الأدب الفصيح

الطاحونة / سميرة بو زكي ..

نشر الموضوع :

 

 

الفكر يطحن نفسه، رحى الفكر تطحن الهواء تحتها دون أن يخرج منها شيء: كزيت مثلا، أو دقيق…

يقول له الطبيب تناول هذا الدواء، سيجعلك تنام و يتوقف عقلك عن التفكير، نعم سيتوقف تفكيرك عن التفكير. الدواء سيأخذ مفعوله بعد ساعة من تناوله.

كغبي جحظت عيناه في الطبيب، تناول الكأس من فوق المكتب و ابتلع الحبتين.

ـ قال: سأصل المنزل بعد ساعة إلا ربع، سأدخل مباشرة الى السرير.

ـ وافقه الطبيب بإماءة منه.

وقف يودعه و يحثه على الصمت الداخلي و يتمنى له الشفاء من مرضه.

ارتمى سعد في فراشه من باب المنزل، بعد أن سرى شيء في جسده يشبه النمل، إنه المخدر قال سعد وهو يحاول ان يزم شفتيه التي ارتخت.

فرح لأنه أخيرا سينام، و فرح أكثر لأنه سيكف تفكيره عن التفكير.

أخيرا نام سعد، إنه يشبه الطفل الصغير، أنظرا إليه، قالت زوجته لولديه الواقفين على باب الغرفة، طلبت الزوجة المسكينة الولدين للاقتراب من والدهما لرؤيته ينام أخيرا.

قالوا جميعهم بصوت واحد: أخيرا عم الهدوء منزلنا. تسللوا على أطراف الأصابع و انسحبوا من الغرفة تاركين وراءهم والدهم الذي لم يدق طعم النوم منذ شهور.

نام سعد ونامت حبتي الدواء في أمعاءه، ولم ينم تفكيره. نسي أنه كما أن هناك نسخا كثيرا للأشياء وأشباها كثيرة تتكرر هنا و تصادفها هناك، فإن للتفكير نسخا و أشباها أو أشباحا هناك وهنا أيضا. في جمجمة رأسه.

رأى سعد فيما يرى النائم و الله أعلم، رأى رجلا قصير القامة، إن لم نقل رجلا قزما، أفطس الأنف حتى أضحكه شكل انفه. وقف عليه الرجل وصار ينظر إليه، و يسأله:

ـ هل تعرفني يا سعد؟

رد سعد  بالنفي، وهو يرتجف من الخوف كمن رأى جنيا. فالرجل يشبه صورة الجن التي رسمها المجتمع في ذهن سعد: الجن دائما عبارة عن قزم، ذو أذنين طويلتين، وعينان كبيرتان جاحظتين، لهما لون أخضر و أصابع طويلة لها أظافر معقوفة كأقواس معدن نحاسي، و الله أعلم دائما.

ـ قال له القزم: أنا التفكير ياسعد، أو قل ابنه البكر،أرسلني أبلغك رسالته إليك لأنه لا يستطيع زيارتك فهو نائم يأخذ قيلولته.

ـ أومأ سعد باستسلام الخائف، وشفتاه التي يبذل جهدا في زمها لمنه يفشل فيتركها ترتخي و اللعاب يتسلل عبرها الى ذقنه. نعم، نعم سيدي أنا استمع الى رسالة والدك المحترم.

ثم تلا عليه القزم رسالته:

” عزيزي سعد، سعدك من سعدي، وسعدي من سعدك، كنت أحترمك كثيرا حين كنت تتركني اعيش، نعم لقد سعدت لأنك بعد كل هذه السنوات من عمرك، صرت تفكر أخيرا. و هذا يعني لي الكثير، بل أكثر من ذلك أنك فعلا كنت تصنع وجودي الذي اندثر مع سقراط و أفلاطون، وديكارت.

عزيزي سعد لقد حزنت كثيرا حين ابتلعت الحبتين، و حزنت أكثر لأنك أصلا ذهبت لطبيب غبي كي تستشيره فيّ. ماذا فعلت لك ياسعد، فأنا مجرد كائن هلامي، غير مرئي يعيش، كما أنت مجرد كائن مرئي يعيش بدوره. فكما تحتاج لمكان يسعك، وتتحرك داخله، و إلى زمن تتنقل في سطره. فأنا أيضا أحتاج الى مكان، ومكاني هو أنت، وزماني هو ذاكرتك ياسعد، إنها ذكية جدا، حتى أن كوخي في عقلك سجلته ضمن ملكيتي.

لماذا ابتلعت الحبتين ياسعد، لماذا؟ لقد خذلتني بعد أن قلت أخيرا: ” ما أسعدني بسعد”.

تحرك جسد سعد كمن يصارع جنيا خفيا،

قال له القزم: لا تخف فأنا غير مرئي، أنا مجرد تفكير

اسمع يا سعد، في الخارج و أنت نائم الآن، هناك أصوات قادمة من النافذة، و الكثير من الاحداث العابرة التي لا يلتفت إليها الناس. في الخارج يا سعد كلاب تنبح، انها كلاب كثيرة، عشرة أو اثنتي عشر كلبا، ينبحون و يتعاركون حول كلبة واحدة تكمل العدد ثلاثة عشر، و الوقت الآن يشرف على آذان الفجر، من سيفكر في هذه الكلاب، وهذه الكلبة، من سيفكر في نباحها في هذا الوقت؟

لولا الحبتين يا سعد لكنت الآن تفكر في الكلاب الاثنتي عشر و الكلبة المسكينة، التي تكمل العدد ثلاثة عشرة. لماذا لا تريد التفكير فيما يحدث بالخارج

لكن لا تقلق، فالتفكير داخلك مشتغل رغم الحبتين، إنه يتناسخ بكثرة، فهو ليس دائما واحدا، انه له عائلة أيضا، إنه متعدد ياصديقي: يغيب تفكيرك بسبب الحبتين، ولنفس السبب يحضر تفكير آخر، و الدليل على ذلك هو ” أنا” الذي أقف امامك الآن.

لو لم تستشر الطبيب الغبي، ولو لم يصف لك الحبتين ذات المفعول بعد ساعة الا ربع كما قال، لكنت تفكر في الكلاب و الكلبة، او في القطة و القطط. لكن ها أنا أجد نفسي أنوب على والدي في ذلك، أنا أفكر بدلا منه، بدلا من تفكيرك ريثما يستيقظ من قيلولته بعد سبع ساعات أخرى من التمدد في هذا السرير.

في الخارج يوجد دائما ما نفكر فيه، انظر يا سعد مازالت الكلاب تنبح و تطارد الكلبة المسكينة التي التصق بمؤخرتها ذيل كلب محظوظ، حين تستيقظ لن تجد أثرا لكل هذا في الخارج، سيقلبون شاشات التلفاز لنشاهدها من الجهة الأخرى، لذلك يجب عليك يا سعد أن تستيقظ.

كان الطيف ينفصل تدريجا على جسد سعد، تسلل من زجاج النافذة و كانت الكلاب تستريح بالقرب من حاوية أزبال في آخر الشارع، دمدم الطيف: سعدي بالكلاب و بالفكر”  .

 

قصة : سميرة بو زكي

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

كن أول من يعلّق هنا !

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق