المنوعات الأدبية

كيف تقرأ كتابًا ؟ , كيف تجعل القراءة رفيقة لك بشكل مثمر؟


نشر الموضوع :

 

 

إن العبقرية إذا لم تتغذ بغذاء القراءة فخليقة أن تجف وتذبل؛ وإن الذكاء إذا لم يلازمه اطلاع تحول ذلك إلى هباء .

 

 

تعتبر القراءة وسيلة للعلم تنمي لدى الفرد ملكة الفهم وتوسع مداركه ومدى استيعابه للأفكار، كما أنها تبني وتؤسس لغة العلوم لدى الفرد. ولكن قبل ممارسة نمط القراءة لابد أولًا أن نتعرف عليها، وأن نكتشف ماهيتها، فالقراءة في معجم المعاني تعني: «عملية معرفية تقوم على تفكيك رموز تسمى حروفًا لتكوين معنى؛ والوصول إلى مرحلة الفهم والإدراك؛ كما تعني استخلاص المعنى من المادة المكتوبة وتحليل رموزها».

ما قبل القراءة

الكتاب قادر على البناء والتأسيس ولكي يبني ويؤسس عليك:

1. إزالة العقبات النفسية

فإذا ما زالت الإيماءات السلبية التي تقبع في المخيلة اللاواعية لدى الفرد؛ همت نفسه ونشطت لفعل الأمر. ويكون ذلك بتفريغ النفس منها وإحلال الإيماءات الإيجابية محلها، واعلم أنه:

إن لم يكن عون من الله للفتي .. فأول ما يجني عليه اجتهاده

2. إيجاد الدافع للقراءة

فإذا عرفت أهمية ما عليك فعله تولدت لديك الهمة، وكان الدافع لإنجازها مضاعفًا مرغوبًا فيه. فالفرد لا يجد صعوبة في إيجاد الدافع للقيام بأساسيات الحياة من مأكلٍ ومشرب، وذلك لأنه ألفها واعتادها وعلم أهميتها. فإذا علم كيف تُشكل القراءة وعيه وتوسع مداركه وتعطي معنى للأشياء من حوله تحولت القراءة من جهد ثقيل على النفس إلى عمود أساسي في حياته.

3. تحديد الهدف من القراءة

وتحديد الهدف من العوامل الأساسية التي تدفع الفرد للقراءة، ويجعل لها فاعلية. كما يساعد في تحديد الملائم للفرد من أنواع الكتب ومستويات القراءة. فاختلاف الهدف يحدد نوعية الكتاب؛ فإذا كان الفرد يقرأ من أجل التسلية فسيكون الكتاب مختلفًا عما إذا كان يقرأ للاطلاع أو الاستيعاب لتوسيع المدارك ودائرة الفهم.

كيف تجعل القراءة رفيقة لك بشكل مثمر؟

تكون القراءة رفيقة للإنسان إذا اعتادها وألفها، فالعادة هي: كل ما اعتيد حتى صار يُفعل من غير جهد. إذن العادة لابد من ممارستها، ولا يكتفى فيها بالتمرين النظري، فالبدايات شاقة ولا تُدرك النهايات إلا بشقاء البدايات.

فابدأ بما هو محبب للنفس غير شاق عليها، فتضمك الكلمات لسحرها، وتتوه في عذوبة المعاني، فتألفها وتعتادها. ولا تأتي البداية إلا بتخصيص وقت ثابت للفعل لا تتجاوزه ما دمت مصرًا عليه، ووضع خطة لما تريد قراءته والتخلص من الفوضوية التي تبدد طاقة الفرد وتشتت ذهنه.

وإذا بدأت تدرجت بالتسلسل الذي بُني به العلم؛ فتقرأ أوائل ما كُتب فيه، ثم ترتقي سُلم التعلم حتى تصل إلى الطوال منه. وغاية القراءة الثمرة التي تنتجها في العقل من الفهم وتوسيع المدارك. وحتى تأتي القراءة بثمارها فعليك:

1- التعرف على الكتاب: وذلك بمعرفة هُويِة الكتاب والفن المعرفي الذي ينتمي له؛ وذلك يكون من عنوانه أو السير في أغوار الكتاب وقراءة مقدمته وفهرسه. ويفيد ذلك في معرفة هل الكتاب مناسب لك أم لا.

2- معرفة مؤلف الكتاب: وذلك لأن «قيمة كل امرئ ما يحسن؛ والناس أبناء ما يحسنون»؛ حسبما يقول الإمام علي بن أبي طالب.

 

3- فحص الكتاب: والفحص هنا بمعنى التصفح. وهي طريقة استكشافية للتعرف على ما يحويه الكتاب من عناوين وأفكار والحصول على أكبر فائدة من الكتاب خلال زمن محدود.

4- التعرف على المنهج واصطلاحات الفن: وهل الكتاب يندرج تحت أصول الفن أم فروعه؟ وهل هو من المختصرات أم من المطولات. وتبرز أهمية معرفة اصطلاحات الفن حتى يُدرك الكلام ويبني القارئ الكلام بعضه على بعض؛ حتى لا يقع الاشتباه على أمثالها من الفنون الأخرى.

5- المساعدات الخارجية: وهي كل ما يفيد في فهم الكتاب وتوضيح الملتبس فيه وإزالة الغامض منه بحيث يزيل صعوبة ما يُقرأ. والمساعدات على أنواع: فإما الاستعانة بالشروح، أو المختصرات، أو الموسوعات والمعاجم، أو المراجع.

6- التأمل والتركيز: وقد قيل (تأمل تُدرك).  والتركيز يحصل بعدة أسئلة؛ ماذا أعرف عن الموضوع؟ ماذا أريد أن أعرف عن الموضوع؟ لماذا أقرأ؟

7- تدوين الفوائد وتوضيح الجمل: فقال الشافعي: «إذا رأيت الكتاب فيه إلحاق وإصلاح؛ فاشهد له بالصحة». فتدوين الفوائد يكون بكتابة التنبيهات وما تحتويه الكتب من إشكالات، ولتكن الكتابة بلفظ دقيق واضح.  وهذه التقيدات هي التي تبقى من قراءة النصوص وما سواها فتذروه الرياح وتتعاقب عليه السنون فيطويه النسيان.

ويكون ذلك بوضع خط تحت الجمل أو وضع نجمات إلى الأكثر أهمية أو الكتابة على الهامش وتسجيل الأسئلة التي تطرأ على الذهن، وتسجيل النقاط الأساسية في سياق النص، وتلخيص ما قُرئ.

8- النقد: إن القراءة الفعالة لا تقف فقط عند عملية فهم الكتاب، لكن يجب أن تُستكمل بعملية النقد والحكم على الكتاب، ولابد أن يكون النقد موضوعيًا، ويكون نابعًا من فهم الكتاب فهمًا دقيقًا.

ولا يكون النقد إلا باكتشاف مساحات الجمال في النص المقروء.

أنماط القراءة ومسالكها

للقراءة أنماط ولمبتغيها مسالك شتى، وكل له طريق، فالذي يقرأ المُلح غير الذي يقرأ لتحصيل  المعرفة غير الذي يقرأ لتحصيل علم أو فن من الفنون، وعلى القارئ أن يعلم إلى أي نمط ينتمي وأي طريق يسلك. فمن أنماط القراءة:

1- القراءة المُلحية: والمُلح هي اللطائف التي تُرعى في حمى العلم. وتكون أكثر مواردها من المواقف والأخبار الاجتماعية للمؤلفين.

أمثلتها: التماس الحكم في الشعائر التعبدية والوعظ بالأشعار وغيرها.

وكما أن مميزاتها تندرج في الترويح عن النفس؛ تكمن عيوبها في أنها لو جاوزت حدها ترهلت معها لياقة الدرس العلمي الجاد.

2- الوراقة: وهي حرفة قديمة صاحبها له خبرة بأسماء الكتب ومواضيعها العامة ويعمل في نشرها، لكنه ليس من أهل الاختصاص بمضامينها. حيث يعرفون خصائص الكتب في فنون كثيرة متعددة، فيعرفون شروحها والفروق بين طبعاتها ومراتبها.

وطريقتهم في ذلك آلية فحص العينات، فيأخذ الكتاب ويقرأ مقدمته وفهرسه ويفتش عن تقييمات أهل الخبرة للكتاب ثم يصدر حكمه على الكتاب ويقيمه. ولكن مع خبرته الواسعة بأسماء الكتب وخصائصها فإنه لا يكون له خبرة موازية بمضامينها ومحتوياتها التفصيلية.

3- القراءة المُستهلكة: وهذا النمط هو أوسع الشرائح القرائية، وهي طريقة يسلكها المستهلك النهائي للعلوم والمعارف وتُعرف الشريحة التي تستخدم ذلك النوع بشريحة القارئ العام، ويسمى نمط القراءة التي يعتادونها بالقراءة الحرة.

وعيوب هذه الشريحة أنها تتأثر بالدعاية المكتبية والتسويق الطباعي، وأشد ما تتأثر به هو أسلوب (إثارة الجدل حول الكتب).

4- القراءة التحصيلية: وهذا نمط القارئ الذي يريد أن يدرس علمًا من العلوم. فيبحث عن كتاب يقرب له مجامع الفن بأسلوب مرتب، فإما شرح معتمد أو كتاب مدرسي منظم على الهياكل العصرية. ويدخل في ذلك النوع المؤلفات التي تسمى «كتب المداخل إلى العلوم».

ومن مميزاتها أنها توضح مجامع الفن في فترة وجيزة. أما عيوبها فهي تعتبر مصادر ثانوية غير أصيلة في الفن الذي يُدرس.

5- القراءة البحثية: وهو النمط الذي يسلكه عادة المؤلفون العصريون، خصوصًا الأكاديميين، فيحددون لهم ميدان اهتمام ويجردون الكتب ذات الصلة بنطاق اهتمامهم ويبحثون فيها عن المعلومات التي تعنيهم، ويؤلفون على أساسها دراساتهم وبحوثهم.

ويكمن غرضها في التنقيب والتفتيش داخل الكتب عن معلومة أو سؤال أو فكرة لا التلقي المباشر من المؤلف. ومن مميزاتها أنها مفتاح لأكثر التحقيقات والتحريرات. كما أنها تبعث في النفوس الاطلاع والقراءة. وعيوبها أن من سلكها في بداية طريق العلم سيجد بناءه العلمي غير متناسق وفيه فجوات.

 

المصدر : إضاءات

نشر الموضوع :

الوسوم

إترك تعليقك

كن أول من يعلّق هنا !

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق