المنوعات الأدبية

ليونيل راي: حين أكتب أنا بحاجة لأن أتخيَّل مُحاوِر أتوجّه إليه ..

نشر الموضوع :

 

 

Ray-Lionel

 

حاوره :  أنطوان جوكي.

إذا كان الشِعر بِشكلٍ ما مرثيّةً ووداعاً يتجدَّد دائماً لِسحر العالم وروعته، فإن ليونيل راي هو بالتأكيد أحد أكبر شعراء فرنسا اليوم وأصفاهم. وفي تأكيدنا هذا، لا نعتمد فقط على تقديم أراغون نفسه لقصائده الأولى، بعد تغيير راي لاسمه وتنكُّره من كتاباته السابقة، على الرغم من نيله عليها جائزة أبولينِر، ولا على مشاركته النشيطة ودوره البارز في الثورة التي ستشهدها، شكلا ومضموناً، الكتابة الشِعرية في فرنسا عند نهاية الستّينات وبداية السبعينات، الى جانب دوني روش وميشال دوغي وجاك روبو، ومن ثَمَّ تخطّيه لهذه الكتابة الجديدة،بعد استهلاكها، في اتّجاه تناغُمٍ أكبر بين الشكل والمعنى. بل نعتمد، في تأكيدنا، على كامل مساره الغني بالتجارب والمنعطفات، وعلى شِعره الذي، من جرّاء هذا المسار، ما برح يكسب صفاءً ولمعاناً. فمنذ فترة التسعينات وراي يُثابِر بلا كلل على استكشاف وضعنا البشري ووجودنا الذي يتحكَّم به الزمن والموت. لكن، بعيداً عن أية عبثية، يُدحرج الشاعِر بجدّيّة حجره الى أعلى الجبل وإن كان مدركاً، مثل سيزيف، أين سينتهي الحجر. فهو مقتنِع أيضاً أن هذا الصراع الذي بدون أمل مع الطاقة اللا متاحة لكلٍّ منّا هو جوهر الحياة بالذات. وإذ يتغذّى شِعره من هذا الموقع الكاشِف، إلا أن قوّته وحِدَّته ينبعان من تناقضٍ هو في أساس كل غنائية : التشييد على ما سيتفتَّت، إطالة أمد ما هو زائِل، تأليق ما يكبو : ” لعلّ الغناء قبل أي / كلمة بشرية هو ذلك البريق / الذي ينساب فجأة / على خيط من ظلّ “. بمناسبة صدور ديوانٍ جديد له لدى دار “غاليمار”، كما بمناسبة إنتهائه من بحثٍ حول أراغون سيصدر قريبا لدى دار “سيغِر”، إلتقته “المستقبل” في منزله في باريس، فكان هذا الحديث

– قبل أي شيء لا بدّ من سؤالك حول كتابك الأخير الذي سيصدر قريباً حول الشاعر أراغون (والذي حال دون لقائنا الأول)، هل هو سَداد دَين للذي قدّم قصائدك الأولى في مجلّة “لو لتر فرانسيز” تحت اسمك المستعار “ليونِل راي”، أم أن تحقيقه جاء بناء على طلب دار النشر؟ وماذا يمكنك أن تقوله لنا حول ظروف هذا الكتاب ومضمونه

ليونِل راي: كلا، لم يكن الأمر مجرّد طلبٍ من الناشِر، وإن حصل اتفاق بيني وبينه فيما بعد. في الحقيقة، أبلغتُ في البداية مدير السلسلة المعروفة “الشعراء اليوم” عن اهتمامي بكتابة بحث حول أراغون، وذلك في الفترة التي أُعيد فيها إحياء هذه السلسلة، أي منذ عامٍ تقريباً. وقد فرح بهذا الاقتراح لأن الكتاب الآخر حول أراغون ضمن هذه السلسلة كتبه كلود روا عام 1945، بينما واصَل أراغون الكتابة ثلاثين عاماً بعد صدوره. كما أن هنالك كتاباً آخر حول أراغون كتبه جورج سادول الذي كان صديقاً حميماً للشاعِر ورفيقاً منذ الحقبة السرّيالية. ويعرف سادول بِشكلٍ خاص أراغون الرجل، لكن تقديمه لنصوصه بقي بجزئه الأكبر سطحي. أما فيما يتعلّق بي، معك حق، كنتُ أشعر بدَينٍ عليّ لأراغون، الى جانب اهتمامي بالإفصاح عن تأمّلاتي بِشعره. فأراغون بالنسبة الى هو بديهياً أحد أكبر شعراء القرن العشرين. ونتاجه الكتابي هو، برأيي، نموذجي وفي الوقت ذاته فريد لأنه مرآة الشِعر الفرنسي بأكمله، منذ البداية وحتى اليوم. كما أنه شخص كتب تبعاً لما عاشه، وقد عاش الأشياء الأكثر رعباً وفظاعة كما عاش الأشياء الأكثر إثارة في تاريخ هذا القرن. كما أن حياة أراغون الشخصية لها طابعاً مؤثِّراً: إنها مشكلة هويته منذ الولادة. إذ لم يعرف من هما والديه حتى التاسعة عشر من عمره، بضعة لحظات قبل ذهابه للمشاركة بالحرب عام 1918 كطبيب معاوِن. صحيح أن أمّه هي التي ربّته، لكنها قُدِّمت إليه كأخته كما قُدِّمت جدّته إليه كأمِّه في التبنّي. مما خلق التباساً في حياته العائلية منذ البداية. وكل هذا لأن والده كان شخصية سياسية كبيرة خلال الجمهورية الثالثة. إذ تدرّج من مدّعي عام الى نائِب الى سيناتور الى سفير قبل أن يصبح مدير الشرطة في باريس. كما كان صديقاً لكليمانصو وغامبيتّا. وأراغون هو ابنه غير الشرعي وإن قام بتسجيله بنفسه في دائرة النفوس ولكن من والدَين مجهولين. لكنه لعب دور العرّاب والوصي الشرعي. وهذا ما سيظنّه أراغون لفترة طويلة. وحين تخبره والدته بحقيقة الأمر قبل رحيله الى الحرب، يقول بأنه فهم ذلك قبلا او على الأقل شكك بالأمر. لكن المشكلة هي أن في طفولته لن يلفظ أبداً كلمة “أمّي”، الأمر الذي سيلعب دوراً أساسياً مُحدِّداً إن في أعماله الأدبية او في حياته بأكملها. وسيتكلّم أراغون في أحد نصوصه عن ” عار الولادة ” العار الذي لحق بأمّه من جرّاء هذه الولادة… تفاصيل قلّ من يعرفها لكنها أساسية لِمقاربة كتابات أراغون

– ما هي قصّة تقديم أراغون لأشعارك في مجلّة لولتر فرانسيز؟

راي : لقد أرسلتُ إليه تحت اسمٍ مجهول مجموعة قصائد أعجبته فتحمّس على أثرها للقائي وطلب منّي خلال هذا اللقاء مخطوطاً كاملاً فلبّيته. وبالكاد مرّت بضعة ساعات حتى اتّصل بي من جديد ليقول لي: سأجلب المخطوط معي غداً الى دار غاليمار”. وقد قدّمه بالفعل مع أوّل ديوان للشاعِر اليوناني ريتسوس الذي صدر أيضاً لدى الدار ذاتها آنذاك.

– قبل هذا البحث حول أراغون لم تكتبَ على هذا المنوال سوى كتاباً آخر (1976) حول رامبو، أعيد طبعه مؤخَّراً ويُشكِّل مرجعاً سهل الفهم مقارنة بِهرمسية الشاعر والكُتُب الكثيرة التي وُضِعت حوله. هل نفهم من ذلك أن لِهذين الشاعرين تأثيراً كبيراً عليك ويحتلان عندك منزلة خاصة؟

راي: لا أعرف تحديداً مدى تأثيرهما عليّ، لكنّهما بالتأكيد الشاعرَين اللذين أثاراني الى أقسى حدود. يصعب تحديد التأثيرات، فهنالك الكثير من الشعراء الذين أحببتهم وما زلت، مع أنهم يقفون سياسياً من الجهة المقابلة لأراغون. فهذا الشاعر مثلا، باستثناء فترة صباه السرّيالية التي كان فيها وقحاً ومشاغباً، كان يكنّ كامل التقدير والإعجاب لِبول كلوديل الذي كان يبادله الشعور ذاته. إذاً شبكة التأثيرات دائماً واسعة وغير واضحة المعالِم. أما بالنسبة الى رامبو، فقد قرأته وأنا في السادسة عشر من عمري. عند نهاية العام الدراسي، وقعتُ لا أعلم كيف، لأن والديّ كانا من الطبقة العاملة ولا يطالِعان الكُتُب، على “فصل في الجحيم” وكان ذلك بمثابة رؤيا بالنسبة إليّ. والمثير أنه في الفترة ذاتها قرأتُ نص كلوديل المسرحي “بِشارة مريم العذراء”، فلاحظتُ تقارُب الكتابتَين على الرغم من اختلاف مراجعهما. ولهذا لا أُدهَش حين أعلم أن كلوديل كان معجباً بقوة برامبو. أما أراغون، فقرأته فيما بعد، إذ أتيتُ الى السرّيالية في مرحلة متأخِّرة نسبياً، على الرغم من تجربة رامبو التي هي تجربة سرّيالية سابقة لأوانها. وأقرّ بأن السرّياليين أدخلوا حرّية وبرهنوا على إبداع لم نعهدهما من قبل، مجازفين لدرجة تستدعي الدهشة والإعجاب. لكن في الوقت ذاته، لم أُحِب كثيراً القصائد السرّيالية، أفضِّل عليها الى حد الآن النصوص السرّيالية المنثورة، كنص أراغون حول “الدفاع عن اللا نهائي” او “قروي من باريس” ونصوص بروتون الساطعة مقارنة بقصائده. طبعاً هنالك بعض القصائد السرّيالية الناجحة، لكنها قليلة. وفي تلك الفترة، كان أراغون الشاعر دائماً دون إمكانياته الفعلية، بينما استطاع في نثره بلوغ ذروة إبداعه. وبمستواه لا يوجد سوى أربع او خمس كُتّاب فرنسيين، رامبو هو واحد منهم.

– تقول في بحثك حول رامبو : ” سيُقابِل رامبو حالة استهلاك الأشكال القديمة بِثورة نثرية ستؤدّي الى إعادة إحياء البيت الشعري والى استمرارية القصيدة ليس كفنٍّ قديم، بالٍ، وإنما بِتناغمٍ مع الوقائع الجديدة.” أليس ما حاولتَ القيام به، مع شعراءٍ آخرين عند بداية السبعينات، ولكن خاصة بعد تلك الحقبة ؟ كما أن هنالك الكثير من التطابقات بينك وبين رامبو، كمسألة الهوية كَغيْرية والتي ذهبتَ بها الى حد تغيير اسمك، وتلك الخاصة بِأزمة الكتابة الشِعرية وتجديدها من خلال تفكيكها، هو انطلاقاً من عام 1870 متأثِّراً بما عُرِف بِحقبة العامية الثورية في باريس، وأنت انطلاقاً من عام 1970 متأثِّراً بثورة مايو 1968؟

راي: بالفعل. لم أفكِّر بذلك قبلا. مع الإشارة الى أن رامبو قام بمسار رائع خلال عامَين او ثلاث. ينطلق في الكتابة ضمن الكلاسيكية التي كان يتميَّز بها عصره، الذي يقع عند أواخر الرومانسية، لكنه لن يلبث أن يقلب دفعة واحدة كل التقاليد والاصطلاحات تقريباً، متأثّراً جزئياً بالشاعر فِرلين الذي كان يكبره بعشر سنوات وهو أيضاً مجدِّد ومبدع كبير، لكن رامبو سيذهب أبعد منه بكثير. كما سيتأثّر رامبو، كما قلتَ، بحركة “العامّية” في باريس التي كان يرى فيها نَفَساً مجدّداً وثورياً. كذلك الأمر بالنسبة اليّ، فالأشخاص الذين من جيلي حضروا وشاركوا بحركة أيار 1968 وبحالة الهيجان التي دفعت كل منّا الى مساءلة ذاته. وهذا ما فعلته شخصياً. وفي الواقع، كنتُ قد تعبتُ مما كنتُ أكتبه في السابق نظراً الى توافقه مع ما كان مُنتظَر من الكتابة آنذاك، مع العلم أنني ربحتُ جائزة أبولينر للشِعر على ذلك الإنتاج. إذاً، بعد أيار 1968، سأُشكِّك فجأة بكل شيء، وعندها بالتحديد سيلعب أثر رامبو دوره، كما لاحظته جيّداً، بعد فترة طويلة من قراءتي الأولى له. لكن الأمر سيحصل فجأة، وإن كنتُ قد قرأتُ السرّياليين خلال تلك الفترة أيضاً. المهم أن حِس المغامرة والحرّية في الكلام واللغة سيتفجّر فجأة مع الدواوين الثلاثة المعروفة.

– سؤال أخير حول التأثيرات قبل أن ننتقل لهذه المرحلة. تقول في نهاية ديوانك “مقاطع رملية” (1966) بأن هذا الكتاب كُتِب بموازاة قراءتك لِأوكتافيو باز وفرنادو بيسُّوا وبول سيلان. هل أردتَ بهذه الملاحظة الإشارة الى تأثُّرك بِشكلٍ ما بهؤلاء الشُعراء خلال كتابة هذا الديوان؟

راي : صحيح أنه خلال كتابتي لهذا الديوان كنت اقرأ كثيراً هؤلاء الشعراء. أنا أقرأ دائماً عدّة شعراء في آنٍ واحد. وفي تلك الفترة، بدا باز وبيسُّوا وسيلان بتناغمٍ مع حالتي ولبّوا بِشكلٍ ما رغبةً كامنة داخلي كانت بحاجة لصياغة وجدتها في شعرهم. طبعاً كان عليّ استملاك ذلك قبل أي شيء. أراغون كان يقول بصراحة بأنه يُقلِّد. كل الشعراء لا يجرؤون على ذلك. وبالفعل نشعر أحياناً لدى قراءة أشعار أراغون بأننا أمام خليط. إلا أن ذلك أكثر تعقيد مما نتصوَّر. إذ خلف خليط هؤلاء الشعراء الذين “يُقلِّدهم” نسمع دائماً صوت أراغون. إذا لِنَقُل أن هنالك إيقاع مستعار وإيقاع داخلي خاص بأراغون يتراكب معه. وهذا ما ً يحدث أحياناً مع ما أكتبه. إذ حين أقرأ باز او سيلان، على اختلافهما، يتطابقان بالتأكيد مع شيء او صورة داخلي في حالة خفيّة، كذلك الحوار بين الأنا والأنت الذي نجده في قصائدهم وقصائد أبولينِر ونجده حاضراً بقوة في ديواني الذي ذكرته. وعموماً، حين أكتب أنا بحاجة لأن أتخيَّل مُحاوِر أتوجّه إليه، يمكنه أن يكون أنا نفسي او القارئ او “الأنا الأخرى” او العميقة التي تكتب الكلمة الشعرية وليست دائماً مرئية في الحياة اليومية. ورامبو هو أوّل من لاحظ هذه المسافة بين الأنا العادية وتلك العميقة داخلنا، بقوله : ” الأنا هي شخص آخر”. رامبو أشار الى جميع معايير الحداثة بأسرع وقت ممكن وأجمل كتابة ممكنة، وفي هذا الإطار لا أظن أن أحد قادر على تخطّيه. نحن دائماً متخلِّفون عن رامبو.

– لقد شاركتَ مع عدد من الشعراء، مثل دوني روش وجان ريستا وجود ستيفان وميشال دوغي وجاك روبو، بالمغامرة “الثورية” بعد أيار 1968 التي أرادت إعادة صياغة الكلمة الشعرية على أنقاض الشِعر الموزون والشِعر الحرّ، من خلال استرجاعها الى اللغة. لكن هذا المذهب الشكلاني لن يلبث أن يُدرك حدوده. ما هو برأيك الإسهام الأكبر لِتلك الحقبة ؟ وكيف حصل انتقالك من الشكلية الهرمسية نحو تناغم أكبر بين الشكل والمعنى.

راي : ليس سهلا الإجابة على هذا السؤال. فعند نهاية الستينات وبداية السبعينات، ما من شك أنه كنّا في مرحلة أزمة. صحيح أن الشِعر هو غالباً في حالة أزمة، لكن هنالك فترات أكثر حدّة من غيرها، والفترة التي نتحدّث عنها كانت حادّة جداً، كما أن دوني روش بالتأكيد هو الشخص الأوّل الذي قلب الأفق الشِعري والمناخ الذي كنّا نكتب فيه. ولا أحد يمكنه معاتبة هذا الشاعر الذي عرف جيّداً أن الكتابة التي اعتمدها لا منفذ لها وتؤدي، عاجلا أم آجلا، الى طريق مسدود، فتوقَّف عن الكتابة. وقد كتبتُ بدوري ثلاث كُتُب ضمن هذا الأسلوب مع فارق بسيط من الزمن بيني وبين روش، قبل أن أتوقّف. وكان باستطاعتي الاستمرار بهذه الطريقة ثلاثين او أربعين عاماً لكن أرفض حتمية التكرار.

– لكن لم تقل لي ما هو الإسهام الأكبر لتلك الحقبة؟

راي: حرّية أكبر في الكتابة من خلال التحرُّر من التقاليد الرائجة فيها. لكن يمكننا أن نقول أنه، مع كل جيل جديد، في حال أردنا القيام بعملٍ جديد، علينا تحطيم الاصطلاحات وكتابة “شعراً ما بعد الشعر”، كما يقول جان ماري غليز. وهذا ما حصل في الحقبة التي تهمّنا، أي كتبنا شعراً ما بعد الشعر، مع كل المخاطر التي يتضمّنها هذا السلوك. كثير من الأشياء التي قمنا بها آنذاك قد تبدو اليوم مجرّد كماليات قليلة الجدوى، لكن ذلك نجده أيضاً خلال المرحلة الدادية، كما يواصِل اليوم بعض الشعراء “الطليعيين” عليه، وإن كانت كلمة “طليعيين غير مناسبة لهم اليوم كَون الحداثة هي أمر آخر… أما فيما يخصّني، أردتُ العودة الى نوعٍ من الغنائية التي لا بدّ منها. أعرف بِشكلٍ كافٍ تاريخ شعرنا لملاحظة أن الشعراء في صباهم يرغبون في قلب وزعزعة كل شيء، لكن كلّما تقدّموا في السنّ وبلغوا نضوجاً في فنّهم نجدهم يتصالحون مع التقليد. وهذا ما أردتُ القيام به مباشرة بعد تلك الفترة العاصفة، نوعاً من المصالحة بين الحديث والقديم، أي بالتحديد ما أوصى به أبولينِر. إذاً، عام ????، أسجِّل عودة الى الغنائية التي تصبح ضرورة. واليوم هنالك بعض الشعراء الذين يعلنون انتمائهم الى هذه “الغنائية الجديدة”، مثل جان بيار لومير وجان ميشال مولبوا وغيرهما. أعتقد بأن ما يُسمّى “حديث” لا يمكنه إدراك هدفه كما لا يمكن استقباله ورؤيته إلا إذا كان له علاقة مع القديم. يجب على ما هو حديث أن يحفظ ذاكرة الماضي. إذاً علينا التوفيق بين هذين الأمرين، وهذا ليس سهلا كما يظنّه البعض.

– تنظر الى الشِعر الذي يُكتَب اليوم بكثير من السلبية من جرّاء المزايدة بين الشعراء في الحداثة. أليس ذلك من الأسباب الرئيسية التي أدّت الى تراجع الاهتمام بالشِعر في عالمنا؟

راي : بالتأكيد. أظنّ أن الشعراء الحاليين الذين أتوا بعدنا نسوا ما أسمّيه بِ “ضربات الفِكر الموزونة”. يتلهّون بالحداثة لدرجة ينسون فيها حتى الشِعر ! لكن صحيح أيضاً أنه ينقصنا البُعد الكافي للحُكم موضوعياً على الإنتاج الحالي. إذ يصعب علينا اليوم الاضطلاع بدقّة على ما يحدث وقت حدوثه. يتوجَّب عشرات السنين لفهم ما هو الشِعر اليوم. على أي حال، أظنّ بأن لا أحد قادر حالياً على إعطاء جوابٍ وافٍ على هذا السؤال. ولا في أيّة حقبة استطعنا معرفة ما كان عليه الشِعر حين كتابته. لكن فيما يخصّني أعتقد بأن الشِعر هو دائماً غنائية.

– هل من إمكانية شِعرية بدون الغنائية؟

راي: كلا. إنه دائماً عاطفة انفعال. وما زال بعض الشعراء الشكلانيين، أُفكِّر بِجاك روبو الذي، لِلذّة تحقيق تلاعُبٍ بالألفاظ، كتب التالي: “الشِعر: الكلمات بدون الانفعال.” لكن ماذا حفظنا من شِعر الماضي، باستثناء الأعمال التي يظهر فيها بالتحديد انفعالٍ ما ؟طبعاً هنالك دائماً مشكلة الوقوع في العواطفية واختلاط الغنائية بِالحساسية الزائفة لدى بعض الشعراء. وهذا طبعاً سيئ ويُذكِّرنا بِنقْض رامبو للشِعر الذاتي الذي يقول عنه بأنه “مَسيخ بِشكلٍ مُرعِب”. كما أن لوتريامون دعا الى شِعرٍ غير شخصي، لكن ذلك لِحُسن الحظ مثالي لا يمكن إدراكه. يجب على الشعراء أخذ الحقبة التي يعيشون فيها وظروفها بِعين الاعتبار وإلا لأصبح الشِعر فارغاً ولا أهمّية له. إذا أخذنا شِعر دوني روش فلن نستطيع التكلُّم عن مضمونه لأننا لا ندرك ما يريد قوله. روبو خصَّص صفحات عديدة لِشعر روش في أحد كتبه، لكنه لا يتحدّث سوى عن سلوك روش وتصريحاته الرنّانة: الشِعر كذا وكذا، وقطعه للكتابة الشِعرية. لكنه أبداً لا يتحدّث عن مضمون شِعره. وعلى أي حال، روبو لا يتكلّم أبداً عن مسائل تتعلّق بالمضمون ولكن فقط عن مسائل شكلية، وهذا يكشف فراغاً. وحالياً هنالك بدون شك فراغ داخل الشِعر. أعتقد بأن الشعراء الذين كانوا مغامرين كبار في الماضي، على المستوى الشِعري، استطاعوا البقاء الى حد اليوم لأنّهم قدّموا شيئاً على مستوى الرسالة والمضمون. أما إذا أهملنا التنفُّس الغنائي وحصّة الانفعال وإدراك القارئ في رغباته وغرائزه، سيختفي الشِعر لا محال. لا يمكن تركيز الشِعر على التقنيّة فقط. اهتمامنا ببودلير اليوم لا يتوقَّف عند المستوى التقني لِشعره وإنما عند ما قاله. رونسار، هوغو، أراغون ومعظم الشعراء الكبار بدأوا “شكليين” قليلاً في البداية ولكن فيما بعد، حين بلغوا قمّة فنّهم، لم يعد يعوزهم أي نموذج باستثناء ذاتهم وقدرة غنائية شخصية ورؤيوية.

– بعد مسار طويل في الكتابة الشعرية عبرتَ فيه مراحل ومنعطفات كثيرة، ماذا تعني لك كلمة “حداثة؟

راي: أرغب في الاستشهاد بِفرلين: ” الفن، يا أبنائي، هو أن نكون ذاتنا.” أظن بأن هذه هي الحداثة. لم نقول أفضل مما قاله فِرلين حول هذا الموضوع. فرلين هو بالتأكيد أحد أكبر شعراء الماضي إثارة وانفعالا، وفي الوقت ذاته من أهم الشعراء مهارة وابتكارا على المستوى الشكلي. لكن هذا الابتكار التقني لم يمنعه من أن يكون ذاته ومن التكلُّم على أقرب مسافة من ذاته. ولهذا السبب، بدون شك، أصبح أحد أكبر شعرائنا. بالمقابل، سلسلة كاملة من الكُتُب، كالتي يديرها الشاعِر إيف دي مانو لدى دار فلامَريون، لن يبق مع الأسف منها سوى القليل القليل.

– تقول في ديوانك “في كل مكانٍ، في المكان عينه ” (1978): ” أنا من سأُصير.” بعد هذه الدرب الطويلة، كيف تُقيِّم ما وصلتَ إليه؟

راي : تطوُّري يذهب في اتّجاه صراحة أكبر. وقد ينزعج بعض “المحدِّثين” اليوم من كلمة “صراحة”. لكن، في النهاية، (يضحك) ما من شيء أهم من ذلك، أن نقول ما يهمّنا جداً. طبعاً يجب التوصل الى قوله بطريقة يخرج فيها دائماً جديداً، وهذا ما هو صعب ومعقَّد. لكن أعتقد بأنه يجب المجازفة داخل هذا الفنّ في أن نكون ذاتنا. وعلى أي حال، إذا كان هنالك من تطوُّر لديّ فهو يذهب في هذا الاتجاه. وأن نكتب على أقرب مسافة من ذاتنا يؤدّي الى أقسى موافقة بين المُعاش والمكتوب. وقد عشتُ بالطريقة الأكثر حميمية وداخلية، كما أن شعري هو غالباً داخلي.

– أطرح سؤالي بِشكلٍ آخر، مستشهداً ببيتٍ شعري لك : هل تقدّمتَ “نحو زمن الأدلة أم نحو مستقبلٍ بدون جُزُر”؟

راي: (يضحك). لقد قرأتني جيّداً. لكن لا أستطيع أن أُجاوب على هذا السؤال بنفسي. وبما أنني لم أتوقّف عن الكتابة بعد… (يضحك). ما يهمّ هو أن نبقى دائماً بحالة عدم رضا. وبالفعل، يبدو لي دائماً أن هنالك شيئاً آخر لِنقوله او نفعله، ولعل هذا ما يدفعنا الى الكتابة من جديد، على الرغم من النجاحات الشعرية الكبيرة للآخرين في الماضي او حالياً. يجب إذاً المحافظة داخلنا على نوعٍ من حالة عدم الرضا والنقص.

– تقول في ديراي:”غيوم، ليل” (1983): “لا شيء يسحرني أكثر من الأشياء التي تنحل.” ماذا تقصد؟

راي : في الواقع، الشِعر الذي أكتبه يتكلّم عن الفقدان. نكتب انطلاقا مما نفقده ومما يختفي ونادراً مما نكسبه. نحاول بالكتابة إعطاء نوعاً من الوجود لِما سبق ورحل مخلِّفاً شيئاً نحاول نقله بواسطة الكلمات. نعوِّض الفقدان من خلال رُبحنا للغناء. هذا من تأثير فِرلين عليّ. لكن على أي حال، الشعر يروي ويتقفّى آثاراً وبصماتٍ وروائح وأصوات، الأشياء التي تبقى بعد اختفاء مُخلِّفها…

– أي يحاول سدّ ثغرة الزمن

راي: بالتحديد. إذاً، الزمن مرّ وفعل فعله، ومع ذلك صورة تبقى، يحاول الشِعر ترجمتها الى كلمات. أحاول إذاً إعطاء شكلٍ لذلك الشيء الرقيق والهش جداً. وهذا ما ينجح في تحقيقه، في فترتنا الحالية، شاعِر مثل فيليب جاكوتي، خارج أي تأكيد استعراضي او ثوري، على طريقة دوني روش او جود ستيفان. أظن بأن الشِعر يذهب في هذا الاتجاه.

– هل هذا ما يشرح أيضاً تطوُّر السوداوية في شِعرك، منذ هذا الديوان، وانحلال السحر او الوهم فيه أكثر فأكثر؟

راي : صحيح، لكن هنالك أيضاً عبء الثقافة الغربية، والفرنسية بِشكل خاص. لدينا أدب متشائم الى حدٍ بعيد مع بضع الاستثناءات. صحيح أننا حقّقنا أشياء رائعة، لكن تاريخنا مُحمّل بالأشياء الفظيعة التي قمنا بها أيضاً. إذا ما نظرنا الى بداية القرن العشرين، لوجدنا شعراء رائعين يتمتّعون باندفاعٍ قلّ مثيله، وإذ بالحروب العالمية الأولى والثانية فحروب الاستعمار تدفعنا في اتّجاه مضاد.

– لكن فوق ركام الأنا ووقتية الزمن وشراسة الإنسان، يبدو شعرك ممدوداً دائماً نحو الآخر، المجهول، السيّدة التي لا وجه لها، الموت…، ومحرَّكاً بأملٍ، أمل العثور على “النوتة غير المتوقَّعة”، على “الملح النافِع” او على “سبيل ذلك المنزل الأبيض الذي لن يدخله أحد…

راي: يوجد في الإنسان بالتأكيد رغبة عميقة بالبقاء وبتخطّي الوضْع البشري. والفكرة هي أن هنالك بدون شك معنى في كان ما لا نعلمه، والشِعر، او على الأقل ما أكتبه، يتوجّه نحو معنى لم يُصاغ أبداً وربما يبقى متعذِّراً صياغته. ولو كنتُ مؤمناً لَقلتُ أن هذا المعنى يوجد في الله. ربّما، لا أعرف كما لا أرفض الفكرة أبداً. إذاً هنالك بالتأكيد سَيْر وتقدُّم وحاجة لِشيء آخر. هذا خاص بالوضْع البشري، إذ بدون هذه الرغبة نقع في العبثية.

– تقول في بحثك حول رامبو: “أبحث فقط عن قيمة الشُعر…” أين وصلتَ في هذا البحث على المستوى الشخصي؟

راي : لا يمكن إدراك قيمة الشِعر ولا أحد قادر على التعبير عن هذه القيمة بِشكلٍ كامل. هنا أيضاً نعود الى موضوع عدم الرضا. الشِعر هو دائماً ما يتوجّب قوله ولم يُقَل بعد. قيمته في كونه ممدوداً نحو المستقبل ونحو الأمل في صيغة ما، كما كان يقول رامبو : “المكان والصيغة.” أبحث إذاً عن ذلك المكان وتلك الصيغة، مع العلم أن بلوغ المكان يلغي الحاجة الى الكتابة ولا يعود لدينا شيء نقوله.

– بعد سقوط كافة قناعاتنا السابقة، ألا يبدو لك الشِعر كَ “الملجأ الوحيد الصالِح للتنفُّس؟

راي : بالفعل، أنا ألتزِم أيضاً هذه الفكرة، لكن حين نقول الشُعر نقصد طبعاً الفنّ بِشكل عام الذي هو اليوم، أكثر من أي شيء آخر، ناقِل للمُثُل الإنسانية.

____________
جريدة (المستقبل) بيروت 2002

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق