المنوعات الأدبية

موراي ألفريدسون: شعري السياسي ليس ناجحا ..

نشر الموضوع :

 

009900000

 

 

يعتبر الشاعر الأسترالي موراي ألفريدسون من الرومانسيين الجدد، فهو يحاول إحياء العاطفة وتقديمها على العقل.
ولكن هذا لا يدفعه للتضحية بحساسيته نحو الواقع والإغراق في الخيال، بالعكس هو يروض جفوة الطبيعة والإنسان لحساسية رقيقة يعبر عنها بجمل وتراكيب تتألف من عدة كلمات، ومن صور بسيطة، ومن استعارات تامة، حيث يحل محل الفكرة المباشرة صور مباشرة أيضا من عالم النبات والحيوان وأحيانا من الأساطير والأمثال القديمة.
وباعتقادي إن عالمه الشعري موزع بين إعادة إحياء الأسطورة وإعادة تركيب الوعي النفسي بخبراتنا. وهذا فرض عليه أن يكون غنائيا يترنم بالجمال والتضحية واستاطيقا الشرف والإخلاص، وفي الوقت نفسه أن يكون حكائيا يروي السيرة الذاتية للشقاء من خلال السقوط في فراغ الحضارات، لذلك أعتقد أنه مع فكرة الشعر وليس مع الحساسية الشعرية.

ولو أردنا استعمال مفردات أدونيس، إنه لا يعكس مفهومنا في الشعرية بقدر ما يحمل رؤيتنا لإستاطيقا العقل الشعري، ولنا مثال في تجربة معروف الرصافي وبدوي الجبل وسواهما من الرواد، وبالأخص الذين يحولون الفكرة إلى خطاب أو إنشاد.
ومع أنه شاعر رومانسي وشاعر حضارات له اهتمامات سياسية مباشرة، ولا سيما في ما يخص الاعتداء على البيئة، ورصد معاناة الفلسطينيين، والثمن المرتفع الذي يدفعونه مقابل خطأ سياسي تورطت به أوروبا، وهو محنة إبادة اليهود في ألمانيا هتلر.

يعيش موراي ألفريدسون في أديلايد ويحمل إجازة في العلوم الإنسانية، وقد عمل محاضرا في جامعة فلانديرز، وموظفا في مكتبة الجامعة، وهو الآن متقاعد، وعضو هيئة تحرير مجلة «أشفاميغ» الأدبية التي تصدر في نيودلهي، وله مجموعتان شعريتان مطبوعتان هما «رحيق وأضواء»Nectar and Light ) ) و«الغيوم المتوهجة» The Gleaming Clouds) وكلاهما من منشورات إنتر آكتيف interactive press، عن اهتماماته الفنية وعن تفسيره لمشكلة الفلسطينيين واليهود كان لنا معه اللقاء التالي:

■ هل تعتقد أن النازية اعتدت على حياة المجتمع اليهودي، أم أن الموضوع مبالغ فيه كما يروج لذلك روجيه غارودي؟

□ نعم، لم أشك لحظة واحدة أن النازيين حاولوا مسح اليهود من أوروبا، بالدرجة نفسها من الإيمان أن الأستراليين الأبورجيين تعرضوا للعنف والإبادة والإقصاء على يد المستعمر الأوروبي، لقد عانى اليهود كثيرا، وقد عرفت في حياتي العادية بعض اليهود وكانوا من بين الذين هربوا من النازيين.

■ هل تتذكر شيئا عنهم وما هو مصيرهم في أستراليا؟

□ لا أعرف عنهم شيئا مهما، فقد افترقنا، ولكن بعضهم وصل لدرجة مرموقة، أحدهم، غيديون هيرشبيرغ، أصبح طبيبا، وطفل آخر كان أصغر مني بسنة، تحول إلى كاتب معروف، هو موريس لوري، آخر، غولدون غولدبيرغ، أصبح محاميا، وخدمنا معا في الكتيبة نفسها خلال خدمة العلم، وآخر مرة التقيت به كانت أمام معبد يهودي حيث شاركت بمراسم الاحتفال بالعام الجديد.

■ برأيك لماذا اهتمت الثقافة الغربية بمحرقة اليهود وغضت الطرف عن طرد الفلسطينيين من بيوتهم؟

□ ليس بوسعي تفسير التاريخ الثقافي، ولماذا يركز الأدب الغربي كثيرا على معاناة اليهود دون الفلسطينيين، يوجد تجاهل لمجموعات عرقية أصغر من اليهود بما لا يقاس، مع أنهم بالمثل استهدفهم النازيون حسب معلوماتي، ومنهم الشعب الروماني المعروف باسم الغجر، ولدي إحساس أن هؤلاء مع غيرهم تعرضوا للضرر والجرح العرقي نفسه، الذي حمل سمعته اليهود فقط، وربما نجم ذلك عن الشعور بالخطيئة المسيحية التي استمرت لحوالي 2000 عام من السلوك المعقد والمريض ضد اليهود.

■ قرأت فلسطينياتك الشعرية، وهي في معظم الحالات مباشرة ولا تؤكد على اللعب بالصور والخيال لو قارنتها مع القصائد غير السياسية، لماذا؟

□ نعم، لدي قصائد سياسية وغالبا لا أكتب القصائد السياسية، مع ذلك، أتوقع أن أزيد من مساحة السياسيات في حالة بعض القصائد التي أفكر بها لمناقشة مسائل لها علاقة بالمناخ وأمن الطبيعة. وأيضا نعم، في بعض الأوقات استعملت صورا يتنامى فيها الخيال من أجل تركيب رموز، ولا سيما في القصائد ذات الإيقاع، ولست متأكدا ما إذا كنت أهتم بالخيال والرموز والصور في قصائدي التي تتناول الواقع، فالخيال المباشر والاعتماد على الصور بحد ذاتها من غير محسنات بديعية وبلاغية ومن غير استعارة وكناية، تحتمل برأيي في هذه الحالة التعبير عن سلطة المعنى بلا وسائط، وكما قال شيللر: الشعر الانفعالي يعزل نفسه عن السطحية، بتعويم الفكرة ضد الطبيعة، عوضا عن وصف الطبيعة، وفي قصيدتي عن حماس لم أقر أن حماس تتصرف بحماقة (مع أنها لسبب أو آخر تفعل ذلك) ولكن لجأت إلى التكرار لأطرح السؤال الذي يقض مضجعي: هل هذا هو الجهاد؟ حسنا، بودي أن أقول إن الشعر المباشر يناسب مثل هذه الموضوعات ربما أكثر من الصوت العادي الغنائي (ولكن هذا ليس دائما)، هناك شعراء آخرون مثل أوين أو ييتس استفادوا من المدرسة الرمزية للكتابة شعريا عن الحرب.

■ والآن إلى تجربتك الشعرية، إلى القصائد التي تبدو لي مكثفة وعاطفية وأكثر تدفقا، ما هي رسالتك فيها؟

□ ربما لديك ملاحظة موفقة أن شعري السياسي ليس ناجحا مثل قصائدي الشخصية، هذه القصائد تبدو ذات خصوصية أعمق، وأشكرك على هذه الملاحظة، بعض قصائدي تستخدم الصور بطريقة ناعمة، وغالبا أحاول (بعكس القصائد السياسية) أن أقود صوري باتجاه الرموز، مثل هذه الأشعار، لديها مسافة ومفارقة خاصة بها، ويمكنها أن تكون ساخرة قليلا وبطريقتي، وغيرها يمكن أن تكون عاطفية، مثل المرثية الطويلة عن موت الأخوين التوأم، ولا سيما في حركتها الافتتاحية، ولدي قصائد مغرقة في العاطفة، مثل «قصيدة حب»، التي تستعير شعريتها من غوتة، وتستعمل الرمز التقليدي للنار في كل الفقرات تقريبا، وفيها أقول:
اللهب المستعر يغوص فينا، ويدور حول الفحم المتوهج: يبرق،
فننفصل
ثم نستلقي معا، وندمدم بكلمات دافئة،
ونربط القلب بالقلب،
الشعر والموسيقى، عذبا المذاق مثل احتراق البخور،
يتأرجحان مع الوقت
وتحملهما موجات النوم التي تهز أنفاس أربع رئات
تنتهي بقافية،
وأقول في «أغنية الأقراط»:
أنت زنزانة
وقيود
تمسكني،
مع ذلك أخبرها
كيف أنا أرتدي أقراطها بحرية،
وأنشد كم أنا سعيد
أنا سجينها،
لقد سمحت لعشقها
الذهبي أن يغمرني،

■ لننتقل إلى آلية الكتابة لديك، من أين تبدأ الفكرة وكيف؟

□ يمكنني القول إنها تبدأ من لامكان، وأحيانا تستغرق وقتا طويلا لتنضج قبل أن أبدأ في الكتابة؛ وأحيانا تنضج تقريبا فورا، وأيا كان الأمر أحتاج في العادة كي أبدأ، لزاوية أو ركن لتسهيل الاندماج بالذات وسهولة التعبير، وقصيدتي القصيرة عن ببغاء بتاج كبريتي اللون، جاءتني حينما واجهت سربا منه، غالبا كنت أصادف أسرابا صاخبة من هذه الطيور، وقد تبين لي أن عددا غفيرا من الناس يمقتونها لدرجة البغض، فعلى الطبيعة بطريقة ما أن تكون «هادئة» و»مريحة»، وقد ارتفعت أصوات غاضبة ضدها، وطالبت الإدارات المحلية بالتصرف، مع أنه لو فكرت بها هي لا تختلف عن الأطفال في باحة اللهو، من هذه الشرارة، التشابه والاستعارة، اجتمعت الخيوط في ذهني وكتبت القصيدة، وفيها أقول:
بعضهم يدعي أن الاسم
ليس من ريشات صفر مشرقة
يربونها مثل سادة مهذبين،
ولكن من مواد
تحترق بلهيب أزرق وحار ويذوب
بلون أسود ويسيل بتيار متماسك،
وفي أسراب بالمئات،
نعم، صراخها الثاقب
يحزم المساحات المفتوحة بالضوضاء،
وها أنا أقف
وأصيخ السمع لباحة المدرسة
أحاديث تدوي، وها أنا أبتسم في قلبي،
أما قصيدة «عن الآلهة والحقائق» فقد عدت أدراجي فيها إلى دين مات من ألوف السنوات، وتطور وتبدل على امتداد 3000 عام تقريبا، وتناولت فيها الإله آمون كمثال عن مصر القديمة، ثم انتقلت إلى ديني الخاص، وتنبؤات بوذا أن الداما سوف تتفكك وتختفي، وتزول لتلتحم مع الشريك الذي ينادي، واستعملت الغيوم التي تختفي في يوم صيفي حار كرمز لهذا التلاشي، قلت فيها:
احذر كي لا تقول عن الحقيقة إنها أبدية؛
في طبقات سماء الصيف تذوب الغيوم المتوهجة،
وتابعت وكتبت قصيدة أطول سميتها «غسق الآلهة»، ولم أتمثل فيها أساليب أوبرا فاغنر، ولكن ثلاثة رموز إلهية، رمز مصري هو أوزيريس وإيزيس، والإله الجرماني فودين (لفظه الإنكليزي بمعنى متخشب)، وكريستوس بانتوكرايتور الذي هو في الغرب على الأقل، وخلال حياتي حمل علامة تدل على الانحسار، إنها ثلاثية تتدفق على امتداد 5000 عام من تاريخ الإنسانية، ومن خلال التاريخ يمكننا ملاحظة مصير الحقيقة البشرية المحتوم.

____________
حوار: صالح الرزوق

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق