الإصدارات الأدبية

سعاد الصباح تحيي ذكرى مرور 25 عاما على رحيل الشيخ عبدالله مبارك الصباح …

نشر الموضوع :

4564565634

 

أنهآر – متابعات :

 

تزامنا مع مرور 25 عاما على رحيل الشيخ عبدالله مبارك الصباح ، أصدرت د. سعاد محمد الصباح كتابا حمل عنوان “عبدالله مبارك الصباح.. نهضة الكويت” باللغة الإنجليزية بالتعاون مع دار آي بي توريس في لندن، وجاء الكتاب في 206 صفحات من القطع المتوسط، وهو الترجمة الإنجليزية لكتاب صدر باللغة العربية عام 1995 حمل عنوان “عبدالله مبارك الصباح.. صقر الخليج”

 

وتؤكد المؤلفة أن هذا الكتاب يجمع بين دفتيه أكثر من منهج:

فهو من ناحية أولى، يندرج ضمن كتب التراجم أو السير الذاتية لأن موضوعه هو قصة حياة الشيخ عبدالله مبارك الصباح ودوره في بناء الكويت الحديثة.

 

وكما يتضح من الكتاب فإن هذا الرجل كان شخصية استثنائية بكل المعايير فقد استطاع الفكاك من أسر المجتمع التقليدي الذي نشأ فيه ليتطلع إلى آفاق المستقبل الرحبة وأن يدعم قوى التغيير في الكويت، بل يشارك في صنعها من خلال أدواره في عديد من المجالات التي يعرض لها الكتاب.

وهو شخصية استثنائية لأنه أصغر أبناء الشيخ مبارك الكبير مؤسس الكويت، والذي أصبح من بداية العشرينيات – رغم صغر سنه – عمّاً لمن تولوا إمارة الكويت.

وتضيف المؤلفة أن الكتاب من ناحية ثانية، بحث في التطور السياسي والاجتماعي وعملية التحديث وبناء المؤسسات في الكويت فلم يركز على السمات الشخصية لصاحب السيرة وإنما درسها في سياقها الاجتماعي.

وتقول: حرصت على ذلك لأنني لا أعتقد أن تاريخ أي مجتمع هو تاريخ الزعماء، أو أن الأبطال – كما رأى كارليل – هم ماكينة التطور، فالأساس في تاريخ أي مجتمع هو الشعب والناس.

وتكتب د. سعاد الصباح في استهلالها لمؤلَّفها:

وجد القارئ في هذا الكتاب المادة التاريخية التي تدل على كيفية صنع القرار في الكويت في الخمسينيات وأنماط العلاقات بين شيوخ آل الصباح، ودور الوكيل البريطاني في التأثير على صنع القرار وتدخله في الشؤون الداخلية للبلاد، والسعي للوقيعة أو إثارة التنافس بين الشيوخ.

مؤكدة أن الكتاب من ناحية ثالثة، بحث في العلاقات العربية والدولية فيدرس صفحات من تطور الأوضاع العربية، وقضية انضمام الكويت إلى جامعة الدول العربية قبل الاستقلال، ويعرض لجذور الأطماع العراقية في الكويت، وبعلاقات التعاون والتنافس في آن بين بريطانيا والولايات المتحدة في منطقة الخليج، وهي علاقات كانت بين قوة استعمارية متراجعة يخفت نفوذها وقوتها ولم تعد قادرة على تحمّل مسؤوليات القيام بالدور الإمبراطوري الذي لعبته لأكثر من قرن، وقوة أخرى شابة صاعدة خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية وسعت لوراثة نفوذ الدول الأوروبية وبناء إمبراطورية جديدة لها.

مشيرة إلى إن التاريخ يكون «حيًّا» عندما يتناول شخصيات وموضوعات كانت ومازالت مؤثرة في حياة مجتمعاتها، ويكون إسهامها في شكل مؤسسات مستمرة في العطاء والبذل، بحيث تكون هذه المؤسسات شهادة متجددة في حق الآباء المؤسسين للدولة الحديثة في الكويت، والذين عملوا في ظروف جدّ مرهقة وشقوا طريقهم وسط الصعاب، وفي أوقات لم تكن فيها الكويت تمتلك القدرات والكفاءات البشرية المتوافرة لها اليوم.

 

وأكدت أن هدفها الوحيد هو إظهار وجه الحقيقة لمرحلة مهمة في تاريخ الكويت، من خلال حرصها على توثيق كل واقعة أو حدث.

وتشير د. سعاد الصباح إلى أن هذا التوثيق من خلال «تتبع حياة عبدالله مبارك» بجوانبها «الخاصة والعامة».. أي «إنساناً» يمثل مجموعة من «المشاعر والمبادئ» و «رجل دولة» من الطراز الأول لعب دورًا حاسمًا في تاريخ بلده ترك من خلاله آثارًا ملموسة على الساحتين الإقليمية والدولية.

فتاريخ الكويت – رغم الصغر النسبي لمساحتها الجغرافية – خلال الحقبة الزمنية موضوع البحث.. إنما هو تاريخ حافل بالأحداث المهمة والمؤثرة.. وهو تاريخ له خصائصه المميزة وأبعاده المتنوعة.

وحياة الرجل.. إنساناً ورجل دولة.. هي حياة مليئة بالأحداث المهمة.. والأدوار المؤثرة.. واللفتات المعبرة والنادرة، وقراءتها واستيعابها ليسا بالأمر السهل.

فشأنه شأن كل الشخصيات التاريخية المتميزة.. لم يكن عبدالله مبارك شخصية عادية تكفي لفهم حياته قراءة واحدة أو حتى قراءات محدودة.. بل إنه – رحمه الله – كان للبعض «لغزًا محيًّرا» رغم «بساطته وصراحته وتلقائيته المتدفقة».. بل وضوحه إلى أقصى الدرجات.

وكان للبعض الآخر «موضع جدل ونقاش» فاق في كثير من الأحيان حدود الإنسان ودوره في الحياة الخاصة والعامة.. رغم تمسكه التام بمبادئه طوال حياته سواء أكان ذلك في دائرة الضوء أم خارجها.

وتستدرك الكاتبة أن كتابها هذا لا يحاول أن يفرض عبدالله مبارك على تاريخ الكويت.. فمكانه في التاريخ المعاصر لدولة الكويت ثابت ومدعم بالحقائق. وإنما الهدف من هذا الكتاب إذن هو محاولة تسليط الأضواء على دوره المهمّ في تاريخ الكويت لإتاحة الفرصة للأجيال الجديدة لكي تتعرف على المؤسسين الأوائل للدولة وإسهاماتهم التاريخية في بناء المؤسسات وإرساء دعائم الحكم، وعلى الرموز التاريخية المضيئة التي صنعت تاريخ الكويت الحديث.

وهذا المنهج التوثيقي – وهو منهج معروف في البحوث التاريخية – يعتمد في نجاحه على طبيعة الشخصية موضوع التوثيق وأبعاد الدور الذي قامت به في حياة مجتمعها.. وليس هناك أدنى شك في صواب الاختيار لعبدالله مبارك الصباح.

 

فبالرغم من أن الرجل انحدر من أصول قبلية ونشأ في أحضان البداوة، إلا أن عينه كانت دائمًا شاخصة إلى أفق العصر.

وبالرغم من أنه انتمى بجذوره إلى مجتمع تقليدي محافظ، فإنه قد وقف دائمًا إلى جانب الحداثة، وحلم بأن يجعل من الكويت دولة معاصرة، متطورة، منفتحة على العالم والمستقبل.

هذه الطموحات الكبرى التي خالجت نفس عبدالله مبارك كانت طموحات «خطيرة» في ظل الأوضاع السياسية الداخلية والإقليمية والدولية التي سادت خلال فترة تأسيس الدولة والتي حددت – إلى درجة كبيرة – خريطة المنطقة.

فلا الحرية كان مسموحًا بها في ظل الحماية البريطانية.. ولا الحداثة سلكت طريقها إلى مجتمع ترهقه الأعراف والفكر القبلي.. ولا الوحدة العربية نبت جنينها في وقت كان الاستعمار يخطط فيه لإجهاض أي وحدة ممكنة بين العرب.. بأي أسلوب، وبأي ثمن.

وبالرغم من أنه لم يتلق إلا قسطًا من التعليم.. فقد كان علميًّا – بالسليقة – في تصرفاته، يقدر العلم والعلماء، ويشجع الاستثمار البشري بكل أشكاله، ويدعمه بكل ما يملك.

ومع رقة مشاعره المرهفة، ودمعته الحبيسة دائمًا بأجفانه.. إلا أنه كان حازمًا في قراراته، صلبًا في مواقفه. وفي الأحوال كافة، اتسم سلوكه بالعدل بين الناس دون تفرقة أو تمييز بين غني وفقير، بين ابن الصباح ومواطن آخر، بين صديق له وآخر من عامة الناس.

 

 

ومع عشقه الدائم، التلقائي، العميق لوطنه الصغير الكويت.. لم يكن جامدًا متحجرًا في وطنيته ولا متعصبًا في قوميته.. بل اتسمت رؤيته بالشمول والتكامل، وسياساته بالمرونة والواقعية، وتقديراته ببعد النظر وأخذ كل الأبعاد الإستراتيجية لقرار ما بعين الاعتبار.

وتخلص د. سعد الصباح إلى القول:

إن هذا المزيج الفريد لرقة المشاعر وحسم القرار وعمق الوطنية، مغلفا ببعد النظر ومرونة السياسات يعني «صواب الاختيار» لهذه الشخصية التاريخية واتخاذها أساسًا لمحاولة التوثيق التاريخي لمرحلة مهمة من تاريخ الكويت الحديث.

وفضلاً عن ذلك، فإن هذه الشخصية التاريخية شاركت في صنع أحداث حافلة ومثيرة خلال فترة طويلة من الزمن، حتى عندما اختار الرجل أن يتنحى إلى «منطقة الظل» برغبته ولأسباب حكيمة قدّرها بنفسه، فإنه لم يكن غريبًا في المجال العربي وإلى حد ما الدولي، واستمر يلقى معاملة كبار رجال الدولة في عديد من الدول العربية والأجنبية.

وخلال ما يزيد على نصف قرن من الزمان شهد عبدالله مبارك عديدًا من الأحداث، وبعضها شارك في صنعها أو كانت له اليد الطولى في حدوثها. فعلى المستوى الوطني وخلال خمسة وثلاثين عامًا، أسهم في بناء دولة الكويت الحديثة في مختلف مراحلها. ويمكن أن نميز بين عدة مراحل في هذا المجال: المرحلة الأولى وهي التي تبدأ من عهد مبارك الكبير وتستمر حتى تولي الشيخ أحمد الجابر الحكم في عام 1921، وشهدت هذه المرحلة وضع أساس الدولة. واتسمت المرحلة الثانية (1921-1946) بالسعي نحو «إيجاد مؤسسات متوازنة للسلطة»، والبحث عن صيغ للمشاركة الشعبية. أما المرحلة الثالثة (1946-1960) فهي مرحلة التغير السريع في المجتمع ومؤسسات الدولة والانفتاح على الخارج تحت تأثير الثروة النفطية التي كان من شأنها إحداث تحولات جذرية في أسلوب الحياة ومستوى المعيشة. وتمتد المرحلة الرابعة (1960-1990) من الاستقلال إلى فترة الغزو العراقي والاحتلال، وأخيرًا مرحلة التحرير وإعادة البناء منذ عام 1991.

في المرحلة الأولى، كانت مسؤولية الشيخ – وهو ما زال في فترة الشباب المبكر – إدارة الأمن العام ومكافحة التهريب. وزادت أهمية هذا الدور في سنوات الحرب العالمية الثانية، وهو ما دفع الحكومة البريطانية في عام 1945 إلى منحه وسام الإمبراطورية الهندية. ولكن الدور الأكبر للشيخ كان في السنوات العشر السابقة على الاستقلال. وارتبط بوطنه في مرحلة حاسمة من التطور لكليهما. فقد كان الشيخ في بداية الثلاثينيات وهي مرحلة الرجولة والقدرة على العطاء، وكان الوطن يتفجر حيوية ونشاطًا ويتدفق بالخير والنماء. وتفاعل الرجل مع متطلبات المرحلة من أجل بناء مؤسسات الدولة الحديثة، كما سيتبين من هذا الكتاب، فقد كان لهذه المرحلة ضروراتها التي كان على الشيخ أن يتعامل معها.

 

ومع توّلي الشيخ عبدالله السالم زمام الحكم، أخذ دور عبدالله مبارك يتبلور من حيث حجم المسؤولية ومداها؛ حيث تولى الحكم بالنيابة للمرة الأولى في عام 1950، ثم عام 1951، ثم تولاه في عام 1952 لمدة ثلاثة أشهر، ومرة أخرى المدة ذاتها عام 1953، ولمدة شهرين عام 1954، وثلاثة أشهر عام 1955، ولشهر واحد عام 1956، ثم أربعة أشهر عام 1957، فخمسة أشهر في عام 1958، وفي عام 1959 تولى الحكم في كل شهور السنة ما عدا شهر أكتوبر، وفي عام 1960 لمدة ستة أشهر. وبصفة عامة، فقد تزايدت مهام نائب الحاكم في السنوات الثلاث السابقة للاستقلال بسبب مرض الحاكم وازدياد فترات سفره خارج الكويت. ولما كانت هذه المرحلة «منعطفًا تاريخيًّا نحو الحصول على الاستقلال»، واتسمت «بالتحرك السياسي الخارجي النشط والانفتاح السياسي الداخلي»، فإن دور عبدالله مبارك في هذا «المنعطف التاريخي نحو بناء المؤسسات الحديثة» كان محوريًا ورئيسًا.

ولئن كان عبدالله مبارك قد دخل – بعد استقالته في أبريل 1961 -ولمدة ثلاثة عقود – في منطقة الظل بعد أن كان في مرحلة ما قبل الاستقلال وتداً أساسيًّا في بناء دولة الكويت الحديثة، فإن ارتباطه بالكويت ومتابعته لأحداثها وإسهامه في تطورها – في الحدود التي فرضها على نفسه فيما يتعلق بالعمل العام – لم ينقطع. بل إنه عندما جاءت صدمة الغزو وضع نفسه وعائلته وكل ما يملك في خدمة أسمى الأهداف وأعزها إلى نفسه، وهو تحرير الأرض التي عشقها وعمل وتفانى من أجلها، حتى تحقق أمله في العودة إلى أرض الوطن. لقد كان غيابه عن وطنه هذه المرة سنة كاملة إذ غادر الكويت في 15 يونيو 1990، وعاد إلى أرضها المحررة ليرقد في ترابها، حين كان على موعد مع القدر في لندن في 15 يونيو 1991

وخلال السنين، عرف الرجل العشرات من رجالات السياسة العرب والأجانب، واعترك الحياة السياسية العربية، وعرف دخائلها وتفاصيلها، وأدرك خباياها وقضاياها. ويعد الشيخ عبدالله مبارك من أبرز السياسيين الخليجيين الذين حافظوا على علاقاتهم الوثيقة بالبلاد العربية الأخرى، وعملوا على تطويرها ودعمها باستمرار، لأن الشيخ كان مؤمنًا بالعروبة والتضامن العربي بشكل طبيعي وتلقائي.

وتشير د. سعاد الصباح إلى أن عروبة الشيخ عبدالله المبارك لم تكن  بحاجة إلى «تنظير» أو «جدل فلسفي». فقد كانت نابعة من البيئة التي تربى فيها والمناخ الذي شكل عقله، وأثر على تفكيره ووجدانه. فقد عاصر الأحداث الكبرى للأمة العربية وشارك فيها. كان موقفه إزاء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 مزيجًا من «الوطنية» و «القومية» ومتطلبات «السياسة الرشيدة الواعية الحريصة على تفادي المخاطر غير المحسوبة». وكان دوره في أعقاب حرب 1967 ثم دعمه لجهود التحرير التي توجّت بنصر أكتوبر عام 1973 مثلاً يحتذى في التضحية من أجل الأهداف العليا، وامتدادًا طبيعيًا ومنطقيًا لمواقفه تجاه كافة القضايا العربية المصيرية. كذلك، فقد كانت له نظرة خاصة وتقييم عميق للحرب الإيرانية – العراقية حيث  عبر عن قلقه الشديد وخوفه من التداعيات طويلة المدى لهذه الحرب على استقرار المنطقة وأمنها، بل إنه تنبأ – ومنذ الأيام الأولى لاندلاع الصراع – بأن هذه الحرب ستكون حربًا طويلة ومدمرة خلافا لما كان شائعًا وقتذاك من أن حروب «العرب» تستمر لساعات وعلى الأكثر لأيام معدودة.

وكانت مواقفه تجاه الدول الكبرى تتسم بالواقعية من ناحية، وبالشجاعة، من ناحية أخرى. فقد أقام الشيخ عبدالله مبارك علاقات دولية عديدة لأنه شعر في وقت مبكر بأن على الكويت أن تنفتح على العالم الواسع من حولها، وأن تعرف ما يدور فيه، وأن تقتبس منه أفضل نظمه. ولذلك، فقد حرص على زيارة الدول الأوروبية المتقدمة، بل إنه في الأربعينيات، يوم لم تكن هناك خدمات طيران متقدمة كالتي نعرفها اليوم، قام بزيارات عديدة لم تقتصر على الدول الكبرى كالولايات المتحدة وبريطانيا وإنما شملت أيضًا – وعلى سبيل المثال- الدول الإسكندنافية وسويسرا واليونان وإيطاليا وإسبانيا.

ومع انفتاحه على دول العالم، وتفهمه للمتطلبات الجيوبوليتيكة لأمن الكويت، وما تفرضه من علاقات خاصة مع بريطانيا والولايات المتحدة، فإنه كان حريصًا كل الحرص على ألا يكون الثمن على حساب «السيادة» الكويتية أو استقلال الكويت ومصالح شعبها. لذلك، فقد اتسمت علاقات الشيخ مع بريطانيا بالتعقيد، ولم تكن سهلة أو يسيرة. وعلى سبيل المثال، فإن لندن لم تكن مرتاحة لعلاقته بثورة 1952 وجمال عبدالناصر أو لتأييده لثورة الجزائر، كما أنها لم تكن مرتاحة لاتخاذه قرارات تتعلق بالشؤون الخارجية دون التشاور سلفًا مع الوكيل السياسي البريطاني في الكويت، مثل قراره بإلغاء تأشيرات الدول للعرب، أو قبوله وسامًا من الحكومة اللبنانية في عام 1949 قبل استئذان حكومة صاحب الجلالة. وفي نفس الوقت كانت لندن تعلم حجم قوته ونفوذه في الكويت وتدرك مدى إصراره وتمسكه برأيه ومدى كبريائه واعتزازه بنفسه وبكرامته وعدم قبوله بما يمس هيبته واحترامه، خاصة إذا تعلق الأمر بسيادة الكويت وكرامتها واستقلالها.

وفي هذا الوقت المبكر، كان الشيخ مدركًا لضرورة الاتصال بالولايات المتحدة الأمريكية، وحرص على فتح قنوات اتصال معها باعتبارها القوة القائدة للمعسكر الغربي، وذلك استنادًا إلى فهم دقيق للاقتصاد السياسي للنفط وللدور الذي يلعبه في الاقتصاد الأمريكي. لذلك- وعلى سبيل المثال- فقد حرص الشيخ على معرفة دور الولايات المتحدة في الدفاع عن الكويت إذا ما تعرضت لعدوان خارجي، ومدى وجود تنسيق بريطاني- أمريكي بشأن أمن الخليج.

ويرصد  الكتاب   فترة زمنية تبدأ من العشرينيات من القرن الماضي، وعلى وجه الخصوص من عام 1926، عندما كان عبدالله مبارك في الثانية عشرة من عمره حيث بداية عمله العام، وتنتهي في يونيو عام 1991 عندما وافته المنية ودفن في أرض وطنه. وتتضمن هذه الحقبة الطويلة فترات فرعية: الأولى، وهي فترة المشاركة في الحياة العامة وتبدأ من عام 1926 تقريبًا وتنتهي باستقالته في أبريل عام 1961. والثانية، وهي فترة الدعم والمساهمة وتنتهي بالغزو العراقي للكويت. والثالثة، فترة مواجهة الغزو والتحرير حتى وفاته.

وهذه الفترات الثلاث تشمل أحداثًا تعد منعطفات تاريخية على كل المستويات: على المستوى الوطني، شهدت هذه الفترة إقامة ركائز الحكم وبناء المؤسسات قبل الاستقلال، ثم الاستقلال وتحقيق الاستقرار مرورًا بالطفرة النفطية ثم الوفرة النفطية، فالحرب الإيرانية – العراقية، فالغزو العراقي الغاشم، وانتهاء بمقاومة الغزو وفرحة التحرير. وعلى المستوى العربي، بداية بالفترة السابقة على تأسيس جامعة الدول العربية، فحرب فلسطين الأولى والعدوان الثلاثي على مصر وكارثة عام 1967، ثم حرب الاستنزاف فنصر أكتوبر ثم معاهدة كامب ديفيد، وانتهاءً بالغزو العراقي وإسهام غالبية الدول العربية في التحالف الدولي في حرب تحرير الكويت. وعلى المستوى الدولي، بداية بأحداث ما بعد الحرب العالمية الأولى، فالحرب العالمية الثانية، ففترة الحرب الباردة، وانتهاءً بانهيار المعسكر الشرقي وبدايات النظام العالمي الجديد، واختبار هذا النظام الجديد لأول مرة في حرب الخليج، وما صاحب ذلك من تغيّر ملموس في دور منظمة الأمم المتحدة.

و الكتاب يعدّ من الزاوية التاريخية من الكتب  النادرة، التي تغطي مساحة بهذا القدر من الاتساع الزمني لما يزيد على نصف قرن وبهذا القدر من المادة التاريخية، فضلاً عما تخللها من حروب وصراعات ومواجهات، إضافة إلى المزيج المعقد والفريد من التحالفات والتناقضات بين دول صغرى وأخرى عظمى، وشقيقة ثم معتدية، ومستعمرة ثم صديقة وحليفة..

في هذا الخضم من العلاقات المتشابكة والمعقدة، والأحداث الصغيرة والكبيرة، والاستقرار وعدم الاستقرار، والسلام والحرب، والرخاء والكساد، والهدوء والاضطراب.. في هذا المحيط الذي ليس له حدود عادية، يركز هذا الكتاب على الدور الذي لعبته شخصية تاريخية ذات نشأة بدوية بسيطة في حياة أمة صغيرة مسالمة وآمنة وجدت نفسها – ودون اختيار منها – في خضم أحداث هائلة على مدى ما يزيد على نصف قرن من الزمان.

وهذا  المنهج للتوثيق التاريخي اعتمادًا على الشخصية محل الدراسة له العديد من المزايا.. فهو يتّسم بالموضوعية وسهولة القراءة وتبسيط لأمور هي بطبيعتها معقدة، ومن ثم فهو يقرب التاريخ ويجعله متاحًا لدائرة أكثر اتساعًا من القراء، وهو أيضًا يبرز البعد الإنساني في صنع أحداثه والتأثير على مساره. ومن هنا، تسهم قراءة التاريخ في تعميق الشعور بالانتماء وتحريكه في اتجاه خدمة الوطن، بل والإنسانية عامة.

وتعليقا على ذلك تقول الكاتبة: غير أن هذا المنهج لا يخلو من المخاطر.. فهناك عامل الانحياز وبخاصة إذا كانت الكاتبة من أقرب المقربين لهذه الشخصية التاريخية، معجبة بها لأقصى الدرجات، بل مولعة بحبها ومتيمة بكل مكوناتها.. ولما كان هذا الانحياز حاجزاً حاولت قدر المستطاع تفاديه والتقليل من تأثيره فقد أخضعت مادة الكتاب لأقصى درجات التدقيق والتنقيب والتعليق من قبل جهات مختلفة وأفراد ذوي مؤهلات متعددة، منهم من كان صديقًا له أو قريبًا منه ومنهم من لم يعرفه أو حتى يعرف عنه.. ومع ذلك، فإن واجب الأمانة العلمية يحتّم عليّ أن أنبّه إلى هذا المعنى، وأطلب من القارئ أن يلتزم جانب الحرص والحذر..

ثم تضيف: إلى جانب ذلك، هناك مخاطر «شخصنة التاريخ» وخشية أن يفهم البعض خطأ أن الهدف من الكتاب هو محاولة اختزال تاريخ الكويت في قصة حياة شخص بذاته مهما كان إخلاصه أو عبقريته، فليس هناك أبعد عن الحقيقة من ذلك.. فتاريخ الكويت – شأنه في ذلك شأن تاريخ أي دولة أو أمة – هو ملك لشعب الكويت الذي هو صانعه الأول ومآله الأخير.

وهو هذا الشعب الذي أثبت قدرته الخارقة على مواجهة الأزمات مهما بلغت حدتها أو اشتدت خطورتها «بالهدوء العائلي» و «العودة إلى القيم» و «الالتزام بالعقل».. وعبدالله مبارك عرف شعب الكويت وعشقه وعاش ومات في خدمته، وهو لا يمكن أن يوافق على اختزال التاريخ في حياة أفراد- حتى ولو كان بشكل ضمني- في مجال تسجيل دوره.

اعتمد الكتاب على كثير من الوثائق الأجنبية والعربية ومقابلات خاصة مع من عملوا مع الشيخ عبدالله المبارك ومن رافقوه في رحلة العمل والحياة.

و تبدأ الكاتبة كتابها بتعريف شخصية الكتاب:

رجلنا هو الشيخ عبدالله مبارك الصباح، ابن الشيخ مبارك الصباح مؤسس الكويت الحديثة (حكم 1896-1915)، وحفيد الشيخ صباح الثاني (حكم 1859-1865)، ابن الشيخ جابر الأول (حكم 1814-1859)، ابن الشيخ عبدالله، ابن الشيخ صباح الأول، رأس عائلة الصباح، والجد الأكبر للأسرة الحاكمة في الكويت.

ورجلنا هذا عاش حياة طويلة، مليئة بالأحداث السياسية على مدار ما يزيد على نصف قرن من الزمان. بعض هذه الأحداث شهدها وكان شاهدًا عليها، وبعضها الآخر شارك في صنعها، وكانت له اليد الطولى في حدوثها. وخلال تلك السنين، عرف الرجل عشرات من رجالات السياسة العرب والأجانب، واعترك الحياة السياسية العربية، وعرف دخائلها وتفاصيلها، وأدرك خباياها وقضاياها من خلال علاقاته الوثيقة بعدد كبير من الملوك والرؤساء وكبار المسؤولين في معظم البلاد العربية.

كان عبدالله أصغر أبناء مبارك الكبير، وأطولهم عمرًا. وبالإضافة إلى عدد من الشقيقات، كان له خمسة إخوة هم جابر، وسالم، وفهد، وناصر، وحمد.

 

 

 

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق