الرئيسية / مجلة أنهآر الأدبية / المقالات الأدبية / قراءة القصيدة برجلٍ مكسورة / بقلم : بداح السبيعي ..

قراءة القصيدة برجلٍ مكسورة / بقلم : بداح السبيعي ..

 

في كتابه الجميل “كيف لبروست أن يغيّر حياتك” تحدّث آلان دو بوتون بنبرة ساخرة عن إحدى السمات المزعجة في أعمال الأديب الفرنسي مارسيل بروست (ت1922م) وهي سمة الإطالة أو الإسهاب المفرط، ونقل كلاماً يُعبّر فيه شقيق الكاتب عن حزنه قائلاً: “ما يُحزن هو أنّ على الناس أن يمرضوا أو يكسروا ساقاً كي تُتاح لهم فرصة قراءة البحث عن الزمن المفقود”. ويُعقب مؤلف الكتاب على كلام شقيق بروست بتوضيح التحدّي الآخر الذي يواجه كل من يقرأ أعمال بروست المميزة فيقول: “وفيما هم مستلقون على السرير وقد ضُمّدت ساقهم حديثًا أو اكتُشفت تدرّنات السلّ في رئتيهم، سيواجهون تحديًا آخر يتمثّل في طول الجمل البروستيّة، البنى الأفعوانية، التي كانت أطولها الموجودة في المجلد الخامس، ستمتد -لو رتّبناها في سطر واحد ببنط طباعة عادي- إلى أقل من أربعة أمتار بقليل، تلتفّ حول قاعدة زجاجة نبيذ سبع عشرة مرة”!

لم يعد الشاعر مشغولاً بمسألة إثبات مهارته وطول نفسه الشعري بكتابة القصائد المطوّلة كالألفيات التي تكثر في تجارب الشعراء القدماء، أو القصائد التي يحكي فيها الشاعر مراحل علاقة عاطفية ممتدّة عاشها منذ النظرة الأولى إلى لحظات الفراق الأخيرة، ويرى الدكتور محمد مصطفى هدّارة أن أبرز سببين دفعا الشعراء منذ القرن الثاني لتقليل عدد أبيات القصيدة وكتابة القطع القصيرة هما: “طبيعة التطور الحضاري” وما أدى إليه من انصراف عن الأعمال الأدبية المطولة، إضافة إلى أن الشاعر أصبح “يحد قصيدته بفكرة معينة” خلافاً للشاعر الجاهلي الذي كان يتنقل من فكرة إلى أخرى لتكون المحصلة النهائية مجموعة قصائد تتضمنها قصيدة واحدة طويلة.

وذكر الشاعر والإعلامي القدير حمود البغيلي في لقاء قريب معه أنه اتجه لكتابة زاويته الشعرية (ملحوظة) في الثمانينيات بعد أن أدرك ميل الناس للإيجاز وانصرافهم عن القصائد المطولة التي تتراوح أبياتها بين الثلاثين والسبعين بيتاً، واعترف بأن البيتين والقطع القصيرة التي كان ينشرها في (ملحوظة) هي التي منحته من الشهرة ما لم تمنحه القصائد المطولة. واليوم أصبح الشاعر أكثر وعياً بأهمية الإيجاز وبميل المتلقي للمقطوعات الشعرية التي يختزل فيها المبدع فكرته ومشاعره، وزاد يقينه بأن المتلقي الذي كان يستغل وقت إصابته أو مرضه بقراءة الأعمال الأدبية الطويلة لم يعد موجوداً بيننا اليوم، فقد كثرت وسائل التواصل الحديثة التي لا تكاد تسمح للمتلقي إلا بقراءة التغريدات والمقطوعات الشعرية القصيرة.

أخيرًا يقول بدر القبيان:

لو تناسيت المحبة كل ليلة

ما نسيت الذكريات اللي فـ بالي

إن ذكرت: أذكر لياليه الجميلة

وإن بكيت: أبكي على ذيك الليالي

 


نشرت هذه المادة في جريدة الرياض السعودية :
http://www.alriyadh.com/1590187

نشر الموضوع :
أحصل على كتاب تمارين التقسيم الصوتي

عن anhaar magazine

شاهد أيضاً

فيلم عالمي يروي قصة شاعرة سعودية ..

  أنهآر – متابعات :  بعد أن تمكنت الشاعرة السعودية حصّة هلال “ريميّة” من سلب …

إترك تعليقك

كن أول من يعلّق هنا !

Notify of
avatar
‫wpDiscuz