المقالات الأدبية

” أباريق مهشمة” والطريق إلى الشعر العربي الحديث / كتب : سامي مهدي من العراق ..

نشر الموضوع :

pic12.1

 

 

ثمة أعمال أدبية تكتسب ، لسبب أو لآخر ، قيمة تاريخية إضافة إلى قيمتها الفنية ، ومن هذه الأعمال ديوان ‘ أباريق مهشمة ‘ للشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي . وقد كتبت هذه الدراسة لمناسبة مرور نصف قرن على صدور هذا الديوان ، وكان الهدف الرئيس من كتابتها إيضاح هذه الحقيقة .

صدرت الطبعة الأولى من ديوان الشاعر عبد الوهاب البياتي ( 1926 _ 1999 ) الموسوم ‘ أباريق مهشمة ‘ ضمن ‘ منشورات الثقافة الجديدة ‘ في بغداد مطلع عام 1954. وكان هذا هو ديوانه الثاني . أما ديوانه الأول ‘ ملائكة وشياطين ‘ فقد صدر عن ‘ دار الكشاف ‘ في بيروت عام 1950 .

وبرغم أن القصائد الأولى التي كتبت بالشعر الحر ، وعُدّت بداية لحركة شعرية جديدة قد كتبت عام 1947 ، فإن ديوان ‘ ملائكة وشياطين ‘ جاء خلواً من هذا النمط الشعري الجديد ، باستثناء محاولة واحدة بسيطة وضعيفة نجدها في قصيدة ‘ لقاء ‘ من هذا الديوان . وبذلك لم يخض البياتي حلبة المنافسة الشخصية التي خاضها كل من بدر شاكر السياب ونازك الملائكة ، حول من بدأ كتابة الشعر الحر قبل زميله . فلم يكن للبياتي في ذلك ما يدعيه . ولكنه خاض والسياب منافسة’شخصية من نوع آخر ، دار موضوعها حول من منهما أعلى فناً من زميله ، ومن منهما أصوب في مفهومه للواقعية وأقدر على تجسيدها في شعره . وبرغم أن هذه المنافسة بدت ، في الظاهر ، منافسة فنية ، اتخذت ، على صعيد الواقع ، طابعاً سياسياً صاخباً ، وكأنها جزء من الصراع بين القوميين والشيوعيين ، فصار لكل منهما فريق من الأنصار والمروجين على هذا الأساس .(1)

لاتهمنا هنا هذه الحزازات’الشخصية العقيمة ، ولا التهم المزجاة من جرائها ، بل تهمنا ظروف كتابة قصائد ديوان ‘ أباريق مهشمة ‘ ونشرها ، فقد كان لهذه الظروف تأثير مباشر في شاعرها ، البياتي ، وفيها ، ونعني بهذه الظروف الوضع السياسي الذي كان يسود العراق في حينه وانعكاساته على المناخ الأدبي ، ولهذا لابد لنا هنا من لمحة تاريخية لاستطلاع الوضع .

ظروف تاريخية ومناخ أدبي :

اتسمت المرحلة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 حتى عام 1958 في العراق بتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية عميقة . فعلى المستوى الاقتصادي كان النظام شبه الإقطاعي يؤول إلى التفسخ والانحلال . وكان الريف في تخلف مريع ، والفلاحون الفقراء في هجرة مستمرة إلى المدن هرباً من جور الإقطاع . وكانت الشرائح البرجوازية والعمالية في المدن تنمو وتتقدم ، في حين بدأ المجتمع يتخلص من وطأة الظروف المعيشية القاسية التي سادت في أثناء الحرب العالمية الثانية ، ويشهد تغيراً عميقاً في تطلعاته وعاداته .
وفي الوقت نفسه اتسع نطاق التعليم ونمت قاعدته ، وكثر عدد المبعوثين للدراسة في الخارج والعائدين بشهاداتهم العالية ومعارفهم الجديدة ، وتعالت الأصوات المطالبة بتأسيس جامعة عراقية ، وأخذت السوق العراقية تستقبل أعداداً متزايدة من الكتب والصحف والمجلات العربية والأجنبية ، واتسع نطاق السفر إلى خارج العراق والاحتكاك بالعالم الخارجي ، وكان لكل ذلك تأثيره المباشر على الأفكار والاتجاهات والرغبات والميول داخل البلاد .
وقد تميزت هذه المرحلة بنضال وطني محتدم تفجرت خلاله انتفاضات ومظاهرات وإضرابات واحتجاجات في شتى المناسبات ، وكان إلغاء معاهدة 1930 المعقودة مع بريطانيا ، والمطالبة بالحريات الديمقراطية ، وتعديل قانون الانتخابات ، وتحسين الظروف المعيشية للشعب ، ومناهضة الأحلاف العسكرية ، والدفاع عن عروبة فلسطين ، والدعوة للوحدة العربية من أهم شعاراته .

غير أن هذا النضال مر بحالات من المد والجزر ، والشد والإرخاء ، فكان يتصاعد ويفرض إرادة الشعب على السلطة حيناً ، ويتراجع أمام شدة القمع والبطش فتفرض السلطة إرادتها على الشعب حينا آخر ، وهكذا حتى قيام 14 ثورة تموز عام 1958 .(2)

وفي ظل هذه الظروف الملبدة لم يكن في مستطاع النخبة العراقية المثقفة ، وفي طليعتها الأدباء والفنانون ، أن تكون بمنأى عما كان المجتمع يشهده من مخاضات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية عسيرة . فقد وجد هؤلاء أنفسهم في خضمّها شاؤوا أم أبوا ، ولذا نشطت الدعوة إلى أدب يخدم المجتمع ويلعب دوراً مباشراً في النضال الوطني من أجل التحرر السياسي والتقدم الاقتصادي والاجتماعي ، وينحاز إلى الشعب وقضاياه ويدافع عنها وفي مقدمتها : التحرر من نفوذ الاستعمار وإرساء دعائم ديموقراطية حقيقية والعدالة الاجتماعية . وتبنت هذه الدعوة أحزاب سياسية ، وصحف ، ومجلات ثقافية وبشرت بها بقوة وسعة . فشنت حملات منظمة وصاخبة على الأدب الذي لا ينطوي على معنى من هذه المعاني ، ونددت به ، وأطلقت عليه العديد من الصفات السلبية مثل ‘ أدب الفن للفن ‘ و ‘ أدب الأبراج العاجية ‘ و ‘ الأدب الانطوائي ‘ و ‘ الأدب الانهزامي ‘ و ‘ أدب العواطف الرخيصة ‘ وغير ذلك . ووصفت هذا الأدب بالسلبية ، والنرجسية ، والميوعة ، والهرب من مواجهة الواقع ، والتنكر للشعب وقضاياه . وظهرت إلى جانب ذلك مفاهيم جديدة مثل ‘ الواقعية ‘ و ‘ الالتزام ‘ وحلت محل مفاهيم أقدم منها كانت تدعو إلى أدب يخدم الحياة . وشنت حملات قاسية على ‘ الأدب الرومانسي ‘ و ‘ الأدب الوجودي ‘ وأصابت شظايا هذه الحملة شعراء مثل : نازك الملائكة ، وبلند الحيدري ، وصفاء الحيدري ، وعبد الرزاق رشيد الناصري ، وقصاصين مثل : نزار سليم ومحمد روزنامجي وجبرا إبراهيم جبرا ، ونقاداً مثل : نهاد التكرلي ، ورسامين مثل : جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد ، وغيرهم . حتى اضطر بعض هؤلاء ، وآخرون من أمثالهم ، إلى ما يشبه الامتناع عن النشر في الصحف والمجلات العراقية ، والبحث عن منابر للنشر خارج العراق ، خاصة في لبنان مثل : مجلة المكشوف ومجلة الأديب ومجلة الآداب . بل أن بعضهم آثر الانسحاب والتواري وراء جدران الصمت والعزلة عن الحياة الأدبية .(3) وللشاعر حسين مردان قول معبر في هذا الشأن . فهو يشير في مقالة له بشكل عارض إلى انسحاب بعض الأدباء فيقول ‘ مما لاشك فيه أن الوعي الوطني المتصاعد قد بدأ يدفع الحركة الأدبية إلى الأمام بقوة وعنف ، فانزوى كل من لم يجد في نفسه القدرة على التطور ، واختفى الأدباء الذين لا يحملون عقيدة’معينة ولا يستندون في كتاباتهم على نظرية واضحة ، فخلا الميدان الأدبي تقريباً من العناصر الضعيفة التي كانت تتخذ من الشعر والأدب وسيلة للوصول إلى هدف معين أو غاية معينة ‘ .(4)

وإذا كانت الدعوة إلى أدب ذي صلة بالواقع السياسي والاجتماعي قد بدأت تتجدد خلال النصف الثاني من عقد الأربعينيات من دون مفهوم واضح ، فإن الدعوة إلى ‘ الأدب الواقعي ‘ قد ظهرت واشتدت خلال الأعوام 1952- 1954 وأخذت مفاهيم هذا الأدب وأهدافه تصبح أكثر وضوحاً ، خاصة بعد أن نشر الدكتور صلاح خالص مقالة مهمة عما سماه ‘ المدرسة الواقعية في الأدب والفن ‘ في مجلة ‘ الثقافة الجديدة ‘ .(5) غير أن دعاة الأدب الواقعي لم يكونوا من اتجاه سياسي واحد ، بل كانوا من مختلف الاتجاهات السياسية ، ومنهم من كانوا وطنيين مستقلين . والصحف والمجلات التي تبنت الدعوة إلى هذا الأدب كانت صحفاً حزبية ومستقلة مثل جريدة ‘ صدى الأهالي ‘ ومجلة’ الثقافة الجديدة ‘ ومجلة ‘ الأسبوع ‘ وغيرها ، حتى أصبحت ‘ الواقعية في الأدب والفن ‘ مذهباً عاماً لغالبية الأدباء العظمى ، كل حسب فهمه لهذا المذهب ، وصار الأديب يفخر إذا ما وصف أدبه بالواقعية ، بل صار بعضهم ينافس بعضاً حول من هو أصدق واقعية من زميله وأقدر على تجسيد الواقع في أدبه ، كما حدث بين البياتي’وبدر شاكر السياب مثلاً .(6)

ولابد من القول هنا أن هذه الدعوة اتسمت بالحماسة العاطفية والسطحية ، واقترن بعضها بضيق الأفق واصطبغ بصبغة أيديولوجية جامدة كانت تكبح كل صوت متفتح يدعو إلى احترام حرية الإبداع ويطالب بالتمسك بالقيم والاعتبارات الفنية . وهكذا ضاعت الأصوات القليلة الواعية في خضم التيار الجارف الداعي إلى تسييس الأدب وأدلجته . فلم يجد صوت متزن كصوت الناقد نهاد التكرلي غير’الإعراض والتنديد . ففي الوقت الذي كان فيه هذا الناقد ينبه إلى ‘ أن الفن خلق وحرية قبل كل شيء ‘ ويرفض أن يكون ‘ مجرد تسجيل للحوادث الواقعية ‘ ، وفي الوقت الذي كان ينعي فيه على الفنان أن ‘ يقدم لنا تقارير عن الواقع يطبل لها أتباعه على أنها أدب واقعي ‘(7) كانت نبرة الخطاب السياسي تعلو من حوله وتشتد حتى تطغى على صوته وتدفعه إلى الانسحاب إلى مجلة ‘ الأديب ‘ اللبنانية . أما نازك الملائكة التي نبهت بهدوء إلى مخاطر الدعوة إلى ‘ اجتماعية الشعر ‘ و ‘ نبرتها العصبية ‘ التي طغت على الصحافة (8) فقد وجدت من يتصدى لها بعنف وتحامل ، ويحاول تسفيه رأيها بخطاب سياسي قمعي وعالي النبرة ومستوى سقيم من الوعي الفني .(9) وما لم نقرأ صحافة تلك المرحلة قراءة فاحصة ، يصعب علينا اليوم أن نتخيل كيف كان المناخ الأدبي ملبداً بالسياسة ،’وكم كان صعباًً على الأديب المتحزب والمستقل ألاّ يكون واقعياً كما يريد الآخرون . فقد كانت تهم ‘ الذاتية ‘ و ‘ الانطوائية ‘ و’ الانهزامية ‘ وربما ‘ خيانة قضايا الشعب ‘ جاهزة في انتظاره . ومن يقرأ مقالات القاص عبد الملك نوري عن قصص نزار سليم (10) ، وتعقيب حبيب محمد كريم على مقالة نازك الملائكة ‘ الشعر والمجتمع ‘(11) ومقالة الفنان محمود صبري عن معرضي الفنانين جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد(12) ، وقصة عبد الرزاق الشيخ علي ‘ شاعر العصر ‘ عن حسين مردان(13) ، نقول : إن من يقرأ هذه المقالات التي كتبها أدباء وفنانون ونالوا فيها من زملائهم ، لابد له أن يجد فيها نوعاً من الإرهاب الفكري ونمطاً خاصاً من أنماط ‘ المكارثية الأدبية ‘ لما فيها من عنف الهجوم وعدوانية النغمات وجاهزية التهم .
ولكن لابد من القول : إن هذه الدعوة’، وإن أضرت بالأدب وحولته من حقله الخاص إلى حقل السياسة وجعلته أداة من أدواتها وسمحت بمرور سيول من النتاجات الشعرية والقصصية الضعيفة والرديئة ، كانت تخدم ، في حينه ، عملية التحول في المجتمع ، بما فيه التحول من الرومانسية الآفلة إلى الواقعية ، فقد كان المجتمع يعاني مخاضات صعبة ، وينتظر ولادة جديدة ، وكان التغيير السياسي هو العامل الحاسم في هذه الولادة ، حتى بدا تسييس الأدب والفن وتجنيد الأدباء والفنانين ضرورة من الضرورات التاريخية ، وحتى صار الأديب نفسه ، والشاعر خاصة ، يشعر بأن تخلفه عن الركب السياسي ضرباً من ضروب التقصير بحق الوطن والشعب ، وصار المتعصبون يعدون ذلك خيانة أو ما يشبه الخيانة للضمير الوطني . ويقول الشاعر الباحث يوسف الصائغ عن وضع الشعر في تلك الحقبة ‘ أصبح الشعر أكثر من أي وقت مضى يحمل رسالة . وأصبح كثير من الشعراء يؤمنون أن خيانة هذه الرسالة خيانة للكلمة وللشعب ، حتى لقد كان من بين هؤلاء الشعراء من يأنف نشر أو كتابة قصيدة غزلية . ويمكن للباحث أن يتحرى مصداق هذا في طبيعة القصائد التي أنتجها الشعراء خلال هذه الأعوام ( … ) ويمكن أن نشير في هذا المجال إلى أكثر قصائد السياب والبياتي وكاظم جواد ورشيد ياسين وعبد الرزاق عبد الواحد وسعدي يوسف وسواهم . ‘(14)

وهكذا كانت غالبية الأدباء ملتحمة بالركب السياسي ، أو على صلة وثيقة به ، بمن فيهم بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي . فقد كان السياب عضواً في الحزب الشيوعي العراقي ، وحين قطع صلته بهذا الحزب لم يكن في وسعه النأي عن الحياة السياسية ، فاتصل بالأدباء القوميين وصار ينشر في مجلة ‘ الآداب ‘ المعروفة بميولها القومية ، وحافظ على هذه الصلة حتى اجتذبته جماعة مجلة ‘ شعر ‘ اللبنانية إليها . أما البياتي فقد كان يعد من القوميين ، وكانت له صلة بإحدى المنظمات القومية الصغيرة ، وظل قومياً حتى احتواه الشيوعيون عام 1953 ، وعينوه محرراً أدبياً في مجلة ‘ الثقافة الجديدة ‘ التي أصدروها في تشرين الثاني من ذلك العام ، ووعدوه بطبع ديوانه ‘ أباريق مهشمة ‘ وبروا بوعدهم في حينه ، وإن فرضوا عليه أحد الشروط .(15) ولذلك تعرض عدد من الأدباء ، ومنهم السياب والبياتي ، إلى الفصل من وظائفهم الرسمية ، وطوردوا ، وأودعوا في السجون والمعتقلات ، واضطر عدد منهم إلى الفرار خارج العراق .

خلاصة ما أردنا من هذا الاستعراض التاريخي بسط حقيقة ثابتة هي أن الأدباء ، والشعراء خاصة ، لم يكن في مستطاعهم أن ينأوا بأنفسهم وبأدبهم عن عالم السياسة في تلك الظروف الكفاحية الملبدة التي كانت تنتظم الوطن العربي ، ومنه العراق . وليس من حقنا أن نلومهم اليوم ، أو ننتقص من أعمالهم’الأدبية ، بسبب طغيان السياسة والآيديولوجيا عليها .

يقول السياب في رسالة كتبها إلى الدكتور سهيل إدريس بتاريخ 5/5/1954 ‘ إن الوضع الأدبي والسياسي في العراق يختلف كل الاختلاف عما هو عليه في بقية أجزاء الوطن العربي . فالسياسة والأدب عندنا ممتزجان بشكل يتعذر الفصل بينهما ‘.(16) والواقع أن الاختلاف بين الأقطار العربية في هذا الأمر كان نسبياً ، وانخراط الأدباء في العمل السياسي كان ظاهرة عامة في جميعها . والدعوة إلى الواقعية والالتزام في الأدب كانت شاملة ، وكانت تتصاعد في مصر وسورية ولبنان والأردن وغيرها من الأقطار . وقد أسهم في هذه الدعوة نقاد وكتاب عديدون ، وتبنتها صحف يومية ومجلات ثقافية مهمة و عديدة ، حزبية ومستقلة ، مثل : جريدتي الجمهورية والمساء في مصر ، والثقافة الجديدة والأهالي والأسبوع في العراق ، والطريق والثقافة الوطنية والآداب في لبنان ،’وغيرها .

وننتهي من كل ما تقدم إلى القول : إن البياتي كتب قصائد ديوان ‘ أباريق مهشمة ‘ ونشرها في تلك الظروف الكفاحية ، وفي ذلك المناخ الأدبي الملبد بالسياسة ، وكان لهذا أثر مباشر في تسييس شعره وصبغه بصبغة أيديولوجية معينة ، وكان له الأثر نفسه في موقف النقد من هذا الديوان ، له أم عليه . وكذلك كان حال السياب وكاظم جواد ورشيد ياسين وعبد الرزاق عبد الواحد وسعدي يوسف وغيرهم .

أباريق مهشمة : تواريخ ومنافسات :

يتوقع المرء أن يكون البياتي قد كتب قصائد ‘ أباريق مهشمة ‘ بين عامي 1950 و1954 ، أي بعد صدور ديوانه الأول ‘ ملائكة وشياطين ‘ وقبل صدور ديوانه الثاني موضوع بحثنا ، غير أن الأمر يبدو خلاف ذلك . ذلك أن البياتي أعلن في آخر صفحة من صفحات ‘ ملائكة وشياطين ‘ أن لديه أربعة كتب شعرية معدة للطبع هي : أباريق مهشمة ، ورمال وخيام ، والجدار الأسود ، والهارب .(17) وهكذا نفهم من هذا الإعلان أن قصائد ديوان ‘ أباريق مهشمة ‘ قد كتبت قبل عام 1950 ، إن لم يكن كلها فبعضها في الأقل ، وهذا ما يدل عليه الكثير من قصائد الديوان . ولكن من المؤكد لدينا أن قصيدة ‘ أباريق مهشمة ‘ هي مما كتب في ذلك الحين بدليل الإعلان عنها . وحيث أن البياتي لم ينشر من كتبه الأربعة المعلن عنها سوى ‘ أباريق مهشمة ‘ فلنا أن نتوقع أنه قد أهمل الكتب الثلاثة الأخرى ، أو أنه أهمل بعض قصائدها لأسباب عدة ، ونشر بعض ما لم يهمله في ديوان الأباريق ، وبعثر غيره في ديوانيه ‘ المجد للأطفال والزيتون ‘ و’ أشعار في المنفى ‘ ، بعد تعديله أو من دون أي تعديل ، وهذا هو الراجح لدينا .

وقصيدة ‘ أباريق مهشمة ‘ التي أشرنا إليها من الشعر الحر ، ومن نمط القصائد الحرة التي تضمنها الديوان الذي يحمل اسمها . فهي من بحر ‘ الكامل ‘ الذي كتب به أغلب قصائد الديوان ، وأشطرها متفاوتة في عدد تفعيلاتها ، وموضوعها سياسي ، وقد استخدم البياتي فيها أدواته الشعرية المعهودة في الديوان نفسه ، ومنها : التداعي ، والتكرار ، والتقطيع ( المونتاج ) ، والأمثال ، والصور الإشارية ، وواوات العطف التي اشتهر بها . وهذا كله دليل على أن بعض قصائد الديوان الحرة قد كتب قبل صدور ‘ ملائكة وشياطين ‘ عام 1950 ، وهو ، أيضاً ، دليل واضح على أن البياتي قد توصل إلى نمطه الشعري الجديد منذ عام 1949 في الأرجح ، أو عام 1950 في الأقل ، ثم مضى في تطويره في قصائد أخرى .

ولكن لو عدنا إلى تواريخ النشر لوجدنا أن البياتي قد نشر قصيدتين من هذا الديوان في مجلة ‘ الأديب ‘ اللبنانية عام 1951 ، ثم نشر في العام التالي (1952( عشراً من قصائد’الديوان نفسه في المجلة نفسها هي : وحشة ، ذكريات الطفولة ، الرحيل الأول ، عشاق في المنفى ، موعد مع الربيع ، الأفّاق ، الحديقة المهجورة ، الظلال الهائمة ، تمت اللعبة ، القنديل الأخضر . أما في عام 1953 فقد نشر خمس عشرة قصيدة ، خمس منها في مجلة ‘ الأديب ‘ هي : الذئب ، مسافر بلا حقائب ، في المنفى ، الليل والمدينة والسل ، عندما يحب الفقراء . وسبع في مجلة ‘ الآداب ‘ اللبنانية هي : الملجأ العشرون ، انتظار ، ماو ماو ، المحرقة ، الحريم ، موت الفلاح محمود ، مذكرات رجل مجهول . واثنتان في مجلة ‘ الأسبوع ‘ العراقية هما : الملجأ العشرون ( مكررة ) ، فيت مين . واثنتان أخريان في مجلة ‘ الثقافة الجديدة ‘ العراقية هما : السجين المجهول ، المذبحة .(18) هذا ولم نستطع التأكد من أن الشاعر نشر قصائد الديوان الأخرى قبل ضمها إلى الديوان أم لم ينشرها . ولكننا لاحظنا أنه لم ينشر قصيدة ‘ عندما يحب الفقراء ‘ في ‘ أباريق مهشمة ‘ بل في ديوان ‘ المجد للأطفال والزيتون ‘ ، كما لاحظنا أنه لم يعد نشر قصيدة ‘ موت الفلاح محمود ‘ التي ظهرت في ‘ الآداب ‘ في أي ديوان من دواوينه ، ويبدو أنه قد أهملها .

في الحقبة نفسها (1950- 1954) نشرت نازك الملائكة عدة قصائد في مجلتي ‘ الأديب ‘ و ‘ الآداب ‘ ، غير أن أغلبها ، وربما كلها ، كان من الشعر المقطعي الرومانسي ولذا لم تثر هذه القصائد أي اهتمام يذكر لدى المعنيين بتطور حركة الشعر الحر ، وكانت وقصائد البياتي على طرفي نقيض ، فمضت على هامش هذه الحركة وإنجازاتها .
ولكن الملائكة نشرت عدة مقالات في المجلتين المذكورتين أثار بعضها الكثير من الجدل منها مقالة : الشعر والمجتمع ، التي سبق الحديث عنها ، ومقالة : حركة الشعر الحر في العراق ، التي تعرضت فيها لموضوع ‘ الأسبقية ‘ في كتابة هذا الشعر ، ففتحت باب جدل واسع حولها ، وامتد هذا الجدل فاستمر عقوداً من الزمن . أما في حينها فقد علق عليها بعض الأدباء والشعراء ، وكان تعليق بدر شاكر السياب من أهمها ، لأنه المعني بها أكثر من سواه . ومما جاء في هذا التعليق أن قصيدة ( الكوليرا ) التي تعدها الملائكة بداية لانطلاق حركة الشعر الحر هي ليست من هذا الشعر ، وأن الشعراء العراقيين الذي كتبوا الشعر الحر لم يقتفوا أثر نازك أو غيرها في كتابته وإنما اقتفوا خطاه ، وانتهى إلى القول ‘ إن الشعر الحر هو أكثر من اختلاف عدد التفعيلات المتشابهة من بيت إلى آخر ، وإنه بناء فني جديد واتجاه واقعي جديد ، جاء ليسحق الميوعة الرومانتيكية وأدب الأبراج العاجية ، وجمود الكلاسيكية والشعر الخطابي ‘.(19)

وهكذا لم يكتف السياب بالدفاع عن ‘ أسبقيته ‘ وتأكيد تأثيره في الشعراء الذين كتبوا الشعر الحر ، بل عرّض بشعر نازك ( الرومانسي ) . غير أن نازك لم ترد على تعليق السياب في حينه ، ولا على تعليقات غيره ، بل اكتفت بإعادة نشر مقالها في كتابها ‘ قضايا الشعر المعاصر ‘ مع التأكيد على أسبقيتها .(20)

ولكن السياب كان ، في حينه ، شغوفاً بكتابة القصائد الطويلة ، فقد شاع بين الشعراء العراقيين يومئذ تصور مفاده : أن الشاعر الحق هو الشاعر طويل النفس ، الشاعر القادر على كتابة ‘ المطولات الشعرية ‘ أو ‘ الملاحم ‘ كما كانوا يسمونها . وربما كان السياب نفسه أول من بذر بذرة هذا التصور . فقد استهوته كتابة القصائد الطويلة منذ أواخر الأربعينيات فكتب منها ‘ اللعنات ‘ و ‘ الروح والجسد ‘ . ثم كتب مطولات أخرى هي ‘ فجر السلام ‘ و ‘ القيامة الصغرى ‘ و ‘ مقل الطغاة ‘ ، وكل هذه قصائد عمودية . ولم يتوقف عند هذا الحد ، بل كتب بعد ذلك مطولات شبه عمودية ، في رأينا ، هي : ‘ حفار القبور ‘ و ‘ المومس العمياء ‘ و ‘ الأسلحة والأطفال ‘ . وهكذا جاراه في كتابة هذا النوع من القصائد شعراء كثيرون من مجايليه منهم عبد الرزاق عبد الواحد ( الذي كتب : لعنة الشيطان ) وسعدي يوسف ( الذي كتب : القرصان ) وصفاء الحيدري ( الذي كتب : زقاق ، وبابلون ، والحريم ، وعبث ) وكاظم السماوي ( الذي كتب : الحرب والسلم ) وموسى النقدي ( الذي كتب : محمود والقمر ) وغيرهم .
غير أن نشر هذه المطولات كان مشكلة عويصة يومئذ . فالصحف والمجلات لم تكن تنشرها بسبب طولها ، وبذلك لا يبقى أمام الشاعر من سبيل سوى أن ينتظر حتى يستطيع نشرها في كتاب أو كراس على نفقته الخاصة وتحمل تكاليفها الباهظة ، أو يعثر على ناشر خاص مستعد للمغامرة بنشرها على نفقته وتحمل عواقب نشرها المادية ، وعواقبها السياسية أحياناً .

ويبدو أن السياب واجه مثل هذه المشكلة التي لم يواجهها زميلاه عبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة . فهو لم يستطع نشر حفار القبور التي كتبها عام 1949 ، كما نرجح ، إلا عام 1952 على نفقة ‘ أسرة الفن المعاصر ‘ التي ضمته مع عدد من أصدقائه الأدباء البصريين . وهو لم يستطع نشر ‘ المومس العمياء ‘ التي يرجح أنه كتبها بعد حفار القبور مباشرة إلا في مطلع عام 1954 ، ولولا الشفعة السياسية لما استطاع أن ينشر ‘ الأسلحة والأطفال ‘ في مجلة ‘ الطريق ‘ عام 1953 قبل نشرها في كراس عام 1954 . ولذا لم يكن لديه ما ينشره في الصحف والمجلات في العراق ، أو خارجه ، طوال هذه الحقبة (1950- 1954) غير قصائد أجنبية يترجمها ، أو مقاطع قصيرة يستلها من مطولاته ، فتبدو مبتورة من سياقها وتخفق في التعبير عن حقيقة طاقته الشعرية ، في حين كان البياتي ينشر خلال كل شهر قصيدة واحدة أو قصيدتين ، فيعرف ويشهر وتتوطد مكانته الشعرية ، وهذا مما أشعل نار المنافسة بينهما .

والواقع أن هذه المنافسة ، التي تخفّت وراء حجب فنية ، كانت شخصية في جوهرها أياً كان الباديء بها ، شأنها في ذلك شأن المنافسة على الأسبقية في كتابة الشعر الحر . وما أن انضم البياتي إلى جماعة مجلة ‘ الثقافة الجديدة ‘ حتى اشتد أوارها ، وخرجت إلى العلن على أعمدة الصحف والمجلات ، واختلط فيها الشخصي بالعام ، والفني بالسياسي ، وتطاير شررها حتى أصاب رؤساء تحرير المجلات الثقافية في لبنان ، ونعني رؤساء تحرير مجلات الأديب والآداب والثقافة الوطنية . ومن يقرأ رسائل السياب إلى الدكتور سهيل إدريس ، رئيس تحرير الآداب يومئذ ، يجد فيها ما يكفيه للتعرف على طبيعتها ومحتواها’وأطرافها ومدى حدتها .(21) وقد كان لهذه المنافسة ومداخلاتها أثر كبير على موقف الشاعرين وسلوكهما ، بل على نمط الشعر الذي كانا يكتبانه في حينها . فزاد كل منهما التصاقاً بالجماعة التي تؤازره ، واشتد تشبثهما بالواقعية في الشعر ، وتباريا في الدفاع عن السلام ولعن تجار الحروب والانحياز للفقراء والمظلومين في ما كان يكتبانه . فهاهو البياتي يكتب : ‘ فيت مين ‘ و’ ماو ماو ‘ و’ وكوريا 1954 ‘ ، وهاهو السياب يكتب ‘ الأسلحة والأطفال ‘ و’ مرثية الآلهة ‘ و’ من رؤيا فوكاي ‘ . وإذ يكتب البياتي ‘ الملجأ العشرون ‘ يتبعه السياب فيكتب ‘ قافلة الضياع ‘ . وإذ يكتب البياتي عن ‘ سوق القرية ‘ ويكشف من خلالها بؤس القرية العراقية يكتب السياب عن ‘ عرس في القرية ‘ ويكشف ما يحدث فيها من ظلم تحت نير الإقطاع ، وهكذا .

بل لقد صار كل منهما يتسقط هفوات الآخر الفنية ويتحدث عنها ويشهر بها حين تأتي المناسبة ، ويحرض أصدقاءه على فضحها والتنديد بها ، للتدليل على ضعف شاعرية منافسه وخطأ مفهومه للواقعية ، وإخفاقه في كتابة شعر واقعي حقيقي . أكثر من ذلك أن هذه المنافسة جعلت كلاً منهما يحدد مراجعه الشعرية والفكرية ، فهذا البياتي يختار ناظم حكمت وبابلو نيرودا وأراغون ، ويتبنى الواقعية الاشتراكية في الأدب والفن ، وهذا السياب يختار إديث سيتويل وت. س. إليوت ، و يتبنى مفهوم ستيفن سبندر للواقعية .

وخلاصة ما أردنا قوله هنا أن التنافس بين السياب ونازك الملائكة والبياتي ، بل خاصة بين السياب والبياتي ، كان له تأثير مباشر فيهم وفي شعرهم ونشاطهم الثقافي ، شأنه شأن الظروف السياسية . فقد كان ظاهرة حية وفعالة من ظواهر المناخ الأدبي دفعت السياب إلى المزيد من البحث والكتابة والتجريب والإبداع والنشر . فأخذ ، ابتداء من عام 1954 ، يكتب قصائد قصيرة ، وانفتح على النشر خارج العراق وخاصة في مجلة الآداب ، ثم انحاز إلى مجلة ‘ شعر ‘ عند ظهورها عام 1957 . أما نازك الملائكة فلم تكثر من نشر الشعر في هذه الحقبة ، ولكنها نشرت سلسلة من المقالات عن الشعر الحر في مجلتي ‘ الأديب ‘ و ‘ الآداب ‘ جمعتها في ما بعد ، وضمتها مع مقالات أخرى إلى كتابها المعروف ‘ قضايا الشعر المعاصر ‘ ، ولم يكن هذا الكتاب في جوهره سوى دفاع عن آرائها الخاصة في الشعر الحر وعن موقعها بين شعراء الطليعة . وأما البياتي فواصل الإنتاج بحماسة واندفاع ، وتمسك بموقفه الفكري ، وراح يصدر الديوان تلو الديوان ، ويعيد طبع دواوينه التي سبق أن نشرها ، ، ويتشبث بما حققه من نجاح وشهرة ، ويتفنن في الدعاية لنفسه ولشعره ، ويشتد في الهجوم على مخالفيه وهجائهم في مقابل ما ووجه به من حملات كتابات نقدية مدبرة أو غير مدبرة . وكان هذا كله يحدث ، في وقت كان فيه العديد من مجايلي السياب والبياتي والملائكة يتطلعون إلى إشغال موقع بارز في الحركة الشعرية ويدخلون حلبة المنافسة ، بشكل أو بآخر ، ومن هؤلاء ، أو في مقدمتهم : بلند الحيدري ، وكاظم جواد ، وصفاء الحيدري ، وحسين مردان ، وعبد الرزاق عبد الواحد ، ورشيد ياسين ، وسعدي يوسف .

أباريق مهشمة والنقد :

حظي ديوان ‘ أباريق مهشمة ‘ عند صدوره باهتمام واسع . ذلك أن البياتي كان قد لفت الأنظار إليه منذ عام 1952 عندما تتالى نشر قصائده في مجلة ‘ الأديب ‘ ، وأعقبها بسلسلة أخرى من القصائد نشرها في مجلة ‘ الآداب ‘ وفي بعض المجلات العراقية . فقد كانت هذه القصائد جديدة كل الجدة على الشعر العربي ، شكلاً ومضموناً . فهي تختلف اختلافاً بيّناً عن قصائد نازك الملائكة التي نشرتها نازك الملائكة الحرة التي نشرتها في ديوانها الثاني ‘ شظايا ورماد ‘ عام 1949 ، وعن قصائد السياب الحرة التي نشرها في ديوانه الثاني ‘ أساطير ‘ عام 1950 . وربما كان البياتي قد تعلم من نازك ومن السياب بعض التقنيات الشعرية الجديدة ، ولكنه أطل على القراء بقصيدة مختلفة ، وربما غريبة إلى حد ما على الذائقة الشعرية السائدة يومئذ ، وتقدم بشخصية شعرية جديدة ومفارقة ، وكان هذا سبباً من أسباب اللغط النقدي الذي ثار حوله ، كما سنوضح في ما بعد .

نقول : إن ديوان ‘ أباريق مهشمة ‘ حظي باهتمام واسع عند صدوره ، وكتب عنه كثيرون بين مادح مغالٍ في مدحه ، وقادح مفرط في قدحه . وكانت وراء هذه المغالاة دوافع غير موضوعية غالباً ، بعضها سياسي ، وبعضها ذاتي ، وقليلاً ما كان وراء ذلك إعجاب محض قائم على انحياز مسبق للتجديد والترحيب بإنجازاته ، أو رفض محض من منطلقات تقليدية أو محافظة .

وأهم ما جاء في ذمّ الديوان مقالتان ، كتب إحداهما الشاعر كاظم جواد ونشرها في مجلة ‘ الآداب ‘.(22) وكتب الثانية الشاعر حسين مردان ونشرها في إحدى الصحف المحلية وأعاد نشرها في كتابه ‘ مقالات في النقد الأدبي ‘.(23) وقد كانت الدوافع السلبية المسبقة تكمن وراء المقالة الأولى ، فقد أرادت ، بقصد ، أن تنال من البياتي ومن ديوانه . وتكشف عن هذا القصد ودوافعه بعض رسائل السياب إلى الدكتور سهيل إدريس عام 1954 ، و يتضح من هذه الرسائل أن كلاً من السياب وكاظم جواد ومحيي الدين إسماعيل قد بيتوا النية على التصدي للبياتي وديوانه لغايات تمتزج فيها الدوافع الذاتية بالدوافع السياسية . هذا عن مقالة كاظم جواد ، أما مقالة حسين مردان فلم تكن تخلو من الدوافع الذاتية هي الأخرى ، وقد يكون وراءها شيء من التحريض أيضاً ، فقد كان مردان معتداً بشعره أكثر مما ينبغي ، وكان ، في الوقت نفسه ، رجلاً طيب القلب ، و سهل التأثر ، إذا ما أريد تحريضه .

أخذ الشاعر كاظم جواد على ديوان البياتي أنه ‘ يتراوح بين وجودية مفتعلة ، ورومانسية خائبة ، وواقعية غامضة تستمد صورها من خارج المجتمع ومن ضوضاء التخيل ‘ . ورأى أن شخصية الشاعر في الديوان ‘ غير واضحة ‘ وأنه ‘ خضع لمؤثرات شتى فقلد وحاكى إلا في قصيدتين هما من روائع الشعر العربي المعاصر هما : القرصان ، وريح الجنوب ‘ . وتأكيداً لما ذهب إليه راح يورد جملاً وتراكيب اقتبسها البياتي من شعراء وكتاب عرب وأجانب ودمجها في قصائده ، وأسند رأيه بالعديد من الأمثلة .

وقد أثارت هذه المقالة جدلاً واسعاً في المحافل الأدبية ، وانبرى للدفاع عن الديوان عدد من الكتاب منهم روز غريب من لبنان(24) وناظم توفيق من العراق(25) وعد هذان الكاتبان ) سرقات ) البياتي ، بحسب رأي كاظم جواد ، تأثراً طبيعياً بشعراء العالم الكبار ، في حين عاد جواد ليؤكد ادعاءاته بأمثلة أخرى في تعليقين اثنين نشرهما يومئذ في مجلة ‘ الآداب ‘ .

ومع ذلك بقي ما جاء في مقالة جواد من مآخذ مادة يستخدمها خصوم البياتي للنيل منه ومن ديوانه ، ومن هؤلاء الناقد محيي الدين إسماعيل . فبعد شهور من ظهور تلك المقالة كتب إسماعيل مقالة عنوانها ‘ ملامح من الشعر العراقي الحديث ‘(26) ، وحين تناول شعر البياتي فيها ردد بإيجاز ما قاله كاظم جواد عنه ولم يزد كثيراً عليه ، حتى تمنى للبياتي أخيراً ‘ أن يعثر على ( نفسه ويسعى إلى ) إخراج تجاربه الأصيلة من وسطها المغلق ، بأن يلتقي بذاته ليكون شاعراً أصيلاً ، لا تحتجزه تجارب الآخرين ، فإن في بعض شعره نطفة البقاء ‘ .

غير أن مقالة الشاعر حسين مردان عن الديوان بدت أهدأ في لهجتها من مقالة جواد ، وحاولت أن تكون أكثر احتفالاً بالمباديء النقدية ، ولكنها لم تكن خالية من دافع ذاتي خفي ظل يلوح في كثير من عباراتها ، مموهاً تارة وغير مموه تارة أخرى ، ابتداء من عنوانها . وأهم ما أخذه حسين مردان على قصائد الديوان أنها ‘ مهشمة الهيكل ، وأن السلك الخفي الذي يربط الصور ببعضها لا يبدو إلا متقطعاً ‘ ، وأن الشاعر يخلط بين ‘ تكرار الصورة الحاملة للفكرة ، وتكرار الكلمة لاستمرار الانسجام الموسيقي ‘ ويستخدم التكرار’ لمجرد التكرار ‘ . ورأى مردان أن من أبرز عيوب البياتي الشاعر ‘ عدم قدرته على اختيار الكلمة وإبراز حيويتها ‘ وأن قصائده ‘ كوم هائل من الكلمات التي تتدافع في ما بينها دون أن تعرف إلى أين تتجه . ولولا هذا ( الواو ) اللعين الذي يستعمله السيد عبد الوهاب البياتي في قصائده’، كما يستعمل الصياد غصن الصفصاف ليشنق فيه السمك الميت ، لقفزت ( الكلمات ) من فوق الورق ‘ . أما الشيء الذي يتقنه البياتي إلى حد كبير ، بحسب مردان نفسه ، فهو ‘ أن يدفن رأسه _ كما فعل الشاعران بدر السياب وكاظم جواد _ في كتب الشعراء المشهورين يستمد من أفكارهم وفنهم شيئاً يبني عليه قصيدة جديدة ، ولذلك تلمح في أجواء قصائده أوصافاً غريبة وصوراً لا تمت إلى محيطنا ولا ترتبط’بأرضنا ، كطواحين الهواء ، وعواء في الصقيع .. إلخ .. ‘ . وهكذا يصل مردان إلى حكم يقول فيه عن البياتي إنه ‘ شخصية موزعة لا وجه لها ‘ ويزيد على ذلك فيقول ‘ صديقنا عبد الوهاب شاعر بلا شك _ وما أكثر الشعراء في العراق _ ولكني أبحث عن الشاعر الفنان ، عن الشاعر الخالق ، فلا أجد في شعر عبد الوهاب شيئاً من ذلك ‘ . ثم ينهي مردان مقالته بالحديث عن نفسه ، وعن الكيفية التي يكتب بها شعره ، ويقدم للقاريء نص قصيدة من قصائده ‘ لعله يستطيع من قراءته لهذه القصيدة أن يكوّن ولو فكرة بسيطة عن الشعر الحديث الذي أدعو إليه ‘ ! وبذلك ، وبهجومه العارض على السياب وكاظم جواد ، تتكشف دوافعه الذاتية .

أما أبرز ما جاء في الثناء على الديوان فهو مقالة الناقد نهاد التكرلي . وقد نشرت هذه المقالة في مجلة ‘ الأديب ‘ أواخر عام 1953 ، وكانت بعنوان ‘ عبد الوهاب البياتي المبشر بالشعر الحديث ‘.(27) وكان المفروض أن تكون مقدمة للديوان ، ولكن جماعة مجلة ‘ الثقافة الجديدة ‘ التي نشرته اشترطت على البياتي رفعها منه ، لاعتراضها على قيمها النقدية بسبب تناقضها مع الفكر الذي تؤمن به ، فما كان من البياتي إلا أن يرضخ لهذا الشرط من دون علم التكرلي ، وأن يرسل المقالة إلى مجلة الأديب لنشرها فيها ، من دون علم كاتبها مرة أخرى . وبذلك ربح نشر الديوان ونشر المقالة في مجلة عربية ، ولكنه خسر صداقة التكرلي .(28)

لقد عني التكرلي في مقالته هذه بلغة البياتي في ديوانه وتجاهل ما عداها . ولعله وجد في الكتابة عن هذا الديوان مناسبة لعرض مفهومه للغة الكتابة وتطبيقه ، وهو مفهوم وجودي خالص نقله نقلاً يكاد يكون حرفياً من مقالة جان بول سارتر ‘ ما الكتابة ‘ المنشور في الجزء الأول من ‘ مواقفه ‘ ، بما في ذلك الأمثلة والتشبيهات .
ولا يهمنا هنا الجانب النظري المنقول عن سارتر ، ولكن ما يهمنا هو رأي الكاتب في لغة البياتي الشعرية . وخلاصة هذا الرأي ‘ أن الكلمات والجمل القليلة التي تتألف منها كل قصيدة من قصائده لم تكن أدوات وعلامات تشير إلى معان بعيدة عنها ، بل كانت أشياء سحرية تمخضت عنها تجاربه العاطفية والشعورية بحيث تشربت جميع عواطفه وأفكاره وتمزقاته الروحية ، وصار لها وجود مستقل عنه كالأشياء سواء بسواء ‘ . ويضيف التكرلي أن البياتي ‘ في صراع مستمر مع الكلمات ، هذه الكلمات التي تراكم عليها الصدأ وشوهها الابتذال وكثرة الاستعمال ، وكانت المهمة الخطيرة الملقاة على عاتق عبد الوهاب هي أن يصقلها ويجلوها ويعيد خلقها من جديد بحيث تستطيع تشرب عواطفه وأهوائه فتولد مكهربة بهذه البهجة الخفيفة أو هذا الشعور الملتهب . ولذا كان كثيراً ما يضطر’إلى صنع محرقة كبيرة للكلمات يحرق فيها عدداً منها ، ولا يبقي إلا على كلمات قليلة يصقلها ويتحسسها ثم يصب فيها عواطفه وانفعالاته وأفكاره ويخرجها إلينا بعد هذه العملية السحرية متلألئة بنورانيته الخاصة ، مرتعشاً أمامنا كهذه الألوان الدافئة التي نتأملها في لوحة فنية خالدة ، أو كهذه الألحان الموسيقية التي نسمعها في سيمفونية رائعة ‘ .
ويقول التكرلي إن البياتي ‘ قد جاءنا بمفهوم جديد للشعر يختلف عن المفهوم الذي أخذ به القدماء في العصور الماضية والذي لا يزال يأخذ به الشعراء العرب المعاصرون في الوقت الحاضر . وهو قد استطاع أن يقدم لنا في أغلب قصائد هذا الديوان نماذج فنية رائعة من الشعر الحديث لا أشك في أنها لو ترجمت إلى اللغات الأجنبية ستثير الإعجاب في كل مكان . ولكننا نكرر بأن هذا النوع من الشعر ، ككل أثر فني رفيع ، يحتاج إلى مجهود غير قليل لتذوقه والشعور بجماله ‘ .

وأخيراً يختم التكرلي مقالته هذه بالقول ‘ وإني لا يسعني إلا أن أترك هذا الديوان لحكم التاريخ مع يقيني الجازم بأنه سيفوز بمكانة لم يحظ بها ديوان عربي من قبل ‘ . ولذا أثار غيظ الكثير من الشعراء وفي مقدمتهم بدر السياب وكاظم جواد وحسين مردان . فقد تحدث السياب بقسوة عنها في بعض رسائله إلى الدكتور سهيل إدريس .(29) أما كاظم جواد فقد تطرق إليها في مقالته التي سبق الحديث عنها ، فقال فيها إنها قوبلت ‘ ببرود واستنكار ذلك لأن الأستاذ التكرلي ، بالإضافة إلى اعتماده على موازين نقدية مستوردة من الخارج ، قد أهان كفاح خمسين سنة مر بها جهاد الفكر العربي ، و أنكر جهود عشرات الشعراء المعروفين والمجهولين ‘ . وعزا جواد ذلك إلى ‘ قصور التكرلي في الإطلاع على الشعر العربي ‘ .

وقد كانت مقالة حسين مردان التي مر الحديث عنها رداً غير مباشر على مقالة التكرلي نفسها . فمن يقرأها بإمعان ، ويقارن بعض فقراتها بما جاء في تلك المقالة ، يتضح له أنه لم يكن يهاجم ديوان البياتي فحسب ، بل يحاول ، بصورة غير مباشرة ، تفنيد آراء من جعله مبشراً بالشعر الحديث ، أي التكرلي ، خاصة في ما يتعلق باستخدام الكلمة في شعر البياتي .

وربما كان الرد على التكرلي أحد الدوافع التي دفعت حسين مردان إلى كتابة مقالته الأخرى ‘ الشعر العراقي الحديث والنقاد ‘ . فقد رأى فيها ‘ أن أغلب النقاد الذين كتبوا عن الشعر العراقي الحديث لم يتعبوا أنفسهم بدراسة نمو الشعر العراقي دراسة عميقة وافية ‘.(30) وعلى هذا الأساس هاجم بلغة حادة ساخرة الناقد المصري مصطفى عبد اللطيف السحرتي ، والباحث العراقي جميل سعيد ، والناقد اللبناني مارون عبود ، والناقد الفلسطيني الدكتور إحسان عباس ، وأكيد أنه كان يعد التكرلي واحداً من هؤلاء .

ولعل من أهم ما كتب عن ديوان ‘ أباريق مهشمة ‘ ، أو أهمه ، كتاب الدكتور إحسان عباس ‘ عبد الوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث ‘.(31) والواقع إن كتاب الدكتور عباس كان محاولة نقدية موضوعية أكثر من سواها في دراسة هذا الديوان وتحليل ظواهره الفنية ، واستقصاء نواحي القوة والضعف فيها . ولا يسعنا هنا استعراض ما جاء في هذا الكتاب من أفكار وآراء نقدية وتبيان رأينا فيها ، ولكننا سنتعرض لها في مواضع أخرى من هذه الدراسة .

ومع ذلك لم تسلم موضوعية هذا الناقد من تجريح من استكثروا تأليف كتاب عن شاعر شاب لم يصدر بعد سوى ديوانين ، وأن يكون هذا الشاعر هو البياتي وليس غيره ، ومن هؤلاء الشاعر حسين مردان . فبرغم من أن مردان لم يقرأ من هذا الكتاب ، حسب قوله ، سوى الفصل الذي نشر منه في مجلة ‘ الأديب ‘ ، وهو الفصل الذي يتحدث عن تأثر البياتي بإليوت ، برغم ذلك وضع مردان الدكتور عباس بين من لا يفهمون الشعر العراقي الحديث ، مع أنه كان من أكثر النقاد العرب متابعة لهذا الشعر في حينه . فقد كتب عن ديوان نازك الملائكة ‘ شظايا ورماد ‘ ، وعن مطولة السياب ‘ حفار القبور ‘ ، وكان من المسهمين في كتابة المقالات في بعض المجلات العراقية ( الرسالة الجديدة ) عام 1954 .

أباريق مهشمة : نقد النقد :

يضم ديوان ‘ أباريق مهشمة ‘ إحدى وأربعين قصيدة ، إحدى عشرة منها من الشعر الموزون المقفى بالطريقة التقليدية ، وأربع شبه عمودية فيها تصرف محدود في الوزن ، وأخرى ، عددها ست وعشرون من الشعر الحر .
ما يهمنا هنا هو دراسة القصائد المكتوبة بالشعر الحر ، التي تشكل نحو ثلثي الديوان ، أما القصائد الأخرى فسنهملها إلا إذا اضطرنا سياق البحث إلى الالتفات نحوها .

لقد تنازعت قصائد الديوان ثلاثة اتجاهات هي : الرومانسية والوجودية والواقعية . فقد طغت الرومانسية على أغلب القصائد المكتوبة بالطريقة التقليدية وتسربت نفحات منها إلى بعض القصائد الحرة . ولكن ينبغي القول هنا : إن رومانسية البياتي ليست ‘ رومانسية خائبة ‘ كما يقول كاظم جواد ، فهي تنطوي على روح قلقة ، وساخطة ، و متمردة ، وليس فيها ميوعة عاطفية كتلك التي نجدها في شعر السياب الرومانسي ، ولا كآبة كتلك التي نجدها في شعر نازك الملائكة . فهي أقرب إلى رومانسية إلياس أبي شبكة ، فيها شيء من الرمزية ، وشيء من الغموض ، وفيها نزوع إلى الرفض والتمرد .

أما الوجودية فتجد أفكاراً عامة منها ، ورؤى ، في قصائد : مسافر بلا حقائب ، وصخرة الأموات ، والمحرقة ، وعشاق في المنفى ، والأفّاق . بل أن نفحات من الوجودية تمتزج أحياناً برؤى قصائده الرومانسية . ولكن’من الغبن أن نصف رؤى البياتي الوجودية بأنها ‘ مفتعلة ‘ ، اللهم إلا في قصيدة ‘ مسافر بلا حقائب ‘ . ولكن ، مرة أخرى ، ألم يكن البياتي مسافراً بلا حقائب طوال حياته ؟

هذا في حين غلبت الواقعية ، وما تنطوي عليه من رسالة سياسية واجتماعية ، على قصائد الديوان الأخرى . ولقد حاولنا أن نجد مسوغاً واحداً يعطي جواد الحق ، أو بعض الحق ، في وصف واقعية البياتي بالغموض فلم نجد مثل هذا المسوغ .

وقد عدّ بعض نقاد البياتي تعدد الاتجاهات في ديوانه ، وتأثره ببعض الشعراء الأجانب ، مطعناً في شعره ، كما رأينا سابقاً . فكاظم جواد خلص إلى القول بأن شخصية البياتي الشعرية ‘ غير واضحة ‘ في ديوانه . أما محيي الدين إسماعيل فقد وصفه بأنه ‘ ممزق الشخصية بين تجارب الآخرين ‘ ، في حين وصف حسين مردان شخصيته بأنها ‘ موزعة لا وجه لها ‘ . وقد يبدو هذا الحكم صحيحاً في الوهلة الأولى ، وقد تبدو حججه قوية ، ولكنه ليس كذلك إذا نظرنا إلى روح الشاعر في ديوانه ، وإلى لغته ، وطريقته في بناء قصائده . أكثر من ذلك أن هؤلاء النقاد تجاهلوا أن البياتي كان في مرحلة تحوّل فكري وتكوّن فني جديد على صعيد الشكل والمضمون ، مثلهم تماماً ، وأنه ، إن تعددت اتجاهاته فقد تعددت اتجاهاتهم ، وإن تأثر ببعض الشعراء فهم قد تأثروا بغيرهم . وهذا ينطبق على جميع الشعراء الشباب في تلك الحقبة ، بقدر أو بآخر ، ولم يكن البياتي استثناء منهم . ونجد هذا طبيعياً في مراحل التكوين الأولى عند الشعراء . فكاظم جواد مثلاً لم يبدأ واقعياً ذا رسالة سياسية واجتماعية ، كما حاول إيهامنا ، بل بدأ رومانسياً كسواه ، ولكنه طمر قصائده الرومانسية التي نشرها في الصحف ولم يعد نشرها ومن ذلك قصائده : أشباح ، وأمل ، وهيهات ، ولقاء ، وغيرها . ومع ذلك ظلت الرومانسية ترفرف على نسيج الكثير من قصائد ديوانه الوحيد ‘ من أغاني الحرية ‘ (32) ومنها مثلاً قصيدة ‘ المدينة الفاضلة ‘ و قصيدة ‘ هي والحرية والآخرون ‘ . أما عن التأثر بالآخرين فقد تأثر هو بشعراء المهجر وشعراء أبولو في شعره الرومانسي العمودي ، ولكن المفارقة هي أن البياتي والسياب كانا أكثر من تأثر بهم من الشعراء في شعره الحر ، وهذه قصائد ديوانه شاهدة عليه .
ويمكن للمرء أن يقول الشيء نفسه عن الشاعر حسين مردان . فقد بدأ حياته الشعرية وجودي المظهر والتصرف . ولأنه فهم الوجودية فهماً مشوشاً ، وقع في مفارقة بين تظاهره بالوجودية على صعيد الأقوال ( ولا نقول : الفكر أو الثقافة ) وكتابة ‘ قصائد عارية ‘ يقتفي فيها أثر إلياس أبي شبكة وينسجها بنوله التقليدي ، وبذلك أخفق في التعبير عن ‘ وجوديته ‘ من حيث نجح البياتي الذي لم يدع الوجودية أو يتظاهر بها . وحين أراد مردان أن يكون واقعياً ويعبر عن ‘ موقفه التقدمي ‘ ، كما يصفه ، لم يستطع أن ينأى بنفسه عن البياتي وقصائده . وهذا واضح في ما كتب من قصائد واقعية نشرت في ديوانيه ‘ أغصان الحديد ‘ و ‘ طراز خاص ‘ .

وليس سبة على البياتي ، في كل الأحوال ، أن يكون رومانسياً ، وخاصة في فتوته وشبابه المبكر ، وفي مرحلة غلبت’فيها الرومانسية وطغت على الشعر العربي ، وبرز فيها شعراء مبدعون من شتى الأقطار العربية كان لهم تأثيرهم الواسع . وقد كان لجميع شعراء تلك الحقبة الشباب بدايات رومانسية ، بل أن بعضهم ظل متمسكاً برومانسيته ولم يتخل عنها برغم جميع الضغوط ، وفي مقدمة هؤلاء نازك الملائكة .

وليس سبة على البياتي أنه كتب بعض القصائد الوجودية ونشرها في هذا الديوان . فقضايا الوجود يحس بها كل إنسان . فما من أحد إلا ويشعر بالوحدة ، أو الغربة ، أو الضياع ، أو العبث ، في بعض الأحيان ، ويلامس الحديث عنها مشاعره الصريحة أو المكبوتة ، مناضلاً كان أم إنساناً عادياً ، ومفكراً كان أم جاهلاً ، فكيف بالشاعر وهو الشخصية القلقة المرهفة ؟

نعم ، لقد تأثر البياتي بالفكر الوجودي ، بقدر أو بآخر ، نتيجة احتكاكه بالناقد نهاد التكرلي ( الذي كان يعتنق الوجودية مذهباً فكرياً ) ، فكتب القصائد التي ذكرناها ، أو إحداها ، في الواقع ، تحت وطأة هذا التأثير ، ولكنه فعل ذلك تلبية لإحساس إنساني طبيعي بالقلق والتمزق في مرحلة كان فيها المثقفون العراقيون ، ولاسيما المستقلون منهم ، والأدباء خاصة ، يعانون أعباء مخاض سياسي واجتماعي وثقافي عسير ، و إلا فما الذي يدفع شعراء مثل بلند الحيدري وحسين مردان ، وناقداً مثل نهاد التكرلي ، وقصاصين مثل نزار سليم ونزار عباس ،’إلى اعتناق الوجودية ، أو ادعائها ، أو التأثر بها ، كل على طريقته ؟ وما الذي يدفع قاصاً ماركسياً متزمتاً مثل عبد الملك نوري إلى كتابة قصة مثل قصة ‘ غثيان ‘ وهو الذي كان يهاجم الوجودية والوجوديين بقسوة بالغة ؟ وما الذي يدفع مثقفاً مثل عبد الرحمن نايف إلى إصدار مجلة ( الكاتب العربي ) تروج للفكر الوجودي ؟ ما الذي كان يدفع كل هؤلاء وغيرهم إلى ذلك غير الإحساس بالتمزق والضياع في ذلك المخاض العسير ؟

والواقع إن شخصية البياتي نفسها شخصية قلقة ، بل قل : إشكالية ، بطبيعته . والشاعر عنده ، كما يقول ‘ لا يتوقف هنا أو هناك ، إنه متسكع ، وجوّاب آفاق لا يقر له قرار . فإن توقف قليلاً ، فلكي يلتقط أنفاسه ، ولكي يعيد تنظيم قلقه واستبصاره وتشوفه للمستقبل ‘.(33) ولذلك ، وبرغم اعتناقه الماركسية وارتباطه مدة من الزمن بالحزب الشيوعي ، لم يكن” شيوعياً ‘ بالمعنى الحزبي الضيق ، ولم يؤد فرائضه الحزبية كما يفعل الحزبيون الملتزمون ، بل كان متمرداً عليها ، كما يروي بعض رفاقه ، وكما سمعنا منه . بل هو لم يعتنق الماركسية ، ولم ينتم إلى الحزب الشيوعي ، ولم يكتب ‘ شعراً واقعياً ‘ إلا بدافع من شعوره الوطني وانحيازه للفقراء والمضطهدين . ولذا سرعان ما تخلى عن ارتباطه الحزبي ، وصار ينتقد التجربة السوفييتية وجمودها ، ويدخل مع الشيوعيين العراقيين في خصومة استمرت حتى وفاته .(34)

وهكذا فإن ما كتبه كاظم جواد عن رومانسيته ‘ الخائبة ‘ ووجوديته ‘ المفتعلة ‘ وواقعيته ‘ الغامضة ‘ ، وعن وصف شخصيته الشعرية بعدم الوضوح ، يقع ، في الواقع ، ضمن إطار التنافس الشخصي بين شعراء ذلك الجيل وأدبائه كما ذكرنا ، ومنه التنافس حول صدقية كل منهم في تبنيه ‘ الواقعية ‘ مذهباً في الشعر ، العصي على كل مذهبية ، ولا يخرج في حقيقته عن هذه الحدود ، وهو في جميع الأحوال رأي سياسي متزمت لا مسوغ له . وفي الإجمال يمكننا القول : إن الشاعر كاظم جواد لم ينصف زميله البياتي في نقده ديوانه ، حتى وإن أقر بأن قصيدتيه ‘ القرصان ‘ و’ ريح الجنوب ‘ هما ‘ من روائع الشعر العربي المعاصر ‘ . وهذا ما يصح قوله ، إلى حد كبير ، على ما كتبه حسين مردان ومحيي الدين’إسماعيل .

أما كتاب الدكتور إحسان عباس فلا يسعنا هنا استعراض ما جاء فيه من أفكار وآراء نقدية وتبيان رأينا فيها . غير أننا لابد لنا من القول الآن : إن الكتاب بني على فرضية مفادها أن البياتي قد تأثر بالتصويريين وبالشاعر الأنكلو- أمريكي ت.س. إليوت ، وبنى أهم أحكامه عليها ، في حين أن شعر البياتي ، واهتماماته الخاصة ، ومراجعه الفكرية ، تشير إلى مؤثرات أخرى . ويمكننا القول في الكتاب الآن ، بوجه عام ، إن الدكتور عباس قد أصاب في بعض انتقاداته للديوان وجانب الصواب في انتقادات أخرى . وسبب ذلك ، في ما نظن ، أن الشعر الحر كان ما يزال جديداً حتى على ذائقة النقاد وما ترسب فيها من رواسب الذائقة التقليدية ، وكانت حركة الشعر الحر نفسها تخوض تجاربها الأولى بما فيها من عثرات ومن قفزات ، ولم تكن قد تبلورت بعد حولها مفاهيم نقدية حديثة واضحة ورصينة’، وكان النقاد أنفسهم يحرثون في أرض بكر ويجربون في محاولاتهم النقدية التي تتناول هذا الشعر من دون منهج حديث واضح ذي مفاهيم ومعايير حديثة مستقرة ، ولم يكن الدكتور عباس ، كما نظن ، في منجى من تأثير هذه العوامل في أحكامه وانتقاداته ، وسنناقش بعض هذه الأحكام والانتقادات في مواضع متفرقة من هذه الدراسة .

أباريق مهشمة ، الأثر والتأثير :

سئل البياتي عام 1955 عمن تأثر بهم من’الشعراء والأدباء فأجاب بقوله ‘ إن ثقافة الشاعر لا تتكون من تأثره بمثال معين ، وإنما عليه أن يقرأ الإنتاج العالمي بمختلف أنواعه واتجاهاته ، وإن أي عمل إنساني رائع ليترك أثراً في نفس الشاعر دون أي تعمد من جانبه على هذا التأثر … ولا تنحصر ثقافة الشاعر بقراءاته وانكبابه على ما خلفه الآخرون فحسب ، بل هناك أفق أرحب من تجاربه الباطنية الخصبة وهي التي تلعب دورها الحاسم في صبغ إنتاجه بصبغة معينة ‘.(35) وربما كان هذا القول صحيحاً في مجمله ، ولكنه لا ينفي احتمال تأثر الشاعر بشاعر معين آخر أو أكثر .

وبعد اثني عشر عاماً أعطى البياتي في كتابه ‘ تجربتي الشعرية ‘ إجابة عامة هي الأخرى وتحدث فيها عن قراءاته في الشعر العالمي فقال ‘ ومن الشعراء الذين قرأتهم باهتمام بالغ : الجامي وجلال الدين الرومي وفريد الدين العطار والخيام وطاغور . لقد عانى هؤلاء محنة استبطان العالم ومحاولة الكشف عن حقائقه الكلية من خلال تجربة التصوف الممتزجة بالرؤية النافذة . ثم كان هناك شعراء معاصرون ومحدثون : أودن ونيرودا وإيلوار وناظم حكمت ولوركا وألكسندر بلوك ومايوكوفسكي . لقد استوقفتني أشعار هؤلاء ليس فقط لأنهم شعراء مشهورون ، فقد سقط من حسابي شعراء مشهورون كثيرون ، وإنما لأن أشعارهم بجانب أنها تحمل جوهر الشعر الحقيقي ، تحمل قدرة النفاذ من خلال الموسيقى والصورة الرؤية إلى وجدان الإنسان المعاصر ‘.(36)

ويلاحظ هنا أن البياتي قد قدم أودن على جميع من ذكر من الشعراء المعاصرين . وكان قد قال ، قبل ذلك ، في كتابه نفسه ‘ وإنني لأذكر كيف ألهبت مشاعري في ذلك الوقت كتابات أودن وأشعاره بغنائيتها الواقعية التي سبقت إليوت إلينا ‘.(37) فهل نفهم من هذا أنه قد تأثر بأودن ، أم نقبل منه جوابه العام ؟

الواقع ، ليس هناك في شعر البياتي ما يدل على أنه تأثر بأودن قليلاً أو كثيراً ، بل هناك ما يدل على أنه تأثر بغيره من الشعراء ، فمن هؤلاء الذين تأثر بهم ؟

يرى الدكتور إحسان عباس في كتابه ‘ عبد الوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث ‘ أن البياتي قد تأثر بشعر التصويريين ، وبالشاعر ت.س. إليوت ، وقد بنى أحكامه النقدية التي أطلقها على ديوان ‘ أباريق مهشمة ‘ على هذا الأساس ، كما قلنا من قبل . أما نحن فنرى أن البياتي قد يكون أعجب بعدد من الشعراء وتأثر بهم جميعاً ، بقدر أو بآخر ، وخاصة بعض من ذكرهم في كتابه ‘ تجربتي الشعرية ‘ ، ولكنه تأثر بالشاعر التركي ناظم حكمت ، وليس سواه ، تأثراً صريحاً مباشراً ، وهذا ما تكشف عنه قصائد ديوانه ، خاصة بعض قصائده الواقعية .

وأغلب ظننا أن البياتي لم يكن قد قرأ لناظم حكمت بغير اللغة العربية ، بل لعله لم يقرأ له ، في ذلك الحين ، غير المختارات التي ترجمها الدكتور علي سعد عام 1951 ونشرت في كتاب عام 1952 .(38) والدليل على ذلك ما أخذه من القصائد التي احتواها الكتاب من مفردات وتركيبات أشار إلى بعضها الشاعر كاظم جواد في مقالته عن الديوان ، ونعني مفردات وتراكيب مثل : ‘ وحق أسماء الكلاب ‘ و ‘ العاهر الملعون ‘ و ‘ يا أخت قلبي ‘ و’ قلبي تفاحة حمراء ‘ و’ البغايا الشقر ‘ وغيرها .

والواقع أن تأثر البياتي بناظم حكمت لا يقتصر على هذه الناحية ، بل ذهب إلى أبعد من ذلك ، فقد جاراه في اختيار موضوعاته ، وفي التقاط بعض صوره من الحياة اليومية ، وفي إدخال تضمينات من الأحاديث العادية ، كما استعار شيئاً من قاموس مفرداته .

فطريقة البياتي في اختيار موضوعاته شبيهة باختيارات ناظم حكمت . فإذا كان ناظم حكمت قد كتب عن ‘ بطرسبرغ عام 1917 ‘ وعن ‘ حرب الاستقلال ‘ و’ الحرب العالمية الثانية ‘ ، فقد كتب البياتي عن ‘ كوريا عام 1954 ‘ و’ فيت مين ‘ و’ ماو ماو ‘ . وإذا كان الشاعر التركي قد كتب عن ‘ يونس الأعرج ‘ ، فقد كتب شاعرنا العراقي عن ‘ موت الفلاح محمود ‘ دون أن ينسى صديقه ‘ يوسف الأعرج ‘ ! وإذا كان الأول قد كتب عن المنفى والسجن ، لم يفت الثاني أن يكتب قصيدة ‘ السجين المجهول ‘ و ‘ في المنفى ‘ . وقل مثل ذلك عن كتابة الرسائل إلى الزوجة والأولاد والأصدقاء والمناضلين في دواوينه الخمسة اللاحقة ، وبعضها استمر إلى ما بعد ذلك بزمن طويل وظهر في دواوين أخرى .

ولكن تأثير ناظم حكمت في البياتي لم يتوقف عند حدود العنوانات والموضوعات واقتباس العبارات ، بل شمل القاموس اللغوي ، وبعض التشبيهات والصور ، ومن ثم الأجواء والمناخات . فالثلج والعتمات والمتسولون والمنافي والسجون والرسائل وبطاقات البريد والسل والكلاب والذباب وعشرات المفردات الأخرى هي قاموس مشترك بين الشاعرين ، أو هي من قاموس ناظم حكمت الشعري ولكن البياتي أعطى نفسه حق الشراكة فيه . وقل مثل ذلك عن بعض الصور والتشبيهات ( بعد تعريقها أو من دون تعريق) .

ولكن ينبغي لنا هنا أن ننصف هذا الشاعر ولا نجور عليه . فهو لم يكن ‘ سارقاً ‘ كما كان الشاعر كاظم جواد يتهمه بإصرار ، ولا كان ‘ معلقاً ‘ أو ‘ ملفقاً ‘ كما وصفه الشاعر سعدي يوسف في مقالة تبكيتية نشرها بعد وفاته(39) ، بل كان صانعاً يقتبس ، أو يضمن ، ما يستهويه ويدمجه في عمارة قصيدته بمهارة أحياناً ، أو بفجاجة في أحيان أخرى . فهو لم يتجاوز حدود ‘ التضمين ‘ الذي تسمح به المفاهيم النقدية القديمة ، ولم يتخط حدود ‘ التناص ‘ الذي يسوغه النقد الحديث ، وقدم لنا في نهاية الأمر شعراً من نمط جديد على الشعر العربي قديمه وحديثه .
أما عن طريقة بناء قصيدته بالصور فهو لم يتأثر فيها بأحد على وجه التحديد ، لا بالتصويريين ، ولا بإليوت ، أو غير إليوت ، بل استلهمها من قراءاته العامة في الشعر العالمي الحديث . فهو قد توصل إليها عن طريق التجربة ، وتدريجياً ، وهذا ما يدل عليه منحى تطور قصائده . فهذا المنحى يكشف لنا أن قصيدة البياتي قد مرت بثلاث مراحل متعاقبة ، أو متداخلة هي : القصيدة العمودية التقليدية ، والقصيدة شبه العمودية ، ثم القصيدة الحرة . بل أن قصيدته العمودية نفسها مرت بمرحلتين هما : القصيدة التقليدية كما ورثها عن الرومانسيين العرب ، والقصيدة العمودية المطورة المبنية بالصور . ومن الأمثلة على هذه الأخيرة قصيدته ‘ الأوغاد ‘ :

مهلاً !
هناك !
أرى مدينتهم تنهال في طرقاتها الظلم
مرضى ، وثرثارون ، غائرة أحداقهم ، ومطاعم ، ودم
صبغوا به خوفاً نوافذهم وتقمصوا أسلافهم ، وهمو
للآلة الصماء قد سجدوا وبربها المشؤوم قد حلموا
قالوا : ‘ الجدار غداً سنهدمه برؤوسنا التعبى ، وننهدم
ونعيد للموتى قداستهم فيسودنا من نسلهم صنم
يأوي البنون إلى حظيرته وتشدهم في ركبه قيم
قيم مياه الحقد تحملها من شاطيء جدب فتنحطم ‘

… وهناك !
مهلاً ! ثمّ محرقة ملأ البيوت دخانها النهم
هبط الظلام ونارها أبداً – مجنونة حمراء تضطرم
‘ مامون ‘ والدولار يدعمه – بإزائها والفكر والعدم
وصبية تبكي ، ومركبة يسطو على حوذيها خدم
و أرى بغايا ينتحبن على حب تدوس رفاته قدم
وعيون شحاذ””’ملوثة ودماً يسيل ، وباعة وجموا
من أين ؟
والأمطار تحجبهم عنا وسقف الليل ينهدم
إنا هجرناهم ، وليس لنا في أرضهم بعث ، ولا رمم

في هذه القصيدة أكثر من معلم من معالم القصيدة الحرة الحديثة ، أهمها هو البناء بالصور . وأهم ما يميز هذه الصور تباعدها ، وتنافرها ، ثم تفاعلها لتكوين صورة كلية مفتوحة ، حتى ليمكن القول : إنها كانت ستكون قصيدة حديثة من قصائد البياتي لولا الوزن التقليدي والقافية التقليدية الموحدة .

والقصيدة ، كما تكشف لنا مفرداتها ، بياتية خالصة . فهي تمتح من قاموس البياتي الخاص الذي تتردد مفرداته ، أو أشباهها ، في قصائد ديوانه الأخرى . وطريقته في ربط صورها المتباعدة بـ ( واو ( العطف هي نفسها التي نجدها في تلك القصائد ، لاسيما الحرة منها . والغموض الذي يلف صورتها الكلية هو الغموض نفسه الذي يلف الكثير من قصائده ، ومنها بعض قصائده الواقعية . وقل مثل ذلك عن البداية المفاجئة التي بدأ بها القصيدة وعن اهتمامه بالتنقيط وتضمين الأقوال .

غير أنه لم ينتقل من هذه القصيدة وأمثالها إلى القصيدة الحرة مباشرة في ما يبدو ، بل بعد أن جرب التصرف قليلاً بالوزن ، وكتابة قصائد شبه عمودية ( أو شبه حرة ) منها بعض ما نشره في هذا الديوان مثل : المحرقة ، وانتظار ، والذئب ، وتمت’اللعبة . ولنأخذ مثلاً قصيدة ‘ انتظار ‘ :

صلّي لأجلي !
عبر أسوارِ
وطني الحزين ، الجائع ، العاري
وعلى رصيف المرفأ انتظري
– يا كوكبي الساري
وحديث سماري
قلبي مياه البحر تحمله
تفاحة حمرا … كتذكار
وعبير آذار
ورفاق أسفاري
يتلمسون طريق عودتهم
ورسائلي وأبي وأزهاري
وكلبنا الضاري

يعوي ، وعينا شيخ حارتنا
مصلوبتان على لظى النار
وشجيرة الليمون يسرقها
مهما تعالت صبية الجار
… وكقبرات الصبح ، هائمة
والموت والثارِ
ستظل أفكاري
تعلو وتعلو عبر أسوار
وطني الحزين ، الجائع ، العاري
وأنا وأطماري
في غربة الدار
وحدي بلا حب وتذكار

ينطبق على هذه القصيدة ما قلناه عن القصيدة السابقة مع فارق واحد هو : أنها ليست عمودية ، بل شبه عمودية إذا صح الوصف . فهي من بحر الكامل ، ولكن فيها تصرفاً محدوداً في الوزن نجم عن المزج بين الكامل ومجزوئه ، وبذلك أصبحت أقرب إلى القصيدة الحرة من سابقتها ، بل هي تقرّب من هذه القصيدة ومحاولة في الانتقال إليها .
وربما كانت قصيدة ‘ صخرة الأموات ‘ وأمثالها مما لم ينشر في الديوان الخطوة الأخيرة التي خطاها الشاعر نحو كتابة القصيدة الحرة . بل أن هذه القصيدة تنطبق عليها ، كما سنلاحظ ، جميع مواصفات القصيدة الحرة ما عدا شيئاً واحداً هو : وحدة قافيتها . وحتى وحدة القافية لم تعد تنتقص من أية قصيدة حرة مكثفة قصيرة مثل هذه القصيدة :

نامي !
وقبّل شعرها
أختاه نامي !
بيني وبين سمائك الزرقاء
أجيال من البؤساء
نامي !
صمّ عن الدنيا ، بلون الخوف
كانوا والرغام
عاشوا على الأوهام

كالديدان تنهش في الرمام
أحياؤهم موتى
وموتاهم خفافيش الظلام
لم يعرفوا نور السماء
ولا تباريح الغرام
أما نساؤهم
فجرذان تعيش على الهوام
بيني وبين سمائك الزرقاء
صخرتهم
فنامي !

إذن هذه القصائد كلها ، وأمثالها في الديوان ، قد بنيت بالصور المأخوذة من حالات متباعدة ، وكلها يرفد من معجم شعري واحد هو معجم البياتي ، وكلها يبدأ بدايات مفاجئة ، وهذا مما يجعلنا نرجح أن قصيدة هذا الشاعر قد تطورت تطوراً داخلياً متدرجاً ، وقد يكون متداخلاً في مرحلته الأخيرة ، حتى وصلت إلى الشكل الحر الذي وصلت إليه . وهذا ناجم عن تأثير قراءاته العامة في الشعر العالمي الحديث ، وليس تأثير مذهب شعري معين ، أو شاعر معين من الشعراء دون غيره . وبذلك يختلف رأينا مع رأي الدكتور عباس . وإذا كان هذا الناقد الفاضل قد وجد قرابة وافتراقاً بين قصيدة البياتي وقصائد التصويريين ، أو بينها وبين قصيدة إليوت ، مثلما وجد تشابهاً ، فهذا طبيعي ، لأنهم ، جميعاً ، ينتمون إلى الشعر الحديث ، ولأن البناء بالصور أصبح أسلوباً شائعاً في هذا الشعر .

أباريق مهشمة ، الشعر وتقنياته :

قلنا في ما تقدم : إن البياتي قدم لنا في ديوانه ‘ أباريق مهشمة ‘ شعراً من نمط جديد على الشعر العربي ، قديمه وحديثه . وهذه حقيقة سنحاول هنا جلاءها .

حين صدر هذا الديوان ، بل حين نشر البياتي قصائده الحرة خلال الأعوام 1951 1953 في المجلات اللبنانية والعراقية لم يكن غيره من الشعراء قد نشروا إلا القليل من النماذج الشعرية الجديدة المكتوبة بالشعر الحر .
فنازك الملائكة لم تكن قد نشرت سوى قصيدة ‘ الكوليرا ‘ عام 1947 ، وإحدى عشرة قصيدة أخرى نشرتها مع ‘ الكوليرا ‘ في ديوانها ‘ شظايا ورماد ‘ عام 1949 . ثم قصيدة واحدة أو قصيدتين من القصائد التسع التي نشرتها في ديوانها ‘ قرارة الموجة ‘ الصادر عام 1957 .

أما السياب فلم يكن قد نشر حتى ذلك الحين سوى إحدى عشرة قصيدة ، واحدة منها في ديوان ‘ أزهار ذابلة ‘ الصادر في أواخر عام 1947’، والعشر الأخرى نشر بعضها في الصحف المحلية عامي 1948 و 1949 ، ثم ضمها معاً إلى ديوانه ‘ أساطير’ الصادر عام 1950 . وفي عام 1952 نشر مطولته ‘ حفار القبور ‘ في كراس ، ونشر بعدها مطولته الثانية ‘ الأسلحة والأطفال ‘ في مجلة ‘ الطريق ‘ عام 1953 قبل نشرها في كراس عام 1954 . أما مطولته ‘ المومس العمياء ‘ فلم يتسن لها النشر إلا عام 1954 ، وإن كان قد نشر مقاطع قليلة وقصيرة منها في الصحف المحلية عام 1953 . ولكن هذه المطولات الثلاث ، في رأينا ، قصائد شبه عمودية في أوزانها وإيقاعاتها .
وأما بلند الحيدري فلم يكن قد نشر من الشعر الحر ما يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة . وقل مثل ذلك عن كاظم جواد وشاذل طاقة وصفاء الحيدري .

نكتفي بذكر هؤلاء لأنهم كانوا أبرز الأوائل الذين كتبوا شعراً حراً في العراق . أما في غيره من أجزاء الوطن العربي فقد تأخر الشعراء ( نسبياً ) في كتابة الشعر الحر . فأولى قصائد نزار قباني الحرة ، مثلاً ، كانت قد نشرت في مجلة الأديب عام 1952 وهي بعنوان ‘ حبلى ‘ . أما صلاح عبد الصبور فلم ينشر شيئاً من هذا الشعر قبل عام 1954 . وأما خليل حاوي فقد نشر أولى قصائده الحرة بعد ذلك بعام أو أكثر . ناهيك عن أدونيس ويوسف الخال وسواهما .
ولو نظرنا بعمق في قصائد ‘ أباريق’مهشمة ‘ التي نشرت في ‘ الأديب ‘ عامي 1951 و1952 ، ثم في ‘ الآداب ‘ وغيرها عام 1953 ، لرأينا فيها قفزة تقنية كبيرة ، إذا قارناها بغيرها مما أشرنا إليه توّاً من قصائد كتاب الشعر الحر ، فكان ديواناً فريداً حقاً بين جميع ما صدر قبله من دواوين . ولذا أصبحت له قيمة تاريخية قد تفوق ، أو تضاهي في الأقل ، قيمة مقدمة نازك الملائكة لديوانها ‘ شظايا ورماد ‘ الفريدة هي الأخرى في رأينا . وهذا ما سنحاول جلاءه الآن . ولكننا سنقتصر على مقارنة قصائد هذا الديوان بقصائد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة المنشورة قبل عام 1954 ، أي قبل صدوره في مطلع هذا العام ، بوصفهما أقدم من كتبوا شعراً حراً بوعي وتصميم بين سائر الشعراء العرب .

لا شك في أن البياتي استفاد من تجربتي السياب والملائكة ومن بعض إنجازاتهم التقنية في كتابة الشعر الحر ، ولكنه تجاوزهما في ‘ أباريق مهشمة ‘ وكتب قصيدة حديثة بمعنى الكلمة ، قصيدة لا تكاد تمت إلى القصيدة الكلاسيكية ، أو القصيدة الرومانسية ، بأية صلة . وهذا ما سنوضحه تفصيلاً . ولكن قبل الحديث عن شعرية هذا الديوان نجد من الضروري تقديم أنموذجين اثنين من هذه القصائد ليكونا شاهدين على ما نراه .

أول هذين الأنموذجين هو قصيدة ‘ الأفّاق ‘ المكتوبة عام 1951 والمنشورة في مجلة ‘ الأديب ‘ عام 1952 :

سكتت وأدركها الصباح ، وعاد للمقهى الحزين
كالسائل المحروم ، كالحلزونِ
ينتظر المساء
وغداً ستوصد بابها في وجهه ، ويعود للمقهى الحزين
ولا يعود
كالسائل المحروم ، ينتظر المساء
ولربما سيقول عنه الآخرون _ ويهزأون
من سره المدفونِ …
: ‘ أفّاق لئيم ! ‘

ويضحكون ويوصدون
أبوابهم في وجهه ، ويعود للمقهى الحزين
كالبيدق المخذولِِ
كالحلزون يحلم بالمراعي والحقول
بالشمس تجنح للأفول ، وبالفيافي الموحشات ، وبالرحيل
ونبي قريته ، وصوت ‘ العمدة ‘ القاسي النحيل
وبالسنابل والربيع
ورضيع جارته الوديع
ويستفيق
على صدى مذياع مقهاه الحزين
يعلو ويعلو فوق صوت الآخرين :
‘ من آخر البستان بل من آخر الدنيا
أتينا ! ‘ فوق صوت الآخرين
وفي الطريق
البرد والعربات والليل الطويل
ومنازل الموتى’، وشحاذ هزيل
ونوافذ بيض منورة ، وآلاف النجوم
تخبو ، وطائرة تحوم
ويعود يحلم بالمراعي والحقول
كالبيدق المخذول ، كالحلزون
يحلم بالحقول
ويستفيق

على صدى مذياع مقهاه الحزين
يعلو ويعلو فوق صوت الآخرين :
‘ الفجر _ رغم تمائم الموتى _ قريب ‘
وفي الطريق
الليل والعربات والفجر القريب
ويعود يحلم بالفيافي والسماء
وبالمساء وباللقاء
وبقهقهات الآخرين
‘والباب يوصد دونه والبرد والمقهى الحزين
وبالسعال تسحه رئتاه والدم والظلال
وبالرجال الضائعين
يتشاجرون ويضحكون ويوصدون
أبوابهم في وجهه ، ويعود للمقهى الحزين
ولا يعود
كالسائل المحروم ، ينتظر المساء .

أما الأنموذج الثاني فهو قصيدة ‘ الملجأ العشرون ‘ التي كتبت عام 1952 ونشرت في مجلة ‘ الآداب ‘ عام 1953 :

كفراغ أيام الجنود العائدين من القتال
وكوحشة المصدور في ليل السعال
كانت أغانينا ، وكنا هائمين بلا ظلال
مترقبين الليل ، أنباء البريد :
‘ الملجأ العشرون ،
ما زلنا بخير ، والعيال
_ والقمل والموتى _ يخصون الأقارب بالسلام ‘
والذكريات الفجة الشوهاء تعبر ، والخيام
والريح والغد والظلام

كوجوهنا غبّ الرحيل :
‘ أماه ما زلنا بخير ‘ والذئاب
تعوي وتعوي عبر صحراء السهاد :
‘ يا إخوتي من أين نبدأ ؟ من هنا ! ‘ ليل السعال
وبريدنا الباكي المعاد :
‘ لاشيء يذكر لم تزل يافا ، وما زال الرفاق
تحت الجسور وفوق أعمدة الضياء
يتأرجحون بلا رؤوس في الهواء
ولم يزل دمنا المراق
على حوائطها القديمة ، واللصوص
وحقولنا الجرداء يغزوها الجراد ‘

‘ من هاهنا أماه ! أعواد المشانق والحريق
من هاهنا بدأوا ونبدأ ، والطريق
وعر طويل
لا عاش رعديد ذليل ‘

يافا ، نعود إليك غداً مع الحصاد
ومع السنونو والربيع
ومع الرفاق العائدين من المنافي والسجون
ومع الضحى والقبرات
والأمهات

‘ الملجأ العشرون
ما زلنا بخير ، والعيال
والأخوة المتشردون
من قبونا النائي يخصون الأقارب بالسلام ‘ .

موضوعا هاتين القصيدتين واقعيان . فالأولى تتحدث عن رجل أفاق ، هامشي ، مريض بالسل ، مرفوض في البيت ، وفي المقهى ، والآخرون يسخرون منه ويوصدون الأبواب في وجهه ، بينما يحلم هو برحيل لا سبيل إلى تحققه ، فيظل على ما هو عليه . وما كان أكثر أمثال هذا الرجل في أحياء بغداد الفقيرة ، بغداد الأربعينيات والخمسينيات . أما الثانية فهي عن اللاجئين الفلسطينيين أيام كانوا ، في سنوات اللجوء الأولى ، يتبادلون الرسائل مع ذويهم في بقايا فلسطين وفي الملاجيء المنتشرة في العراق وفي أقطار عربية أخرى ، في رسائل صوتية عبر برامج خصصها لهذا الغرض بعض الإذاعات العربية .

وليس الموضوع ما يهمنا هنا في هاتين القصيدتين أو غيرهما من قصائد ‘ أباريق مهشمة ‘ ، بل بناء قصيدة البياتي في هذا الديوان ، ولغتها ، وصورها ، وتقنياتها الأخرى ، وما هاتان القصيدتان إلا أنموذج لها . فالموضوع موجود دائماً ، وهو مطروح على قارعة الطريق على رأي الجاحظ ، قد تشترك في معالجته القصيدة التقليدية والقصيدة الحديثة ، وإنما المهم هو شكل المعالجة ، والتقنيات الفنية المستخدمة فيه ، فالشكل هو الذي يحدد الفرق بين هذه وتلك . وهذا ما سنحاول استكشافه في قصيدة البياتي مقارنة بقصيدة كل من زميليه : السياب والملائكة ، المنشورة في الحقبة نفسها .

1- في الرؤية الشعرية :

لعل ‘ الرؤية الواقعية ‘ للحياة والكون والأشياء والعلاقات ، واحدة من أبرز سمات الشعر الحديث . ولعل التعامل مع الواقع تعاملاً موضوعياً هو من أبرز سمات هذه الرؤية ومن أهمها ، لأنه هو الذي يكسبها واقعيتها ، ويميزها عن سواها من الرؤى الشعرية ، وخاصة ‘ الرؤية الرومانسية ‘ . فهذه الأخيرة تتسم ، عكس الأولى ، بالعاطفية في النظر إلى الحياة والكون والأشياء والعلاقات ، وبالانسياق وراء الأحلام والأوهام والغرق في فيوض الوجدان ، والميل إلى الكآبة والانطواء . ولذا اتسمت الرؤية الواقعية بمخاطبة العقل واستثارة روح التأمل والتفكير أكثر من استثارة المشاعر الوجدانية ، بينما اتسمت الثانية بتهييج العواطف واستدرار العطف والشفقة .

ولسنا نقصد بالرؤية الواقعية هنا رؤية مدرسية أو أيديولوجية ، بل نقصد ‘ الرؤية الحديثة ‘ التي تنتمي إلى عصرنا في ما وصل إليه من تطور مادي وفكري ، ومن نمو وتضخم وتعدد وتنوع في المؤسسات ، ومن تعقيد في العلاقات الاجتماعية والفردية .

ولو قارنا قصائد ‘ أباريق مهشمة ‘ الحرة بغيرها من قصائد شعراء تلك الحقبة ، وخاصة قصائد بدر السياب ونازك الملائكة ، لوجدناها تختلف عنها ، وتمتاز عليها ، بالرؤية الواقعية ، بغض النظر عن لونها المذهبي . فقد كانت قصائد هذين الشاعرين تتسم برؤية رومانسية عاطفية للحياة ، وهذا واضح كل الوضوح في قصائد ديوانيهما ‘ شظايا ورماد ‘ و’ أساطير ‘ . بل أن هذه الرؤية كانت تغلب حتى على قصائدهما التي تتناول موضوعاً سياسياً أو اجتماعياً ، وهذا ملموس في قصيدتي نازك ‘ مرثية امرأة لا قيمة لها ‘ و’ الراقصة المذبوحة ‘ المنشورتين في ديوانها ‘ قرارة الموجة ‘ ، وفي قصيدتي السياب ‘ حفار القبور ‘ و’ المومس العمياء ‘ .

فلو أخذنا قصيدتي السياب هاتين مثلاً لوجدنا الرؤية الرومانسية تتجسد في نمط البطل المختار في كلتيهما ( أي حفار القبور والمومس العمياء ) . فنمط هذين البطلين نمط رومانسي ، شأنهما شأن بطلتي قصيدتي نازك الملائكة . وقد عبر الشاعر عن مأساة كل منهما برؤية رومانسية يكشف عنها ما في قصيدتيه من تداعيات نفسية ومشاهد وصفية ومحاولات لاستدرار العطف والشفقة ، كما تكشف عنها النظرة الجزئية للواقع الاجتماعي وغلبة المنطق الجبري على أسلوب المعالجة ، في حين تتميز قصائد البياتي ( قصيدة : مذكرات رجل مجهول ، مثلاً ) بصلابة المشاعر والميل إلى التشكك والسخرية والبعد’عن الافتعال والإغراق في العاطفة ، وكل ذلك من سمات الرؤية الواقعية التي يتميز بها الشعر الحديث . وقد يعود ذلك ، في جانب منه ، إلى تكوين كلا الشاعرين النفسي ، ولكنه يظل فارقاً جوهرياً في رؤية كل منهما وفي أسلوب معالجته لمشاكل الواقع الاجتماعي .

2- في بناء القصيدة :

بناء قصيدة البياتي في ‘ أباريق مهشمة ‘ يختلف اختلافاً جذرياً عن البناء في قصائد السياب والملائكة المنشورة قبل صدور هذا الديوان . فهو لدى هذين الشاعرين بناء تراكمي طولي ، يبدأ بمقدمات وتمهيدات ، ثم ينمو المعنى شطراً فشطراً ، ومقطعاً فمقطعاً ، في تسلسل منطقي ، وتعاقب كمي ، حتى يكتمل على النحو الذي يريده الشاعر لتنتهي القصيدة بنهاية محددة ومغلقة . أما قصيدة البياتي فليس فيها هذا التسلسل المنطقي ، ولا هذا الامتداد التعاقبي الطولي ، بل هي تبدأ من نقطة اعتباطية بداية مفاجئة ، من دون مقدمات ، وتنمو بصور من بيئته ، ومن بيئات شتى أحياناً ، تلتقطها عينه من الواقع ، وأخرى تأتيه من الذاكرة ، وأخرى يسعفه بها خياله أو قراءاته ، وأخرى يقتبسها من نصوص غيره ، ويقدمها في شكل من أشكال التداعي الحر ، معززاً إياها بأصوات يسمعها ( صوت إنسان ، أو مذياع ، أو حيوان ، أو نبات ، أو رياح ، أو غير هذا وذاك ) وبتداعيات نفسية أو ذهنية أو لفظية ( منولوجات ، حوارات ، مقولات ، أمثال ، حكم ، أبيات شعر ، أو غيرها ) فيجتمع كل ما يعطينا منه اجتماعاً يبدو متنافراً في ظاهره ، ولا رابط يربطه سوى ( واوات ) العطف أحياناً ، ولكنه ، في الواقع ، مزيج من صور وثيمات وموتيفات تتفاعل في ما بينها كما تتفاعل عناصر المركب الكيمياوي ، لتعطينا في النهاية تشكيلاً شعرياً مفتوحاً ينطوي على رسالة سياسية أو اجتماعية ( غالباً ) وليس تشكيلاً مبنياً بناءاً طولياً متدرجاً ذا نهاية مقفلة يقودنا إليها المنطق حتى نتلقاها و نسترد أنفاسنا ، كما هو الحال عند زميليه : السياب والملائكة .

هذا يعني أن قصيدة البياتي قصيدة حلم وانفعال وتداع حر ، لا تخضع في بنائها إلى تصميم سابق مرسوم ( أو حتى متخيل ) وصيغ منطقية مترابطة وكأنها عمل فكري من أعمال العقل ، كما هو الحال عند زميليه ، بل هي أشبه بالقصيدة السريالية ، فوضى منظمة تلتقي فيها الصور المرئية بالصور المتخيلة ، والذكريات القديمة بالوقائع الراهنة ، والأفكار اللحظية بالمحسوسات الآنية ، لتتفاعل وتندمج معاً في صورة كلية نتخيلها ونسهم في إكسائها بدلالتها النهائية عن طريق التأمل والحدس والتخيل . وهذا نمط جديد من الكتابة الشعرية كان البياتي أول من أدخله إلى الشعر العربي الحديث وسبق به كتاب قصيدة النثر وتجاربهم الأولى فيها بأكثر من عقد من الزمن .
نعم ، كانت طريقة البناء هذه هي الجديدة على الشعر العربي في حينه ، وهي الأقرب إلى شكل البناء في قصائد الشعر الحديث ، وليس قصائد الملائكة والسياب . ذلك أن هذين الشاعرين كانا ما يزالان مشدودين إلى القصيدة الرومانسية كما ورثاها عن الرومانسيين العرب والأجانب ، ومن أبرز ما في هذه القصيدة : البناء المقطعي Stanzaic Form والسرد المنطقي المتسلسل ، وهذا ينطبق على قصائد السياب في ديوانه ‘ أساطير ‘ وفي مطولاته الثلاث ، كما ينطبق على قصائد الملائكة في ديوانها ‘ شظايا ورماد ‘ .

فقد كان السياب مولعاً ببناء قصائده بناءاً مقطعياً صارماً ، بخلاف ما ذهب إليه الناقد عبد الجبار داود البصري في قوله ‘ وقصائد السياب الحرة ليس فيها ما هو مقفى بقافية واحدة ، أو منظمة بأعداد حسابية ما عدا قصيدة : المعبد الغريق ‘ (40). فالتنظيم الحسابي واضح كل الوضوح في قصائد ديوان ‘ أساطير ‘ الحرة ، إذ لم يكن السياب قد تحرر منه في حينه . ويظهر هذا التنظيم في تساوي عدد أشطر المقاطع في كل قصيدة من هذه القصائد . فقصيدة ‘ سوف أمضي ‘ تتكون من (3) مقاطع يتكون كل منها من (7) أشطر . وقصيدة ‘ في السوق القديم ‘ تتكون من (11) مقطعاً يتكون كل منها من (10) أشطر . وقصيدة ‘ سراب ‘ تتكون من (3) مقاطع يتكون كل منها من (9) أشطر . وقصيدة ‘ اللقاء الأخير ‘ تتكون من (7) مقاطع يتكون كل منها من (6) أشطر . وقصيدة ‘ في ليالي الخريف ‘ تتكون من (3) مقاطع يتكون كل منها من (22) شطراً . وقصيدة ‘ أغنية قديمة ‘ تتكون من (5) مقاطع يتكون كل منها من (10) أشطر . وقصيدة ‘ أساطير ‘ تتكون من (6) مقاطع يتكون كل منها من (11) شطراً . ولم تشذ عن ذلك سوى قصيدتي ‘ نهاية ‘ و ‘ في القرية الظلماء ‘ . فقد تباين عدد أشطار هما ، ولكنه تباين طفيف جداً ، حتى أننا لا نستطيع أن نعده شذوذاً .

ولهذا النمط من البناء عيوبه من دون ريب . فهو يفضي إلى الاستطراد ، وخاصة عند شاعرية متدفقة مثل شاعرية السياب . أما إذا اقترن بالتزام عدد معين من الأشطر ، كما هو الحال في قصائده المذكورة ، فإنه يقود إلى التعكز على الحشو والتطويل ، وفاءاً بهذا الالتزام . وهذا يؤدي ، بدوره ، إلى خلخلة بنائها . ولذا بدت قصائده القصيرة نسبياً ، مثل قصيدتي ‘ سراب ‘ و ‘ نهاية ‘ أحكم بناءاً من سواهما من هذه القصائد .

وقد كان السياب يبدأ غالبية هذه القصائد بمقطع تمهيدي وصفي ليمضي ، بعدئذ ، في سبيله . إذ كان مولعاً بتحضير الديكورات ورسم الأجواء والتمهيد لموضوع القصيدة بمقدمة طويلة قبل الشروع في سرده ، والأمثلة على ذلك تجدها في قصائده : في السوق القديم ، ونهاية ، وأساطير ، وأغنية قديمة ، وغيرها ، كما تجدها في مطولاته الثلاث . بل هو لا يكتفي أحيانا ً بمقطع وصفي واحد وإنما يسنده بمقطع وصفي آخر ، كما في قصيدة : في السوق القديم ، في حين كان البياتي يبدأ قصائده من نقطة اعتباطية بداية مفاجئة ، كما قلنا ، والأمثلة واضحة في قصائده التي استشهدنا بها .

وبينما كان الإيجاز والتكثيف والاكتفاء بالإشارة السريعة والإلماحة العابرة خصيصة من خصائص شعر البياتي ، وربما ميزة من ميزات بناء قصائده ، كان السياب ميالاً ، سليقة ، إلى الإطناب والإفاضة في السرد والتفصيل ، وكان هذا عيباً من عيوب شعره في كثير من الأحيان ، وخاصة المبكر منه . و كان هو يشعر بهذا العيب ، ويشكو منه ، كما لاحظنا في إحدى رسائله إلى الدكتور سهيل إدريس .(41) وكثيراً ما كان يضطر إلى حذف مقاطع تطول أو تقصر من قصيدته ، بناءاً على إحساسه بثقلها ، أو استجابة لمشورة من صديق . ولذلك كان بطيئاً في الكتابة ( نسبياً ) ، وحريصاً على مراجعة قصيدته بعد إكمالها ، وكان لا ينشر القصيدة إلا بعد ان يطمئن إليها . بل هو قد يعيد النظر في قصائده المنشورة ويحذف منها ما يراه نافلاً فيها ، أو يكتفي بإجراء تعديلات عليها لأسباب فنية غالباً ، وسياسية أحياناً . وقد أحصى الباحث المصري حسن توفيق اثنتي عشرة قصيدة حذف مقاطع أو أشطراً منها ،’وأربع عشرة قصيدة أجرى تعديلات عليها . فمن القصائد التي أصابها الحذف مثلاً : هل كان حباً ، والأسلحة والأطفال ، أنشودة المطر ، وجميلة بوحيرد ، وأغنية في شهر آب ، وحدائق وفيقة . ومن القصائد التي أجرى تعديلات عليها : عرس في القرية ، والمخبر ، وقافلة الضياع ، ومن رؤيا فوكاي ، وشباك وفيقة .(42)

ما قلناه عن الإطناب في شعر السياب يمكن أن نقول بعضه على شعر نازك الملائكة . فهي الأخرى ميالة إلى الاستطراد والإفاضة في السرد والتفريع ، ويظهر هذا بوضوح في قصائدها المقطعية ، وبدرجة أقل في قصائدها الحرة . فهي تعمد إلى بسط المعنى وجلائه ، ولكن بالدوران حوله ، وإضاءته بالمزيد من الوصف والاستدعاء ( لا التداعي ) . وكثيراً ما ترتكز في ذلك على تكرار ‘ لازمة ‘ تنطلق منها لإضافة مقطع جديد ، سواء جاءت اللازمة في بداية المقطع أو في نهايته . ومن الأمثلة على’ذلك في قصائدها الحرة : مرثية يوم تافه ، ويوتوبيا في الجبال ، وفي جبال الشمال ، ولنكن أصدقاء ، المنشورة في ديوانها ‘ شظايا ورماد ‘ .

وقد تعمد نازك ، مثل السياب ، إلى وضع المقدمات ، ورسم الأجواء ، ووصف البيئة الخارجية ، في قصائدها ، بقصد إحداث أثر نفسي لدى القاريء يمهد له الدخول إلى عالم القصيدة . ومن ذلك ما تراه في قصائد مثل : الخيط المشدود في شجرة السرو ،’ومر القطار ، وفي جبال الشمال ، ونهاية السلم .

وينبغي التذكير هنا : بأن الإطناب والتفصيل عيب من عيوب الشعر التقليدي . فهذا الشعر يعتد بطول النفس ، وتوليد المعاني ، وكثرة الأبيات ، وتعدد الأغراض ، وحسن الانتقال من غرض إلى غرض في القصيدة الواحدة ، لتكون القصيدة ‘ عصماء ‘ بحق . وقد ورث الرومانسيون العرب هذا العيب عن أسلافهم التقليديين في ما يبدو ، وزادوا طينه بلّة بتهويماتهم الوصفية وإنشاءاتهم اللفظية ودورانهم حول المعاني وتفريعها من زوايا متعددة . ويبدو أن السياب ونازك قد ورثاه عن هؤلاء ، خاصة أنه يلائم مزاجيهما وميليهما إلى البوح والكشف ، ويتفق مع قدرتهما على الاسترسال والتفصيل .

غير أن الشعر الحديث لا يحتمل الإطناب والاسترسال ، سواء أكانت القصيدة طويلة أم قصيرة . ذلك أن من خصائصه الإيجاز والتكثيف والاكتفاء بالرمز والإيحاء بالإشارات العابرة واللمح السريع والتضمين الخاطف . وهذا مما لم ينتبه إليه السياب والملائكة في مراحلهما الشعرية الأولى ، بل هو كثيراً ما رافقهما في مراحلهما الشعرية التالية ، في حين اهتدى إليه البياتي بفطرته وتوافقه مع قصر نفسه وميله إلى الاختزال . وبذلك ، وبغيره ، كانت قصيدته أقرب إلى روح الحداثة من قصيدتيهما ، وقصائد غيرهما ممن حاولوا كتابة الشعر الحر في حينه ، باستثناء بلند الحيدري وصفاء الحيدري في قصائدهما المختزلة التي كانا ينشرانها .

3- في لغة القصيدة :

مما لاشك فيه أن أي تحول شعري هو تحول في اللغة ، في جوهره ، والكتابة بلغة جديدة ، وهذا ما أنجزه البياتي في ‘ أباريق مهشمة ‘ قبل سواه من شعراء جيله .
فأول ما يلاحظ على هذه اللغة أنها تحررت بسرعة من جزالة لغة الشعر الموروث ، ومن ميوعة اللغة الرومانسية وتهاويلها ، واعتمدت على معجم صغير من مفردات معينة انتقاها الشاعر من المعجم العادي ، وحملها دلالات سياسية واجتماعية جعلت منها بنيات رمزية محددة ، تسندها إشارات تاريخية وجغرافية ، وأسماء أعلام ، وحكم وأمثال ، وأبيات شعرية متداولة ، وشعارات سياسية ، والتقاطات سريعة من الحياة اليومية ، فكانت بكل ذلك لغة جديدة على الذائقة التي تعودت عل تلقي لغة الشعر التقليدي ولغة الشعر الرومانسي ، وجديدة على الشعر العربي .
إننا نعني مفردات مثل : الليل ، والظلام ، والضباب ، والجدار ، والذئاب ، والضباع ، والمسوخ ، والغربان ، والجراد ، والرحيل ، والنفي ، والسجن ، والجوّاب ، والأفّاق ، والشحاذ ، والسجان ، وأخرى مثل : الفجر ، والشمس ، والصباح ، وديك الصباح ، والنهار ، والضياء ، والربيع ، والعديد من مثل هذه الكلمات ومن مثل تلك ، مع مشتقاتها وما يتصل بها من نعوت ومن صور ومناخات . فهذه كلها لم تكن تعني في قصائد البياتي معناها المعجمي فحسب ، بل تحمل في داخلها دلالات سياسية واجتماعية . فهي ليست لغة الحديث اليومي كما ذهب الدكتور إحسان عباس ، بل لغة أخرى غير هذه اللغة ، وغير اللغتين التقليدية والرومانسية .

أكيد أن لتبلور موقف البياتي الفكري والسياسي ، ولتبنيه مذهب ‘ الواقعية ‘ في الأدب والفن ، دوراً في توجيه لغته نحو معجم معين من المفردات يعبر عن معتقداته الأيديولوجية وآرائه السياسية ، ولكنه هو من صنع من هذه المفردات بنيات رمزية دالة على معان سياسية واجتماعية . ونحن لا نزكي هنا هذه اللغة ، أو نفضلها ، بل نصفها ، ونقر ، بعد ذلك ، بأنه لم يطور هذه البنيات ويفتح حدودها على عالم الشعر الرحيب ، بل استهلكها بنوع من التناص الداخلي المتصل في دواوين لاحقة ، وجاراه في استهلاكها شعراء ثانويون لا يمتلكون مهاراته من داخل العراق وخارجه ، حتى رثت شبكة علاقاتها الداخلية واندرجت في المألوف ، ولكنها ، برغم ذلك ، كانت ما تزال طازجة في حينه ، وجديدة على الشعر العربي ، وكانت أقرب إلى لغة الشعر الحديث من لغة السياب والملائكة .

ذلك أن لغة هذين الشاعرين كانت ما تزال رومانسية في روحها ومعجم مفرداتها ، وتقليدية في معاييرها البلاغية ، خاصة من حيث علاقة الدال بالمدلول . فالدال في هذه اللغة لا ينتج مدلولاً جديداً ، أو بنية رمزية ، بل ينتج مدلولاً مطابقاً أو مألوفاً أو متوقعاً . فالليل مثلاً هو الليل ، والقمر هو القمر ، والحزن هو الحزن ، والسكون هو السكون ، والوحدة هي الوحدة ، والظلم هو الظلم .. إلخ . وكانت كل جملة في قصيدتيهما تعني ذاتها وتطابق دلالتها في الواقع . أما التشبيهات والكنايات والاستعارات فهي كالنعوت ، ليس لها ، في الغالب ، سوى قيمة إيضاحية . فلابد لطرفي الاستعارة ، مثلاً ، من وجه شبه قريب من الإدراك العادي ، حتى حين تنحرف ، وهذا نادر ، عن قوانين اللغة .
وخلاصة القول في لغة هذين الشاعرين أنها كانت ، يومئذ ، لغة سياقية فضفاضة ، مثقلة بالنعوت والتهاويل ، وكان العقل هو المتحكم بنسج شبكة علاقاتها الداخلية ، ولذلك لم تكن لغة شعر حديث ، بل لغة شعر رومانسي في الرؤية وفي المعجم ، ولغة شعر تقليدي في معاييرها البلاغية ، في حين جاء البياتي بلغة مختلفة كما أوضحنا .

4- في الصورة الشعرية :

يلاحظ قاريء ‘ أباريق مهشمة ‘ أن البياتي يبني هيكل قصيدته الحرة بحشد من صور جزئية متناثرة تتفاعل دلالاتها لتعطينا في النهاية صورة كلية بهيئة تشكيل شعري مفتوح ، ولكنه ينطوي على رسالة سياسية أو اجتماعية في قصائده الواقعية ، وعلى غيرها في قصائده الرومانسية والوجودية . فالصورة الجزئية في القصيدة ليست مطلوبة لذاتها ، أو لزخرفة بناء القصيدة بها ، بل لتتفاعل مع غيرها من الصور ، وتلتقي إيحاءاتها ودلالاتها بإيحاءات ودلالات غيرها لإنشاء هيكل القصيدة وتشكيلها النهائي . ومن هنا فهي ليست طارئة في القصيدة ، أو فائضة عن الحاجة ، بل أنها ضرورة من ضرورات بنائها .

فصور قصيدة ‘ سوق القرية ‘ التي استشهد بها الدكتور إحسان عباس للتدليل على تأثر البياتي بالتصويريين ، ليست مطلوبة لتقديم مشهد قروي معين ، بل للإيحاء بصورة واقع اجتماعي كانت القرية العراقية تعيشه في خمسينيات القرن العشرين . والقرية هنا ليست قرية البياتي حصراً ، بل هي كل القرى العراقية في ذلك الحين ، ومن ثم فإنها كناية عن العراق كله ، العراق الذي لم يكن يومئذ سوى ريف كبير بائس ، وكانت صورة سوق القرية من أكثر الصور تعبيراً عن واقعه .

ولو قارنا هذه القصيدة بقصيدة السياب ‘ السوق القديم ‘ ، لوجدنا بينهما اختلافاً جوهرياً . فقصيدة السياب عنيت هي الأخرى بالصور ، ولكنها استخدمتها في بناء مشهد ملائم يستعيد فيه الشاعر ذكرى وداع حدث بينه وبين حبيبته ، انطلاقاً من شموع رآها في السوق فذكرته بشموع العرس الذي ستزف فيه حبيبته إلى غيره . ولذا لم يكن السوق القديم موضوعه ، بل ضياع الحبيبة ، ووظيفة الصورة في قصيدته ليست بنائية بل وصفية ، أو زخرفية ، وقد انتقاها الشاعر ورتبها في صورة كلية مرسومة مسبقاً لتؤدي وظيفة كوظيفة الديكور في المشهد المسرحي في المسرحيات التقليدية . وهذا هو الفارق في الواقع بين وظيفة الصورة في القصيدة الرومانسية ووظيفتها في القصيدة الحديثة . فوظيفتها في الأولى وصفية ، أو زخرفية جمالية ، ووظيفتها في الثانية بنائية . ولذا جانب الصواب كل من ظن أن البياتي قد تأثر بقصيدة ‘ السوق القديم ‘ في كتابة الشعر الحر ، أو كتابة قصيدته ”سوق القرية ‘ ، ومن هؤلاء الناقد عبد الجبار داود البصري .(43)

وحتى لو افترضنا أن البياتي قد أطل على قصيدة السياب هذه ، أو تأثر بها ( وهذا ما نستبعده ) فإنه عارضها في واقع الأمر ، كما يعارض الشاعر التقليدي قصيدة شاعر آخر ، والأهم في هذه المعارضة هو الفارق الجوهري بين أسلوب التصوير وغايته ووظيفته في كلتا القصيدتين .
لنأخذ مثلاً هذا المقطع من قصيدة السياب :

الليل ، والسوق القديم
خفتت به الأصوات إلا غمغمات العابرين
وخطى الغريب ، وما تبث من نغم حزين
في ذلك الليل البهيم

إن التصوير هنا في هذا المقطع تصوير وصفي ، والمناخ رومانسي ، وعين السياب لم تلتقط من منظر السوق إلا ما كان معبراً عن وضعه النفسي وشعوره بالوحشة والغربة والحزن ، بمفردات شائعة في الشعر الرومانسي ( الليل البهيم ، السوق القديم ، خفوت الأصوات ، خطى الغريب ، نغم الريح الحزين ) . ولذا لم تتجاوز الصورة هنا حدود وظيفتها الوصفية المنسجمة مع أحاسيسه الداخلية .
ولنأخذ الآن هذا المقطع من قصيدة البياتي :

الشمس ، والحمر الهزيلة ، والذباب
وحذاء جندي قديم
يتداول الأيدي ، وفلاح يحدق في الفراغ :
‘ في مطلع العام الجديد
يداي تمتلئان حتماً بالنقود
وسأشتري هذا الحذاء ‘

برغم أن التصوير في هذا المقطع يبدو وصفياً في ظاهره ، ولكنه ليس كذلك في حقيقته . فعينا الشاعر لم تلتقطا من صور السوق إلا ما كان له دلالة إيحائية أو رمزية ، ولم تجيئا منها إلا بما يوحي بالفقر والبؤس ، وما جاءتا به ينافي الذوق الرومانسي ويجافيه ( الحمر الهزيلة ، الذباب ، حذاء الجندي القديم ، الفلاح الذي يحلم بشراء هذا الحذاء ) . ودلالة أية صورة من هذه الصور لا تتكامل إلا باجتماعها وتفاعلها مع دلالات الصور الأخرى في’هذا المقطع وفي القصيدة كلها . ومن هنا كانت وظيفتها في القصيدة وظيفة بنائية ، ووجودها في القصيدة وجود عضوي ، لأن كلاً منها حجر مهم من حجارة عمارتها . وهذا مما سبق إليه البياتي في كتابة القصيدة الحديثة .

على أن البياتي لم يتأثر في هذا بالتصويريين ، أو بإليوت ، كما ذهب الدكتور إحسان عباس ، بل تأثر بناظم حكمت في الأرجح ، أو توصل إليه من خلال قراءاته العامة في الشعر’العالمي الحديث . ولذا ظهرت للدكتور عباس تلك الفوارق التي شخصها بين تصويرية البياتي وتصويرية التصويريين .

ما قلناه عن السياب في مجال استخدام الصورة ينطبق على نازك الملائكة ، وإن كانت طاقتها الشعرية غير طاقته ، وقدرتها على الاسترسال والتدفق غير قدرته . ويتضح هذا بجلاء في قصائد مثل ‘ في جبال الشمال ‘ و’ مرثية يوم تافه ‘ و’ يوتوبيا في الجبال ‘ . فالصور في هذه القصائد ، وفي غيرها ، ليس لها وظيفة بنائية عضوية ، بل وظيفة وصفية كمية ، وهدفها هو الاستطراد والتفصيل ، بل قل الدوران حول المعنى الواحد لإيضاحه وجلائه من زوايا مختلفة .

فلو أخذنا قصيدة ‘ في جبال الشمال ‘ مثلاً لوجدنا أن الشاعرة تقول المعنى الواحد وتظل تدور حوله من دون أن تضيف إليه إضافة جوهرية ، أو تتسع به اتساعاً ترود به أفقاً جديداً أرحب من أفقه المحدود . فمن أجل أن تقول ‘ عد بنا يا قطار فإن المكان هنا موحش حزين ‘ تكتب مقطعاً كاملاً توضح فيه هذا المعنى . ومن أجل أن تقول ‘ عد بنا يا قطار فإن هناك من ينتظرنا ‘ تضيف مقطعاً إيضاحياً آخر لتسويغ العودة . فهي لا تلمح بل تشرح ، ولا تكثف بل تفصل ، وتضيف مقاطع أخرى للقصيدة ، حتى تنهيها من دون أن يخرج المعنى عن هذه الحدود ، وإذا بعشرات الصور التي حشدتها في واحد وتسعين شطراً لا تؤدي سوى وظيفة إيضاحية ، على ما في بعضها من جمال وبلاغة .

5- في العروض والإيقاع :

مما لا ريب فيه أن البياتي استفاد من تجربة زميليه ، نازك والسياب ، على الصعيد العروضي والإيقاعي ، وربما تعلم منهما كيف يكتب الشعر بأشطر يتباين عدد تفعيلاتها وتتنوع قوافيها ، غير أنه صار بعد زمن يسير أكثر تحرراً منهما في كتابته .

ذلك أن السياب نقل الشكل المقطعي التقليدي إلى شعره الحر والتزم به التزاماً صارماً يتنافى ومبدأ الحرية . فقد قسم قصيدته الحرة إلى مقاطع ، والتزم في كل مقطع من مقاطعها بعدد واحد من الأشطر ، كما بينا من قبل . وهذا مما حد من حريته ، وفرض على قصيدته ومقاطعها ضرباً من ضروب الحشو والإضافة أدى في كثير من الأحيان إلى ترهلها ، وخير مثل على ذلك قصيدته ‘ السوق القديم ‘ .

وزيادة على ذلك كان السياب ميالاً إلى بناء الشطر الواحد بما لا يزيد عن أربع تفعيلات ، وهذا مما يجعل الشطر أشبه بالبيت التقليدي . أما إذا أراد التنويع فكان الأقرب إلى متناوله هو الشطر ذو التفعيلتين ، وكان يندر أن تجد له شطراً من ثلاث تفعيلات أو خمس ، حتى لتبدو القصيدة وكأنها قصيدة تقليدية تعتمد في عروضها على البحر ومجزوئه . وقد غلب هذا على قصائده القصيرة في ديوان ‘ أساطير ‘ وقصائده الطويلة ‘ حفار القبور ‘ و’ المومس العمياء ‘ و ‘ الأسلحة والأطفال ‘ . فهو لم يخرج عن حدود عدد التفعيلات الأربع إلا نادراً . وكان قصر التفعيلة هو الذي يضطره إلى هذا الخروج في ما يبدو . فقد لاحظنا أن هذا لم يحدث إلا في قصيدتين نظمتا على بحر الخبب ( فعلن ) هما ‘ أغنية قديمة ‘ و’ في ليالي الخريف ‘ . ولهذا لم تتحرر قصيدته من أثر إيقاع القصيدة التقليدية إلا قليلاً ، وخاصة مطولاته الثلاث’، وظلت روح هذا الإيقاع غالبة عليها . فأنت إذ تقرأ قصيدة ‘ الأسلحة والأطفال ، مثلاً ، فكأنك تقرأ قصيدة عمودية لم يخرجها من عموديتها تنوع القوافي ، ولا التغيير الجزئي في عدد التفعيلات هنا أو هناك .

أما نازك الملائكة فلم تقسم قصيدتها الحرة مثل ذلك التقسيم المقطعي الصارم الذي اتبعه السياب ، ولم تلتزم بعدد ثابت من الأشطر في مقاطعها إلا في قصيدة ‘ الكوليرا ‘ . ولكنها’كانت هي الأخرى تفضل الأشطر رباعية التفعيلات وثنائيتها ، ولم يحدث أن تجاوزت ذلك إلا نادراً . ومع هذا لم تخل قصيدتها من بعض الحشو والترهل ، سواء أكان ذلك نتيجة الدوران حول المعنى الواحد ، أم الرغبة في تنويع عدد التفعيلات وتكرار بعض القوافي . فكثيراً ما كانت تستوفي المعنى في شطر من الأشطر وتأتي بشطر آخر فائض عن الحاجة ، شطر محشو ليس لوجوده من وظيفة سوى تنويع عدد التفعيلات’، أو تكرار قافية معينة .

أما على صعيد التقفية ، فقد كان السياب يحرص على تنويع القافية ، ولكنه كان يلتزم القافية الواحدة في عدة أشطر متعاقبة ، وإن لم يفعل فإنه يعود إليها ويكررها بعد شطرين أو ثلاثة . وربما كان هذا بسبب اعتياده كتابة الشعر العمودي . وكذلك كانت نازك الملائكة تفعل ، ولكن بدرجة أقل . غير أنها كثيراً ما كانت تعتمد على النعوت في الإتيان بقوافيها ، وكانت هذه النعوت يستدعي بعضها بعضاً ، في اصطناع ثقيل واضح أحياناً . فالوادي العميق المخيف يستدعي الجوز الرقيق الوريف . والقرية الشاحبة تستلزم وجود الأنجم الغاربة . والسكون الثقيل يتطلب وجود الطريق الطويل . والصمت الأصم لابد له من اللون المدلهم ، وهكذا .

أما البياتي فقد تخلصت قصيدته من الشكل المقطعي الرومانسي تخلصاً كاملاً ، ولم تلتزم بعدد معين من الأشطر ، أو تكثر من تكرار القافية الواحدة . فكان عدد تفعيلات أشطره يتراوح بين الواحدة والخمس ، وخير الأمثلة على ذلك قصيدته ‘ مذكرات رجل مجهول ‘ . والقوافي عنده لا تتكرر إلا مرة واحدة ، وإذا زاد تكرارها عن ذلك فهو نادر ، بل هو حدث في قصيدة واحدة إن شئت هي قصيدة ‘ في المنفى ‘ . ولكنه قد يهمل التقفية إهمالاً كاملاً ، أو شبه كامل ، حتى لتبدو القصيدة وكأنها مرسلة بلا قافية كما في قصيدته ‘ أباريق مهشمة ‘ . ولهذا كله كانت قصيدته أكثر تحرراً من قصيدتي زميليه على الصعيد العروضي والإيقاعي .

غير أن السياب والملائكة تفوقا عليه في عدد ما استخدما من بحور الشعر في كتابة القصيدة الحرة . فهو لم يستفد من تجريب زميليه العروضي إلا في حدود ضيقة ، ولم يستخدم في قصائده الحرة سوى بحرين هما : الكامل والرمل ، وكانت حصة الكامل أكبر بكثير من حصة الرمل . فمن مجموع ست وعشرين قصيدة حرة لم يستخدم الرمل إلا في أربع ، بينما بقيت القصائد الأخرى تهدر برنين بحر الكامل ، في حين استخدمت الملائكة كل البحور التي أطلقت عليها في ما بعد تسمية ‘ البحور الصافية ‘ ، فكتبت في : الكامل والرمل والمتقارب والمتدارك والخبب والسريع ، وفعلت ذلك بوعي وتصميم على التنويع والتجريب ، وكانت سباقة فيه . وقد جاراها في ذلك السياب ، وإن يكن أكثر من استخدام الكامل والمتقارب في حينه .

6- في التقنيات الشعرية :

ولقد استفاد البياتي من التقنيات الشعرية التي جربها زميلاه ،السياب والملائكة، مثلما استفاد من تجربتهما العروضية ، ولكنه أضاف إليه ما استفاده من قراءاته العامة في الشعر العالمي الحديث ، وخاصة شعر ناظم حكمت .
فالسياب ، مثلاً ، استخدم التداعي في قصائد عدة من قصائده ، وأشار إليه في مقدمة ديوانه ‘ أساطير ‘ وسماه ‘ تنادي المعاني وتداعيها ‘ ،’وظهر ذلك في أجلى صوره في قصيدة ‘ حفار القبور ‘ . فقد انطوت هذه القصيدة على حوار ذاتي ( مونولوج ) طويل يتكون من عشرات الأشطر . ولكن من أبرز ما حققه على هذا الصعيد هو ما جاء في قصيدة ‘ نهاية ‘ في ديوان ‘ أساطير ‘ . فقد اقترن التداعي في هذه القصيدة بذلك اللعب المتفنن في تقطيع عبارة بذاتها ( عبارة : سأهواك حتى ) حد التلاشي ، فكانت محاولة ناجحة حاول تقليدها كثيرون ، ولم ينجحوا نجاحه .
أما الحوار فاستخدمه السياب في قصيدتي ‘ السوق القديم ‘ و ‘ اللقاء الأخير ‘ ، ولكنه كان ، على ما فيه من براعة تقنية ، حواراً ميلودرامياً مسهباً من تلك الحوارات التي كنا نسمعها حين نشاهد بعض الأفلام الرومانسية القديمة .
ونادراً ما استخدم السياب الأصوات الجانبية في شعره في هذه المرحلة ، ، ومن هذا النادر ما جاء في قصيدته ‘ المومس العمياء ‘ ، كصرخة بائع الطيور ، وغمغمات الفلاحين ، وصوت أغنية ‘ سليمة ‘ ، وغيرها . ولكنه كان أبرع في استخدام نداء السماسرة المتجولين في حارات بغداد لشراء الأسرة والأدوات الحديدية العتيقة ، ونعني نداء ‘ حديد .. رصاص .. رصاص .. حديد ‘ الذي استوحى منه قصيدته ‘ الأسلحة والأطفال ‘ .

ولم يستخدم السياب الأسماء التاريخية والأسطورية لتوسيع آفاق معانيه إلا في قصيدة ‘ المومس العمياء ‘ . والأسماء التي استخدمها هي : ميدوزا ، وقابيل ، وهابيل ، وأوديب ، وجوكوست ، وطيبة ، وأبو الهول ، وأبو العلاء المعري ، وأفرودايت ، وفاوست ، وهيلين ، وأبولو ، وياجوج . ومن دون ريب أن استخدام كل هذه الأسماء في قصيدة واحدة لابد أن ينطوي على دلالة ، وهي أن الشاعر قد انتبه إلى أهمية هذا الاستخدام فاعتمده في قصيدته هذه ، وبهذه الكثرة . أما قبل ذلك فقد كانت له’بعض الاستخدامات العارضة في بعض قصائده التقليدية ، على غرار ما كان يفعله علي محمود طه أحياناً . ومن الأسماء التي استخدمها : شاعر الليالي ( دو موسيه ) شهرزاد ( سيمفونية ريمسكي كورساكوف ) ، ومجنون ليلى ، والعبقري المريض ( كيتس ) ، والأرض الخراب ( عنوان قصيدة إليوت ) . وعلى أية حال كان هذا الاستخدام إشارياً شكلياً في الحالتين ، ولكنه التفاتة أولى منه إلى أهمية استخدام الرموز والإشارات الأسطورية والتاريخية .

ويمكن القول عن هذه الاستخدامات إجمالاً : إنها محاولات تجريبية كان بعضها ينجح فيكون جزءاً حيوياً من بنية القصيدة ، وكان بعضها يخفق فيطفو على سطحها كالزبد . ولكنها تبقى محاولات سباقة في الشعر الحديث في كلتا الحالتين .

ويبدو أن نازك الملائكة لم تهتم بصفة أساسية إلا بتقنيتين هما : التداعي ، الذي أطلقت عليه وصف : الهذيان الداخلي ، والتكرار . أما التقنيات الأخرى فقلما التفتت إليها . وقد كان اهتمامها بهاتين التقنيتين واعياً ومدروساً ، وهذا ما كشفته مقدمة ديوانها ‘ شظايا ورماد ‘ بشأن التداعي ودراستها اللاحقة عن أساليب التكرار التي نشرت في مجلة ‘ الأديب ‘ عام 1952 .

أما التداعي فقد استخدمته ، كما قالت في مقدمة ديوانها ، في قصائد ‘ الخيط المشدود في شجرة السرو ‘ و’ مر القطار ‘ و’ الأفعوان ‘ . وفي رأينا أنها نجحت في الأولى أكثر من نجاحها في القصيدتين الأخريين . وأما التكرار فقد استخدمته كثيراً ، وبأشكال متنوعة ، وفي قصائد كثيرة من قصائدها المقطعية ومن تلك المكتوبة بالشعر الحر ، حتى كاد يكون أحد خصائص شعرها .

وقد اتخذ التكرار في قصائدها الحرة شكلين أساسيين : تكرار كلمة بعينها ، أو تكرار عبارة ، تتخذ من كل منهما متكأ لبناء قصيدتها . ومن أمثلة ذلك تكرار كلمة ‘ الموت ‘ في قصيدة ‘ الكوليرا ‘ ، وتكرار جملة ‘ ماتت ‘ أو ‘ إنها ماتت ‘ في قصيدة ‘ الخيط المشدود في شجرة السرو ‘ . ولكن أكثر ما عنيت به هو تكرار العبارة سواء في قصائدها الحرة أم في قصائدها المقطعية . إذ كانت تعمد إلى اصطناع ‘ لازمة ‘ معينة تكررها في بدايات مقاطع قصائدها ، أو أواسطها ، أو أواخرها ، مستفيدة من تجارب الشاعر الأمريكي إدغار ألن بو في هذا المجال ،’وخاصة في قصيدته : الغراب ، ومما كتبه هذا الشاعر في مقالته المعروفة ‘ فلسفة التأليف ‘ . وكانت هي السباقة في ذلك بين زملائها .(44(

أما البياتي فقد استخدم كل التقنيات التي استخدمها زميلاه وزاد عليها . والفارق الجوهري بينه وبينهما أنهما كان يركزان على استخدام تقنية واحدة في القصيدة ، ويبرزان هذا الاستخدام ، فيكون طابع التجريب واضحاً فيه ، في حين كان البياتي يستخدم عدة تقنيات في القصيدة ، ويدمجها في بنيتها ، وكأنه قد تجاوز مرحلة التجريب . ولا نستثني من هذا التعميم سوى قصائد السياب الطوال .

فلو أخذت أي قصيدة من قصائد البياتي الحرة لوجدته يستخدم فيها تقنيات السرد والتداعي والتكرار . وكثيراً ما تجد إلى جانبها تقنيات أخرى ساندة لها ، كالحوار ، والأصوات الجانبية ، والحكم والأمثال ، والإشارات التاريخية والجغرافية ، والشعارات السياسية ، وغيرها . وبذلك’وضع كل هذه التقنيات قيد التداول العام حتى أصبحت مألوفة في الكتابة الشعرية الحديثة ، وملكاً مشاعاً يفيد منه من يشاء من الشعراء ، بهذا القدر أو ذاك ، وبحسب قدراتهم ومهاراتهم وذكائهم دون أن تعد هذه الاستفادة سطواً على أحد ، أو تقليداً لأحد .

غير أن البياتي استخدم هذه التقنيات بطريقة مختلفة عن طريقة زميليه . فالسرد عنده ليس سرداً متصلاً ، بل ينقطع بصورة مفاجئة ثم يعود أو لا يعود . والتداعي ليس تداعياً منطقياً متماسكاً ، بل تداع فوضوي حر كما هو التداعي في واقعه . والتكرار عنده لا يخضع لقاعدة معينة ، أو وصفة من الوصفات التي قدمتها نازك الملائكة في دراستها عن ‘ دلالات التكرار في الشعر ‘ بل هو نتيجة من نتائج فوضى التداعي الحلمي ولا منطقيته . وقل مثل ذلك عن التقنيات الأخرى . ولذلك جاء بناء قصيدته مختلفاً على النحو الذي فصلنا الحديث فيه عندما تناولنا بناء القصيدة في ما سبق من هذا البحث .

خاتمة :

بكل ذلك ، وبغيره أيضاً ، كانت تجربة البياتي الشعرية في ديوان ‘ أباريق مهشمة ‘ تجربة خاصة ، وكانت شخصيته الشعرية شخصية مميزة بين جميع الشعراء العرب ، وقصيدته فريدة ببنائها ، ولغتها ، ومفرداتها ، وصورها ، وتقنياتها ، ومهاراتها . بل أن هذه القصيدة أصبحت ‘ أنموذجاً ‘ شعرياً ينسب إليه ، ويعرف باسمه ، بكل ما له و كل ما عليه . فصار ثمة ‘ قصيدة بياتية ‘ يشار إليها بالبنان ، وأصبح تأثير هذه القصيدة في قصائد غيره من الشعراء واضحاً يكتشفه القاريء منذ الوهلة الأولى .

وقد استفاد من تجربة البياتي هذه شعراء عديدون من العراق ومن غيره من الأقطار العربية . فحين تقرأ قصائد صلاح عبد الصبور الحرة المبكرة التي بدأ نشرها في مجلة ‘ الآداب ‘ وغيرها منذ عام 1954 ، والتي جمعها في ما بعد في ديوانه الأول ‘ الناس في بلادي ‘ عام 1957 ، تجد فيها ملامح من قصيدة البياتي وتقنياتها واضحة بينة . وأنت إذ تقرأ قصائد محمود درويش في أول ديوانين من دواوينه ترى الشيء نفسه . وقل مثل ذلك عن شعراء آخرين مثل : سميح القاسم في فلسطين ، وجيلي عبد الرحمن ومحيي الدين فارس من السودان ، وقاسم حداد من البحرين ، وغيرهم من الشعراء العرب المعروفين والمغمورين ، سواء من’استمر منهم وتطور وعلا صيته ، أم من توارى وطواه النسيان . أما في العراق فقد قلد البياتي شعراء كثيرون ، مهمون وثانويون ، ومن أبرز هؤلاء كاظم جواد في ديونه الوحيد ‘ من أغاني الحرية ‘ ، والشاعر حسين مردان في كثير من قصائد ديوانيه ‘ طراز خاص ‘ و ‘ أغصان الحديد ‘ .

وينبغي القول هنا إن البياتي استطاع أن ينشيء أنموذجه هذا ، قبل أن يفلح السياب في إنشاء أنموذجه الخاص به والمدموغ بدمغته في كتابة القصيدة القصيرة . فشعر السياب قبل عام 1954 ، أي قبل صدور ديوان ‘ أباريق مهشمة ‘ كان ما يزال ينقصه الكثير لكي يعد شعراً حديثاً بمعنى الكلمة . ويرى الدكتور إحسان عباس ، ونحن معه في رأيه ، أن قصيدة ‘ أنشودة المطر ‘ كانت ‘ فاتحة ما يمكن أن نسميه : شعر السياب الحديث ‘ ، برغم ما فيها من ‘ الصبغة التقريرية ‘ .(45) وقد ظل ، بعد نشر هذه القصيدة ، يجرب مختلف الأساليب في كتابة القصيدة ، ويتراوح بين كتابة القصيدة الطويلة والقصيدة القصيرة ، وكتابة القصيدة الحرة والقصيدة العمودية ( مرثية الآلهة ) ، ويمزج بين العمودي والحر أحياناً ، ويتلقى مؤثرات متباينة ( لوركا ، إديث ستويل ) ، ويخفق في البناء أكثر مما ينجح ، إلى أن اهتدى إلى نموذجه الشعري في أواخر خمسينيات القرن الماضي ، واستقر عليه ، ولم يستقر في واقع الأمر ، ولكنه أصبح ، برغم ذلك ، أنموذجاً يقترن باسمه في البناء واللغة والإيقاع والرموز .

وليس من شأننا الآن أن نقرر أي الأنموذجين كان أكثر تفوقاً ، فهذه عملية نقدية معقدة تتطلب جهداً آخر ، وقد تتدخل الذائقة الخاصة في بناء أحكامها ، ولكن في وسعنا القول إن لكل من الأنموذجين مزاياه وعيوبه . وقد سعى كلا الشاعرين إلى تطوير أنموذجه ، ولكن المرض والموت اختطفا السياب في وقت مبكر وحرما الشعر العربي من طاقة شعرية عظيمة كان يمكن أن تحقق له المزيد من الإنجازات ، في حين عاش البياتي بعده أكثر من ثلاثة عقود طور فيها أنموذجه وخطا به خطوات جديدة ، وإن بعد انتكاس طويل .

وليست هذه الدراسة معنية بتفضيل شاعر على شاعر ، بل معنية فقط بأي الشعراء سبق زملاءه إلى كتابة قصيدة حديثة ، أو أقرب إلى الحداثة . صحيح أن تجربة الشعر الحر في العراق’كانت حركة جماعية أسهم في شق طريقها وتطويرها وإغنائها شعراء عديدون ، ومن أكثر من جيل ، وفي مقدمتهم السياب ونازك والبياتي وبلند الحيدري ، ولكن لكل واحد من هؤلاء ، أو غيرهم ، إسهاماته الخاصة وإنجازاته التي يمكن تشخيصها وتحديد دوره في الحركة بمجملها . والإشارة إلى أسبقية أحدهم في هذه المسألة أو تلك ، لا تضير غيره ، ولا تعني طمس إسهاماته أو نكران دوره .

وقد كشفت لنا هذه الدراسة أن البياتي سبق الجميع إلى كتابة القصيدة الحديثة ، أو الأقرب إلى الحداثة من سواها ، بالرغم من أنه لم يكن الأول ولا الثاني في من كتبوا القصيدة الحرة . ذلك أن حداثة القصيدة ليست مجرد خروج على الوزن التقليدي والتقفية التقليدية ، بل هي هذه ، وجملة من التقنيات في اللغة والبناء وغيرهما . ومن هنا تأتي أهمية ديوان ‘ أباريق مهشمة ‘ وتميزه ، بل امتيازه ، بين ما نشر قبله أو معه من الشعر الحر . فهو أول ديوان شعر عربي يقطع كل الخيوط التي تربط هذا الشعر بالقواعد والمعايير التقليدية ، وينطلق إلى فضاء جديد واسع ، بناءاً ولغة وتقنية ، ويفتح الطريق رحبة أمام غيره . وهذه مسألة تاريخية مهمة ، في رأينا . وإذا كانت قصيدة ‘ أبريق مهشمة ‘ التي أعلن وجودها في الصفحة الأخيرة من ديوانه ‘ ملائكة وشياطين ‘ الصادر عام 1950 قد كتبت في هذا العام أو قبله بعام ، فقد يصح القول : إنها أول قصيدة عربية قطعت صلاتها مع الشعر التقليدي بأنموذجيه : الكلاسيكي والرومانسي .

وأكيد أن بعض قصائد هذا الديوان الحرة لا يخلو من العيوب : عيوب في البناء ، أو في اللغة ، أو في التصوير ، أو في استخدام التقنيات ، ولكن فيه قصائد عديدة ، وليس واحدة أو اثنتين ، على مستوى متميز من الفن والإبداع ، وهي ما تزال تحتفظ بطزاجتها وأهميتها حتى اليوم ، وستبقى من الشعر الخالد على مر الزمن ، إن لم يكن لقيمتها الفنية ، فلقيمتها التاريخية في الأقل . ومن هذه القصائد ، عدا الأنموذجين اللذين قدمناهما في ما سبق ، قصائد : مسافر بلا حقائب ، ريح الجنوب ، القرصان ، ذكريات الطفولة ، عشاق في المنفى ، موعد مع الربيع ، الحديقة المهجورة . هذا ، وينبغي ألا ننسى أن هذا الديوان هو ديوان تجريبي على صعيد كتابة الشعر العربي الحديث ، وعلى صعيد تجربة صاحبه الشخصية ، وهذا يتطلب منا شيئاً من التسامح مع عيوبه.
وما من ريب في أن البياتي استفاد من تجربتي السياب ونازك ، كما أشرنا في مواضع مختلفة من هذه الدراسة ، ولكنه تخطاهما ، أو سبقهما ، إلى كتابة القصيدة الحديثة كما رأينا . ولا ينكر أن هذا الشاعر قد اقتبس من شعراء آخرين عبارات وثيمات ( عدّها بعضهم سرقات ) ولكن مقتبساته كانت ، في الواقع تناصّات دمجها في قصيدته وجعلها بنية من بنياتها .

وربما تقدم عليه بعض الشعراء ( السياب مثلاً أو حصراً ) في مرحلة لاحقة ، في نمط من أنماط كتابة القصيدة الحديثة ، ولكن هذا لا ينال من أسبقيته التي حققها قبله في ديوان ‘ أباريق مهشمة ‘ . ففي الوقت الذي كان فيه السياب يكتب قصائده المهمة التي قامت عليها مكانته الشعرية وأصبحت ‘ أنموذجاً ‘ طليعياً في الشعر العربي الحديث قلده فيه العديد من الشعراء ، انتكست تجربة البياتي وخفت بريقها ، وظهر هذا الانتكاس في الكثير من قصائد دواوينه الخمسة اللاحقة : المجد للأطفال والزيتون ، وأشعار في المنفى ، وعشرون قصيدة من برلين ، وكلمات لا تموت ، والنار والكلمات ، برغم أنه كان يحاول تلافي الانتقادات التي وجهت إلى شعره ، وينقيه من الشوائب ، ويجعله أوضح في التعبير عن التزامه وعن رسالته السياسية والأيديولوجية . فلقد أوغل في الهجاء السياسي ، وأفرط في استخدام أسلوب توجيه الرسائل والإهداءات إلى الآخرين ، وتخلى عن نمط البناء الذي توصل إليه في قصائد ‘ أباريق مهشمة ‘ بدل تطويره ، وراح يكتب قصائد تراكمية بسيطة يغلب عليها الارتجال ، ويستهلك فيها قاموسه الرمزي الصغير ، بدل فتح بنياته ، حتى رث هذا القاموس ، وأصبحت كل قصيدة تكرر ذاتها في تناص متصل مع القصائد الأخرى ، حتى بدا وكأنه لم يعد لديه جديد .

غير أن هذا كله لا ينبغي أن يمنعنا من رؤية الإنجاز الكبير ( في حينه ) الذي حققه في ديوانه ، ومن الاعتراف بأن هذا الديوان كان مفاجأة حركة الشعر لنفسها ، وأنه هو البياتي من حقق هذه المفاجأة .

الهوامش :

(1) يظهر هذا بوضوح من رسائل السياب التي كتبها إلى الدكتور سهيل إدريس رئيس تحرير مجلة ‘ الآداب ‘ اللبنانية خلال الأعوام 1954 1956 . راجع”’رسائل السياب ماجد صالح السامرائي ط2/المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت/1994/ص ص105-122 . ويظهر أيضاً من تعليقات الشاعر كاظم جواد التي نشرت خلال عامي1954 و1955 في المجلة نفسها .
(2) سامي مهدي/المجلات العراقية الريادية ودورها في تحديث الأدب والفن 1945 -1958/دار الشؤون الثقافية العامة بغداد/1995 راجع الفصول الخاصة بمجلات : الأسبوع ، الثقافة الجديدة ، الكاتب العربي
(3) المصدر نفسه/ راجع ص ص 73-78
(4) حسين مردان/مقالات في النقد الأدبي/المطبعة العربية بغداد/1955/ص 59
(5) الثقافة الجديدة/العدد الأول/تشرين الثاني 1953
(6) خضر الولي/آراء في الشعر والقصة الجزء الأول الخاص بالشعر/مطبعة دار المعرفة بغداد/1956/راجع ما قاله كل من السياب والبياتي وكاظم جواد في واقعيته وواقعية زملائه في أحاديثهم .
(7) سامي مهدي/نهاد التكرلي _ رائد النقد الأدبي الحديث في العراق/دار الشؤون الثقافية العامة بغداد/2001/ص ص 56 61
(8) نازك الملائكة/ الشعر والمجتمع/الأديب/العدد 7/تموز 1953
(9) حبيب محمد كريم/نازك الملائكة والشعر الاجتماعي/الأسبوع/العدد22/آب 1953
(10) راجع مثلاً : عبد الملك نوري وما قاله عن ‘ اللون المقتول ‘ لنزار سليم في مقالته ‘ صور خاطفة من حياتنا الأدبية ‘ في جريدة : أخبار الساعة/عدد 2/4/1950 ثم ما قاله عن ‘ أشياء تافهة ‘ للكاتب نفسه في : الأديب/العدد 6/حزيران 1950
(11) الأسبوع/العدد 22/آب 1953
(12) الثقافة الجديدة/العدد 2/كانون الأول 1953
(13) يخبرنا حسين مردان في كتابه ‘ مقالات في النقد الأدبي ‘/مصدر سابق/ص49/ بأن القصة نشرت في جريدة صدى الأهالي عام 1952 ولكنه لم يذكر تاريخ العدد الذي نشرت فيه .
(14) يوسف الصايغ/الشعر الحر في العراق منذ نشأته حتى عام 1958/مطبعة الأديب _ بغداد/1978/ص59
(15) راجع ما كتبناه عن هذا الموضوع في كتابنا : المجلات العراقية الريادية/مصدر سابق/ص ص 65 _ 82
(16) رسائل السياب /مصدر سابق/ ص 110
(17) عبد الوهاب البياتي /ملائكة وشياطين/ ط1 /دار الكشاف بيروت/1950/ ص 128
(18) اكتفينا هنا بذكر أسماء المجلات وتحديد سنوات النشر ، ولم نوثق النشر تفصيلياً اختصاراً للهوامش .
(19) الآداب/العدد 6/السنة 2/حزيران 1954
(20) نازك الملائكة/قضايا الشعر المعاصر/ط 2/مكتبة النهضة بغداد/1965/ ص 23
(21) رسائل السياب/مصدر سابق/ ص ص 105 114
(22) الآداب/العدد 7/السنة 2/تموز 1954
(23) حسين مردان/مقالات في النقد الأدبي/مصدر سابق/ ص ص 57 70
(24) الآداب/العدد 8/ السنة 2/ آب 1954
(25) الأديب/ الجزء 11/السنة 13/تشرين الثاني 1954
(26) الآداب/العدد 1/السنة 3/كانون الثاني 1955
(27) راجع المقال في كتاب : عبد الوهاب البياتي رائد الشعر الحديث/مجموعة مؤلفين/ دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر _ دمشق / 1958 / ص ص 3- 18
(28) راجع حكاية هذه المقدمة في كتابنا : نهاد التكرلي رائد النقد الأدبي الحديث في العراق/ مصدر سابق / ص ص 69-70
(29) رسائل السياب/مصدر سابق/ ص ص 105-106
(30) حسين مردان/مقالات في النقد الأدبي/مصدر سابق/ص ص 78- 82
(31) إحسان عباس/عبد الوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث/دار بيروت للطباعة والنشر بيروت/1955
(32) كاظم جواد/من أغاني الحرية/مطابع دار العلم للملايين بيروت/1960
(33) عبد الوهاب البياتي/تجربتي الشعرية/منشورات نزار قباني _ بيروت/ تشرين الأول 1968/ص 32
(34) لاحظ مثلاً ما كتبه الشاعر سعدي يوسف بعد وفاة البياتي في مجلة الكرمل/العدد 61/خريف 1999 / ص ص 205 – 207
(35) خضر الولي/مصدر سابق/ ص ص 34 35
(36) عبد الوهاب البياتي/ تجربتي الشعرية/مصدر سابق/ص 19
(37) نفسه/ص 13
(38) من شعر ناظم حكمت/ت. د.علي سعد/ لم يذكر اسم الناشر أو اسم المطبعة/بيروت/ 1952
(39) الكرمل/مصدر سابق/ ص 206
(40) عبد الجبار داود البصري/بدر شاكر السياب رائد الشعر الحر/وزارة الثقافة والإرشاد مديرية الثقافة العامة _ بغداد/1966/ ص 53
(41) رسائل السياب/ مصدر سابق / ص 106
(42) راجع : أزهار ذابلة وقصائد مجهولة/تحقيق وإعداد حسن توفيق/المؤسسة العربية للدراسات والنشر _ بيروت/1981/ ص ص 115- 203
(43) عبد الجبار داود البصري/مصدر سابق/ ص 9
(44) راجع دراستنا : تجاذب القديم والجديد في شعر نازك الملائكة ونظريتها الشعرية/مجلة ألف/ الجامعة الأمريكية في القاهرة قسم اللغة الإنكليزية والأدب المقارن / العدد 24 / 2004
(45) الدكتور إحسان عباس/بدر شاكر السياب _ دراسة في حياته وشعره/دار الثقافة بيروت/ ص 219

__________
القدس العربي2009

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

كن أول من يعلّق هنا !

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق