الرئيسية / مجلة أنهآر الأدبية / القصة القصيرة / الباب ، قصة قصيرة للشاعر و الكاتب مظهر عاصف ..

الباب ، قصة قصيرة للشاعر و الكاتب مظهر عاصف ..

 

 

الشاعر مظهر عاصف

 

ساحةٌ مليئة بالخردوات, وأصواتٌ لم يألفْها من قبل, وشتائمٌ يتبادلها العاملون مجانًا فيما بينهم تبدأ بما تحت الحزام, وتنتهي بما فوقه , هي الحياة التي انتقل اليها بين ليلةٍ وضحاها.

الليلة الأولى هي الأصعب دائمًا في أي كارثةٍ ومصيبة, ثم نبدأ بالاستسلام تدريجيًا بعدها, فيصبحُ السجنُ بيتًا آمنًا, والميتُ ذكرى, ويصبح الفراقُ _فراقُ أيِّ شيءٍ_ واقعًا لا مفرَّ منه .

صنعهُ نجارٌ مسن قبل خمسينَ عامًا بآلاتٍ بدائية من شجر البلوط. حفره بأناةٍ ودقة, بينما وضع المسامير في خواصره كطبيبٍ يعالجُ أبرةَ مخدر في جسدِ مريضه متوخيَّ الحذر, أما الغراء فكان كرسامٍ يحررُ فرشاته الأنيقة واضعًا لمساتهِ الأخيرة على لوحةٍ زيتية.

التحفةُ هذه كما أسماها أثناء شرحهِ للذي اشتراها بثمنٍ باهض أخذَت من عمرهِ عامًا كاملًا, قبل أن ينتهي الحداد والزجَّاج من عملهما الذي أراد أن يضيفه لرائعته, وحينما انتهى من تثبيتهِ, مغلقًا إياه مرة, وفاتحًا مرة, متأكدًا من جودة الزرفيل مراتٍ ومرات, أمام دهشةِ العائلة لهذا الحرفيِّ الذي بدا يتعامل مع هذا البابِ الحشبي كوليدٍ لم يبلغ الحلم بعد.

لم يتمالكوا أنفسهم من الضحك حينما قبَّله ذارفًا لدمعةٍ وصفوها بالغبية, قائلًا للأديب: تستطيع الآن إغلاق بابك لتحمي مكتبتك للأبد .

الأبد لا يكون من نصيبِ الأشياء, بل من نصيب خالق الأشياء. لكنه أدركَ وقتها أن وظيفته في هذا البيت تقتضي حجب الأصوات عن مسامع الأديب أثناء دخولهِ عالمَ الكتابة والقراءة, وأن يتشبث بكل ما آوتي من قوةٍ بمفاصله وزرفيله إن أراد أحدٌ ما التطفل والدخول إلى المكتبة في أثناء غياب الأديب .

خمسون عامًا قضاها مستمتعًا في مكانهِ, يختزنُ ما يتناهى إلى مسامعه: من شعرٍ, وفلسفةٍ, واجتماع, وفقهٍ, وتاريخ. متشوقًا دومًا لسماعِ تلك الحوارات التي يخوضها الأديب أحيانًا مع أصدقائهِ أو أبنائهِ أمامَ عينيه.

الموتُ وحدهُ ما لا نقاشَ فيه, ولا رجوعَ منه, والموت وحده مَن أفرغ هذه الغرفة من صاحبها. والحياةُ وحدها من سمحت لهذه البلهاء بالحضور ليلًا مطالبةَ زوجها بالتخلص من هذه ( الكراكيب) لتتحول هذه الغرفة إلى حاضنةٍ أطفالٍ وظيفتهم في الحياة البكاء والصراخ واللعب فقط .

ذهبت أشعارُ المتنبي أدراج الرياح. تلاشت الحوارات والنقاشات حول بيكاسو, ونتشيه, وأرسطو, مات أشعب, وأبو تمام, ومحفوظ, والسكاكيني حينما مات الأديب, وجاءت أحاديث الحليب والرضاعة وفوطة الأطفال والمناغاة ليلاً نهارًا .

خمسونَ عامًا من الخدمةِ في هذا المنزل انتهت بقولها : لم يعد هذا الباب مناسبًا لديكور البيت. وقبل أن يخلعوني قسرًا من عرشي جاءت ببابٍ زجاجي لا يساوي جناحَ هسهسةٍ متغزلةً بأناقته, مشيدةً بصلابته, وتناسقهِ مع أثاثها البغيض, وذوقها الرديء. فما كان مني إلا التمثل حزينًا وحيدًا شريدًا ببيت شعرٍ سمعته يومًا من صاحبي :

وما يزهدني في أرضٍ أندلسٍ

ألقابُ معتصمٍ فيها ومعتضدِ

ألقابُ مملكةٍ في غير موضعها

كالهر يحكي انتفاخًا صولةَ الأسدِ..

اشتراني بثمنٍ بخسٍ دنانير معدودة (مسرور السفاح) , وقد عرفت فيما بعد أن السفاح لقب أطلقه عليه جيرانه وزبائنه بسببِ شرائه الأشياء بثمن بخس, ثم المغالاة وأجرامهِ عند البيع. مسرور هذا لم يكن أفضلُ حالًا من بائعتي, غير أن لسانهُ البذيء وقذارة ملبسهِ ومأكله وسوقيته ما جعلاني أبغضه متمنيًا الموت على البقاء في مستنقع النفايات هذا.

كثيرًا ما رأيته كالحرباءِ مبدِّلا لجلده حسب مزاج وأخلاق وطبيعة الزبون, فتارةً تراه وقد افترش سجادة الصلاة مصليًا الظهر ثلاثًا, وتارةً تراه وقد أشار للثالوث ببراعة, وتارةً تراه وقورًا متزنًا , وتارةً _وما أكثرها_ ساذجًا أبلهًا وطائشًا.

بالأمسِ مثلًا سمعتُ حواره مع طالبٍ جامعي فقير أرادَ ابتياع مكتبٍ صغير. بدا (مسرور) وقتها كالجاحظِ تمامًا مستشهدًا بالغرِّ من أحاديث وأشعارِ العرب, غيرَ أنه تحول مباشرةً كحارسٍ لملهى ليلي حينما اكتشف ضيقَ عيش الشاب .. هذا الشاب الذي سمعته متمتمًا أثناء هروبه من المكان:
حرباءُ تعرفها في العتمِ والنورِ ..وتلمس الطبعَ في أحوالِ مسرورِ .

لم يسمعه طبعًا كما سمعته, لكنه داسَ لفافة تبغهِ الرخيص غاضبًا , رافعًا يديه ومكررًا بسخريةٍ ما قاله الشاب بأن الجمادَ أيضًا يمتلك الإرادة والمشيئة .

قالَ لأحد عمالهِ ضاحكًا : هذا يعني بأن بابنا الخشبي هذا_ وضربني على بطني بعنف, لا سامحه الله _ يمتلك المشيئةَ والإرادة. ضحك العامل مجامًلا, قبل أن يحكَّ رأسه حكةَ البلهاء.

بينما استطردَ بالشرحِ كمن يحاول استيعاب الفكرة : هو يشيرُ لحادثة الخضر وموسى عليهما السلام في الآية ( فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ) فاستنبط بأن الجدار يريد, وبالتالي يمتلك الإرادة والمشيئة .هزَّ رأسه ببلاهة قبلَ لعنهِ وشتمه, محملًا أياه وأمثاله من المتنطعين لعنة التخلفِ التي أصابتنا بسبب هذه الأفكار الغريبة.

لم أعتد وقوفي بهذا الشكل طويلًا ولكنها الحياة وتقلباتها, وهو “الدهرُ ذا أمنٍ وذا خطرٍ” . فمن وظيفةِ حارسِ لمكتبة تعج بما لذَّ وطاب من الكتب, إلى لوحٍ بائسٍ على جانب الطريق تقف عليه العصافير التافهة أحيانًا, وتبول عليه الكلاب الجائعة ليلًا… وأحيانا وما أكثرها تلك الأحيان يظلُّ وحيدًا متسخًا يعاني ما يعانيه من صفعات الحر وسياط الشتاء .

“لكلَّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ” وقد كنتُ في تمامي شامخًا أحظى باحترام صاحبي الأديب, وها أنا أقف اليومَ منكسرًا (كابنِ عبادٍ) في أغمات المغرب, أتذكرُ أيام الطين التي لا تعود.

تملكني اليأس بالكامل حتى أنني لم أصدق أن هذه الحسناء التي وقفت أمامي بقوامها الممشوق, وصدرها الممتلئ حيويةً قد ابتاعتني, بل وأصرت على نقلي لمنزلها الحديث بالحال. هذا المنزل الذي تتناثر في زواياه التحف والنفائس القديمة.” كدتُ من الفرحةِ لولا الحياءُ الذي عاقني كما أعاق مراكبُ المتنبي أن أرقصُ طربًا لنيلي وأخيرًا حريتي بعد أشهرٍ من المعاناة والألم .

وداعًا مسرور إلى الأبد .. هل قلت الأبد ؟

لعلي بدأتُ اتشاءم من هذه العبارة, فالمسنُّ قالها لمن يقدَّر فحافظَ علي, ثم أتى من لا يقدِّرُ فطرحني بين أحضانِ مسرور, ولست أدري أي مصيرٍ سألقاه من الحسناء والتي أخشى أن يكون عمري أطولَ من عمرها .

في البدايةِ شعرت بالراحة والطمأنينة خاصةً وانها تعيش بمفردها_ وهذا ما يزيح عن كاهلك عناء تحمل مشاكسة الأطفال وتحمل إزعاجهم وركلاتهم أوصفعاتهم المجانية_ تعود في آخر الليل. تلقي بجسدها الجميل على السرير. تنام سريعًا كعاملِ بناءٍ أنهكه التعب. تستيقظ في الظهيرة. تستحم. ترتدي ملابسها الأنيقة. تخرج مسرعةً ثم تعود لذلك الروتين العجيب .

تشابهت تلك الأيام بسبب الروتين حقيقة, فلم أعد قادرًا على حصر تلك المدة بالتحديد, ولكنني بدأت بعدِّ الأيام التي تلت تلك الغيبوبة التي كنت أحياها بعد أن بدأت صاحبتي تعود كلَّ ليلةٍ برجلٍ مختلف, وتمارس معه الحبَّ دونَ حياءَ على مرأى ومسمع من كل هذه الجدران والأبواب الشريفة .

أين النجار الذي استغرقَ عامًا كاملًا بصناعتي؟ وأين الأديب؟ بل أينك يا مسرور ؟

مسرور الكاذب, والمنافق, والمتسخ, والسوقي رجلٌ جميل. الآن أدرك أنهم ظلموكَ حينما أطلقوا عليك لقبَ السفاح. كان الأجدر بهم أن ينعتوك بالقديس . فأيُّ وجهٍ بريءٍ تحمله لم أكن أراه؟ وأي قلبٍ صادقٍ هذا الذي يبيح لك أن تخدع به الناس يا مسرور .؟

مَن هجاك لا يعلم أن الناس تعيشُ خلف الجدران كما لا تعيش أمامها, وأن الفضاء وحده مَن يفضح الفقراء أو المساكينَ لكسبِ عيشهم .من هجاكَ لا يعلمُ أنك واضحٌ وسهل اكتشافك, بينما يجهل بأن الثيابَ الأنيقة وربطات العنق قد تخفي خلفها أناسًا لا يبدَّلون جلودهم فقط, بل وأصواتهم, ولغاتهم, وعيونهم, وقد يبدلون أجهزتهم التناسلية أيضًا .

شاهدت العجائب, وتسوست أعضائي من هول ما رأيت . حسناواتٌ أخريات سكنَّ في بيت البغاء هذا, ورجالٌ ارتادوه بشكلٍ دوري, وأنا… أنا الباب الذي كنتُ حارسًا على خزينةِ معارف, انتهى بي الحالُ حارسًا على خزينة ملابس داخليةٍ وفساتين سهرة ورقص , فهل تراني ” دعوتُ على عمرو فمات فسرني .. فلما أتى زيدُ بكيت على عمرو؟ ” . أم أن الأبواب تتساوى مع الجدران في جريمة إخفاء هذه الأسرار العظيمة ؟ فنصبح شركاء للإنسانِ أيضًا في الخطيئة؟

أقفُ الآن خجولًا من نفسي سامحًا لمن هبَّ ودبَّ المرور من نوبةِ حراستي, ولكنني أعرفُ هذا الوجه الذي وقفَ محدقًا بي. أعرفهُ جيدًا. أعرفهُ مذ كان صغيرًا يتلصص على الأديب, ثم يرتمي بأحضانه ملاعبًا إياه. ولأن الدهشةَ قد استهلكها مني أولئك الذين يتاجرون بالدين والوطن نهارًا, ويرتمون في أحضان المومسات ليلًا, فلم أندهش لرؤيته حقًا .
كنتُ أراهم على التلفاز يتحدثون عن الإنسانِ وحقوقهِ. عن الوطن وترابه . ثم أراهم يشترون الإنسان فوق السرير, ويبيعونه فوق السرير. وعندما يسكرون فلا تجد أحدًا منهم يتحدث العربية , فجميعهم عندما يتعرون .. يتعرون من كلِّ شيء لا من الملابس فقط .
(مسرور) حتى في سكره كان يتحدث العربية, بل كان يستشهد أحيانًا بأبيات الحطيئة.
لم أشاهده بعد أن باعني لها, ولم يستجب لدعوتها حينَ دعته ذات يومٍ لإحدى سهراتها.
نعم أعرف هذا الوجه جيدًا وقد وقف محدقًا بي . تفحصني جيدًا. راح يدورُ حولي. ممسكًا بيدي . متحسسًا لبطني وظهري. ولمَّا استيقن أنه أنا حضنني بقوة. راحَ يصرخُ منتحبًا : أنهُ باب أبي …إنه بابُ أبي .
ثم غادر مسرعًا ولم يعد للمكان بعد ذلك، وبقيتُ أنا في مكاني.

_____________
مظهر عاصف
شاعر و كاتب من الأردن

نشر الموضوع :
أحصل على كتاب تمارين التقسيم الصوتي

عن shoog

شاهد أيضاً

قصائد مغنّاة للشاعر الراحل الزيودي في المركز الثقافي الملكي اليوم الخميس ..

      أنهآر _ متابعات : تقدم فرقة “ترانيم” قصائد مغنّاة للشاعر الراحل حبيب …

إترك تعليقك

كن أول من يعلّق هنا !

Notify of
avatar
‫wpDiscuz