الإصدارات الأدبية

كتاب «رأيتُ ذات فيلم» للقاسمي … بين النقد المفرط في قراءة تقنيات الصورة و بين القراءة التي تعطي للبساطة معناها ..

نشر الموضوع :

 

أنهآر – بنا :

 

في كتابه «رأيتُ ذات فيلم» الصادر عن (هيئة البحرين للثقافة والآثار)، يضعك الكاتب والصحافي البحريني محمد القاسمي، أمام نخبة من الأفلام التي انتقاها بعناية فائقة لتمثل أفضل مشاهداته السينمائية. وهنا سنقف عند المسافة الفارقة فيما بين اللغة النقدية السينمائية و بين القراءة الإنطباعية التي تقوم على براعة الأسلوب و جودة الذائقة، ليكون مضمون الكتاب بين بين، مغلباً القراءة الأنطباعية كي يكون المتلقي قريباً في فهمة للفيلم.
فــ «الأفلام التي نشاهدها تشكل لنا الطريقة التي ننظر بها للعالم من حولنا ومكاننا في هذا العالم» هكذا قدم القاسمي لكتابه، مرجعا ذلك للأثر الذي يمكن للسينما أن تتركه في حياة البشر، إنها أشبه بكتاب مصور يضع كل تفاصيل الحكاية أمامك، تعيشها كما لو أنك جزء منها، هنا فقط يكون للإنطباع معنى مجاوز لصرامة الأسلوب النقدي الذي يوغل في التعقيد و يكون أشبه بآلة تحدث عطب في الكثير من الجوانب الجميلة في الفيلم، الفيلم تقنية رفيعه لكنه عاطفة أيضاً، وهنا يشير أسلوب القاسمي بما يشي بأن هناك خيط رفيع يفصل فيما بين النقد الذي يفرط في مطاردة البنية التشريحية التي يقوم عليها الفيلم، وبين القراءة التي تعطي للمتلقي ذلك المعنى المعقد و البسيط في آن معاً.
هنا سنقف عند قراءة القاسمي لفيلم يمكن أن يصنف من بين روائع ما أنتجته السينما «الحفلة الموسيقية/TheConcert » فيلم من إنتاج فرنسي روسي مشترك، وقد ترشّح لنيل جائزة الغولدن غلوب لأفضل فيلم أجنبي بعام 2009. بدأ الفيلم بمقدّمة هزلية إلى أن تحوّلت شيئاً فشيئاً إلا ذروة موسيقية تمحي تلك الهزلية في موجة من الدموع الصادقة.
فيلم يتكأ على المزج بين إيقاعات العاطفة الإنسانية و سحر موسيقى تشايكوفسكي. فيلم «الحفلة الموسيقية/TheConcert » كما يصفه القاسمي بالفيلم الجميل، يتلاعب بنا بشكل غريب، حيث يغرقنا بالعاطفة المفرطة، والسخرية أحياناً، ولكننا نستمتع بكل لحظة نقضيها في مشاهدته. قائد الأوركسترا يقوم بانتزاع كل قطرة من العاطفة من خلال معزوفة موسيقية، وهذا تماماً ما قام به المخرج الروماني المبدع “رادو ميهيلينو” في هذا الفيلم.
شارك “ميهيلينو” أيضاً في كتابة النص السينمائي – يكتب القاسمي – مع الكاتِبَيْن “إلين ميشيل بلان” و”ماثيو روبنز”، والذي تم اقتباسه من قصة كتبها كُلُّ من “هيكتور كابيلو رييس” و”تييري ديغاندي”. استطاع المخرج أن يجعل المشاهدين يضحكون ويبكون في نفس الوقت من غير أن يشعرهم بغرابة ذلك، فقد قام بعمل رائع ويعود السبب لحماسته الشديدة للقصة والتحضير لها منذ مدة طويلة.
منتقلاً بعدها للحديث عن أحداث الفيلم وإنها تدور حول رجل يدعى “أندري فيلبوف” والذي يعمل بوّاباً بِدار أوركسترا البولشوي في موسكو، ولكن قبل 30 عاماً كان هو قائد تلك الأوركسترا. انهارت حياته المهنية، بل حياته كلها، حين قام الحزب الشيوعي بالقضاء على أعظم لحظة عاشها وهو يقود الأوركسترا، حيث اقتحموا الحفلة في أثناء عرض كونشيرتو الكمان لـ “تشايكوفسكي”. كل كذلك حدث لأنّ “أندري” قام بتوظيف موسيقيين يهود ورفض بعد ذلك فصلهم عن العمل.
يصل خطاب عن طريق الفاكس من باريس ويعرض فرصة ثمينة، حيث تضطر فرقة لوس أنجلوس الموسيقية لإلغاء حفلها الموسيقي بسبب بعض الظروف. أسئلة كثيرة ترد الآن في ذهن “أندري” ومنها: “هل يمكن لأوركسترا البولشوي أن تكون بديلة للحفل الملغي؟” لماذا لا يُعاد لم شمل أعضاء الفرقة القديمة من جديد وأن يكون هو القائد؟ لابد من تقديم كونشيرتو “تشايكوفسكي” نفسها مرّة أخرى، ولكن الأمر المختلف الآن هو أنّه يجب أن تنضم عازفة الكمان الفرنسية “آن ماري جاك” إلى الفرقة وأن تكون هي العازفة المنفردة، على الرغم من أنها لم تعزف لـ “تشايكوفسكي” من قبل. “أندري” وصديقه المقرّب “ساشا”، الذي كان عازف تشيلّو وتحوّل إلى سائق سيارة إسعاف، يقومان معاً بلَمِّ شمل أعضاء الفرقة بأسرع وقت ممكن.
الوقت قصير جداً ولا يسمح بالإستعدادات اللازمة للحفلة، فحيث يتوجّب على أعضاء الفرقة أن يعودوا إلى فرنسا حالاً والقيام بالتدريبات للعرض. كبير الشيوعيين “إيفان غابريلوف” الذي كان السبب فيما تعرّض له “أندري” وفرقته، يشغل الآن منصب مدير البولشوي، ويحاول بشتّى الطرق أن يمنع بطلنا من تحقيق حلمه المحطّم.
الفيلم يأخذ الموسيقى على محمل الجد، فالفصل الأخير من الفيلم – العرض الموسيقي ذاته – هو عاطفي بشكل رهيب للغاية، إذ يربط خيوط الحبكة ببعضها ويجيب على جميع التساؤلات بتوغّله لذكريات الماضي. تلك اللحظات الأخيرة من الفيلم تقدّم أجمل تجربة قد يمر بها المشاهدون في فيلم سينمائي. إنّها حقاً تجربة عظيمة ونادرة.
الفنان الروسي “أليكسي غوسكوف” قام بأداء شخصية “أندري” بشكل مذهل، وشعرنا بروحه المحطّمة من خلال عينيه المليئتين بالألم، وحين تأتيه تلك الفرصة الذهبية تبدأ الروح باستعادة قوامها وتتوق للإنتقام عبر الموسيقى. النجمة الفرنسية “ميلاني لوغين” أضافت للفيلم لمسات جميلة بأدائها الساحر لشخصية “آن ماري”، وخصوصاً في الفصل الأخير، فقد عزفت على أوتار عواطفنا قبل أوتار الكمان. “ديميتري نازاروف” أبدع هو الآخر في أداء شخصية “ساشا”، ولا ننسى بقية النجوم الذين قدّموا أدوارهم بشكل رائع ومميّز.
كتاب أبرز أفلامه، فيلم “أماديوس” الذي يعتبر من أخطر التجارب التي قام بها صانع أفلام في تاريخ هوليوود، فقد قُدِّم بسخاء حول “موزارت” الفوضوي والبذيء،فيلم “حياة باي” للمخرج التايواني المبدع “أنغ لي” هو إنجاز مبهر في السرد القصصي والبراعة البصرية، والفيلم الفرنسي “الجوقة” هو فيلم رائع ومؤثّر، وقصّته البسيطة تتعمّق في مواضيع مهمّة وحسّاسة مثل إساءة استخدام القوّة والسُلطة، ونظرة الكبار الاستبدادية تجاه الأطفال وعدم الثقة بقدراتهم.

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق