المنوعات الأدبية

#إتيل_عدنان : هناك تيمة الحب في كتاب الليل وتيمة الحب المستحيل في كتاب الموت ..

نشر الموضوع :

 

441

 

 

علي الرغم من أن إتيل عدنان تنشر نصوصها باللغتين الإنكليزية والفرنسية فحضورها في الحركية الشعرية العربية المعاصرة يفوق حضور الكثير من الذين يكتبون باللغة العربية. وقد كان لمترجميها المنخرطين في هذه الحركية تأثير علي هذا المستوي، هذا بالإضافة إلي معرفتها بلبنان منذ بدايات الحداثة الشعرية الأولي وعلاقات الصداقة التي جمعتها بشعراء كبار أمثال يوسف الخال وأدونيس.. إلخ. وإجمالا فهي تتوفر علي ركام شعري نوعي ومتميز يعكس تصورات بالغة العمق الإبداعي والإنساني، مثلما تمتلك نصوصا موازية حول الفن تسهم دورها في تعضيد هذه التصورات. وفيما يلي نص الحوار الذي كنا قد أجريناه معها في غضون المؤتمر الثاني والعشرين لاتحاد الكتاب العرب المنعقد بالجزائر العاصمة خلال أواخر العام الماضي.

* لنبدأ حوارنا بسر الكتابة لديك بلغة غير اللغة العربية؟

المسألة هي مسألة جيل بأكمله تربي في مدارس فرنسية ببيروت. وفي تلك الفترة كانوا يحاربون من يكتب بالعربية. وكانت الحجة، حجة النظام الفرنسي هي أن نتعلم الفرنسية، وفي هذا الصدد كان أول ما قرأته من شعر كان للشعراء الفرنسيين وفي مقدمتهم بودلير. .

* وما هي نصوصك الأولى التي أقدمت علي نشرها؟

نشرت ودون أن أتجاوز الخامسة والعشرين عمري كتاب البحر و كتاب الليل و كتاب الموت و كتاب النهاية. وفيما يتعلق بالكتاب الأول لا بأس من أن أشير إلي أنني كنت أسبح وعمري خمس سنوات، وبنات قليلات من كن يسبحن وقتذاك.

* وكيف يمكن لك أن تحدثينا عن فضاء بيروت في تلك الفترة؟

كانت عاصمة ثقافية وكانت تشهد غليانا في جميع المجالات. هذا بالإضافة إلي المهاجرين السياسيين الذين كانوا يفدون عليها من المشرق. وكان كل فريق لـه مقهاه، وقد ساهم غياب الهاتف في تعدد المقاهي والمطاعم مثل مطعم العجمي الذي كان يرتاده سامي الجندي مثلا. ومن الأسماء الأخرى كان يوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج وفؤاد رفقه وخليل حاوي وسركون بولص وفؤاد جبرائيل وجورج شحادة حتى وإن كان خارج المقاهي. كانت هناك حركة شعرية مهمة في بيروت. وكان من الشعراء من ينشر فيها من خارج لبنان: بلند الحيدري. ساهمت مجلة شعر حقا في الحركة الشعرية لأنها فتحت أبوابها للجميع ودونما استناد إلي أي نوع من الايديولوجيا، كانت شعر للشعر.

* وكيف توطدت علاقتك بهذا الغليان الشعري؟

ذات صيف في أمريكا حدث أن تم اللقاء مع يوسف الخال الذي كان يشجع الشعراء والفنانين وأحيانا يمنحهم الحال من جيبه. قال لي: ماذا تعملين في أمريكا؟ ابعثي لي بالشعر لكي أترجمه في مجلة شعر. وبعثت لـه به وترجمه. ومن هنا تعرفت إلي المجموعة.

* حين نتحدث عن إيتيل عدنان لابد من أن نتحدث عن التشكيل أيضا، كيف حصل هذا العناق بين الشعر والتشكيل؟

لا يخفي أن الفنانين كانت لهم علاقة مع الشعراء وكان يوسف الخال أول من فتح متحفا عصريا ببيروت سنة 1965 أو 1966 وكنت أنجز هذا العناق في دفاتر يابانية كان يجلبها الجنود الأمريكيون من اليابان بعد الحرب العالمية. وكان أول دفتر أنجزته مع بدر شاكر السياب وتضمن رسومات موازية ومتخللة لقصيدة أنشودة المطر. وبعد 1967 أنجزت دفترا كبيرا مع شعر السياب أيضا لكن هذه المرة حول ديوانه معبد الغريق الذي رأيته مناسبا لتصوير حال العرب بعد الهزيمة. وبعد ذلك أنجزت رسومات حول شعر يوسف الخال وأدونيس والبياتي وجورج شحادة (ترجمة أدونيس).

* وما هي الغاية من ذلك؟

جعل الرسومات تتخلل الخط ومن ثم خلق قراءة بصرية.

* وكيف تم تلقي أو استقبال هذا العمل؟

تعجب الشعراء والفنانون. فتحت لهم طريقا جديدا. كنت الأول في هذا المجال. وجاء بعدي شفيق عبود لكن علي صفحات وليس علي دفاتر يابانية.

* وكيف اهتديت إلي الفكرة؟

ما كنت قد شاهدته في متاحف كثيرة في الغرب وعلي رأسها متحف الشرق في أمريكا الذي كان يعرض لفنانين من اليابان والصين.. وكما أن ظهور فنانين آخرين ساهم في تطوير وتوسيع الدائرة مثل حسن شاكر سعيد ورافق الناصري وفائق حسن وكمال النوري… في العراق، ولا ينبغي أن نتغافل عن المغرب أيضا الذي ظهر فيه فنانون كذلك.. وإجمالا فأكبر رسام في العالم العربي في الستينيات والسبعينيات كان لا يمكن أن يكون إلا مغربيا أو عراقيا. الغزارة كانت في بيروت وبغداد.

* وعلى ذكر المغرب هل لك أن تحدثينا عن موقع ضمن الدائـرة سالفة الذكر؟

تعرفت على المليحي في الطائرة التي كانت تقلنا من بيروت إلي بغداد. وتعرفت أيضا على محمد القاسمي.
وللمناسبة فقد فارق الحياة مؤخرا.

(وهنا، استغربت إيتيل عدنان للحدث وعلقت) الموت كان في لوحاته.

* وعن الشعر والتشكيل؟

أنجزت رسومات حول قصيدة عن أم كلثوم لعبد اللطيف اللعبي بمجلة أنفاس. وكنت قد تعرفت عليه حين كنت في كاليفورنيا وجئت إلي المغرب رفقة صديقة وأستاذة جامعية أمريكية جاءت إلي المغرب من أجل إنجاز بحث وثائقي حول السردين. وحصل أن وجدت مجلة أنفاس تباع في الشارع وعلي الرصيف ولفت انتباهي الاسم الشهير غابريال بوفوم المتضمن فيها. وفي ضوء العنوان اهتديت إلي بيت اللعبي الذي كان في تلك الفترة في المستشفي رفقة زوجته التي كانت في قسم الولادات. فعلاقتي الثقافية والإنسانية تؤرخ لها ابنته. وفي تلك الليلة جاء إلي بيته الفنان الغرباوي وشاعر فرنسي لا أذكر اسمه الآن. وفيما بعد تكلمت عن اللعبي في بيروت وحصل أن نادي عليه مركز ثقافي من هناك. وفي عام 1967 نشر أدونيس بيان من أجل 5 حزيران وبعثوا إليَّ به بعد أن ترجموه إلي الفرنسية بجريدة L’orient وبعثت بالنص بالفرنسية من كاليفورنيا إلي اللعبي وقلت لـه أنشره بأنفاس. كانت تلك فترة سنوات الوحدة. أتصور أن اللقاءات الثقافية مهمة، وأن الثقافة مظهر أهم من السياسة وهي روح البلد.

* ولنعد الآن إلي البدايات الأولى لتجربتك الشعرية؟

حين كنت صغيرة في المدرسة ما بين ثماني وتسع سنوات كانوا يعطوننا كلمات ويطلبون من كتاب جملة وبدلا من أكتب جملة كنت أكتب فقرة وكنت فرحة. وفي مادة الإنشاء كانوا يتهمونني بأنني أنقل وبأن أسرتي هي ما تكتب لي.

* وبخصوص التيمات الكبرى المهيمنة داخل تجربتك الشعرية؟

هناك تيمة البحر في كتاب البحر وتيمة الحب في كتاب الليل وتيمة الحب المستحيل في كتاب الموت وتيمة تأمل المرارة في كتاب النهاية.

* وسؤال من شك في أنك غايرت هذا المنحي فيما بعد؟

بالفعل بعد التعرف علي عبد اللطيف اللعبي وبعد هزيمة 1967 كتبت نص يبوس Jebu نشر بمجلة مواقف . ويتعلق النص بقبيلة يابوسية داخل كنعان تقول إنها أسست القدس. كنت من بين الأوائل من النساء ممن يكتبن في السياسة، النساء المناضلات. ولقد أثارت هذه التجربة التي كتبتها بالإنجليزية ضجة. وقد قال لي خيري منصور إن القصيدة كانت ضوءا في أيامنا الصفراء.

* ومعني ذلك أن الشعر جزء من المقاومة؟

الشعر ليس تمرينا فنيا بل هو جزء من نضالنا الثقافي. وهناك طرق كثيرة للمقاومة. وقوة بلد في لغته وتاريخه وثقافته وليس في سلاحه وقنابله. وشرف العراق في السياب وجواد سليم…
وربما يقودنا نصك السابق إلى نصك الشهير حول يوم القيامة العربي الذي يحكي عن الحرب الأهلية في بيروت؟
نعم، بعد يابوس جاء كتاب يوم القيامة العربي الذي ترجمه شوقي عبد الأمير في كتاب ونزيه العزمي وإن لم يصدره في كتاب ويتحدث عن تل الزعتر من خلال 59 قصيدة موازية لـ 59 يوم مدة حصار تل الزعتر. ولقد باشرت الحرب حيث كنت بالبالكون وشاهدت القذائف التي تسقط مثل بطيخة علي رأس النمل. مات 20 ألفا من الفلسطينيين واللبنانيين. إنه نص حول الخراب. إننا لم نرتح منذ 1917 طوفان وقيامة.

* وكتاب مدن ونساء لا يندرج ضمن دائرة الشعر؟

كتاب مدن ونساء هو رسائل إلى فواز طرابلسي شخص مناضل ومعروف في لبنان. سألني أن أكتب مقالا عن النسائية العربية حتى ينشره في مجلته زوايا. قلت له لا أستطيع أن أكتب له بمعني واحد عن ملايين النساء. وقلت لـه إني ذاهبة إلي برشلونة لمعرض ليست لـه علاقة بالنساء العربيات. لا أملك إيديولوجية. أملك نظرة فقط. المجلة قفلت صفحاتها لكني أحببت الموضوع. وبعد برشلونة ما رحت أكتب.
رحت إلي Aixprovence الذي كان يعرض فيه بول سيزار. وشعر فكري أن أنجز مقارنة بين سيزار وبيكاسو بخصوص موضوع المرأة. لاحظت الفرق بينهما. النساء هم ما تفكر فيه. المرأة تخلق الرجل والرجل يخلق المرأة. لاحظت الفرق بين سيزار وبيكاسو، لاحظت أفكار كل واحد منهما بلوحاته. وبعد كتبت حول الموضوع في روما وأمستردام وجزيرة سكوبيدس باليونان وبرلين… وآخر ما كتبت في بيروت سنة 1990.
والكتاب مترجم إلي العربية وصدر عن دار النهار.

وبعد كتبت وبالإنكليزية كتابا عن باريس تحت عنوان عندما تكون باريس عارية، ولم يترجم إلا إلي الألمانية. ويعرض لما بيني وبين فرنسا، للمشكلة التاريخية المتمثلة في التمزق ما بين تاريخ الاستعمار الفرنسي وبين باريس كبلد ثقافي وجميل. كل بلد لـه وجهان: وجه حضاري ووجه عنيف. وقبل هذين الكتابين كتبت شعرا نشرته بأمريكا تحت عنوان لا فرس للهندي الأحمر.

وفي يوم فكرت أن لي حياة شخصية لأني دائما أكتب عن غيرها فكتبت شعرا اسمه شجرة الزيزفون وأخري. وقصة هذا الشعر أنني كنت بباريس وفي مسكني كانت حديقة فيها شجرتان (زيزفون) كانت أغصانها تعلو غرفتي فبدأت علاقة بيني وبين الشجرتين. بدأ حوار بيني وبينهما، حوار روحي وعقلي، فهم متبادل يفهمونني وأفهمهما. صارت ترجمة صوفية، صرنا نحكي ونترجم وحدة الوجود، بعد ذلك فهمت وحدة الوجود عند ابن عربي التي لا توجد إلا في الحب. أحسست بأن كل شيء لـه حياة. حياة الشجر والكأس.. مثل حياتنا.

ولعل هذا ما يدخل في نطاق الفينومينولوجيا حين تركز علي خروج الإنسان من ذاته إلي العالم عبر الأشياء.

نعم هذا ما يدخل في نطاق فينومينولوجيا الإدراك. وفكرة أخري أننا نحكي عن حقوق الإنسان وحقوق الحيوانات وحقوق النباتات وحقوق الطبيعة. وبأمريكا كتبت بيانا حول هذه الحقوق ووزعته بالمعرض السنوي للكتب بأمريكا.

وبعد نشرت شعر ممشى الزيزفون وبروق وهو استمرار لـ شجرة الزيزفون وأخري. وبعد سنوات قليلة وفي أثناء حصار بيروت مرضت لشهور. وذات يوم تحسنت أحوالي الصحية ورحت إلي الشباك وكان كل ذلك بكاليفورنيا. شاهدت الحديقة من الشباك مثل أعمي أخذ فجأة يلاحظ الضوء. لاحظت تشكيلات أزهار تلمع وأحسست حياة هذه الأزهار فكتبت شعرا اسمه ربيع الأزهار. وفي يوم كذلك كتبت شعرا اسمه تجليات السفر فكرت فيه في معراج المعري ودانتي إلي السماوات. فكرت في معراج عكسي من القمر إلي الأرض لأن الإنسان هجر الأرض (رمزيا). فتحنا محيطا جديدا هو الفضاء. وهذه العناوين شجرة الزيزفون وممشى الزيزفون وبروق و ربيع الأزهار و تجليات السفر صدرت كلها في ترجمة عربية في كتاب تحت عنوان قصائد الزيزفون ترجمه فايز ملص وصدر عن دار النهار ببيروت.

ونشرت كتابا آخر اسمه هناك نشرته بأمريكا وترجمه سركون بولص وصدر عن دار الجمل بألمانيا، ويعالج مسألة الآخر. ونشرت كتابا صغيرا تحت عنوان سهاد in somia غير مترجم إلي العربية، وفيه تجريب مع اللغة. ومؤخرا كتبت قصيدة جنين وترجمت إلي العربية والألمانية والإيطالية واليونانية. وأخيرا كتبت قصائد رسائل إلي مايكوفسكي ترجمه إلي العربية فواز طرابلسي ونشره بملحق جريدة النهار.

* وإذا سمحت كيف لك أن تحدثينا عن كتابك حول الصناعة التقليدية بالمغرب ؟

في عام 1976 جئت إلي المغرب من أجل معرض للوحاتي في الرباط وحصل أن أحببت الصناعة التقليدية بالمغرب. لا أحب الفصل بين الصناعة التقليدية والفن، الصناعة التقليدية الكبيرة طبعا. وفكرت في دار نشر بباريس متخصصة في الصناعة التقليدية كنت قد تعرفت عليها صدفة. وبعد نقاش معها اقترحت عليَّ أن تبعثني إلي المغرب. وبعد اتفاق معها بواسطة عقد قضيت ستة أشهر زرت خلالها مدنا مغربية كثيرة. المغرب بلد غني بالصناعة التقليدية وحافظوا عليها. اليابان حافظ كذلك علي الصناعة التقليدية وفي الوقت نفسه ظل عصريا. اليابانيون لم يفرطوا في الماضي، نجحوا في المحافظة علي الماضي وظلوا معاصرين. نحن مستلبون من قبل الغرب. الصين واليابان وكوريا.. حافظوا علي التراث وهم حداثيون مثل البلدان الغربية. التراث مثل الذاكرة والبلد الذي نسي تراثه مثل إنسان فقد ذاكرته.

* وإذا سمحت بأن نفارق موضوع الشعر والفن وبالتالي نلج موضوع الدين فما هو موقفك من الدين وتوظيفه الحاصل في ظل دعاوى الاستئصال والمصادرة ؟

الدين مسألة شخصية. الدين رسالة سلم. والمشكلة أن الناس تستعمل الدين من أجل أغراض غير دينية وضد روح الدين. مؤكد أن هناك الفقر والمجاعة والظلم واللامساواة مما يدفع الأشخاص إلي التعصب، لكن هناك أشخاص أغنياء يمكنهم أن يكونوا متعصبين. وأتصور أن الماركسية أرادت استئصال الدين لكنها عجزت بل جعلته أقوي.

* وأين يكمن الجواب في نظرك ؟

أن نعمل من أجل تحقيق مجتمعات مفتوحة حيث الحوار الممكن من أجل تهدئة الناس المتعارضين. والقمع باسم الإسلام أو ضده ليس جوابا. أتمني أن يكون هناك مؤمنون كثيرون ومتعصبون قليلون، لأن هناك قليلا من المؤمنين وكثرة من المتعصبين، وذلك من أجل فهم المعني العميق للدين واقتلاع التعصب.
________
يحيي بن الوليد(المغرب)
القدس العربي 2004

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق