الأدب الفصيح

دُمُوْعٌ وَقُرَنْفُلٌ / قصة : د. فراس ميهوب – فرنسا

نشر الموضوع :

 

قصة : د. فراس مهيوب –
كاتب سوري مقيم في فرنسا

 

قفزسُلَيْمَان إلى الحافِلَةِ في طرطوس بلَهْفَةِ المُشْتَاقِ، كسمك سَلَمون يعتلي موجةً صاعدةً في رحلته القَدرِيَّةِ إلى منبع النَّهر.

 

 

كان يُعِيْدُ الطَّريقَ الذي سلكَهُ والدُه لآخر مرَّةٍ بِالاتِّجَاهِ المعاكس قبل ثلاثين عاما ، حين عادَ  من بيروت التي ذبلَتْ فيها زهرة شبابه، زواجه من امرأةٍ بيروتيَّةٍ دفع عائلتها لمقاطعة الأسرة الناشئة بسبب الفوارق الاجتماعيَّةِ والماديَّةِ .

زواج الحبِّ العنيف تحدَّى كل المعيقات، وأنجب سُلَيْمَان غارقاً في فقر والده المُدْقِعِ في ريف جبال السَّاحل السُّوريِّ، حيث خَزَّانُ الفَاقَةِ المُمِدُّ لبيروت بعِمَالَةِ المِهَنِ المُضْنِيَةِ، منذ أكثر من سَبْعِيْنَ عاماً بعد قطع الحبل السرِّيِ رسميَّاً بين البلدين.

أعطته بيئة الجبل القاسية  صلابةً نادرةً، و طيبةً مميزةً، ولطفاً استثنائيا.

ورث من والدِتِهِ أناقتَها، ولهجتَها اللبنانيِّةِ.

صار الشاب مزيجاً غريباً ولكنه ناجحٌ لقران الحبِّ هذا.

لم يَمْضِ وَقْتٌ طويلٌ حتَّى كسبَ سُلَيْمَان ثقة مالك بناية الأُخُوَّةِ في بيروت، لفت نَظَر أبا نجيب بصبره على جِبْلِ الطِّين ونقله إلى الطوابق العليا، لم يتأفف، ولم يتقاعس يوماً في العمل.

استغرق بناء العمارة سنواتٍ ثلاثٍ، اقترح أبو نجيب على سُلَيْمَان العمل في ذات البناية حارساً ليلاً، وأن يهتمَّ نهاراً بحديقتها، بالإضافة إلى مساعدة ساكنيها ببعض الأعمال الصغيرة من حمل مشترياتهم، إلى بعض الإصلاحات المنزليَّة، وحتى اللعب مع أطفالهم الأشقياء.

أمضى سُلَيْمَان في بيروت عشرَ سنواتٍ، ذهابه إلى سوريا كان نادراً.

أمنَّتْ أعمالُهُ الصَّغيرةُ المُتَعَدِّدَةُ دخلاً مقبولاً مَكَّنَهُ من بناءِ منزلٍ جميلٍ في قطعة أرضٍ في قريته.

تزوج من ابنة جيرانه وقد تجاوز الأربعين عاماً، بلغَتْ سعادَتُهُ رأسَ )جبلِ الشَّعْرَةِ (   يومَ رزق بابنه الوحيد.

التقيْتُ سُلَيْمَان صدفةً قبل عدَّة أشهرٍ، حين زرت صديقي الأستاذ عاصم رئيس تحريرمجلة الثقافة في بيروت الذي انتقل للسكن في بناية الأُخُوَّةِ منذ عامين تقريباً.

بالغ سُلَيْمَان في الترحيب بي حين علم بأنِّي سوري، وأخذ يحدثني عن مسيرته الظافرة، وكم كان محظوظاً بالتعرف على أبِي نجيب منذ أيَّامه الأولى في بيروت، بينما بعض أقرانه يعمل في ظروف بائسة، وينام آخرون  في العراء، أويتلقون مُعاملةً عَنْجُهِيَّةً من أرباب عملهم.

شاهدتُ بأمِّ العين حُسْنَ التعامل بين سكان البناية وسُلَيْمَان، كانت الابتسامة لا تفارق شفتيه، وكلماته العذبة تريح الأسماع.

أَخْبَرَنِي عاصم عن أمانة سُلَيْمَان، ولطفه النادر مع الجميع، مما دفع الجيران  للتمسك ببقائه معهم هذه السنوات الطويلة، وكيف اكتسب لقب حارس الضحكة  بممازحته الدَّائِمِةِ لهم .

اهتمامه بحديقة البناية كان مميزاً، غرس فيها أشجار البرتقال والمشمش، ووضع على شرفاتها أصُصَ الحبق، والزنبق، والقرنفل.

 

عُدْتُ من باريس في شباط الماضي، قصدْتُ منزل الأستاذ عاصم، زيارتي هذه المرَّة كانت بغرض إيصال أمانةٍ ماليِّةٍ من شقيقه المقيم في باريس.

فضَّل شقيق عاصم، كعادتنا نحن العرب، إرسال المبلغ أمانةً مع صديقٍ على تحويله عبر المصارفِ، ولم أجد مناصاَ من القبول، رغم مخاطر إضاعة المال، أو التعرض لمساءلةٍ في المطارين.

خرجْتُ من مطار بيروت، وقصدْتُ بنايةَ الأُخُوَّةِ للتخلص من العبء الثقيل، قبل التَوَجُّهِ بنفس الليلة إلى سوريا بطريق البرِّ، اتصلت بعاصم الذي فاجَأَنِي بوجوده في صيدا ذاك المساء لأمرٍ طارىءٍ.

وَقعْتُ بِحِيْرَةٍ عميقةٍ من أمري، بين أخذ المال ومتابعة السفر إلى سوريا مع تَبِعَاتٍ ومَخَاطِرَ واقعيَّةٍ، أو الانتظار في فندقٍ في بيروت وتأجيل سفري ليومٍ أو يومين، لكنِّي اخترْتُ حلَّاً ثالثاً حيث أعطيْتُ المال لسُلَيْمَان لإيصاله إلى عاصم، ووَكَلْتُ أمري لله.

في غرفته النظيفة في حديقة البناء، أصرَّ سُلَيْمَان أن أشاركه العشاء، بضع مكدوساتٍ، صحن لبنةٍ، وزعتر، وكأس شاي فاخرٍ.

روى لي قِصَّةَ حَيَاتَهِ مختصرةً في ساعتين، عن زوجته التي ارتبطَ بها بمباركة والده الذي أراد أن يُعوَّضَ لابنه عمَّا تَعَرَّضَ له شخصيَّاً من نكبات، وعن ولده الصَّغير الذي شبَّهَهُ بزهرة قرنفلٍ بيضاء.

قضى اندلاع الحرب في سوريا على رغبة سُلَيْمَان بالبقاء مع عائلته، والعودة إلى مهنة أجداده الأزليَّة بمنازلة تراب الأرض حتى يوم الرقود تحتها.

حدثني، وهو يضحكُ بصوتٍ عالٍّ عن مصاعب سنواته الأولى في بيروت:

– ماعدا لكنتي اللبنانية، وذراعيَّ القويَّان، لم أملك أي مقوماتٍ للصمود الطويل، أو مهارةً خاصَّةً توفر لي أجراً مُجْزِيَّاً.

كان النوم تحت دَرَجِ البناءِ قِيْدِ الإنْشَاءِ، المُحَابَاة الوحيدة المتاحة له، تميَّزعن زُمَلائِهِ في عيني أبي نجيب ثمَّ في أعين القاطنين بعد ذلك، تحسَّن حاله حين انتقل للسكن في الغرفة المخصصة لتجهيزات حديقة البناية.

رأيْتُ الفَرَحَ  يشعُّ من عينيه الصغيرتين رغم متاعب السنين، ابتسامةً لطيفةً لا تُفَارِقُ وجْهَهُ، ودمعاً عابراً يمنحُ الخَدَّيْنِ تعبيراً ملائكياً.

لم أتَرَدَّدْ لحظةً واحدةً حين دَفَعْتُ له كيس الورق يُغَلِّفُ مبلغ المال المُعتَبَرِ، كُنْتُ أدَّعِي في نفسي فِرَاسَةً تمكنني من معرفة معادن الناس بعد دقائق قليلةٍ من مُحَادثَتِهِم; إلَّا أنَّ الأيَّام أثبَتَتْ لي سريعاً خطأي الفادح…

وَصَلْتُ إلى بانياس، والشَّمْسُ تُظْهِرُ جَبْهَتَهَا للعالم من خلف الجبال الشرقيَّة الشَّامخة، كانت دموع سُلَيْمَان الفَرِحَةِ آخر ما تذكرته من بيروت، وما تبقى من صوت ضحكته العالي في أذنيَّ.

انْشَغَلْتُ ليومين بالأهل، والأصحاب، تَذَكَرْتُ الأمانة، فجرَّبْتُ الاتصال بسُلَيْمَان الذي لم يَرُدْ رغم محاولاتي المتكررة.

ما خالج نفسي أي قلقٍ، فالاتصالات مع لبنان ازدادت صعوبة منذ بدء الحرب في سوريا، أوأنَّ للرجل عُذْرَاً بعدم الرَّد.

هَاتَفْتُ عاصم، صَعَقَنِي بخبر اختفاء سُلَيْمَان، وقلق النَّاس في البناية عليه، تَجَمَّدَ الدَّم في عروقي، وسَرَحْتُ بأفكاري السَّوْدَاءِ.

قَضَيْتُ تلك الليلة أسوأ لحظات حياتي، فاض بيَ الألم، بَكِيْتُ، جالَ ذِهْنِي في كل اتجاه، وكيف أبدى ذاك العامل السوريِّ في بيروت لكل إنسانٍ قابَلَهُ الوجهَ الذي أراد.

وَصَلَتْ خواطري المكسورةِ إلى ألمانيا، تخيلت سُلَيْمَان وهو يصلُّ إليها، بدموعه ذاتها، متحدثاً للشرطة هناك عن الاضطهاد السيَّاسيِّ الذي تعرض له في سوريا، وعن سوء المعاملة في لبنان، وهو يقهقه في سرِّه بعد أن وضع مبلغ العشرين ألف يورو في مكانٍ آمنٍ.

غَلَبَنِي الأرَقُ، انتظرْتُ فاقداً الصبْرَ طلوع الشَّمسِ، قُدْتُ سيارتي بسرعةٍ جنونيَّةٍ، قاصداً قَرْيَةَ سُلَيْمَان النائية في سفح الجبل الشرقي.

بَدأَتْ فِكرَةٌ هي الأسوأ تَطْرُقُ دِمَاغِيَ التَعِبَ، أنْ تكون حكاية سُلَيْمَان عن قريته ووالديه كِذْبَةً حاكها بِصَبْرِالثَّعْلَبِ بانتظار فريسته الدسمة.

ضياع الأمانة والمال كان كارثةً حقيقيَّةً، لكن شعوري القاصم بالوقوع في قعر الخديعة قد هشَّم رأسي، وحزَّ في نفسي جرحاً غائراً اخترق القلب.

قبل دقائق من وصولي إلى ضيعة سُلَيْمَان المفترضة، تغلَبَتْ عَلَيَّ روايةٌ صَدَّقْتُهَا بعد محاكمة عقليَّةٍ، أنَّ سُلَيْمَان هذا ما هو إلَّا محتالٌ خطيرٌ، وحتَّى الاسم نفسه قد يكون مُنْتَحَلَاً، وقد لا يكون سوريَّاً، وحتى التفاصيل الدقيقة التي رواها عن القرية، والجبال، وسوريا ليست إلَّا أخباراً رواها له العمال السوريون الكثر في لبنان.

وقفت بجانب المَعْبَرِ الوَعِرِ المطلِّ على )وادي جهنم(، كان إكمال المَسِيْرِ إلى )قرية نِحْلَ( شاقَّاً على نفسي، والعودة مُذلَّةً وتقضي على أيِّ أملٍ بإيجاد شخصٍ كان ذات يومٍ ذي ضحكةٍ بريئةٍ، وكان اسمه سُلَيْمَان.

قرَّرْتُ مع ذلك إتباع الطَّريقِ المتعرج إلى ) نِحْلَ (، فاقم خطورته سقوط المطر الغزير.

كان الزمن مقاساً بعدد دقَّات قلبي السريعة، حين وصلت إلى مدخل القرية، مطر ذاك الصباح المِدْرَارِ لم يك كافيَّاً لغسل عاريَّ الغَائِرِ.

بَرَقَتِ السَّمَاءُ، فأبْصَرْتُ قبل نهاية الأفق جنازةً بدتْ خَلْفَ تنورٍطينيٍّ ريفِيٍّ.

اخْتَلَطَ غَيْثُ السحَابِ بمَاءٍ نَبَعَ من عيني، حين رأيْتُ سُلَيْمَان ذاتَهُ يحمل طفلاً صغيراً باكياً، ويمشي أمام نعشٍ محمولٍ على الأكتاف.

رغم هَوْلِ الحَدَثِ، نظر سُلَيْمَان إليَّ، توقف أمامي وابتسم كنرجسٍ أصفر:

– أعْطَيْتُ الأمانة لأبي نجيب، الرَّجل نَبِيلٌ، والمال سيصل للأستاذ عاصم، وفوقهم زهرتين.

دارَتْ بيَّ الدنيا، كراكب سفينةٍ في عرض بحرٍ هائجٍ، والأمواج تتقاذفها في كل اتجاه.

كَانْتِ الجِنَازَةُ لزوجة سُلَيْمَان، فالمرضُ العُضَالُ كان قد غزا جسَدَهَا منذ ثلاث سنواتٍ، أخفى الخبر عن الجميع، واستمر الضاحك الباكي  بِإفْرَاحِ النَّاس في بناية الأُخُوَّةِ.

اسْتَرَقَ الفرصة  كلما استطاع، لزيارة زوجته الحبيبة وابنه، وتولى والداه رعايتها في فترات غيابه الطويلة.

أنكر حَتْميَّةَ فَقْدِهَا، وتمسَّك بحبال الأمل الدقيقة حتَّى جاء الأجَلُ المَحْتُومِ مُعجِّلاً بِرَحِيْلِ أَمِيرةَ الحُلْمِ لسليمان المِسْكِيْنِ .

تمنَيْتُ ذلك اليوم لو أنِّي ما رأيْتُ سُلَيْمَان أبداً، ولا وَضَعْتُ قدميَّ على أرض بيروت.

أدَمّتُ النظر إلى جانبي الطَّريقِ ، تغطي الأرضَ القاسيةَ غاباتُ البَلُّوطِ والسَّنْدِيَانِ، يجثو عند أقدامها الزَّعْتَرُ البَرِّيُّ ، و ينتشر بين جَنَبَاتِهَا الرِّيحان مُضيفَاً إليها صفاءً و صدقاً نادرين.

مشيتُ بالصِّف الأخير خلف الجِنَازَةِ، تلقيتُ اتصالاً من عاصم ليُخْبِرَنِي عن وصول الأمانة مع أبي نجيب، ومعها زهرتي قُرَنْفُلٌ هَدِيَّةً من سُلَيْمَان.

بدأ الدمع يُطَّهِّرُ ضميري في تلك اللحظة، بينما كان سُلَيْمَان يدفن مع زوجته آخرَ حُلْمٍ سعيدٍ.

 

 

قصة : د. فراس مهيوب –
كاتب سوري مقيم في فرنسا

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

1
إترك تعليقك

avatar
1 Comment threads
0 Thread replies
0 Followers
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
1 Comment authors
Asmaa Recent comment authors
  Subscribe  
newest oldest most voted
Notify of
Asmaa
ضيف
Asmaa

قصة مؤثرة تعبق بمعاني النبل والوفاء, أسلوب الكاتب في ربط هذه الافكار وعرضها بسلاسة زاد من جمالية الوصف ومصداقية التعبير…سَلِم قلمك

إغلاق