آلام الجميع . هو محب للسياسة وللقراءة والموسيقا . يعيش في جحيم تمنع نورة ولومها له ورفضها الوضع الحالي ،وبين غضب فوزية وزعلها من تجاهله وإهماله لها ونسيان تضحياتها وحبها وعطائها ووفائها اللامحدود . فهو عاجز عن وضع الحروف بمكانها الصحيح وعرض الظروف التي أوجدت هذا الوضع بكل جرأة فمن غير المعقول أن يبقى خمسة عشر عاماً بلا زوجة ترعاه وترعى أطفاله الصغار فقد كان بحاجة إلى الحب والاهتمام والحنان . ورغم حبه لزوجته الأولى ولكن ظروف غيبوبتها أوجدت ضرورة النسيان داخله وتزوج من فوزية . والآن هو خائف من فقد الاثنتين معاً ، ويتمنى أن تسامحه الأولى وتقدر ظرفه لكن كل هذا ضمن دائرة المونولوج الداخلي وعدم اتخاذه لأي قرار فعلي . وأتت أغلب مونولوجاته منصبة على الناحية الجسدية والإثارة الجنسية . ومن أحد مونولوجاته ما جاء ص 159 أثناء تعرفه على زوجته :

“بصراحة ، كنت منجذباً نحو الفتاتين ، ولكن هكذا وبعفوية القدر حين تدخل وحده واختار لي ، فانجذبت أكثر لذلك الأسمر الجميل وخصلات الشعر الغجرية المتموجة كبحر فقد هدوءه.. ولكن بصراحة أكبر من جرأتي ، ظل في داخلي شوق إلى الأخرى الشقراء ، وعيونها التي كاخضرار العشب الندي .”

وكثيراً ما ناب صوته في تقديم صوت زوجاته – أي كان يقدم ذاته وغيره برؤاه:

” تفاجئني نظراتها المشتعلة عتاباً وعناداً أشعر بها منبعثة من جمرات قلبها الملتهب غضباً .” ص 119

وجاء المكان ليدعم أبعاد وأهداف الشخصيات الموسومة بطابع الضياع والحزن والقلق والصمت والصراع الداخلي : ” تعود إلى جلستها في غرفتها ، تمتلئ بالوحدة حيث أصوات الليل تعزف أنغامها الحزينة في عمق ذاكرتها ، تتكور حزناً على جسدها ” ص28

وكثيراً ما كان المكان شاحباً كحالة الشخصية فإنه مؤثر ومتأثر . والمكان متغير بطبيعته حيث نراه يرتبط بفرح ومشاعر الشخصيات كالحديقة والأمكنة المفتوحة .

” تفتح باب الشرفة ، يلفها هواء ربيعي منعش ، … تنتبه إلى زقزقة عصفورين يحطان على غصن أخضر طري . ترقب تقاربهما ، رقصهما ، دورانهما ..ثم يطيران بقوة صوب الفضاء ، تبتسم فوزية لهما مودعة ..” ص 28

فالمكان في هذه الرواية قدم لنا رؤية الكاتبة لمفهوم الوحدة والضياع والقلق والصمت والاغتراب والحركة . فالبيت تنبع أهميته من أدوار الساكنين والبيت هو مكان التواصل بين الأنا والآخر ، وفي البيت تعيش الشخصيات الذكريات الماضية والطفولة والأحلام والصبا وفيه الحاضر والمستقبل المأمول . والبيت هو أهم عتبات الاستقرار ويرتبط مفهوم البيت في الرواية بالحب والمرأة والأسرة ويجل لنا بين جدرانه مشاعر وحياة الشخصيات ويصور لنا نمط تفكير الشخصيات واختلاف الرؤى . وطوال الرواية كان البيت مشاركاً للشخصيات ، ملتحماً معهم يشاركهم أوجاعهم وآلامهم النفسية وذكرياتهم بعد أن فقدوا عوامل الراحة النفسية .

وفي كثير من الأحيان تحول هذا المكان ( البيت ) في الرواية إلى قبر لمشاعرهم ولم يعد ملاذاً بل أصبح غربة ووحشة وموت للفرح وفقدان للحب .ومثال على ذلك ما جاء ص 102 على لسان فوزية : ” ها أنا أتلفع بعباءة العتمة ، كل شيء ساكن من حولي ، يشعرني كأنني امرأة تتخلق من السواد وتعيش مع السكون . ولكن أليس السكون هو الفناء / الموت ؟”

ومثال آخر ما ورد على لسان يوسف ص 154 :” لم أتعود هذا الهدوء القاتل ، وهذا الاستمرار بالسكون اللعين ، فإلى متى يا إلهي ؟ الآن عرفت أن الموت ليس فقط كفن وتابوت ، وقبر من شبرين ، وكومة تراب .”

كما أسهمت أشياء المكان في تصوير الحالة النفسية للشخصيات ، حيث كان لأشياء المكان دور وظيفي مثل ( السرير ، الخزانة ، المرآة )

فالخزانة مثلاً مكان يحوي أدق الخصوصيات ويحكي لنا ما بداخلها عن نمط حياة الشخصية فهي مستودع أسرارها وفيها تاريخ من الأيام والذكريات والصور _ أي بها كل ما هو مستور . :” يا إلهي ماذا أفعل ؟ نهضت ، عدت إلى خزانتي ، دسست يدي في إحدى أدراجها المنسية ..” ص 207

ومن الأشياء المكانية اختارت الكاتبة الكتب لأن فيها العلم والثقافة والمعرفة وقيمة الإنسان .

أما شرب الخمر فهو دليل الخلخلة النسية والحاجة للهروب من الواقع وتتويه العقل وتخديره لعدم القدرة على المواجهة . فهل الحل في تغييب العقل أم في التصميم على المواجهة وعدم الخنوع للأمر الواقع ومحاولة إيجاد الحلول . “حملت الكأس بما فيه ، رميته بقوة ضعفي على رخام الحمام .. اندلق السائل الذهبي ليلطخ السجادة برغوته الفائرة .. مرتجفة ، متألمة ، يغزوني صداع لئيم ، ارتميت على السرير ..”

أما الابتسامة فقد كانت كردة فعل بل الكلام الصريح وكانت دليل على السكينة الزائفة التي تتقنع الشخصيات ورائها . مثال على ذلك ما جاء على لسان نورة ص 157 : ” هناك الكثير من البوح في داخلي . الكثير من كلمات العتاب .. الشوق / الوله ، ترتاح كل صباح في استحياء على شفتي ّالمبتسمتين قهراً ..”

أما لغة الرواية فقد كانت فنية مبسطة شاعرية تنبض بالعمق الإنساني ، قادرة على التعبير ومرتبطة بالبيئة التي تمتح منها الرواية . كما استطاعت اللغة ربط البنى الفنية ببعضها وخدمة المضمون .

تمتاز اللغة برومانسية حزينة .. لغة تعبر عن القلق والتوتر والأرق حيث تركت الكاتبة الساحة لكوامن الأنا الداخلية وتتابعت صورة القلق والتوتر من خلال نسيج متماسك للرواية . وبرعت الكاتبة في وصف الحالة النفسية للأبطال ولكنها أسهبت بذلك قليلاً لنتعرف على صراعهم النفسي وهواجسهم وأفكارهم ورغباتهم : ” الحيرة تتآكلني والندم يحرقني ” ص 112

وكانت اللغة فصيحة متناغمة مع المعيار الفني ولم تلجأ الكاتبة إلى رؤى ذات دلالات رمزية معقدة – مثال على ذلك عندما صورت لنا القطع الثلجية الثلاث المتحدة والملتصقة بالكأس ببعضها البعض وبعد أن صبت فوقها السائل انكمشت القطع وحاولت الانفصال عن بعضها البعض ” ها هي القطع الثلاثة تنفصل بهدوء ثم تفرق في عمق الكأس ، تبتعد ..ثم تبدأ بالذوبان لحظة بعد أخرى ..” ص 208. وهذا رمز واضح يشير إلى علاقتهم هم الثلاثة ببعضهم البعض .

واستعملت الكاتبة تقنية التضاد ، مثال على ذلك ( جميلة – مزعجة // قريبة – بعيدة ) للتعبير عن المشاعر المتناقضة .

أما الحوار فقد لاءم الشخصيات وجاء بصيغة الفصحى تارة والعامية تارة أخرى لتعرب الشخصيات عن منطوقاتها ومستواها الاجتماعي والفكري والثقافي :

– بابا يوسف تريق / تناول فطوره
•إي عمتي ..أكلت شوية ” ص 85

واعتمدت الكاتبة على التساؤلات والتأملات والذكريات التي شغلت معظم حضور الشخصيات . والنهاية المفتوحة المطروحة للبحث والمتابعة ومشاركة القارئ في التفكير ووضع الحلول وخاصة في مسألة الحب والعشق والزواج . وأنهت روايتها بصفحة مفردة أفردتها للتساؤل تقول فيها : ” ترى .. هل اكتملت الرقصة ؟!”

أما بالنسبة للزمان فقد حطمت الدكتورة منى الشافعي الترابط الزمني المنتظم الذي اعتدنا عليه بالروايات الكلاسيكية واعتمدت على ترابط الأحداث ضمن الذاكرة لتوضح الصلة بين الزمان والذات وكثيراً ما يتم ذلك عبر الاسترجاع حيث يتداخل الماضي مع الحاضر . ومن تداخل الأزمنة اللجوء إلى المونولوج الداخلي وهو زمان جزئي يسمح بتداخل الأزمنة .

ولقد مزجت الكاتبة بين الزمان والمكان والحالة النفسية لأبطال الرواية ، فقد كان الليل يوحي بالوحدة والعزلة، والسرير الفارغ يوحي بالبرودة . فالزمن النفسي والمكان النفسي يكشف ما يختلج في نفوس الأبطال من قلق واضطراب وألم وصراع نفسي .

” تهمي دموعها بسخاء . يبللها الوجع ، تلملم بقاياها ، تتمدد على سريرها ، يلسعها برودته . يزداد نشيجها لا تدري متى ولا كيف دخلها النوم ” ص 28

وهكذا فقد جسدت الكاتبة عبر الزمن النفسي الحالات الشعورية لشخصيات الرواية بالتركيز على عالمهم الداخلي ، كما ربطت الزمن الخارجي بالزمن الداخلي : ” ها أنا في الليلة الثامنة محبوسة في قفص الانتظار كعصفورة تائهة في فضاءات السموات ، يتكوم بوحي في داخلي ، ساعة . اثنتان . ثلاثة ، وبعدها صار الليل سجنا أبدياً ..” ص 26

أما الخاتمة التي تعتبر بداية لدخول عوالم تأويلية وباعتبارها فاعلة للمكونات السردية والتي تجيبنا عن الهدف من الرواية ، كانت في هذه الرواية نهاية مفتوحة تركت التأويل للقارئ ـ لذلك لم تتدخل الكاتبة في خلق النهاية وتركت التأويل للقارئ بناء على رد فعل وتصرفات الشخصيات .

وفي الختام هذه الرواية قد تغلغلت في جوهر التعبير الإنساني والداخلي وتجاوزت ما تلتقطه الكاميرات من تصوير خارجي إلى ما تلتقطه الكلمات في التعبير عن المشاعر والعواطف ، وصورت الصراع النفسي في القلب والوجدان بمواجهة أبطال الرواية لحالات نفسية شديدة الصعوبة وعالية التوتر لأن عليهم أن يختاروا أحد الأمرين رغم ما ينطوي عليه من متاعب وآلام نفسية أو أن يهربوا من الموقف تماماً.

وكما تقول الأستاذة سليمة خليل إن الرواية ” عادة ما تكون تعبيراً فنياً عن حدة الأزمات المصيرية الي تواجه الإنسان ، إذاً وفي ظل تلك التغيرات باتت الذات المبدعة تحس غموضاً يعتري حركة الواقع كما نشعر أن الذات الإنسانية مهددة بالذوبان والتلاشي ” وكذلك تأثرت الكاتبة منى الشافعي بمعطيات الحياة الجديدة وقدمت بنجاح رواية تعنى بوصف الناحية النفسية والسلوكية والتجربة الشخصية للأفراد ، فتغلغلت في نفوس الشخصيات ونقلت إلينا عالمهم الداخلي وأفكارهم ورغباتهم ومشاعرهم وعرضت الجوانب المظلمة من الشخصيات وتصوراتها وقد برعت بوضع بصمتها المميزة عبر ريشتها الراقية والمخلصة .

 

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق