الأدب الفصيح

المهدي المنتظر / قصة : محمود خليفة


نشر الموضوع :

 

 

 

 فتحتُ الباب فوجدت والدته في إعياء شديد، ووجهها شاحب وفر منه الدم، وأنفاسها متقطعة، وجبينها ينز بالعرق الغزير، والكلام قد هرب منها…

أشارت بيديها؛ ففهمت على التو أن النوبة قد انفجرت فيه…

ذهبت مسرعا فوجدت العمارة كلها بسكانها تمور وتفور، والناس بين هلع وفزع، وضحك وخوف!…

أما عاصم فقد كان واقفا في البلكونة يخطب في الناس، ولم أتبين كلماته، وخشيت أن يسقط أثناء انفعاله وخاصة أنه يسكن في الدور الخامس.

صعدت السلم بأقصى طاقة لديَّ، وتمنيت لو يوجد مصعد. وجدت باب الشقة مفتوحا فدلفت. أخرجت أمبول “النيورازين” الذي أحضره معي في هذه الظروف. رفض أن أحقنه الأمبول، بل هرب مني، وضربني بكل ما يجده أمامه.

هذه النوبة لم تحدث بهذا الشكل منذ ثلاث سنوات. فعادة يحدث هيجان بسيط وأعطيه أمبول النيورازين؛ فتذوب الانفعالات والاضطرابات، ولكن النوبة في هذه المرة شديدة جدا، والهيجان من العسير كبحه إلا في مستشفى الأمراض العقلية.

والنوبة الشديدة عادة تتفجر كل عدة سنوات حينما يتعرض لألم نفسي عنيف، ولا أدري ما الذي تعرض له هذه المرة؟

مسكين عاصم، فحينما تتفجر النوبة الشديدة، فإنه يسب ويشتم الناس، ويخطب فيهم ويخبرهم أنه المهدي المنتظر، ويهيج، ويصرخ، ويضرب، ولا تحلو له الخطابة إلا في البلكونة ويكون واقفا على كرسي وهو في هذه الحالة من الاضطراب والهيجان الشديدين، ولا أخشى عليه من السقوط فقط، ولكن أخشى من محاولته أن يثبت أنه صاحب كرامة فيطير في الهواء…

جُرحت يداي، وأُصبت بعدة كدمات، وقبل أن تضيع رابطة جأشي، هرولت مسرعا إلى الرجال الأشداء من سكان العمارة ليمسكوا به بكل ما لديهم من عزم، والعجيب أن عاصم تتولد فيه -أثناء النوبة- قوة وعزم ما يستطيع أن يغلب عدة رجال معا…

 

(2)

مسكين عاصم. كان زميلا لي في كلية الطب، وكان من أوائل الدفعة، ويُشار إليه بالبنان، وكان متعدد المواهب، وعنده طاقة جبارة خلاقة، وكان متدينا منذ نشأته، وحين يقرأ القرآن، كان يجوده كأحد المشايخ الكبار، وأحيانا كان يقلد صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد.

ظل عاصم على نجابته وتفوقه طوال السنوات الثلاث الأولى في الكلية. في السنة الرابعة تقدم لخطبة زميلة لنا، وكان بينهما حب متبادل مكتوم، ومع أن عاصم أتى من الريف إلى القاهرة سنة 1975 ليدرس في كلية الطب، وكان يهزأ من قصص الحب المتبادلة بين طلبة الجامعة، إلا أنه وقع في الفخ…

أخبر عاصم والد أمنية بأنه يملك شقة في القاهرة التي يعيش فيها أثناء الدراسة، ووالده يملك عدة أفدنة في الريف، وهو يحب أمنية من سويداء قلبه، ويوجد لديه مبلغ كبير في البنك مودع باسمه، يدر عليه عائدا شهريا معقولا، وهو يستطيع إتمام الزواج أثناء الدراسة.

ولكن والد أمنية لم يوافق.

فقال عاصم: “أرجو يا عمي أن تجعلها خطوبة فقط والزواج بعد انتهاء الدراسة إن شاء الله”، فلم يوافق أيضا. فقال عاصم “إن أمنية قد ملئت عليَّ حياتي، وقد تملك حبها من قلبي، وإني لأذكرك بحديث الرسول -عليه الصلاة والسلام- الذي يقول فيه: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج))، وإني أملك السكن، وأحوالي المادية ميسورة والحمد لله، وإني متفوق في دراستي وأمنية كذلك، وسوف نحافظ على تفوقنا إن شاء الله”، فلم يوافق. فقال عاصم: “يا أستاذ عبد الحكيم إنك كلك حكمة فأرجو ألا تحطم أملي، ولا تلقي بي إلى متاهات اليأس والقنوط…”.

وكانت نتيجة هذا الحوار العقيم هي قول عبد الحكيم: “أحتفظ بأسباب الرفض لنفسي”. وربما قال لنفسه: كيف أزوج ابنتي لطالب؟!

وطبعا، لم تستطع أمنية أن تفعل أي شيء مع والدها.

خرج عاصم وهو حزين، محطم النفس، يائس الروح،  مشتت الذهن، مكلوم القلب، موؤود الأمل…

حاول بعد ذلك عدة محاولات للوساطة عند والد أمنية، ولكنها باءت بالفشل. انطوى عاصم على نفسه، وانطفأ بريقه، وذبلت حيويته، وأكمل السنة الرابعة بالكاد، وحصل على تقدير مقبول…

في بداية السنة الخامسة، ظهر عاصم وقد ترك شعر ذقنه يعبث في وجهه، وأهمل هندامه، وأهمل الدروس والمحاضرات، وأضحى مضطربا في تفكيره، ومترددا في تصرفاته…

أخبرنا بأنه يسمع أصواتا تسبه. وتعجبنا أكثر حينما أخذ موقفا عدائيا من كثير من الزملاء بل من كثير من أساتذتنا المحاضرين.

أخبرنا ذات يوم أنه سمع صوتا يسري في أذنيه وهو يقول: “يا عاصم أنت المهدي المنتظر لهذه الأمة”. “يا عاصم أنت المهدي المنتظر لهذه الأمة…”.

ومن حينها، وهو يعلن على الملأ ولكل من˚ يقابله بأنه المهدي المنتظر لهذه الأمة، وأن سيدنا جبريل ينزل عليه بالوحي والتأييد.

أخذنا عاصم بصعوبة بالغة إلى قسم الطب النفسي، وشُخصت حالته “فصام”. وبسبب هذه الظروف الصحية، لم يستطع أن يكمل الدراسة، واستنفد مرات الرسوب، وأخيرا ترك الدراسة نهائيا، وأصبح يعمل أمينا لمخزن بشركة الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، ثم تركها بعد فترة قصيرة، وتنقل بين عدة شركات، وأخيرا عاد إلى القاهرة، واستقر فيها، وعمل أمين مخزن أيضا ولكن في إحدى المستشفيات الحكومية، وتزوج، وسارت حياته هادئة إلى حد ما، ولا يعكر صفوها إلا بعض النوبات التي تحدث له كلما تعرض لضغوط نفسية.

توفى والد عاصم حزنا وكمدا على فلذة كبده، وأمست والدته تعيش معه لتساعد زوجته وتشد من أزرها.

(3)

ظل طوال الطريق من شبرا إلى العباسية؛ تارة يضربنا ويدفعنا داخل السيارة، وتارة يسبنا بأقذع الألفاظ والسباب، ويتهمنا بالكفر والزندقة. اضطرب قائد السيارة عدة مرات ولولا لطف الله لحدثت لنا كارثة وخاصة عند انحناءات الطريق، وفي إحدى الإشارات، تطلع المشاة وراكبو السيارات المجاورة لسيارتنا، ربما ظنوا أننا خاطفيه!

والعجيب أن عاصم حينما يبرأ وتتحسن حالته يتذكر سبابه وضربه وآذاه لمن حوله، ويتألم ويحزن لذلك، بل يعتذر لكل الذين آذاهم، ويتضايق من الذين سخروا منه أثناء النوبة.

قبل أن نصل إلى العباسية بقليل، مررنا على كلية طب عين شمس، وتذكرت أمنية وقلت في نفسي:

أين أنت يا دكتورة أمنية الآن؟ أنت الداء والدواء لعاصم. يا ليتكما قد تزوجتما. لو تمت تلك الخطبة لربما كان عاصم الآن أستاذا مرموقا في الطب النفسي بدلا من أن يكون مريضا نفسيا! وأين زملاء الدفعة ونحن في عام 1998؟

وأخيرا وصلنا إلى مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية…

 

قصة : محمود خليفة

نشر الموضوع :

الوسوم

إترك تعليقك

كن أول من يعلّق هنا !

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق