المقالات الأدبية

الدعاية في شعر أبي دلامة –دراسة في نماذج … / الأستاذة : عايدة سعدي ..

نشر الموضوع :

 

بقلم : الأستاذة – عايدة سعدي

 

 

لما كانت الدعاية إحدى أبرز أساليب و أسلحة الحرب النفسية ، فإن الحرب النفسية  بحد ذاتها عرفت بأنها ” الاستخدام المخطط للدعاية بهدف التأثير على عواطف و أفكار و سلوك شعوب الدول المعادية لتحطيم روحها المعنوية و إرادتها القتالية “(1)، فغايتها واحدة و هو التأثير في عواطف و سلوكيات الأشخاص و الجماعات ، و لذا اعتبرت الدعاية  كإحدى الأسلحة التي تتكئ عليها الحرب النفسية ، و ذلك لاشتراكهما في المضمون نفسه ، ألا و هو الاعتماد على الخدعة و التمويه .(2)

و قبل التطرق إلى رصد مختلف المفاهيم التي تعرضت للدعاية ، فإننا ارتأينا إلى عرض جذور هذه الظاهرة .

فالعودة إلى تاريخ المصطلح (دعاية) يوحي بالارتباط بمعتقدات الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ، أوجدته لجنة كاردينالية مسؤولة عن نشاطات البعثات التبشيرية للكنيسة منذ عام 1622م ، كما أن مصطلح “دعاية” (propaganda)  مشتق من كلمة (propagatio)  ، و تعني باللغة الانجليزية التكاثر أو التوالد ، أو النشر أو الذيوع.

و ارتباط المصطلح بالتبشير لهذا المذهب الكاثوليكي ، جعله  أقرب إلى تقاليد الدعوة منه إلى الدعاية ، أي أنها استهدفت في البداية خطاب العقل بغرض التقويم من خلال عرض الحقائق الدينية .(3) لينقلب مفهومها فيما بعد آخذا طريق الانحطاط ، فتحولت الدعاية من ” مفهوم الدعاية القائمة على الإقناع و الوضوح لمادتها ، إلى مفهوم السيطرة على السلوك ، و الظفر بتأييد الجماهير بأي ثمن ، و بأي وسيلة ، و الغموض و الإيحاء ،

و هكذا انقلبت صورة الدعاية من صورة جميلة قائمة على الخبر و الصدق ، إلى صورة قبيحة قائمة على الشر

و الخداع و عدم الأمانة ، و لعل هذه الصورة اكتملت  أثناء الحربين العالميتين الأولى و الثانية ” .(4)       فرغم قدم الدعاية في تاريخ البشرية ، إلا أنها لم تحد عن مفهوم السيطرة على مشاعر الناس و تظليلهم ، و لا نجد هنا مانعا في عرض بعض التعاريف الخاصة بالدعاية حديثا منها:

*الدعاية ” محاولة التأثير في شخصيات الأفراد و السيطرة على سلوكهم بإثارة غرائزهم ، و تحريك شهواتهم ،

و نشر الأكاذيب و الفضائح و التهويل في الأخبار “(5).

*إنها” محاولة التأثير في الجماهير عن طريق عواطفهم و مشاعرهم ، و في سبيل هذه الغاية تتغاضى الدعاية عن بعض الحقائق الهامة ، و الأسس التي تحدثنا عنها ، أو تحدث فيها تحويرا ما تبدو به هذه الأسس بشكل آخر .

…و الداعية في سبيل الوصول إلى هدفه كذلك يبذل الوعود الكاذبة أو الصادقة ، و ينشر الأخبار التي تعوزها الدقة الكاملة ، و يخاطب في الناس قلوبهم قبل عقولهم ، و يجعلهم يعيشون في أحلام لذيذة ، و ألفاظ معسولة تترك أثرها كبيرا في قلوبهم ، و فيما يكونونه لأنفسهم من رأي في مسألة من المسائل ، أو في معروض من المعروضات “(6).

*عرف علماء الاجتماع و النفس ، و العلوم السياسية ، و رجال الإعلام ، فجاءت تعريفاتهم متنوعة ، منها ” الدعاية هي نشر معلومات (حقائق ، أو مبادئ ، و مجادلات أو شائعات ، أو أنصاف حقائق أو أكاذيب ) وفق اتجاه معين من جانب فرد أو جماعة في محاولة منظمة للتأثير في الرأي العام ، و تغيير اتجاه الأفراد و الجماعات باستخدام وسائل الإعلام و الاتصال بالجماهير “(7).

و لدى تحليل هذا التعريف الأخير نجده يشترك مع التعاريف السابقة في نقاط عدة ، و يمكن تحليله إلى العناصر التالية :

-معنى الدعاية: هو نشر المعلومات .

-مادة الدعاية: الحقائق أو المبادئ أو الأكاذيب.

-هدف الدعاية: تغيير اتجاه الأفراد و الجماعات .

-وسائل الدعاية : وسائل الإعلام و الاتصال بالجماهير ، من صحافة و إذاعة و تلفزيون و غيرها .(8)

    هل الدعاية علم أم فن ؟

هناك من تطرق لتعريف الدعاية على أساس أنها “فن” ، إلى جانب أنها “علم” ، منها تعريف أحدهم لها بأنها ” النشاط أو الفن الذي يحمل الآخرين على سلوك مسلك معين ما كانوا يتخذونه لولا ذلك النشاط “(9).

فعنصر الفن ضروري في الدعاية ، إذ المعلومات  وحدها بيد الداعي لا تكفي لبلوغ المراد أو التأثير في     العواطف و السلوكات ، بل الأهم هو طريقة عرض هذه المعلومات ، أي أسلوب الداعي في عرضها بما يضمن استمالة الأشخاص و الجماعات إلى أفكارهم ، فإن لم يتحقق ذلك في الدعاية ” كان نجاحها مشكوكا فيه ..

و بإدخال عنصر الفن على الدعاية يتضح أمامنا لماذا نجح بعض الزعماء في استمالة الجماهير إليهم ، و لم ينجح البعض الآخر ” (10).

و المستخدم لأسلوب الدعاية يعتمد في الأساس على العاطفة لا العقل في التأثير على سلوك الآخرين ، لأن غايتها في النهاية هي غاية عاطفية (11)، فهي لا تستعمل أسلوب المنطق و الإقناع العقلي بقدر استخدامها لاستثارة عواطف الناس ، و السيطرة عليها .

من هنا نجد أن مفهوم الدعاية تحول من الدعوة لأمر ما في أصل مفهومها ، إلى (الدعاية ) على يد المعاصرين ، فأقاموا للمصطلح الأسس و الأهداف و الوسائل ، لتكتسي فيما بعد صبغة الأكاذيب قصد تلميع الأفكار و الآراء الخبيثة ، فانحط –تبعا لذلك- مفهوم الدعاية .(12)

و للدعاية وسائل عديدة و متنوعة لأجل تحقيق الانتصار في الحروب ،منها :

تحقيق الدعاية بالنصر و القوة للطرف المناصر له ضد الخصم ، ولا يتأتى للداعي ذلك إلا إذااستهدف الاقتناع بالنصر ، و إقناع العدو بهزيمته ، فيلجأ إلى تشكيكه بمبادئه و معتقداته الوطنية و الروحية ، و زرع الشكوك في أنفس الأشخاص حول مدى شرعية قضيتهم و الإيمان بها ، كل ذلك بهدف بث الفرقة بين صفوف الخصم ، و الوحدات المقاتلة فيه ، قصد التفريق بين الخصم و حلفائه ، و بين القادة و الجنود ، و بين الطوائف

و الأحزاب المختلفة ، و كذا بين الأقلية و الأغلبية (13)، فحتى يتحقق النصر على العدو أو الخصم تلجأ الدعاية –في إحدى وسائلها- إلى هذه الحيلة ” فرﱢق تسد” من خلال تفتيت الصفوف ، و بالتالي سهولة الوصول إلى تحقيق الهدف المنشود ألا و هو النصر.

و قد يلجأ صاحب الدعاية إلى التزام أسلوب التكرار،و يعد هذا الأسلوب  من أنجع الأساليب المستخدمة في الدعاية،

فالتكرار –كما هو معلوم- يرسخ الفكرة

و يؤكدها في ذهن المتلقي ، أما في مجال الحرب فيعد أسلوب التكرار :” طريقة مفضلة لإقناع الجمهور بصحة ما ترويه وسائل الدعاية “(14)، و نجده يتجسد أكثر في إمعان وسائل الإعلام المعادية لجهة ما – في الوقت الحاضر- في تكرارها لخبر ما ، و ذلك عبر أساليب متنوعة و مختلفة.(15)

كما قد يستغل الشاعر مقتل قادة العدو ليبث نار الفرقة بين صفوف الخصم،

إذ إن الفتك بقادة الأعداء له أثر كبير ومهم في اختصار الطريق نحو النصر ، فهم (القادة) رأسهم المدبر ،

و سندهم في الحرب ، إنهم مصدر الأوامر لجندهم ، فقتل القائد من شأنه أن يربك صفوف الجيوش ، و يهزهم نفسيا ، و يجعلهم في حيرة من أمرهم ، مما يخلق فزعا و رعبا من شأنه أن يؤدي إلى هزيمة و استسلام الخصم .

و ها هو المفكر الصيني القديم  ” صن تزو ” في كتابه (الحرب) ، ينصح ” باغتيال قادة العدو لخلق الرعب في صفوفه و تأكيد قدرته و سيطرته على زمام الأمور” .(16).

و بما أن الشعراء -منذ الجاهلية- كانوا بمثابة الصحافة المتنقلة ،يرصدون بقلمهم كل شاردة وواردة ،سواء منها ما تعلق بالأفراد أو بالجماعات و القبائل،فإنهم التفتوا-في مختلف العصور- إلى استخدام أسلوب الدعاية في شعرهم،لما لها من دور هام في تغيير مجريات الأحداث و حمل الناس على تغيير مواقفهم أو تعديلها،لا سيما ما تعلق منها بالسياسة.ومن بين هؤلاء الشعراء الذين وظفوا الجانب الدعائي في شعرهم ، الشاعر العباسي “أبي دلامة”،و قد عرف هذا الشاعر بنوادره و طرائفه التي لم يكد يخلو منها غرض من أغراض شعره.و بسبب ذلك استملحه الخلفاء العباسيون :السفاح ،و المنصور ،و المهدي ،ووصلوه بأعطياتهم ،كما اهتموا بشعره –ليس لطرافته فحسب-الذي كان من بعض مهماته الدعاية لبني العباس ،و تأييد حكمهم و الإطاحة بأعدائهم المتربصين بهم،فقد جعل شعره لهذا الغرض-إلى جانب شاعر آخر من شعراء العصر هو سديف بن ميمون-.

و من أمثلة استخدام “أبي دلامة ” لهذا الأسلوب ،قوله في مدح الخليفة”المنصور”:

-لوْ كانَ يقعُد فوْق الشّمس من كرم              قوم لقيل اقعدُوا يا آل عبَاس

ثمّ ارتقُوا في شُعاع الشّمْس كُلكم                 إلى السَماء فأنتمْ أكرَم الناسَ

وَ قدمُوا القائمَ المنصور رأسَكم ْ                 فالعينُ و الأنفُ   و الأذْنان في الرَاس(17)

افتتح الشاعر مقطوعته بتعظيم الأسرة العباسية ،و قد لجأ لأجل تأييد فكرته التي لا تعترف سوى بالخلافة العباسية ،إلى أسلوب التعظيم و المبالغة،الذي من شأنه أن ينزاح عما هو حقيقي وواقعي،و قد كان بإمكان الشاعر أن يباشر في تبيان هذه الحقيقة (أحقية الخلافة) بقوله:إن بني العباس هم أحق و أولى من غيرهم بالخلافة .غير أن الشاعر امتلك أدوات فنية ساعدته في إيصال هذا المعنى بطريقة مؤثرة و أبلغ في قلوب الأعداء خاصة،فعمد الشاعر إلى مخاطبة القلوب و العواطف دون العقول،مستعينا بالمجاز ،تجلى ذلك في قوله:

-“لو كان يقعد فوق الشمس من كرم                 قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس”

فجعل “الشمس” رمزا لعلو المكانة التي تتبوؤها الأسرة العباسية دون سواهم من الأسر،و قد أردف الشاعر هذا المعنى في عجز البيت بقوله”لقيل” ،ليجعل القائل مجهولا غير معلوم ،رغبة من “أبي دلامة” في إضفاء شرعية على ما جاء في خطابه ،فيوهمنا أسلوبه بأنه ليس الوحيد من آمن باستحقاق العباسيين للحكم ،بل هو تحصيل حاصل،لا سيما و أن الجميع يؤمن بهذه الحقيقة  منذ زمن ،يأتي هذا الأسلوب من قبيل الاعتراف بالحكم ،و الخلافة العباسية ،و الدعاية لقوتهم و مكانتهم ،التي أهلتهم للارتقاء إلى هذا المصاف،بأن أصبحوا حكاما على جميع العرب،بما يجعلنا نعتقد بانتفاء تواجد أعداء أو خصوم ينافسونهم في الحكم،و قد جعل الشاعر -بأسلوبه الدعائي –الجميع بما في ذلك الأعداء يجتمعون على تأييد معتقده و رأيه السياسي.

و يلجأ الشاعر –من ناحية ثانية- إلى توظيف أسلوب التكرار ،إيمانا منه بأن كسب الرأي العام لصفوف العباسيين يستدعي ترسيخ صفات معينة ، يتجلى ذلك في قوله :

-“ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم                   إلى السماء فأنتم أكرم الناس”.

فقد كرر الشاعر من خلال هذا البيت ما ورد في البيت السابق ،من معاني العلو و الرفعة ،التي جسدها رمز”الشمس”،و التي رمزت إلى تكريس قيمة بني العباس و مكانتهم ،بما في ذلك ما يتمتعون به من جود،لينتهي الشاعر بعد ذلك كله إلى نتيجة قطعية باستعماله لصيغة الفضيل(أفعل) في”أكرم”،بأنه لا يوجد في الكون من يضاهي مكانة العباسيين في شرفهم و رفعتهم،و لا في صفة الكرم،و هو موقف دعائي انبنى على الحجة و الدليل،فأفضى إلى نتيجة آمن بها الشاعر و حملها إلى أهل عصره،لحملهم على الاعتقاد بها.

و يستمر الشاعر في دعم موقفه الدعائي للعباسيين ،في البيت الثالث الذي يقول فيه:

-“و قدموا القائم المنصور رأسكم                    فالعين و الأنف و الأذنان في الراس”.

لقد جعل الشاعر بأسلوبه المجازي المتميز “الخلافة العباسية” بمثابة الرأس من الجسد ،أي تمثل الأصل و الكل،في حين جعل ما في الرأس من “عين،و أنف ،و أذنان” تمثل خصوم العباسيين ،فإذا كانت هذه الأعضاء جزءا من الرأس (الكل)،فإن الأعداء يظلون تبّعا للأصل و الكل لا تحيد عنه ،فكأنهم  مفروض عليهم الانضواء تحت لواء الحكم العباسي الشرعي،بالطاعة أو بالإجبار ،و هو تعبير لا يخلو من طرافة و سخرية.

و يقول في موضع آخر يثبت ولاءه لبني العباس:

-ديني علَى دين بني العبّاس              مَا ختَم الطينُ علىَ القرطَاس

إني اصْطبحْتُ أرْبعا بالكَاس            فقدْ أدارَ شُربهَا براَسي

فهلْ بما قلتُلكمْمنْ باَس؟(18)

رغم أن الشاعر-كما يبدو من المثال- كان في حالة لاواعية ،و قد أخذ منه السكر مأخذه ،إلا أنه لم ينس إيمانه، و اعتقاده الذي يلزمه بالسير على طريق و خطى بني العباس و تأييد حكمهم ،إلى يوم الدين ،و هو إقرار منه بعدم تغيير موقفه هذا الذي صدر منه عن قناعة ،و لا يخفى علينا أن “أبا دلامة” كان متحللا من شرائع الدين ،فاستهتر به،و عاش حياة ماجنة لاهية،و قد جاءت الأبيات السابقة ،في سياق سؤال أحد الحراس ،و هو في حالة سكر :ما هو دينك؟ فأجاب بهذه الأبيات :”ديني على دين بني العباس..”.و هو موقف ناجم عن انحياز غير مشروط للدولة العباسية ،يذكرنا بعصبية الشعراء الجاهليين لقبائلهم.

و قد اتجه الشاعر بدعايته إلى تحطيم أعداء العباسيين معنويا ،يقول في إحدى قصائده يمدح “المنصور” ،و يهجو “أبا مسلم الخراساني” بعد أن قتله المنصور :

-أبا مسْلم خوفتني  القتل فانتحى           عليكَ بما خوَفتْني الأسدُ الوردُ

أبا مُسلم مَا غيرَ اللهُ نعْمة                      على عبْد حتىّ يغيرها العبدُ

أبا مُجرم خوَفْتني القتْل فانتحَى                   عليك بما خوفتني الأسدُ الوردُ

أَفي دولة المنصور حاولْتَ غدْره؟                ألاَ إنّ أهْلَ الغدْر آباؤُك الكُردُ(19)

يخاطب الشاعر –عبر هذه الأبيات- “أبا مسلم الخراساني” خصم الخليفة المنصور،خطاب ندّلندّ،مستخدما أسلوبا دعائيا استند إلىالتكرار،بأن كرر اسم القائد العسكري و الداعية العباسي “أبي مسلم” مرتين على التوالي ،متصدرا الخطاب ،لأهميته و محوريته في خطاب الشاعر،غير أنه في ثالث بيت يستخدم صفة”مجرم” بعد أداة النداء المحذوفة “يا”،و هي لفظة جارحة،رنانة ،تحمل في ثناياها معاني سلبية ،لا تخرج عن فعل القتل ،و الظلم،و إراقة الدماء،من قبيل التشهير بصورة هذا القائد لمن لا يعرفه ،فقد عُرف “أبو مسلم” في كتب التاريخ ،بأنه الرجل الذي أقام أساس الدولة العباسية بسفك دماء  الآلاف ممن عارضوا دعوته،رغم أنه كان حازما عالي الهمة،غير أن غروره جعله يستهزئ بمكانة الخلفاء التي لم تكن تقل عن مكانته هو ،ولذا استحقرهم ،و لما تخوّف الخليفة “المنصور” من منافسه في الحكم عمد إلى استدراجه و من ثم قتله.فرسم الشاعر “أبا مسلم” في صورة سفاح ،مجرم،فكأنه يشنع بصفاته الذميمة لدى الناس ،لإظهار عدم أحقية من كانت هذه صفاته تولي الحكم،و هي صورة كاريكاتورية مثيرة للسخرية تهدف إلى تشويه الخصم ،كما جسدت رسالة مبطنة لكل من تسول له نفسه التطاول على السلطان بعد مقتل “أبي مسلم” من قبيل الاتعاظ أو الارتداع،فمقتل هذا الخصم باعتباره القائد الذي تزعم الدعوة العباسية في بدايتها ،من شأنه أن يشتت صفوف من يحملون نفس بذرة التمرد ،و يلقوا المصير نفسه .و قد جاء تكرار الشاعر لكلمة”القتل” مرتين ،و كلمة”خوفتني” أربع مرات ترسيخا لدعايته التي يروج لها ،فيمعن في إبراز عيوب الخصم للعيان ،التي ارتبطت –كما أوحت بها الكلمتين المكررتين-ببث الرعب و التخويف ،و التقتيل و الغدر بالأبرياء،هذه الصفة التي جعلها متوارثة ابن عن أب،و أب عن جد.و إن كان الشاعر يستعرض أمامنا صفات الخصم الذميمة ،فإننا نلتمس في الوقت ذاته مدحا مبطنا لشخص الخليفة”المنصور” ،فهو منزه من كل العيوب السابقة ،فهو يتصف بالعدل

و الحنكة في التعامل،و السياسة الحكيمة من قبيل الدعاية للخلافة العباسية.

و يقول في سياق آخر يرثي “المنصور” ،و يهنئ “المهدي”:

-هلكَ الخليفةُ يا لأمّة أحمَد                  فأتاكُم من بعْده منْ يخلفُ

أهدَى لهذا اللهُفضْل خلاَفة                و لذاكَ جنّات النّعيم تزَخرفُ

فابْكُوا لمصْرع خيركُم ووليّكمْ                و استشْرفُوا لمقَام ذَا وَ تشرّفُوا(20)

إن اللافت للانتباه في هذا المثال ،أن المقطوعة وردت في سياق رثاء “المنصور” ،غير أن الشاعر جعل من صفات المنصور تركة ورّثها لمن بعده،مضفيا عليها صفة الخلود،ذلك أن القادة و الأقوياء يموتون ،لكن هممهم تبقى مغروسة في من يأتي خلفا لهم،يقصد الشاعر هنا”المهدي”،و الشاعر في هذا ينتهز فرصته ليقيم جوا دعائيا للخليفة الجديد،فياستحقاقة للخلافة ،و أهليته بعد وفاة المنصور،يقول”أهدى لهذا الله فضل خلافة” ،مؤكدا على موقفه هذا بدعوته الصريحة للشعب بأن يفتخروا و يتشرفوا به ،لأنه استكمال لجهد الأول ،و كأن الشاعر يدعو –بأسلوب غير صريح-أهل العصر إلى تجنب الانقسامات و الفتن حول تولي أمر الحكم،و عدم ترك الفرصة أمام الأعداء للتدخل و تجزيء الدولة العباسية ،و إشاعة الفتن.

و في ختام هذه الدراسة نصل إلى أن الدعاية في شعر أبي دلامة تجلت بوضوح في مواطن من ديوانه الشعري ،

و هي لم ترتبط بموضوع محدد ،فقد نجدها في سياق مدحه للخلفاء،أو في رثائه لهم،بل تخطى ذلك إلى مجلس الشراب،و مهما يكن من أمر ،فإن دعايته للخلفاء العباسيين ناجمة عن موقفه السياسي الذي يؤمن به،و لا يحيد عنه،فيراهم أحق من سواهم في تولي أمور العرب ،و ينبذ أي حكم آخر ،و في مقابل ذلك يناصب أعداء الأسرة العباسية الحاكمة العداء ،و يرسمهم في أبشع صورة ،مثيرة للاستهزاء و السخرية.

الهوامش:

1) فهمي النجار: الحرب النفسية(أضواء إسلامية)، سلسلة الرسائل الجامعية(40)،سلسلة الرسائل الجامعية(40)،دار الفضيلة،الرياض،السعودية،دط،دت،ص:344.

2)المرجع السابق،ص:69.

3) حميدة مهدي سميسم: الحرب النفسية ،الدار الثقافية للنشر،دط،2004،ص:92.

4) فهمي النجار: الحرب النفسية(أضواء إسلامية)، سلسلة الرسائل الجامعية(40)،ص:158.

5)حميدة مهدي سميسم:الحرب النفسية،ص:101(نقلا عن:زيدان عبد الباقي:أساليب الاتصال في المجالات الاجتماعية و التربوية و الإدارية ،القاهرة،دط ،1974،ص:227).

6)الشريف قصار:تقنيات التعبير الكتابي و الشفوي ،ج1،العمليات المنطقية ،المؤسسة الوطنية للكتاب ،الجزائر ،1988،ص،ص:395-396.

7)فهمي النجار:الحرب النفسية ،ص:159.(نقلا عن:د.زهران:علم النفس الاجتماعي،ص:321).

8)المرجع نفسه،ص:159.

9)المرجع نفسه،ص:60(نقلا عن:ليدليفريزر:الدعاية و السياسة،و أثرها على مستقبل العالم،ص:09).

10)فهمي النجار:الحرب النفسية،160.

11)المرجع نفسه،ص:164.

12)المرجع نفسه،ص:158.

13)مايكل يوسف  سلوانسيوسف:بحث في الحرب النفسية،جامعة قناة السويس ،كلية التربية،دط،2009،ص،ص:11-12.

14)المرجع نفسه،ص:08.

15)المرجع نفسه،ص:08.

16)حميدة مهدي سميسم:الحرب النفسية،ص:89.

17) أبو دلامة،الديوان،شرح و تحقيق:إميل بديع يعقوب،دار الجيل ،بيروت،ط1 ،1994،ص،ص:70-71.

18) المصدر نفسه،ص،ص:71-72.

19)المصدر نفسه،ص:144

-(أبو مسلم الخراساني :هو عبد الرحمن بن مسلم الخراساني صاحب الدعوة العباسية في خراسان،و من ثم واليها).

20)المصدر نفسه،ص:83.

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق