الإصدارات الأدبيةالمقالات الأدبية

الشاعر فليب بيك بين “إيدونا وبراغا” ..

نشر الموضوع :

 

أنهآر – متابعات :

 

عن دار النشر الفرنسية جوزي كورتي José Corti ، صدر مؤخراً كتاب للشاعر الفرنسي فليب بيك Philippe Beck  موسوم بـ “إيدونا وبراغا”. كتاب في الفتوة وشبيبة اللغة أو اللسان. كتاب فيه الكثير من المكر والنظر الثاقب: الشاعر يرمي بنا في عالم يجمع بين الحكاية عبر شخصيات، ربما مبنية للمجهول، ثم غنى النثر في هذا الكتاب الفتي عبر فتوة شعرية تمارس الفكر بين إيدونا وبراغا Iduna et Braga. في الغلاف الرابع، فليب بيك يمهد لنا حيزا للدخول في كتابه الماكر كما قلنا سابقا. حسنا. إنه كتاب يدعو إلى الحاجة في الشعر حتى لا نقول القصيدة. الشاعر فليب بيك من القلائل في المشهد المعاصر الذي يرسم ويحفر ويعمق ويقلق ويحلل ويصف حلة البيت الشعري. البيت الشعري مستقبل معقد ليكون المستقبل ذاته. تقليد مفتوح على ثقافة واسعة. لم يكن فليب بيك قط متشائما حول مآل الشعر. لا يبكي وهو يكتب. لا يتراجع ويكتب. لذلك الفتوّة تصير قرصا بين وشاح نوفاليس ورامبو المارد وفاتح علي خان ومرجعيات أخرى. ظلال كثيرة قلما نعرفها، تسكن ثنايا الكتاب. تعبر بين سطوره. تتكلف بالوصف عبر صوت فليب بيك. دائما.

جنة عدن مساحة توازن بين آلهة وبشر يطمحون بطفولة ما: الدنو من القصيدة ومساءلة نثر العالم. شيخوخة لسان ما!

إيدونا Iduna التي تشكل مركز الكتاب وعموده الفقري. من تكون إيدونا؟ ما محلها من الإعراب في طيات الفتوة حتى لا نقول الطفولة؟ قراءة هذا الكتاب تتطلب ذهناً يقظاً لا ينام؟ مع فليب بيك، نقرأ كي نستيقظ. كل إصدارات هذا الشاعر، تجرنا إلى التطلع والمغامرة خارج السياق. أي أن نعيد القراءة ونبحث عما تتضمنه كتبه النثرية ودواوينه ودراساته. إنه الشاعر الذي يحرج الفلاسفة، بكل صراحة مقلقة. لأن الزمن يمر، لكن المفارقة تبقى/تدوم.

فلنعد إلى إيدونا: إنها القوة الفتية بامتياز تنظر وتراقب الآلهة التي تشيخ. هي زوجة براغا النثر Braga la PROSE الذي في الكتاب يمشي بخطوات مختلق الشعر وملفقه في نفس الآن. وبراغا هي القصيدة الفتية التي تفضل أكل تفاحة الفتوة على تتبع خطوات زوجها النثرية التي تمتح من الشعر. إنها الزوجة التي تشفي/تعافي النثر من الذي يهتم بالشعر بشكل مصاب بالعرج. وهنا بالذات تكمن أهمية كتاب فليب بيك الذي يحير القارئ. كتاب يدعو شخصيات مبنية للمجهول حتى يشيد فقراته الواحدة تلو الأخرى. مبنية للمجهول لأنها ليست شخصيات، أو شخوصاً، تسرد كما العادة، بل كتل فكرية تفكِّرُ القصيدة والبيت الشعري واللغة المفكرة. كل ذلك بحس بيكي BECKIEN.

من وشاح نوفاليس كمتتالية موسيقية، يدعونا الشاعر إلى تأمل الفتوة التي يقدمها لنا فليب بيك (ص.36) كالتالي: تدبير، كثافة، بداية، ابتكار، لوازم، إباء، مغامرة أو مجازفة، حرفة بدون مهنة، طاقة، استمرار أو حب صعب. كل هذه التصنيفات التي يفسرها الشاعر في كتابه، تفتح أفقاً طازجاً يحاول خلق جسد مكتوب في فتوَّة مالحة.

في كل فصول الكتاب، هناك جهد عميق حيث ثقافة فليب بيك الواسعة تسافر بنا دون ظلال ثقيلة الظل! ثم إيدونا تموسق إيقاع الكتاب. كل السر ينوجد في علاقة الكاتب بالشعر. علاقة جد معقدة. لأن فليب بيك لا يومن بموت الشعر بل يدافع عن فكرته حول القصيدة  والبيت الشعري. سياسة تفلسف العلاقة. من أرسطو إلى إيمرسون. من رافيل إلى مارسيل جوس. من جاكلين ريسيه إلى الفهد الشعري. عوالم فتية دائماً لكن عبر لسان فليب بيك بطبيعة الحال. هو الذي يقترح في كتابه القدرة على” الاحتفال بكثافة لم يكشف عنها قط. ثم أن نكتب كمتشدّقين ما تم التعبير عنه سابقا. ويضيف بأن تحفيز الفتوّة يحلم بالملح دون القيام (بعمل) حمار القصيدة. و البشرة الشائعة/السائدة لم ترتجف تحت الشمس المسننة/المقطعة”.

البحث على/في الفتوّة يعني أن نكون يقظين في عالم يدعو أكثر فأكثر إلى الحيطة. ثم الإنصات بذكاء كي لا نسقط في شيخوخة شائعة. ما علينا إلا أن ننظر في منشورات أدبية أو فلسفية حتى نصاب بالدوخة. تشابه مفرط حتى أن اللسان صار واحداً. عوض التعدد. استنتاج وليس حكم قيمة.

في هذا الكتاب،  يفرّق المؤلف بين صنفين من القراء: القارئ الذي لا يجرؤ على التمييز والتبيّن؛ لأنه ينصت فقط. ثم آخرون يفكروك كشعراء. ثم يمدون لك أيديهم. الفرق عميق. ثم إنه حقيقي. الفتوّة هي خطوات  إيدونا ضد خطوات زوجها براغا النثرية. لاحظوا هذا التوتر الذي يخلق قلقا في عوالم فليب بيك.

الكتاب برمته رقص فوق بركان. بركان يدافع عن إيقاع الشعر الذي هو فكر. فكر على طريقة فليب بيك كي يفتح لن كقراء برزخاً مفتوناً بإيقاع ما. إيقاع الموسيقى. إيقاع النثر الذي ليس نثر العالم. إيقاع الحقبة لأنه لا يعيش خارجها. إيقاع لافونتين الخفي الذي عبره فليب بيك يحرث دواوينه وكتبه وفكره المتميز في القرن الواحد والعشرين. وهذه حقيقة وليست مديحا. إننا نستحم في مولد كهربائي (دينامو) ونحن نقرأ حيث يأخذنا الكتاب، من ما قبل المسيح، إلى حقبتنا التي ليست واضحة شعرياً. لذلك الحاجة إلى الشعر يجب ضخها بماء الفكر وإلا…. سبحان المستقبل.

إيدونا تمارس قوتها عبر جمل فليب بيك، ثم ترفض شيخوخة ما يحيط بكتابات. الأمر ليس أمر سن أو تاريخ الميلاد. إنه شيخوخة الشباب. لذلك تفاح الفتوة يمنح مخرج الطراوة والمغامرة. فقط الفيلسوف-الملك هو من يكتب بطريقة سلبية عن شبيبة شعرية تشيخ أكثر فأكثر. إنها مفهومات بيك المفتوحة. كناب بنكهة نطفة هواء.

المصدر : العربي الجديد

 

 

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

كن أول من يعلّق هنا !

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق