الأدب الفصيح

دخان له أجنحة .. / قصة : سمير الأسعد


نشر الموضوع :

 

دخان أسود يتلوى متجها الى الشرق نحو المدينة تساعده مراوح ضخمة تختبئ داخل حجرات واسعة جدرانها سميكة من اسمنت مسلح  تنفث ريحها من خلال شبك صغير الثقوب.. كانت نسمات الهواء تتدافع وهي تصطدم بوجهه وتحرك خصلات شعره في كل الاتجاهات. الوقوف على الشرفة في هذا الوقت المتأخر من الليل يحرك فيه مشاعر يحاول ان يخفيها خوفا من الحقيقة التي قد تكون مرة الطعم . حقيقة الحب الذي فقده مع وفاة زوجته قبل عدة أشهر بسبب كتلة سرطانية في جهازها التنفسي. لم يعد قادرا على الجلوس مطولا بدونها كما كانوا يفعلون كل ليلة تقريبا. أخذها الموت منه محمولا على أمواج الدخان القادم من طرف المدينة الغربي.

أضواء المصانع ترمي بأشعتها في كل الاتجاهات وتبدو جميلة في الليل ولكنها مخيفة، هكذا يقولون عنها. مصانع الموت الإسرائيلية “جيشوري“(1) ترمي بالأبخرة السامة والمخلفات القاتلة وتشعل السرطان وتلهب العين والجلد وتنمّي الربو ومشاكل التنفس. اضطر للعمل فيها ولكنه لا يشعر بشيء غير عادي على صحته بل فيه قوة ونشاط زائدين خاصة أثناء العمل في مصنع “ياميت” لصناعة فلاتر الري الزراعي .

راقب وائل الدخان القادم من الغرب وقارنه بالدخان المتصاعد من سيجارته بكميات هائلة. رائحة التبغ العربي الذي يدخن منه نفاذة وقوية تغطي على كل الروائح وتصل بعيدا جدا  يمكن هي من سبّب السرطان لزوجته، ومع هذا هو لا يفصل بين الدخانين الا بالرائحة فقط .

أنهى تدخين سيجارته ثم رمى بقيتها الى الشارع في الأسفل فتطاير منها الشرر الذي تلاشى مع ملامسته الأرض قبل أن يدخل إلى فراشه ويستسلم لحلمه الذي لا يفارقه منذ وفاة زوجته.

 

 

 

 

.. تقف وحيدة في مكان غريب يلفه الظلام، وخلفها في الأفق البعيد قمر مستدير يعكس ضوءه على مروحة ضخمة تشير إليها بعصبية وهي تتفوه بشيء ما. يحاول جاهدا الاقتراب منها ولكن مياه عادمة كريهة الرائحة تزكم انفه وتمنعه. يستيقظ دائما على أذان الفجر وكأن الحلم ساعة منبهة.

دخل الى المصنع بعد ان خضع لتفتيش يدوي على البوابة الرئيسية ثم تفتيش آخر بالأشعة على البوابة الداخلية .

– يا فتّاح يا عليم. كل يوم عذاب على بوابات المصنع. لازم نتحمل عشان لقمة العيش.

كان الوجوم يغشى وجه زميله بسام داخل حجرة الغيار. “ماذا هناك؟”

زميلنا محمود في المستشفى، ويقولون “سرطان”.

مرض العصر، يأتي خلسة دون اثر ويدخل من جميع المنافذ يدمر الحصون ويحصد الأرواح دون شفقة او رحمة. ولكن لماذا لا يترك الفقراء وشأنهم ويتخصص في أوباش الناس وطغاتهم

هل له علاقة بالمال والجاه والثروات؟ ورغم ذلك فهو يدك العروش والممالك ولا يستثني احدا. ولكن الأفضل لو ترك الفقراء بحالهم .

سرح بفكره وهو يعمل على ماكنة محمود التي أغرقته بالزيت ولوثت ملابس المصنع التي تحمل اللونين الأزرق والأبيض. محمود أقدم عامل في المصنع وهو رئيس ورديتهم، الجميع يحبه بسبب طيبته وعطفه على كل العمال، ويعمل كل ما يستطيع  كيلا يفصل احدهم من عمله.

– مش رايحة إلا على الفقير.

تمتم وهو يجلس على كرسي خشبي في شرفة منزله يتطلع إلى الحدود التي يقف عليها المصنع، الخط الأخضر ما زال يحتفظ بلونه لا يعرف تحيزا للشرق أو للغرب. تنامى لديه شعور بالغيظ والقهر الحاجة وقلة ما في اليد داخل مناطق السلطة صنعت جدارا داخليا يضيق الخناق ويساعد جدار الفصل العنصري الأكبر على إكمال الحصار.  همة صديق عمره محمود العالية وصبره على ثقل الفقر وشظف العيش، نمت وتربت معه منذ وفاة أبيه وتحمّله مسؤولية إخوته الصغار. ثم اعتقاله وضياع عشرة أعوام من عمره في السجون قضت على آماله وطموحاته. مجرد عامل في مصنع لا يملك من نفسه شيئا سوى قوة تحمله للعمل تحت كل الظروف. لمحات تجول في خاطره يرى زوجته وهي تعاني من آلام المرض ترتجف وتصرخ وهي تطلب الرحمة ثم تنهار مرة واحدة وهي تنتظر الموت بعد ان عرفت بحالتها المستعصية. معاناة زوجته واليوم صاحبه وغدا قد يكون هو.. لن يغفر لهم خطيئتهم مهما كان، وقد يخسر عمله او حياته ولكن الأمر يستاهل. الهجوم خير وسيلة للدفاع. خطر الأدخنة والسموم قد تعمل على إقناع الناس بترك بيوتهم والانتقال لاماكن ابعد- وقد تلاحقهم المراوح لمسافات اكبر لتجبرهم على النزوح وتخنقهم. ولكن لن تقنعه هو بالذات، ولن يرضى بالتهجير القسري من أرضه او مسكنه مهما كان السبب، رغم انه يساهم بعمله داخل المصنع بإنتاج الأدخنة والسموم، ويعطي لنفسه مبررات واهية هو شخصيا لا يقتنع بها.

عندما احترق المصنع قبل عدة أشهر، ابتئس ولعن حظه المتعثر، ولكن عندما سمع ان المصنع احرق عمدا بأيدي فلسطينية فرح وابتهج جدا وشعر بالفخر والعزة. لم لا يعيد الكرة؟ في المرة الأولى احرق المصنع من الخارج، وهذه المرة سيكون من الداخل.

الأمر بالنسبة إليه سهل جدا، تماس كهربائي في مجمع الكهرباء وينتهي كل شيء. ولكن ماذا عن بقية العمال؟ بالتأكيد سيخسرون وظائفهم وقد يسجنوا وقد يخضعوا لتحقيقات قاسية وهو أولهم.. ومهما كان.. لن يتراجع.

قضى ليلته متسلقا على جدران يوم غد، يتسلل عبر رواق يصل الى غرفة الكهرباء المركزية يشعل الفتيل وتنطلق السنة النيران متعامدة ومتعانقة تحرق كل شيء.

استيقظ في الصباح وهو اكثر تصميما ويتحرق للوصول الى المصنع كي يصنع يوما تاريخيا في حياة المدينة.

على البوابة الخارجية وقف مدير المصنع يتحدث مع أشخاص عرف منهم أعضاء في مجلس الادارة تحيطهم  ثلة من الجنود بأسلحتهم المتحفزة للدردشة. وعندما وصل بادره المدير:

– ممنوع الدخول .. لا يوجد عمل اليوم في المصنع؟

احتار في ما يقول .. فقد كانت هذه المرة الأولى التي يمنع فيها من دخول المصنع.

– ما السبب سيد أوري؟

– انت وسبعة عشر عاملا مفصولون. تعال غدا وخذ كتاب فصلك.

– ولكن ما السبب سيد او .؟ قاطعه أوري بحدة واستهزاء وهو يشير بيده الى المدينة وينطلق الى الداخل

– الإرهاب يا سيد وائل.

لم يعرف وائل معنى للذي حدث الا انه أدرك ان هناك خلل ما، فاستدار عائدا الى بيته قبل ان يلمح عمال جدد يلبسون اللباس الرسمي للمصنع دون ان يميز ان كانوا يهودا او عرب.

في تلك الليلة جاءته زوجته كعادتها وهذه المرة تقف داخل دخان اسود يتصاعد بانتظام ولم تعد تشير الى المروحة الضخمة ورائها، المياه العادمة كريهة الرائحة اختفت وخبا ضوء القمر حاسرا عباءته كان وجه زوجته يتموج وتختفي معالمه تدريجيا مخلفا وراءه فراغا هائلا وعيناها ترتفع الى الأعلى مشى الى الأمام وقبل ان يصل اليها اختفت فجأة واستيقظ من نومه على أشعة الشمس وهي تسرح بضيائها في مراعي النهار الذي لن يبقى كما هو بعد الآن .

 

نشر الموضوع :

الوسوم

إترك تعليقك

كن أول من يعلّق هنا !

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق