الرئيسية / مجلة أنهآر الأدبية / الأدب الفصيح / دراسة : مقاربة بنيوية أسلوبيه منفتحة لنص رنا القفاري .. / بقلم : محمد الحامد..

دراسة : مقاربة بنيوية أسلوبيه منفتحة لنص رنا القفاري .. / بقلم : محمد الحامد..

 

النص للشاعرة رنا القفاري :

 

النص بعنوان رثاء:

يامن بهجرانٍ تَحيكُ جنازتي
ضعفي و أشواقي هما خيطيكَ

ودفنتني في بئرِ قلبٍ ناشفٍ
و غسلتني بالدمعِ من عينيكَ

غطيتني بالترْبِ حتى خنقتني
ونفضتني كالترْبِ من كفيكَ

أبخيبتي قد صرتُ حملاً مثقلاً؟
بالأمسِ عرشي كانَ في كتفيكَ

أسفي لوقتٍ في السباتِ قضيتهُ
أسفي على قلبي، عليَّ، عليكَ

لاتعتذر وفر حديثكَ إنني
ميّزتُ صوتَ الكذبِ من شفتيكَ

في الليلِ ينهشني الحنينُ بنابهِ
في الصبحِ أقبلُ أن أعودَ إليكَ

فإذا ركضتُ إليكَ إني طفلةٌ
أرجوكَ لاتفتح إليَّ يديكَ

 

****

 
الدراسة:

🖍فضائيّة القصيدة🖍
اعتمدَتْ الشّاعرة على البناء التّقليدي القائم على نظام الشطرين والذي ينتهي بقافيةٍ موحّده من حرفِ رويٍّ ووصلٍ وخروجٍ ، واختارت في نظم قصيدتها ركوب البحر الكامل التّام ثلاثون مقطعاً ، ولكنه لا يأتي تاماً في الغالب ،وهو من أكثر البحور الشعريّة جلجلة وحركات كما أنّه خُلِقَ هذا البحر وابتكر لأجل التغنّي المحظ سواءٌ أأريد به جد أو هزل أو شكوى . استهلّت الشاعرةُ قصيدتَها بإَداة نداءٍ تلوِّنُها سمياء الألم والحسرة .
فالضّعف ، والأشواق بمثابة الخيوط التي تُخاط وتُحاكُ بِها الضحيّةُ ” الجنازة” وممّا عمّقَ البينَ والبعدَ الأفعالُ المتعاقبةُ ” دفنتني ،غسّلتني ،غطّيتني ، نفضتني ..
والّتي جاءت تحتَ وطئة البناء الماضي المتصل ب” تاء” الفاعل ، فالشّاعرة أرادتْ من هذا البناء ” الماضي” المتصل بضمير الفاعل”التّاء” أن تومىء للعاشق الخائن بشكلٍ أو بآخر أنّه لا يمثّل بالنسبةِ لها إلا جزءاً من الماضي الذي فات وانتهى ، فالعامل النّحوي (صيغة الماضي المتصلة ب “تاء” الفاعل) وبناءه بِناءً ماضويّاً هو بؤرة الاستعمال الفنّي ، والّتي تروم الشّاعرة من خلاله الإقدام والانتصار لعشْقِهاالصّادق وأيضاً أقتنا دلالات لطيفك مستترة لم يُصرّح بها بالشّكل المباشر .
كما أنّنا لاحظنا أنّ هذا الحضور ب”تاء” الفاعل لم يأتي من عفو الخاطر أو لداعٍ فرضهُ الوزن أو الدّاعي الجمالي بل فرضهُ الدّاعي النّفسي والشّعور بالمهانة واستفظاع هول الخيانة الّتي لحقتْ بهذه الشّاعرة المكلومة بفقدٍ عشقٍ مفبرك ، فهي حاولت بكُلِّ ما أُعطيتْ علمٌ بنواميس اللغةِ وبالشعرِ ونقدِهِ أنْ تُظْهر أفعال هذا العاشق الخائن في مجالِ قصيدتِها اللُّغوي إظهاراً فاضحاً وتخبر عن أفاعلهِ المشينه اتجاهها والّتي جعلتها تكره العودة إليه ،وإن جاءت إليه راكضةً كالّطفلِة له ، فبآداة التّمنّي والرجاء والنّهي أن لا يفتح يداه لها فما أحرّ اللحظة والحسرة على الطّفلِة عندما تأتي مسرعةً إلى من تُحب وتُصدم من قسوة المحب عندما يتجاهلها فتصبح هذه الحسرة كمثابة الجرح الغائر العميق الّذي لايزول مع مرور السّنين .

⬅️ القصيدة تعُجُّ بالأفعال (تُحِكُ ، دفنتني ،غسّلتني ،غطّيتني ، نفضتني ، قضيتَهُ ، صرتُ ، وفّر ، ميّزتُ، ينهشني، أقبلُ ، ركضتُ ،لا تفتحُ …) والّتي تدلُّ على الحركة والتّحول من حالٍ إلى حالٍ فأكثر أبيات القصيدة تتصدّرها الأفعال وتسيطر على أكثرِ أبياتها ، وسيطرة الفعل بهذا الكم المبالغ فيه يعكسُ واقعاً نفسيّاً مريراً تعانية الشّاعرة وهي بؤرة الفكرة المحوريّة في النّص ، فمن الملاحظ أنّ أكثر الأفعال تردّداً و دوراناً الفعل الماضي المقترن (المتصل) ب”تاء” الفاعل (دفنتني ،غسّلتني ، غطّيتني ، نفضتني، ينهشني.) فهذا الزّخم من الأفعال الماضية المتصلة ب”تاء” الفاعل هي مركز الأنفعال النفساني الّذي يعتري الأنسان عندما يستعظم ويستفظع وينكر أمراً قد أحلَّ به من شخصٍ وثِقَ به أشدّ الثقة فوجد منه عكس ذلك .
فالمجموعة الفعليّة تُشكّل محْوراً دلاليّاً طاغياً داخل مجال الأفعال المتصلة ب”تاء” الفاعل وهو محورٌ يطلبُ لوبَّ العقول والتدبّر في الأحوال قبل اتخاذ القرار ، فهي أيضا بمثابة المُعطيات والنّتائج التي يستطيع الأنسان من خلالها أن يتّخذ القرارات بدقّه متناهيه ، فالشّاعرة لم تكره و تطرد هذا العاشق الخائن إلا من خلال أفعال متراكمة أدّت إلى البين والبعد المسبّب إلى الأنفصال .

⬅️ كما أنّنا من خلالِ القراءة المتأنّية للقصيدة لاحظنا اعتنى الشّاعرةُ “بتقنية التّكرار ” وهي من أكثر العوامل المؤثّرة في الإيقاع ، وهو “إلحاحٌ على جهةٍ عامّةٍ في العبارة . يُعنى بها الشاعرُ-ة أكثر من عنايته بسواهما ، وهو يكشفُ عن اهتمام المتكلّم بها ، وهو ذو دلالة نفسيّة قيّمة تفيدُ النّقدَ الأدبيُّ الذي يدرسُ الأثرَ ويحلّلُ نفسيّة الكاتب .
نلاحظ أنّ الشاعرة بواسطة تقنية التكرار خلقَت تنوّعاً إيقاعيّاً اسهم في خلقِ الحيويّة الموسيقيّة .
فوجدناها تكرّر الصّوامت التالية ( الياء ، التّاء ، العين )
فصامت “الياء” فقد تكرّر في رحى القصيدة مايربو ~٣١~الثلاثين مرّة فلهُ حظوة السبق ، وهو من الأصوات الأدنى حنكيّة وهي التي تقعُ بوضع اللسان على أدنى الحنك لأن الهواء يجري فيها على حافتي اللّسان ، وهو من الأصوات المجهورة ، والصوت المجهور عند العلاّمة ” سيبويه : هو حرفٌ أُشبِعَ الأعتماد في موضِعه ومنع النّفس أن يجري معه حتّى ينقضي الأعتماد عليه . أمّا صامت “التّاء” فقد تكرّر مايربو~٢٣~ مرّة وهو من الأصوات المهموسة الشّديدة والّتي شبهها “رجاء عيد” بآهه شبيه ذبيحة، والّتي غلبتْ عليها سيمياء الحزن والألم والحسرة.أما صوت ” العين ” وهو أقلها دوراناً فقد تكرّر في رحى القصيدة مايربو السبعة -~٧~ مرّات و يعتبر من زمرة الأصوات الحلقيّة الأحتكاكيّة المجهورة المرقّقة أرتبط حضوره بالمعاني القوية الصلبة
كما أنّنا لفيناها تكرّر الصوائت ( الضمّة ، الفتحة ، والكسرة) وأيضاً نراها تكرّر لفظة “التّرب” تكرّرت في فضائية القصيدة مرّتين جاءت كلها في منتصف الصّدر من الشّطر الأوّال من البيت الثالث وفي منتصف الشطر الثاني من البيت نفسه، وهذا التكراربمثابة التّجسيد اللغوي للمرارة التي استشعرته الشاعرة وعزمت من خلالها طرد هذا الخائن من حياتي وجودِها، وثمّة أيضاً هناك معالم تكراريّة تعدُّ سمةً من سمات البنْية في القصيدة أفصحت الشاعرة عن قدرتها الفنيّة في توظيف الموسيقى كبنية ( رد الصدر على العجز ) والتي يصبح فيها عجز البيت صدى لصدره ممّا يرفعُ بذلك مؤشّر التوقّع لدى القارىء والمتلقّي .ومن مظاهره في القصيدة حضر ( رد الصدر على العجز ) في البيت الثالث وتحديداً مقدمة الشطر الأوّل وأيضاً في مقدمة الشطر الثاني ( بالترب ، كالترب) وفي البيت الخامس برز في صدر الشطر الأول وأيضاً في بداية الشطر الثاني ( أسفي ، أسفي )
كما أنّنا لمحنا ظاهرة ( التّنغيم ) والذي برز بشكلٍ جليٍّ وواضح في ثنايا النّص حيث برز بتكرار صامت ( النّون)
في الكلمات الآتية (دفنتني ،غسّلتني ،غطّيتني ، نفضتني ، ينهشني) فبتكرارها أحدثَ تنغيماً شجيّاً في أبيات القصيدة ، وبتكراره أيضاً أسهم بدرجة كبيرة في التعبير عن حالة الشاعرة النفسيّة كما أنّه تجاوب مع أحاسيس وعواطف الشاعرة المثقلة .

⬅️وإذا عُدنا إلى رحى القصيدة ومتنِها نكشفُ “ثنائيّات”
أساسيّة طرفُها :
العاشقة 🖍العاشق
الصادقة🖍الكاذب
الأُنوثة 🖍الذّكورة
فهذه الثّنائيات أفرزت تناقضاً أساسيّاً بينهما فلا مناص من التّدخّل الحاسم و فض هذه العلاقةَ فقد قرّرت الشّاعرةُ في البيت الخامس ، والسادس ،والثامن أن تفضَ هذه العلاقة المفبركة والحب المصطنع ، ففي البيت الخامس بدأت تتأسّف وتندبُ أشتاتاً ، وفي البيت الّذي يلهِ طلبت بواسطة الأسلوب الأنشائي أسلوب النهي ” لا” والّتي أفادت غرضاً بلاغيّاً تعلوهُ سيمياء التّيئيس والتّعجيز ولم تكتفِ بذلك بل طلبت من العاشق الكاذب بواسطة فعل الأمر ” وفّر” و الذّي يفيدُ علّة “الدّعاء” أن يوفّر حديثهُ الكاذب المفضوح المميّز من شفتيهِ.
فالتّناقض الّذي لا تفسير له إلاّ أن التّفسير يبقى حبيس بطنِ الشاعرة .

⬅️ وبالانتقال إلى ناحية التصوير نلاحظ أنّ الشاعرَة حشدت عدداً لا بأس به من الصور الشعريّة لترفع بها من شأنِ قصيدتها طامحةً في زيادة جمالها الفنّي إذْ أنّها تتمثّلُ في الاستعارة المكنيّة التي حُذِفَ فيها المشبّه به وذُكِرَ شيءٌ من لوازِمهِ “النّاب” حيث شبّهت وصوّرت الحنين بالسّبع الذي ينهش بلا رحمة ورأْفه فمن شدّتهِ بطشِهِ تعودُ مُسرعة في الصّباح الباكر مُجْبره ومُكْرهه ومع هذا تطلب من العاشق الماكر أن لا يفتح يداهُ ، وممّا زاد من تقوية البيت تشابه البنى النّحوية ، والصّرفية” التّوازي” وأيضا تقنية الطّباق البلاغي.
في قولها : في الليل🖍
:في الصّباح🖍
فالتّشابة في المعنى هو سر تشابة المبنى في البيت الشعري.

◀️استنتاجات◀️
⬅️ لغة القصيدة اتّسمت بالجرس العالي والرّصانة ومتانة التّركيب ، وهي لغةٌ إلى حدٍّ كبير تشابه لُغة القدماء وأن لم تصرّع ولم تقف على الأطلال و تبكي الديار .

⬅️ نجزم أنّ الصور الشعريّة هي في غالبها مستقاة من الذاكرة الشعريّة التي عبّها من صنواف الشعر العربي القديم وأيضا مايخالج الشاعر تبعاً للدّفقة الشعوريّة دون أن يُلغي بذلك من ذاتيّتها .

⬅️ هيمنت الأصوات المجهورة على الأصوات المهموسة في متن القصيدة وحضيت بقصب السبق حيث جاءت حافلة بتوظيف المشاعر الممتدّة والأحاسيس العميقة ، فقد ساهمت بشكل كبير في إيصال مكنونات الشاعرة الداخلية للمتلقي .

 

⬅️ وظّفت الشاعرة تقنيات صوتيّة عدّة أضفت على القصيدة إيقاعاً خاصّاً يزيدُ من قوّة الوقع والتأثير كتقنية ( التكرار ، رد العجز على الصدر ، التنغيم ، التوازي ، الطباق )

 

 

بقلم : محمد الحامد

 

 

نشر الموضوع :
أحصل على كتاب تمارين التقسيم الصوتي

عن anhaar asdsad

إترك تعليقك

كن أول من يعلّق هنا !

Notify of
avatar
‫wpDiscuz