أخبار عاجلة
الرئيسية / مجلة أنهآر الأدبية / المنوعات الأدبية / #سركون_بولص حامل الفانوس ..
أحصل على كتاب تمارين التقسيم الصوتي

#سركون_بولص حامل الفانوس ..

 

%d8%b3%d8%b1%d9%83%d9%88%d9%86-%d8%a8%d9%88%d9%84%d8%b5

 

نشر العدد 69 من مجلة “الكرمل” ثماني قصائد جديدة للشاعر العراقي سركون بولص. وإذ كانت العادة جرت ان ينشر الشاعر قصائده في ديوان لاحقاً، فالحال هنا مختلفة بالنسبة الى شاعر عرف عنه التريث الى حد العزوف أحيانا عن ضم القصائد او جمعها ونشرها في ديوان. ليس أدل على ذلك من ان الشاعر قد تريث حتى عام 1998 لينشر قصائده في كتاب عنوانه “اذا كنت نائماً في مركب نوح” (منشورات الجمل) الواردة في مجلات ودوريات مختلفة ما بين الفترة 1969 و .1982 يعد سركون بولص من أهم شعراء “الرعيل الثاني” لما يعرف بقصيدة النثر.

بعد أربعين عاما يكون السؤال مشروعا، والجرد مطلبا حيويا كي نرى الى أين وصلت هذه التجربة ذات الطموح في الشعر العربي الحديث من جهة، وما اذا كانت قد أرست قواعد ما، او أنظمة معينة من جهة أخرى؟ أم ان التجربة، في كلام آخر، الانقلاب الشعري الذي نهضت به مجلة “شعر”، لم تتبلور بما يكفي، واصطدمت حقا بجدار اللغة، على ما ذهب اليه يوسف الخال في افتتاحية العدد الأخير من المجلة نفسها. بالطبع غيّرت هذه التجربة في مفهوم الشعر ونجحت في خلق تيار عام، واستمرت في معزل عما ذهب اليه يوسف الخال، واذا نظرنا اليوم الى النتاج الشعري العربي نجد ان جله ينضوي تحت تسمية قصيدة النثر.

إذا، حدث الانقلاب الشعري وحصل التغيير في مفهوم الشعر في شكل لا يقبل الشك، بيد ان الثمن كان باهظا ليس اقله اختلال العلاقة بين القارئ والشاعر. اختلال أفضى الى عزوف عدد كبير من القراء وانصرافهم عن قراءة الشعر كبداية قاسية وامتحان حقيقي لهذه التجربة. رغم اختلال العلاقة هذا، قطعت قصيدة النثر أشواطا كبيرة، بل كرست أسماء كبيرة وقامات شعرية، في معزل نسبي عن القراء وعن النقد ايضا. ربما يمكن القول ان تجربة الشاعر سركون بولص تحمل في طياتها ما يلزم للنظر في أحوال قصيدة النثر، أولا، لأنها تجربة طويلة نسبيا، فبدايتها تتقاطع مع أوج الانقلاب الشعري الذي نهضت به مجلة “شعر”، وفي معزل عن التأثير القوي، والتنظير المحكم لأدونيس ويوسف الخال على وجه الخصوص. وثانيا لأنها استمرت ونضجت بعيدا عن التأثير القوي ذاته. فقد اختار سركون بولص الذهاب الى أميركا عام :1969 “أردت ان اعرف بحق من أنا وماذا اريد، ان أناقش كل شيء، ان ابتعد واكتشف وأعود بجواب. هكذا وجدت نفسي في أميركا. وتلك قصة أخرى”، على ما قال في “أعلام الأدب العربي المعاصر – سير وسير ذاتية”.
في المنفى إذا – إنْ جاز التعبير – طوّر بولص أدواته الشعرية، ولعل ديوانه “حامل الفانوس في ليل الذئاب” (منشورات الجمل) يفصح عن نضج في التحكم بما يسمّى الإيقاع الداخلي في قصيدة النثر، كما يفصح عن مقدرة كبيرة في تفجير مكامنها الموسيقية. ففي الديوان المذكور وضع الشاعر موضع التنفيذ فكرة مفادها التمازج بين البناء الفني للقصيدة وإيقاعها، وأوجد حلولا معقولة لتوليد الإيقاع والسيطرة عليه، من طريق التكرار المرهف أحيانا، وعبر افتتاح القصيدة بإيقاع أليف يوحي انها مكتوبة على وزن البحور الخليلية أحيانا أخرى. بيد انه سرعان ما ينفلت منها، ويختط لنفسه مساره الخاص وصوته الشخصي. هذا الصوت الشخصي هو في كلام آخر إيقاع شخصي، والإيقاع مرتبط بالوزن، فكيف يمكن ان نقول ان قصيدة النثر تتضمن إيقاعا ما، اذا كانت النظرية المحكمة التي شرعت قصيدة النثر قد استثنت الوزن بل نبذته؟
يبدو ان لدى سركون بولص أجوبة عن أكثر الأسئلة تعقيدا في خصوص قصيدة النثر، إذ ان مراسه في التجريب والتغريب، لم يتوقف عند الشكل، كأن تكون القصيدة مرسلة السطور، او تتضمن أرقاما وأشكالا توضيحية ان جاز التعبير (“دليل الى مدينة محاصرة” من ديوان “اذا كنت نائما في مركب نوح”). بل دأب على إدخال ما من شأنه ان يبلبل الذائقة الشعرية من اجل هدف واضح هو فتح لأشكال تعبيرية جديدة. فاقتراحه الأكثر سطوعا هو لانهائية التشكيلات والتعبيرات.
ان التداخل الزمني بين تجربتي قصيدة التفعيلة (نهاية الأربعينات) وقصيدة النثر (نهاية الخمسينات)، واستمرارهما معا منذ الخمسينات من القرن الماضي، قد حكم في شكل كبير واثّر في تطور اتجاهات الشعر العربي الحديث، فبعيدا عما كتب وقيل عن التناقض بينهما، يمكننا ان نتلمس اليوم نوعا من التقارب والتجاذب بينهما، بل يمكن ان نذهب ابعد من ذلك، حين ننظر الى ما نتج في المحصلة من هذا التلازم الزمني بينهما وكيف استفادت كل تجربة من الأخرى لتطوير ذاتها وتجاوز بعض من مآزقها، خصوصا في ما يتعلق بقصيدة التفعيلة التي كان لها السبق في الاستفادة مما طرحته قصيدة النثر بالنسبة الى صوت الفرد الهامشي، كمقاربة ذكية لما يسمّى الحداثة في الشعر.
إذ ليس خافيا ان التفعيلة قد طورت نفسها على أيدي أهم الشعراء العرب اليوم، وتجربة محمود درويش تحديدا في مقاربته قصيدة “السطر الشعري الطويل الذي يبدو كأنه يتحرك بالنثر” من ناحية، وقدرته المرهفة على اللعب على سياج “الداخلي” و”الخارجي” والمواربة بينهما لجهة الانتقال الخفي والذكي من صوت الفرد الى صوت الجماعة او بالعكس من ناحية أخرى، هي مثال ساطع على هذا التطور الخلاق. في المقابل نجد ان تجربة أدونيس بكل زخمها التنظيري لم تستطع ان تخرج من إطار التفعيلة رغم انها تحمل لواء قصيدة النثر كمدخل أساسي وحتمي للحداثة في الشعر العربي.
وسركون بولص لم ينبذ في شكل نهائي الوزن، وهو اعتبر في مقابلة مع “السفير” (عدد 8736 عام 2000) ان النثر في الحقيقة موزون، وهنا الطامة، كيف نجد الوزن الخبيء في النثر؟”.
في هذه المنطقة بالذات يلعب سركون بولص لعبته الآسرة، من حيث مقاربته الخاصة للبحور الشعرية من دون ان يغفل أبدا
تحيزه لصوت الفرد الهامشي والتغريبي الذي أرسته قصيدة النثر وكرسته. بل على العكس من ذلك، يلجأ الى مقاربة موضوعات كانت الى حد ما وقفاً على قصيدة التفعيلة، نقصد بها هنا، عكس الواقع السياسي العربي بكل ما يحمله من خيبات وانكسارات (أي الشعر الملتزم الذي هاجمه بعنف شعراء قصيدة النثر) من دون ان يلزم نفسه الابتعاد عن هذا الصوت الهامشي ذاته (قصيدة هولاكو، و”من يعرف القصة”). بل هو يدفع بالمغامرة الى أقصاها حين يلزم الصوت ذاته فائضاً من الحنين من دون إغراق في الرومانسية كما في قصيدته “كيس تراب”.
لا يسلس بولص القياد بسهولة، وان كان لا يزل يتبع التكتيك نفسه ببدء القصيدة على وزن البحور الشعرية في شكل موارب، فهو أضاف هذه المرة إدراج البحور في متن القصيدة بعد مقطع نثري ان جاز التعبير (قصيدة الجثة).
تبدو قصيدة “من يعرف القصة”، كأنها تختزل بكثافة مرهفة كل ما يمكن النثر التفعيلي، والتعبير للناقد صبحي حديد، ان يفعل كي تستجيب القصيدة أسئلة الحداثة الجدية المعلقة منذ زمن في ما يخص التجديد في المعنى والمبنى، لتكون كما يجب ان تكون منبثقة من أسس الشعر العربي، ضاربة في الأصول، غير متجاهلة ما في إيقاع البحور الشعرية من جماليات وإمكانات لا تنتهي، وغير بعيدة عن ارض الواقع. في معنى انها تعكس هذا الواقع بطريقة حداثية، وفي كلام آخر تجسّر الهوة الرهيبة بين القديم الذي يرن ويلمع مثل الذهب، والجديد بكل إبهاره وطاقاته الايحائية.
تنفرد قصيدة “نصف بيت” بلعبة آسرة يؤديها الشاعر حين يبدأها هكذا:
“نصف بيت/ لأبي تمام: “الا ترى/ الأرض غضبى، والحصى قلق”، وذلك قبل ان يتابع الركض وراء الشطر الثاني من القصيدة، ثم حين يسائل غياب القافية، تلك التي تمت معاداتها لوقت طويل، لنجده كيف يمتدح غيابها ويلاحق سرا إيقاعها، الذي يشبه الى حد كبير الضربة الموسيقية الأخيرة التي تقفل البيت الشعري وتسمح للمتلقي ان يستريح. غياب القافية اذاً هو الذي سيسمح للإيقاع ان يكون كما يبغي الشاعر “أشبه بالأنين، أشبه بدردمة خافية”.

ثم ينهي القصيدة ب:
“لا أهل لي وليس لي بلدٌ/ والأرض غضبى/ والحصى قلق”.
أي ان سركون اختار ان ينهي القصيدة بالوزن الواضح نفسه الذي بدأها به، على عكس ما صنعه في متنها حين اختار ان يخفف من إيقاعها ثم أعاده تدريجيا مستندا الى أواخر الكلمات كما نرى:
“كأنني استيقظت اليوم في بيتي/ وقد طار سقفي”.
في قصيدته “أنا الذي” (من البحر الكامل) يختار سركون بولص ان يلعب بأداة الوزن، فهو يدرجها بوضوح كمعطى للقياس في المعنى الحرفي للكلمة في سياق النص:

“بينهما صيحة الجنين على سن الرمح/ في يد أول جندي أعماه السكر/ يخسف باب البيت”.

بينهما مستفعلنٌ، او ربما متفاعلن.
“لا/ ليس بينهما سواي/ أنا الذي”.

لعل في خيارات الشاعر بالاقتراب هكذا من قصيدة التفعيلة ما يفتح المجال لمساءلة قصيدة النثر الى أين تتجه. يبدو انها تتجه الى ان تشارك هي ايضا باستنفاد ما في البحور العربية من إمكانات هائلة، إذ لا ريب ان النظر اليوم الى الوزن كأداة للإيقاع كف عن اعتباره مفرطاً بالموسيقى والطرب، بل يمكن القول ان البحور الخليلية تحمل اليوم ايضاً كل ما يلزم كي يكون الصوت خافتاً وهامساً بل مغرقا في التغريب اذا شاء الشاعر، وعاليا جهوريا اذا أراد. وله ان يقارب الموضوعات التي يريد بحرية ضمن القيود (كما درجت تسمية البحور الشعرية على يد شعراء قصيدة النثر) التي تفرضها هذه البحور. لا يملي الوزن اذاً صيغاً جاهزة على الموهبة، بل يهذب ويشجب الغليان العاطفي الذي تموج به الموهبة، هو لا يحد من خيارات الشاعر ولا يقيده بقدر ما يصقل الموهبة ويحتفي بالدأب كطريق وحيد للخلق. تقول سلمى الخضراء الجيوسي في كتابها القيّم Trends and Movements in Modern Arabic Poetry
“في شكل عام يبدو انه لا توجد دلائل لتفضيل وسط النثر بين الشعراء (فالجمهور هو اقل ميلاً لقبول هذا الشكل التعبيري) قبل ان تستنفد الإمكانات الهائلة للعديد من البحور العربية، بكل تنويعاتها، وفقط عندما يحدث هذا سيبدأ الشعراء بالبحث الملح عن اشكال تعبيرية أخرى”.
ويبدو كلامها دقيقا الى حد بعيد حين ننظر الى الاقتراحات الإيقاعية الجديدة في ما خص البحور الشعرية تأتينا من شاعر كبير في قصيدة النثر – مجازا هنا – لأن سركون بولص، في كلام آخر، يشتغل في هذه المنطقة الآسرة نفسها تلك التي تموج بين الوزن واللاوزن، تعطي قيصر ما له، وترسي نفسها بكل أناقة في قلب القارئ.

——-
النهار 2002

نشر الموضوع :

عن shoog

شاهد أيضاً

أحيا أمسية شعرية حاشدة في رابطة الأدباء , كريم العراقي : الكويت منارة ثقافية… وشعبها ينبض بالحب ..

  أنهآر  – متابعات   :   أحيا الشاعر العراقي كريم العراقي أمسية شعرية استثنائية مساء …

إترك تعليقك

كن أول من يعلّق هنا !

Notify of
avatar
‫wpDiscuz