الرئيسية / مجلة أنهآر الأدبية / المقالات الأدبية / أيقونة الانكسار .. / جهاد محمد الخالد – سورية

أيقونة الانكسار .. / جهاد محمد الخالد – سورية

نشر الموضوع :

 

(في قصة ذاكرة الزجاج الصامت للقاص السوري حيدر محمد هوري)

 

اختزال الألم في حروف المعنى يخلده, ويمنحه حياة أخرى, ولاسيما حينما يعزف على أنين الروح, ليفسر الواقع المؤلم, وفق صورة فنية قصصية شعرية مؤلمة, تسطر الغرقى من السوريين الذين تلاعبت بهم أمواج البرّ والبحر في آن واحد.

هذا ما تجسد عند القاص حيدر محمد هوري في قصته (ذاكرة الزجاج الصامت) التي هيجت المشاعر وأضاءت المعنى الحقيقي لوجع السوريين المبعثر في العراء, ولكي يبقى الأثر مستمراً في صفحات الأدب استخدم القاص الجملة الاسمية في ناصية قطعته الفنية قائلاً (تفاصيل الرحلة كلّها مازال في الذاكرة).

المبتدأ المعرّف بالإضافة المتعطش لجملة خبرية كبرى تحمل في دفتيها المعاناة المتجسدة في استخدامه للفعل الناقص (مازالت في الذاكرة) ليكتمل بذلك نشيد الغرباء فوق سيمفونية البلم التي ترقص على أوتار قلوب الأمهات اللواتي ينتظرن على قارعة الطريق علّ خيالاً يبشرها أو يردّ إليها روحها من جديد.

ومما زاد القصة حياة وحركة أنّ الكاتب أنهاها بجملة فعلية استفهامية سبقها الفعل الناقص الذي اكتمل معناه بشظايا السوريين.

( كنت منشغلاً بالتذكر وأنا أبعثر الشظايا التي كانت تتحول إلى نوارس محلقة فوق البحر, ولم أنتبه كيف تحولت إلى قطعة زجاج صامت؟).

ولو توقفنا عند الصورة الفنية التي استخدمها لوجدناها تأسر القرّاء وتدفعهم لمتابعة أحداث القصة المدهشة بشغف, فللزجاج أصوات وكل قطعة زجاجية لها مشاعرها وصوتها الخاص, وإنْ دلّ على شيء إنما يدل على ذكاء فني واضح للعيان, فهذه القطع الزجاجية هي السوريون أنفسهم ومن شرب من نفس الكأس التي شربوا منها سواء أكان ذلك في فلسطين أم اليمن أم بورما أم العراق وغيرها من الدول اللواتي ينتظرن الفرج المطرز بزغاريد الأمهات ودموع الآباء. وتجلى ذلك في قوله :

( مسني فزع شديد ركضت باتجاه كومة الزجاج المحطّم, وبدأت أبعثر الشظايا, وأنثرها, ومع كل حركة كانت الأصوات والأصداء تتحرر منها , والمشاهد تميل إلى الوضوح, فتذكرت كيف تسرب الماء إلى القارب, وكيف ساد الهلع والخوف بين الناس, وكيف بدأت الحناجر تتخلى عن إنسانيتها وأخلاقياتها, وكيف مات الجميع, إنها أصواتهم أولئك الغرقى الذين حدثوني بعيونهم وأفواههم المفتوحة عندما انتشلني أحد الصيادين من البحر).

عبارات ذات إرادة وألم وأمل هي ذاتها المسطرة في قلوب العطشى لفرج وصبر جميل من الله تعالى.

وهكذا أوصلنا الكاتب إلى شاطئ الحقيقة عبر أيقونة الزجاج السوري الذي تكسر على شواطئ الغربة القاسية.

.

.

بقلم : جهاد محمد الخالد

نشر الموضوع :

شاهد أيضاً

في مثل هذا اليوم , وفاة الشاعر السورى نزار قبانى ٣٠ أبريل ١٩٩٨ ..

  أنهآر  – متابعات :   تناولت معظم قصائد الشاعر الكبير نزار قباني شؤونا وهموما …

إترك تعليقك

كن أول من يعلّق هنا !

Notify of
avatar