المنوعات الأدبية

#زكي_الصدير : الشاعر كائن مهووس بالتجربة و لا يوجد شيء اسمه الشعر السعودي ..

نشر الموضوع :

 

u1X7i_ql

 

عند الشاعر زكي الصدير كبتٌ وراء كل نصِّ يكتبه، فالعبارة سريرٌ لجنياتِ شومان، واللغة حانة ٌ ترقص التانغو بلا اكتراثٍ من النّحاةِ أو من سدنة الإيقاع، كل شيء في قصائده يثيرك باللوعةِ والروعة في آن. قبل ديوانه ‘ جنيات شومان’ شيء، وبعده شيء، وفي تداعياته في ديوانه الجديد ‘ حانة’ شيءٌ آخر. انه يتعددُ بأرواحٍ مندغمةٍ في صيرورةِ الأشياء، كل تطرفٍ لديه ناشئٌ عن تجربةٍ واستدعاء للزمن.

هنا حوار معه:

*بعض النقاد يؤكدون نجاحك في توظيف الأسطورة في ديوانك الأول ‘ جنيات شومان’ كأداة لتحقيق الصنعة الكلية للصورة الشعرية وتوفير الوحدة العضوية للقصيدة فهل اشتغلت عليها في ديوانك الجديد ‘ حانة’ أم اختلفت الفضاءات الشعرية وبالتالي اختفت ثيمة الأسطورة أو تخففت منها؟

نعم ثمة اشتغالات في ‘ جنيات شومان’ تتوسل بالأسطورة بكل عوالمها الدلالية والرمزية بغية الخروج بها من فضائها الزمني والدلالي الخاص لفضاء القصيدة ثم محاولة إعادة تكوينها وصناعتها لتعطي دلالة جديدة مختلفة عن الدلالة الأولى التي تشكّلت بها في سياقها التاريخي.
ولم أكتف عند هذا القدر في التعامل مع الأسطورة / التجربة، بل حاولت باحترافية شديدة تتوسل لغة الأساطير الشرقية القديمة أن أكوّن أسطورتي الخاصة فجاء نص ‘ جنيات شومان’ كمنجَز ٍ ليس له ارتباطات ميثولوجية محددة. أما في ‘ حانة’ فالأمر مختلف تماما ففيها حاولت أن أجدد أدواتي الشعرية محاولا صناعة مناخ واحد في تشكّل المشروع النصّيِّ ككل، لذا كانت النتيجة مختلفة على مستوى اللغة الشعرية من حيث اختلافات الأجوبة عن أسئلة الشعر التي تلحّ عليّ الآن.

*تترك تجربة نضال الشاعر وسجنه أثرا في مناخ الكتابة. تجربة اعتقالك السياسي لست سنوات ماذا أعطتك؟

أتذكر هنا جملة سينمائية قالها الفنان السوري غسان مسعود وهو يقوم بدور صلاح الدين الأيوبي في الفيلم العالمي ‘ مملكة الجنة’ عندما سئل عن قيمة القدس لديه قال مبتسما: ‘ لا شيء! وكل شيء’. ربما هذه التجربة حوّلتني لرامبو جديد، فعبرها صرت رائيا ومرويا وطلقة وحدثاً.

*تحضر الأنثى وتغيب في نصوصك حد اشتعال النص، ما الذي تركته الأنثى لك في النص وماذا أعطيتها في نصوصك؟

أشتعل بالأنثى الفاتنة وتعنيني تفاصيلها حدّ الجنون، ولا تشاركني الأنثى همومي الفلسفية ولا الوجودية ولا الشعرية إلا على هذا المستوى فقط.

*كيف تبني معمار قصيدتك؟

هذا التساؤل ذو المفاصل الشعرية العميقة يجلب لي الكثير من القلق، إذ أن المعمار في اشتغالي الشعري ثيمة تكوينية جديدة في النص وليست قالبا فقط، لذا أجدني قلقا تجاه هندسة القصيدة ومعمارها دون الركون إلى القوالب الجاهزة التي لربما لا تغريني أو تغري المتلقي كثيرا بكلاسيكيتها البليدة، فقد أنطلق من أي منطقة في اللغة لأنتهي في منطقة أخرى لا تمتّ بصلة إلى الأولى على الإطلاق، لكنها تتشكّل في النهاية كنسق لغوي منتظم ومتقن الهندسة. جربت هذه التقنية المعمارية في ‘ جنيات شومان’، وما زلت متمسكا بها في رصد التكوين الشعري في مجموعة ‘ حانة’، الأمر الذي دفعني للتعاون مع فرقة آفان للفنون الموسيقية والمسرحية لنخرج المجموعة بقالب موسيقي مسرحي غنائي ضمن مشروع الألبوم الذي سيرافق المجموعة.

*يبدو أنك على قلق دائم عندما يتولد النص لديك، كم يدوم هذا القلق وهل ينتهي مع انتهاء القصيدة؟

يقول دايل كارنجي:
‘ دع القلق وابدأ الحياة’ ولعلي أختلف معه قليلا، وسأهمس في أذنه لأقول: ‘ دع القلق واترك الشعر’ وهنا أنسج مفارقة واضحة بين الشعر والحياة بشريك لصيق نسميه القلق، فلا شعر بلا قلق. ومن الجنون الحقيقي أننا متورطون بالشعر رغم كل هذا الألم الذي يجره علينا لدرجة تنسيك أحيانا بهجة الحياة التي نعيشها بكل جمالها وألقها ولذتها… وهذا هو السحر الذي يهدمك ليبنيك وربما يبنيك ليهدمك.

*تملك لغة صارخة القوة ومازجت بين المفردة المستحدثة أو المعربة بالمفردة العربية الأصيلة، لماذا تفعل هذا وأنت مدجج باللغة وهي غنية لتهبك كل شيء؟

الشاعر كائن مهووس بالتجربة، وفي تجربتي الشعرية عملت على هذه المزاوجة ووهبتني حضورا لغويا جديدا لا أظنه يتعارض أبدا مع أصالة اللغة التي تهمني جدا. المفارقات في استجلاب المفردة وانتزاعها من سياقها لدمجها في سياقات أخرى هي محاولة لعصرنة اللغة واستكمال كل ألقها الخاص بها ضمن تكوينها التاريخي واللغوي. ولعلني هنا ذهبت بها لأقصى مناطق المعالجة التي قد يكون لها دلالاتها الخاصة في فضاءات النص الشعري.

*هل أنت شاعر مؤدلج؟

وهل يوجد شاعر غير مؤدلج؟! أنا مؤدلج جدا حتى آخر قطرة في دمي ومتعصب جدا وطائفي جدا تجاه الإنسان. أنا شاعر كوني ذو هوية خاصة.

*هل تتقاطع تجربتك مع تجربة الشاعر حسين مردان في ديوانك الجديد ‘ حانة’؟

نعم، كلانا يلعن المرأة ويحتفي بالذات ويقيم قيامته حول طاولة مشغولة باللذة. رغم ذلك أجدني أقرب الى ‘ عرار’ الأردن العظيم، وأجد روحي منذورة لجنونه الشعري ومغامراته ويومياته وحيواته المتقاطرة ألما وسخرية ومجونا وإنسانية

* ما هو تصورك الجديد للشعر؟ وهل سنراك تخرج عن التفعيلة والإيقاع أم هما ضرورتان لأبدية الشعر وأنت وفي لهما؟

أنا وفيّ ٌ للإيقاع، لكني لست ابنا بارا به، فقد أثور عليه وأخلع عباءته وأنقض عهده في أية لحظة، إنما ولائي الكامل والتام والأبدي للشعر وللشعر فقط، بأية صور كان نثرا أو تفعيلة أو خليليا أو نبطيا شعبيا أو خليطا بين هذا وذاك.

*ألا ترى أن الشعر السعودي في مأزق الحداثة وأن التغيرات في بنية النص عبثية إلى حد كبير؟ وما ضرورة الحداثة في مجتمع مضاد للتغيير ولكل جديد؟

لا يوجد شعر سعودي، هناك تجارب شعرية كبيرة في الجزيرة العربية، تختلف معاناتها وجغرافيتها وأسئلتها، ومن هنا يأتي مأزق الهوية للشاعر السعودي الذي لا هوية له في الأصل. أما مأزق الحداثة فنحن لا ناقة لنا فيه ولا جمل. فأية حداثة نتكلم عنها في جغرافية تحارب الفنون والسينما والمسرح والأدب والشعر؟! في رأيي أن الحديث عنها أشبه بالصراخ ـ وحيدا- في قلب صحراء الربع الخالي.

*ما رأيك في التجارب الشعرية الشابة في المشهد الثقافي السعودي؟ وهل لديك رؤية أو رأي لتغيير نمطية النص الشعري وجموده؟

سؤال كهذا قد يلزمني الكثير من الرصد والمتابعة والحكاية وربما القص أيضا، غير أنني سأكتفي بالقول: إن ثمة تجارب واشتغالات حقيقية بالمملكة تتوسل التقنيات الحديثة في الكتابة بقلق وتوجس تجاه النص الجديد، وتجرّب العمل على معمار هندسي مختلف للقصيدة، فالمشهدية الشعرية السعودية – رغم جغرافيتها الكبيرة – حاضرة بنكهة تقاوم التصحر نحو أرض أكثر خضرة بنص مدهش ومغاير لا ينتمي لإرث شعراء قبله، أو يعيش في جلابيبهم الأبوية، ومع ذلك تبقى على الضفة الثانية تجارب وأصوات باهتة أخجل من الحديث عنها أو التوقف عندها، وقعتْ هذه التجارب في فخ استسهال الكتابة فأثقلت أرفف المكتبة العربية بمجموعات تشعرك بالغثيان.

_____________
القدس العربي 2010
حاوره : حسين الجفال .

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق