المنوعات الأدبية

تحقيق : الكتابة , ماذا تعني , أهدافها , تأثيرها في العالم …


نشر الموضوع :

 

 

إعداد – أنهآر :

يقول جونثان سافرن معبراً عن هويته الكتابية :
” لماذا اكتب ؟ ليس لاني أريد للناسِ أن يظنوني ذكياً , أو أنني كاتبٌ جيد , أنا أكتب لأنني أريد أن أضع حداً لوحدتي . “

وفي حديثنا الكتابة وماذا تعني وما هي أهداف الكتابة وتأثيرها في قضايا العالم , تحدثنا إلى بعض الشخصيات حول الموضوع فكانت هذه الآراء الكبيرة والأدبية والراقية فكرا ً وأدباً

المحاور :

– ماذا تعني لك الكتابة ؟
– ما هو هدف / أهداف الكتابة في نظرك ؟
– كيف ترى تأثيرها اليوم في قضايا العالم ؟

 

 

بداية شاركنا الدكتور العزيز وأستاذ اللسانيات الكويتي فهد راشد المطيري فقال :

ماذا تعني لك الكتابة ؟

بالنسبة لي، الكتابة هي حالة خاصة من الترجمة، فالترجمة في الأساس هي عملية استبدال كلمات بكلمات أخرى مغايرة مع محاولة الاحتفاظ بالمعنى، والكتابة كذلك هي عملية استبدال أو ترجمة أفكار مجردة إلى كلمات مكتوبة مع محاولة الاحتفاظ بالمعنى.

بطبيعة الحال، محاولة الاحتفاظ بالمعنى عملية شاقة جدا، ولهذا توصف الترجمة عادة بأنها خيانة للنص، ولكن برأيي العملية نفسها أشدّ مشقة في حالة الكتابة، فإذا كانت الترجمة خيانة للنص، فإن الكتابة خيانة للذات، ذلك أن الكتابة في جوهرها هي اختبار لمدى قدرة الفرد على ترجمة أفكار مجردة إلى رموز مكتوبة، ومن المستحيل أن يحصل الفرد على العلامة الكاملة في مثل هذا الاختبار، ولعلنا نلاحظ تعبيرا عن هذه الحقيقة في وصف الروائي الروسي دوستويفسكي للكتابة بأنها “صراع مع الورقة البيضاء”، أو في البيت الشعري الشهير للشاعر الروسي تيوتشيف والذي يقول: عندما تُكتَب الفكرة تستحيل إلى كذبة”!

إذا تجاوزنا الكتابة من حيث هي مفهوم وانتقلنا إلى الحديث عنها من حيث هي نشاط فردي، فإن الكتابة تعني لي فرصة للتأمل عن كثب في أفكارنا المجردة، فالأفكار المكتوبة، حتى ولو بطريقة غير تامة، أوضح من تلك التي تبقى محبوسة في عقولنا، والوضوح يساعد كثيرا على تقييم مدى جودة الأفكار، ولعل لهذا السبب كثير من الأفكار التي تطوف في بالنا تبدو جذّابة من الوهلة الأولى، لكن سرعان ما يخفّ بريقها عندما نضعها على الورق، بل قد نضطرّ إلى رفضها بعد أن نراها مكتوبة. لا أدري ما هو السبب وراء ذلك، بل لا أدري حتى إنْ كانت هذه ظاهرة ولا تقتصر على فرد بعينه، ولكن ما أدريه بفضل تخصص اللسانيات هو أن عالم الأفكار المجردة وعالم الكلمات المكتوبة مختلفان، فالأول عالم لا تخضع الأفكار فيه إلى ضرورة الترتيب ين فكرة وأخرى، وأما في عالم الكلمات المكتوبة فالترتيب ضروري، وهنا ربما يكمن السبب في أن الأفكار المجردة أشدّ إبهاما وأكثر جاذبية من الأفكار المكتوبة: هي أشد إبهاما لأنها غير مرتبة، وهي أكثر جاذبية لأنها أقرب لذواتنا من الكلمات المكتوبة.

ما هو هدف / أهداف الكتابة في نظرك ؟

بالنسبة لي، وبالنسبة للآخرين من دون شك، الكتابة متعددة الأهداف، فقد نستخدمها بهدف التوثيق، وهي في هذه الحالة مجرّد أداة مساعدة للذاكرة، وقد نستخدمها لتأمل أفكارنا كما سبق أن أشرت، وفي هذه الحالة الكتابة ليست سوى أداة مساعدة للتفكير، كما قد نستخدم الكتابة لنقل أفكارنا إلى القارئ، وهنا يُمكن اعتبار الكتابة أداة مساعدة للتواصل.

هذا من ناحية الكتابة من حيث الشكل، لكن عندما ننتقل إلى الكتابة من حيث المضمون، فإن الهدف منها بالنسبة لي يكاد ينحصر في مسؤولية نقل الأمانة، والأمانة التي أعني هنا هي مزيج بين ما استطاع الكاتب تحصيله من معرفة بواسطة القراءة من جهة، وإعمال عقله في تلك المعرفة من جهة أخرى، فالكاتب هو حصيلة ما قرأ من جانب، وما يكتبه هو عُصارة تفكير فيما قرأ من جانب آخر، ولهذا أقول إننا عندما نقرأ، نكافح جهلنا، وعندما نكتب، نكافح جهل الآخرين.

كيف ترى تأثيرها اليوم في قضايا العالم ؟

تأثير الكتابة بطبيعة الحالة مرهون بحجم القراءة، فأي نص هو عبارة عن تشفير المعنى بواسطة رموز محدودة، ومن دون فكّ التشفير بواسطة القراءة لا أثر ولا تأثير للمعنى على الإطلاق. لكن، من جهة أخرى، الكتابة ليست سوى أحد أشكال التعبير عن الأفكار والتواصل مع الآخرين، وهذا يعني توافر قنوات أخرى لانتقال المعلومة من طرف إلى آخر، مثل الكلام والرسم والموسيقى وغيرها، ولهذا فإن الإجابة عن السؤال المطروح قد تشير إلى تضاؤل تأثير الكتابة على الواقع من حولنا، ولكن هذا لا يعني بالضرورة عدم خضوع هذا الواقع للتأثير بوسائل أخرى غير الكتابة، وهذا ما نلحظه في وقتنا الحاضر من خلال تزايد الاهتمام بالصورة أكثر من الكلمة.

في عصر السرعة والاستهلاك، تضاءل مع الأسف دور الكتابة في التأثير، فإلى جانب وسائل التواصل الأخرى التي هي أكثر من الكتابة تماشيا مع وتيرة هذا العصر، هناك أيضا نزعة شديدة إلى تقليص مساحة النص المكتوب، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها تفضيل معظم الصحف لنشر المقال القصير على نشر المقال الطويل، وانتشار الخدمات الإخبارية التي تعتمد على المانشيت بدلا من تفاصيل الخبر، ووجود حد أعلى لعدد الكلمات في فضاء “تويتر”، وغيرها من الظواهر الأخرى.

 

 

كما شارك معنا الأستاذ والباحث الكويتي الأديب ابراهيم الخالدي قائلا :

عفوا

الكتابة أنواع، ولكن سأقصد الشعر في حالتي
دائما كانت للشعر أهداف..
بعضها بسيط ويومي، وبعضها يهدف لتسجيل موقف أو تخليد ذكرى أو الإسهام في عمل وطني او إنساني.

كتبت عن قضايا أمتي الكبيرة، وعن قضايا وطني وجيلي، وشؤوني البسيطة وذكرياتي ومشاعري الخاصة .

الشعر أرقى فنون القول، وقادر على التسرب للناس عبر تفصيلات حياتهم. أغانيهم أهازيجهم حكاياتهم ، يقفز للواجهة عبر الورق والشاشة والبوح والجدل
لن ينمحي أثره وتأثيره، فهو المحرك والقائد لكل فنون القول .

 

 

وأَضاف لنا الأستاذ والأديب عدنان فرزات مجموعة من المعلومات المهمة في هذا الموضوع قائلاً :

كتاباتنا قد تعني غيرنا أكثر ما تعنينا. فالمهندس هو الذي يصمم البيت لكنه ليس هو الذي يسكنه، وصانع الدواء ليس هو مَن يتناوله بالضرورة. كذلك الكتابة، فقد تعني القارئ أكثر مما تعني الكاتب. لذلك فهي بالنسبة لي تشخيص حالات اجتماعية وعاطفية وسياسية وروحانية قد لا أعاني منها أنا شخصياً، وقد أكون أعاني من بعضها، ولكن ليس بالضرورة كل ما أكتبه يعنيني أنا تحديداً.

للكتابة هدف أساسي وأهداف فرعية، سأتطرق لبعضها.
أما الهدف الأساسي، فيتمثل في أن الكاتب أحد أهم عناصر الحياة، بعضهم يبنيها وبعضهم ربما يهدمها.
أما الأهداف الفرعية، فهي أولاً بوح داخلي يحاصر الكاتب ولا يستطيع كتمانه وإلا قتل صاحبه نفسياً وربما جسدياً أيضاً. هو مثل الحمل لابد أن يأتي الجنين إما بشكل طبيعي أو عملية قيصرية أو إجهاض. الكلمة مؤذية إن ظلت في إعماق الإنسان. مؤذية لصاحبها. وبعضهم يعتبر الكتابة علاجاً، مثل آلام فيرتر للشاعر غوته، الذي كان يعتبر تفريغ شحنات الكتابة علاجاً نفسياً.

الكتابة هي التي صنعت الحضارات، فعندما بدأ الإنسان يكتب، سواء برسومات أو رموز أو حروف، بدأت الحضارات تنهض، وقبل ذلك كانت بدائية. ولن تفقد الكلمة دورها أبداً، الكتابة بإمكانها أن تغير مفاهيم العقول وتبني الشخصيات أو حتى تهدمها، وهذا يعني ان أثرها إما إيجابي أو سلبي.
انظر اليوم، رغم وصول العالم إلى درجة متقدمة جداً في عالم الاتصالات، إلا أنك ترى صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي باسم جبران خليل جبران أو شكسبير، ويحصدون أكبر قدر من الإعجابات. ولولا تأثير الكتابة لاندثر أصحابها.

 

أما الشاعر والمترجم المصري المعروف حسن حجازي فيشارك في رأيه قائلا :

الكتابة .. بالنسبة لي ولغالبية الكتاب الجادين أصبحت كالرسالة .. بل هي يالفعل رسالة .. تعني حياة .. تعني الهواء الذي نتنفسه جميعا .. هي السلاح المُصرَح لنا  بحمله دون ترخيص .. الكتابة الهَم  والنزف اليومي الذي ننثر أريجه عبر الصفحات .. الكتابة  وجهنا بل روحنا التي نطل  بواسطتها على العالم أجمع  , سواء  أكانت نثرا أو شعرا أو نقدا أو صحافة  بكافة مفرداتها وأوجهها المقرؤة أو المسموعة أو المرئية .

وتحدد الهدف أو الأهداف المرجوة من الكتابة حسب رؤية الكاتب ونظرته للعالم وحول هدفه في الحياة أو ما بعد الحياة .. هدف الكتاب ربما يكون هدفا شخصيا كوسيلة  للتعبير والتنفيس عن الذات .. أوبمعنى آخر وسيلة ناجحة وفعالة لنثر متاعبنا على الورق فتكون بمثابة قوة علاجية فعالة ننفض بها همومنا ومشاكلنا الحياتية المتلاحقة  . وبالتالي ننتقل لنمط آخر من أهداف الكتاب فهي الكتابة الذاتية وفيها يكون الكاتب في برجه العاجي يكتب ويعبر عن مشاعره ومشاكله الذاتية الخاصة , وهي ربما  قد لا تجدي بصورة كبيرة  في الوقت الراهن على الأقل. نصل للهدف الأكبر والأكثر نفعا وهو الكتابة المُعبِرة عن هموم الوطن ومشاكله وآمانيه وأحلامه و تبني قضاياه , وهنا تتسع الرؤيا الضيقة من الوطن الأصغر لتتسع وتشمل وتعم الوطن الأكبر وقضاياه وهمومه .

وللكتابة أهمية كبرى وخطيرة , فهي أصبحت أمضى من الكثير من الأسلحة  بل وتفوق  تأثيرها  ونتائجها وتبعاتها , فالكلمة تمتد وتنتشر عبر الصحافة المكتوبة والمقرؤة والمرئية , في ظل  تعاظم دور وسائل التواصل الإجتماعي المختلفة .. فيمتد تأثيرها ليحدد  مصائر الشعوب ومستقبلها .. وما نراه وما نلمسه وما نشاهده الآن يُظهِر جليا دور الكتابة وتأثيرها الواضح والجلي بل والخطير , في تسليط الضوء على قضية ما  وعدم الإهتمام بقضايا آخرى , وهذا ما ظهر جليا أثناء ثورات الربيع العربي وحتى الآن . ومن هنا فامتلاك الوسائل المختلفة وقوتها تعبر بوضوح عن مدى وصلابة الشعوب واستخدام الكتابة لتكون بمثابة رأس الحربة في الدفاع والتصدي وتبني قضايا الوطن والزود عن مصالحه وقضاياه .

 

 

أما الباحث المغربي محمد بن الظاهر فيقول في هذا الموضوع :

الكتابة هي الوجه الآخر والدليل على الوجود هي الحياة هي الهوية هي التدفق مع الزمن هي مقاومة العبث هي الحب الذي لا يفني هي فتح الباب على مصراعيه للقارئ ليتعرف على النفس الكاتب المكمونة داخل سجن الجسد فهي توثيق السر الذي يعرفه الكل.

أما أهداف الكتابة كثيرة قد تختلف من كاتب لآخر لكن المشترك هو تزويد القارئ بمادة معرفية خالصة من عصارة التجربة الحياتية فالكتابة ليست فقط قراءة الكتب و تلخيصها .
وعن تأثيرها , يمكن القول أنها القوة الناعمة وأرى أن تأثيرها أبلغ من رفع الشارات في الشارع وأمام الجامعات فهي أقوى من القوة الصلبة فالكتابة تردع الباطل وتضرب عنفوانه وعنجهيته عرض الحائط فالتاريخ برمته لم يغير مساراته إلا الكتب فتأثير الكتاب أبلغ من فواهة المدفع.

كما شاركنا من القراء الأستاذ محمد بن سعد من السعودية :

الكتابة في نظري هي أداة أو وسيلة لنقل حالة أو حدث أو واقع وإيصاله إلى قارئ . بهدف المشاركة في الحياة أو الواقع الإنساني .
الكتابة تأريخ لما يحدث , نقل للحدث , خلق أدبي كامل لا يجيدة الجميع . الكتابة مشاركة حياة بيني والآخر .

الهدف من الكتابة هو برأيي التوثيق , الإبداع , المشاركة , التواصل بين كل الأطراف من خلال نقل الواقع إلى الورقة والحروف .

تأثير الكتابة في حياة الإنسان كبير جدا , تأثيرها عميق وخطير بنفس الوقت . عقل الإنسان يتأثر بما يقرأ ( بما يكتب له ) . الكتابة تستطيع برمجة الإنسان من جديد .
اليوم في عالم مليئ بالكثير من المآسي لا نقدر إلا على قراءة الأخبار السوداء ومن ثم تصنع فينا الكتابة ( قراءتنا لما يكتب ) الكثير من السواد .

الكتابة تصنع الإنسان سواء في الإيجاب أو السلب . والإنسان ما يقرأ .

 

 

كما تشاركنا من الكويت الكاتبة ( منيرة الحمد ) في رأيها حول الكتابة :

ماذا تعني لي الكتابة , ليت السؤال ماذا تعني الكتابة للبشرية ككل ؟
الكتابة منذ عرفها الإنسان وهو يوثق كل شيء . وربما يزور من خلالها كل ما يريد .

الكتابة نعمة عظيمة جدا. تستطيع فضح الإنسان للقارئ . قادرة على أخذ القارئ لحيوات أخرى .
الكتابة تعني إعطائي حرية الوصول إلى عوالم قديمة جدا ً . عندما أقرأ رواية لتولستوي فأنا أعيش هناك في ذلك الزمن بما فيه .
هذه قدرة الكتابة ( القراءة ) .

من أبرز أهداف الكتابة كما أراها هي التوثيق , كتابة التاريخ , نقل العلم اللإنسان .

وعن تأثيرها في العالم اليوم . كما نرى من خلال الكتب المنشورة , والترجمات التي تأتي من بلد . فلولا الكتابة لما وصلنا كل هذا الكم الكبيرة من الآداب الأخرى .

.
.

انتهى .

نشر الموضوع :

الوسوم

إترك تعليقك

كن أول من يعلّق هنا !

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق