الأدب الفصيحغير مصنف

مدينة الانتحار / قصة د.فراس ميهوب

نشر الموضوع :

 

 

استقبل مختار المدينة الأستاذَ سامح  بحرارة، تمَّ اختيار هذا المحقِّقَ الجنائيَّ الكُفؤَ، بعد عجز سابقيه عن كشف الحقيقة الغامضة، ومع ذلك فقد احتار من أين يبدأ، فالقضيَّة مُعقَّدةٌ جدا.

اكتسبت مدينة الانتحار اسمها منذ خمس سنواتٍ تقريبا، لم يكن ذلك عبثا، أو سخريَّةً سوداء، بل عن استحقاق مؤسف، فأغلب حالات الموت فيها انتحار مُؤكَّد، أشهر أدبائها، مطرب مشهور، وأخيرا مختارها السابق، أنهوا حياتهم بأيديهم.

تتميَّزُ هذه الحاضرةُ بمستوى اقتصاديٍّ مرتفع عن كلِّ ما حولها، لذلك لم يكن الفقر، وسوء المعيشة سببا مقنعا للانتحار، فهي الأغنى تقريبا في محيطها القريب، وحتى في البلد كله.

قرَّر الأستاذ سامح أن يفكَّ أسرار هذه العقدة المُحيِّرِة، درس جَميعَ سِجلَّات الضحايا، استندت فكرته الأوليَّة على مبدأ بسيط، ولكنَّه راسخ، البدء بمعاينة ماضي المدينة، لسبر أغوار الحقيقة الحاضرة، ووقاية مستقبلها من الفناء الذاتي المبرمج.

اهتدى سريعا إلى أول حادثة انتحار في المدينة، حدثت قبل عشرة أعوام، كان الرجل فلاحا باع أرضه في الرِّيف الجبليِّ، ولحق بوهم الأنوار المُشرقة، لم يستطع التأقلم مع نمط الحياة الصَّاخب، أنهى حياته تحت عجلات قطار لم يتوقف بالطبع.

اطَّلع الباحثُ النِّحريرُ على عشرات المِلفَّات، لكنَّه اختار منها بعد تمحيصٍ دقيقٍ ثلاثاً لسبر أغوارها، ومحاولة النُّفوذ إلى الحقيقة التي لا يداخلها الشَّك.

القاتل الأول لنفسه، كان أديباً مشهوراً، وشاعراً معروفاً، نجاحه تجاوز حدود المحافظة، ليشمل البلد بأكمله، حتَّى حصل على كُلِّ الجوائز التي تمنحها وزارة الثَّقافة، وشارك بأمسيَّاتٍ شعريَّةٍ لا تحصى، ولا تُعد.

مشكلة هذا الكاتب، رغم نجاحه الظَّاهر، كانت أعمق مما تبديه المقدمات البسيطة، مروره في أيِّ شارع من مركز المدينة لم يثر يوما انتباه أحد، لم يقرأ له مثقفو المدينة سطرا واحدا، كان غير معروف في أيِّ ركنٍ مدنيٍّ ذي قيمة شعبيَّة.

كانت كتبه تباع بالإكراه اللطيف، أو التَّخجيل، في النقابات، والمراكز الثَّقافيَّة

وعلى البونات التَّموينيَّة، كفرق حساب، مع السكر والشاي.

أدرك متأخرا، أنَّ لا أحد يقرأه، حين بدأ يرى كتبه بالصدفة تحت أباريق المتة و الشَّاي في المقاهي وحتَّى في بيوت أصدقائه القلائل، رغم مجاملتهم الفارغة له.

حدثت الطَّامَّةُ الكبرى، عندما سأله والده:

– لماذا لا تكفُّ عن العمل الحزبيِّ والنقابيِّ، بماذا أفادك، لو أنَّك صرت كاتباً كما كنت تحلم، لما كان أحسن لك ؟!

يومذاك، أدرك بنفسه، أنَّ والده لا يعرف، أو يتجاهل عمداً شهرته ككاتبٍ في البلد كُلِّه.

جبل الكذب الرَّمليِّ ، عالي البناء، ما رفعه بعلاقاته الكثيرة طيلة سنوات، انهار بكلماتٍ قليلةٍ من أبيه.

قرَّر حرق كتبه، ومكتبته الضَّخمةِ، أغلق أبواب البيت، رمى المفاتيح عبر النافذة، حين جاءت سيارات الإطفاء، كان قد تحوَّل إلى رمادٍ أسود، وصارت كتبه هبابا متطايرا.

المنتحر الثاني الشَّهير في المدينة، مطربها المعروف، غنى لسنواتٍ أجمل أغاني الحُبِّ، لم يتبرع له أحدٌ بشهرته المستحقة، فموهبته حقيقيَّةٌ، فاق المغنين شجناً، لكنَّ كآبته العميقة أوصلته إلى مستنقع الحزن المميت.

حضر آلاف المعجبين حفلته الأخيرة، فقدَتْ بعضُ الصبايا وعيهنَّ من شدة التأثِّر ، وناداه الشبان مُشجِّعِين، غنى حتى ما قبل الفجر بقليل.

عاد إلى بيته، خلع ثياب شهرته، وحيدا للمرة الألف، جمع أشرطة الكاسيت القديمة، والاسطوانات المدمجة الحديثة التي ضمَّتْ كُلَّ أغانيه، مع حاسوبه المحمول، وغيتاره السّاحر، رمى كُلَّ شيءٍ من نافذة الطابق العاشر، سبح في الهواء، ارتطم بالأرض قبل  أن تصل أشياؤه الغالية إليها.

أمَّا مختار المدينة، الرجل المحترم، الذي عمل بجدٍ، ووضع مدينته على خارطة الحواضر المتقدمة، كان انتحاره لغزاً مُحيِّراً، فقد نسج هذا السياسيُّ اللَّامع صلات وثيقةٍ مع رجال السُّلطة و الحزب في العاصمة، ومع المحافظ شخصيَّا، واحتلَّ مكانةً لا تُضاهى في المدينة.

وُجِدَ جسدا بلا حياة في مكتبه الفخم، وهو دون الخمسين عاما، ترك رسالة وداع، كتب فيها:

“أهل مدينتي الأعزاء، حياتي لم تعد تطاق، وداعا”.

قيل الكثير عن أسباب انتحاره، صفقة فاسدة، مغامرة نسائية فاضحة، وشاية ذات عواقب لا تحتمل، ضغوط العمل القاهرة…

بقي السَّببُ الأصليُّ مجهولا، لكن الثابت الوحيد، هو تناوله السُمَّ القاتل، وموته المفاجئ بالطريقة المُفضَّلة لأهل المدينة.

أصبح موضوع المدينة البائسة، قضيَّة رأيٍّ عامٍّ ، شغلت رجال الحكم في البلد، خاف الجميع من انتشار العدوى إلى المدن الأخرى، مما يهدد الوطن بالانتحار الجماعي، والاندثار الكامل.

عاد سامح للتحقيق بالأمر، حاول إيجاد روابط مشتركة بين هذه الحالات الثلاث، ليصل إلى الحقيقة المفقودة ، بحث في طفولة كُلٍّ منهم.

كان والد الأديب المشهور رجلا قاسيا، يصدر الفرمانات، وعلى زوجته وأولاده إطاعتها دون نقاش، عاش الطفل مُتمرِّدا، الكذب سلاحه الدائم، استمر كذلك حتى أعيته الحيلة، ظنَّ الموت كذبة أخرى.

لم يعرف المطرب الحُبَّ أبدا، غنى على الدوام  لشيءٍ لم يعشْه يوما، نشأ في عائلة تبنته، بعد أن تركه أبوه، وتزوجت أمه رجلا أخر.

اكتشف موهبته الفريدة، أطرب النَّاس وأسعدَهم، لكنَّه كان بلا حبيب ولا صديق ، طار ليبحث عن سماء الهدوء، فسقط  في أرض الموت.

أمَّا السياسيُّ النَّاجحُ ، فكان مفتقدا لاحترام زملائه في المدرسة ثمَّ الجامعة، تعرَّض دون توقف لسخرية لاذعة سببها اضطراب نطقه.

ركب كُلَّ موجة منتصرة، برع في نفض الغبار عن سترات المسؤولين الكبار، حتى وصل إلى منصبه الرَّفيع.

لم يسهم ذلك في حلِّ عقدة لسانه، بقي وحيدا، بلا أهل، ولا صديق، رغم ثروته، وأعوانه المنافقين، لم تكن حياته إلّا كذبة كبرى، تجرَّع السُّمَّ ، اعتقد في أعماقه أنّه سيحرر حباله الصوتيَّة الخائنة، فانتقل إلى عالم أخر، ربما يكون أشدَّ قسوة، لكنَّه بلا زيف أو كذب.

كانت المعلومات التي حصل عليها مهمة، ساعدت على فهم دوافع كلٍّ منهم، لكنَّها لم تكفِ لمعرفة سر الانتشار الغريب لجائحة قتل الذَّات في المدينة المنكوبة.

راجع بسرعة مِلفَّاتِ مئات المنتحرين الآخرين، كانت الخيبة عاملاً مشتركاً، لكن الاكتشاف المذهل الذي وقع عليه غيَّر مجريات تحقيقه، فقد استطاع أن يربط بين كُلِّ حالات الانتحار وأصول الضحايا.

أدركَ المُحقِّقُ أنَّ كلَّ عمليات الانتحار بلا استثناء يذكر، كانت تخصُّ مهاجرين أتوا إلى المدينة من الرِّيف على مراحل زمنيَّة مُتعدِّدة.

كان أهل هذه المدينة معتادين على الكذب، و التَّدليس، وانعدام مشاعر الحُبِّ الصادق بينهم، تغلغلَ ذلك في جيناتهم منذ دهور.

أمَّا القادمون، رغم مثالبهم، فكان لديهم خصلةً واحدةً تمنعهم من الموت الطَّبيعي، وهي عذاب الضَّميرِ، تعلَّموا كثيرا من حيِّل أهل المدينة، إلَّا دفن الوجدانِ حيَّاً،

فكانوا آخر الأمر يقومون بستر أرواحهم المُتعبة باكرا.

اكتسب الأصحابُ الأصليُّون للحاضرة المُصابة بلعنة الاندثار البطيء، مناعة دائمة من الانتحار، فكان أغلبهم يعيش عمرا طويلا، ولا يموت إلَّا بعد أن تملَّه الحياة.

استجوب  أشخاصاً من أجيالَ مُختلِفة، أفضوا أخيرا، وبصعوبة شديدة، بامتلاكهم ترياقا سريَّا، يتناقلونه فيما بينهم، أباً عن جد.

كان الدواء الواقي كفيلاً بتسكين سرائرهم ، وحمايتهم دوما من أيِّ نوبة استفاقة قاتلة.

ترك أهل المدينة الأصلييِّن للقادمين، الشَّرفَ الكاذب، بالحصول على المناصب العاليّة، والمراكز الأدبيَّة والفنِّيَّة المرموقة، لكنهم لم يعطوهم أبدا وصفة القضاء الكامل على الضَّمير.

كان أهل الريف يأتون إلى المدينة، وينغمسون في المفاسد سريعا، ومع تزايد الثَّراء، والنَّجاح، كان وجع الرُّوح ينمو ليصبح غولا، يتصارعون معه بعنف، يوجهون له سهام الموت فلا يصيبون إلَّا أرواحهم المُنهَكة.

خرج سامح من مكتب المختار، فخورا بحلِّ المُعضِلة، توجَّه مشيَّا على الأقدام  إلى محطة القطار، قاصدا العاصمة.

في مركز المدينة، رأى رجلا فوق السَّاعة الحجريَّة الأثريَّة القديمة، يتأرجحُ بخوف، ويريد أن يلقي بنفسه.

اقترب بسرعة منه، وقال له بصوت مسموع:

– إنَّ الوهم القاتل قد أهلكَ الآخرين، لا تدعه يتغلب عليك، انزل واغسل روحك ، وأعط نفسك فرصةً جديدة.

كانتِ الشَّمس تغطس في بحر المغيب، تغسل آلامها، لتعود من الشَّرق، في صباح يومٍ قادم.

 

قصة : د.فراس ميهوب

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق