الرئيسية / مجلة أنهآر الأدبية / المقالات الأدبية / القصيدة القصيرة في الشعر السعودي المعاصر “رنا القفاري” أنموذجاً .. / بقلم : محمد مبارك

القصيدة القصيرة في الشعر السعودي المعاصر “رنا القفاري” أنموذجاً .. / بقلم : محمد مبارك

 

مِهادٌ :
القصيدةُ هي قولٌ جميلٌ و خلّابٌ ـ كما أنّهاـ مُوسيقى خفيفةٌ ولطيفةٌ مُمْسكة بتلابيب الكلام العادي ، وهي وليدةُ زمانها ونتاجُ ماحولِها ، كائنٌ يتطوّر ويتجدّد ويتلوّن لا يرضخُ لأي صفةٍ كانت ، وهي الجينُ الشاغل للأدب عموماً.
القصائد الّطوال والملاحم المؤلّفة أصبحت مجرّدَ إرثٍ وتكنيكٍ يُمثّلُ مرحلةً معيّنة وزمنٍ قديم فقَدت الكثير والكثير من سمعتِها ، وجماهِرها لا لشيءٍ و إنّما لأنّنها كانت تمثّلُ مرحلةً وحقبةً زمنيّةً معيّنة لها ظروفها الخاصة ، فالواقف على عتبةِ المشهد الحاضر يدرك تماماً أنّ القصيدة تأثّرت بالواقع الحاضر والزمن الآني المغاير ، فترى القصيدةَ تطولُ وتقصرُ حسْبَ الدفقة الشعوريّة عند المبدع ، فهذا ابن المقفّع وهو المتبحّر في العلمِ والمعرفةِ يعترفُ أنّ مايجيئَهُ لايرضاهُ ، وما يرضاهُ لايجيئَهُ .
ـ مفهوم القصيدة القصيرة :
هذه التسميةُ لم تكُنْ بدْعاً ، أو أنفراداً على القارىء العربي بل نجدَ مسّها جليّاً في التراث الشعري القديم لا سيّما عند الشعراء الصعاليك وفتّاكِها ك” تأبّط شرّاً وعروة ابن الورد وغيرهم ، ولكن ظهورها في هذا العصر يختلفُ قطعاً وظاهراً عن زمنِنا هذا ، فقد كانت تحكمها ظروفٌ ونوازل ، فعندما نضعُ اليدَ علي شيءٍ له صلةٌ بمثلِ هذا النوع رأينا ظاهرةَ النُّتفَ ، والقِطعَ في الكُتب المشهُرة القديمة كالمختاراتِ مثلاً ” حماسةُ أبي تمّامٍ ،والبصائر والذخائر…..” أما في العصر الحديث ، و مع ظهور جيل الحداثة الشعرية ، وحركة الشعر التفعيلي بدأ النظر والتقليب والتفتيش في أمرِ طول القصيدة وقصرها يأخذ قصبَ الاهتمام ويظهر ذلك بارزاً عند الشاعر بُلند الحيدري .

ـ أوّلاً ـ
العنوان :
أوْلت الدراساتُ النقديّةُ الحديثةُ اهتماماً واسعاً “لبنْية العنوان” لِما لها من قيمةٍ دلاليةٍ تمكّن القارىء من كشْف المقروء برمّته فضلاً عنْ اعتباره أوّل مثير أسلوبي تصْطدم بهِ عينُ القارىء عند قراءةِ أي نص إبداعي ، وللعِنوانِ وظيفةٌ جوهريّةٌ وهي الكشفُ عن وعيَ الشاعر ، وثقافته وإحساسه الفني بلُغة العنْونة إذ أنّ اختيار العنوان له دلالته فكراً وفنّاً وموضوعاً ، ولذا فإنّ كلمة ” قالت ” وهي عنوان القصيدة تُمثّل لبنةً أساسية واستراتيجيّة من استراتيجيات النص مما أثارت انتباه المتلقّي واستدراج القارىء إلى رحاب النّص ، فعنوان القصيدةُ ” قالت ” تهبطُ هبوطاً حضورياً إلى متن النص الشعري ، والّذي بدأت بكورتهِ بفعلِ أمرٍ ” دعني ” والذي حمل في بنيتهِ دلالات الأسى والرّجاء وصرخات الألم والأنين باحثةً عن لحظاتٍ هاربةٍ من هذا الحب المقنّع الذي أضرّ بالقلب والفؤاد آخذاً به إلى غيابةِ اللحدِ والحداد ، وفي البيت الذي يليه تعلو بنْية الاستنكار والتي تجلّت بصيغة السؤال ” هلْ يستوي حكم بلا استبداد ”
. ثانياً ـ
في الأداء اللغوي :
اللغةُ هي من أعظم هِبات الله للإنسان بل هي الكنز الذي يحقق الأنسان من خلالها مراده ونواله وغياته التي تتجّلى بالتعبير ، والتصوير ،والتطهير ،والتأثير……

ـ1ـ
ماقلَّ لفظه وكثُر معناهُ :
تقوم القصيدة القصيرة على ثنائيّة التكثيف والإيجاز ، وهو مايُسمّى بالدراسات النقدية الحديثة ب ” بالألفاظ المضغوطة” حيث يعبّر الشاعر بما يراهُ مناسباً ” من الكلمات ليضفي على البيت نوعاً من العمق والتأويل وأيضاً ليجعل المتلقى يبحثُ عن الدلالة القصوى ، وهي مافعلته حقّا ـ رنا حيث عبّرت عن حُبٍ شريفٍ يقابله حبٌّ مقنّع متقلّب تحوّل إلى استبداد واستعباد كل هذا جاء بألفاظٍ قليلة ومعانٍ لها دلالاتٌ عميقة عُنوانُها الفخامة وعُمْتدها براعة اللغة ونقاءها ومن أمثلة ذلك ” أضرّ فؤادي ، هوساً إلى استعبادي ، بعدة وعتاد …..” والقائمة في ذلك تطول وتجزلُ .
ـ2ـ
حضور الذات :
من خلال النظرة الأوليّة لقصيدة ” قالت” لاحضتُ شيوع ضمير المتكلم ” أنا” والّذي يعدُّ في هذه القصيدة مظهرٌ من مظاهر الحُزن واليأس والاحباط ، وقد تكرّر في هذه القصيدة ثلاثة مرات صريحا ” إني ، فأنا ، فأنا ” دون أن يحمُلَ أيّ بارقة أمل في نهاية النص بل الاستياء وخيبة الأمل عنونه ، فنهاية القصيدة ارتبطت ارتباطاً وثيقاً مع ُقّدمتها ، وهي في الغالب الأعم تُمثّل نهاية الذروة الدراميّة لكُلِّ تجربةٍ شعريّة .

ـ ثالثاً ـ
اكتناز الألفاظ :
أبْدت ـ رنا ـ اهتماماً واسعاً بالفخامة اللغوية من حيث طول الكلمة ، وأقصدُ بطول الكلمة أي عدد حروفها آخذةً بمقولة السلف ” زيادة المبني هي زيادة في المعنى ” ومن أمثلة ذلك “يضمحلُّ ،استعبادي، حدادي ، اكتفيت”
ـ رابعاً ـ
في البناء :
من اللآمح واللآمع في قصيدة ” قالت ” هو الدخول الفوري والسريع في صلب الموضوع دون مقدّمات ومُمهّدات وتوطئة وأيضاً الميل إلى الأسلوب الأخباري المنطلق باتجاه واحد أ ي من المبدع إلى المعشوق والمتلقي ، وما يميّز أيضاً بناءها أن القصيدة تعبّر عن موقفٍ أو مشهدٍ واحدٍ ، ومما لاحظتُ أيضاً أن القصيدة واضحة المعالم ، وأقصد بالمعالم أي ” البداية والنهاية “وليست كما نلحظ عند بعض الشعراء مشروعاً لقصيدة طويلة لم تكتمل !
خاتمة ـ
أخيراً أرى أنّ رنا حالة شعريّة كحال بعض الشعراء ممّن يبني البيت الكبير واسع الأرجاء لتفتحَهُ لسُكنى الآخرين ، وفي الوقت نفسه تُفضّل أن تسكن في بيتٍ صغيرٍ يملؤه التواضع والبساطة ، وهذا ماجعلها تأوي إلى أسلوب القصيدة القصيرة في التعبير.

الباحث : محمد مبارك

نشر الموضوع :
أحصل على كتاب تمارين التقسيم الصوتي

عن anhaar magazine

إترك تعليقك

كن أول من يعلّق هنا !

Notify of
avatar
‫wpDiscuz