المنوعات الأدبية

ديان جلانسي : أعرف تقريبا معنى أن أكون غير مرئية ..

نشر الموضوع :

Diane

 

بقلم : طلعت الشايب .

هذه شاعرة صهرتها البوتقة الأميركية العجيبة، مثل غيرها من المتحدرين من أصول عرقية مختلفة والذين بدأوا الكتابة انطلاقا من منطقة وسطى بين ثقافتين. «ديان جلانسي» – 63 سنة – لا تتذكر شيئا من حكايات جدتها الهندية ولكن التراث يقف أمامها مثل قمة جبل الثلج التي تخفي تحتها أكثر مما يظهر منها.. ولكنها تتذكر حكايات والدها الذي اخبرها إنهم من اصل «شيروكي»، وروى عن رحلات كثيرة عن ذلك المكان القديم في «اركانساس» عندما ترك موروثه الثقافي واتجه شمالا من اجل العمل.. ورغم تقاطع الجذور إلا أن البداية ظلت هناك مثل السر القديم.
«ديان جلانسي» كانت تنظر تحتها فتجد ثغرة من ارضين تقف فوقهما، تناولت بكلتا يديها كتلة من الطين وضعتها على ظهر سلحفاة – كما تقول الأسطورة – صانعة لنفسها مكانا ثابتا تستطيع أن تقف عليه، ورغم ثباته إلا انه دائم الحركة.. ومن هنا كان الحلم الدائم بالسفر. كان عليها أن تصل بين ضفتي ذات واحدة قبل أن تتواصل مع الآخر وكان الطريق المباشر الذي يربطها بتراثها الهندي قد ضاع من قدمها. لم تكن هندية.. فهي قد نشأت بمعزل عن ثقافة الأسلاف، وما كانت بيضاء فهي ليست منهم وان عاشت بينهم.. انه الصدع بين شطري النفس والهوة السحيقة بينها وبين الآخرين.

طفولة هادئة وخجولة وكلام قليل، في البدء كانت القراءة والكتابة «كنت اقرأ أكثر مما أتكلم» وفي البدء كان الشعر
(القصيدة صوت بداخلي) وعندما تعددت الأصوات الداخلية جاء دور الكتابة المسرحية.. ثم القصة.. ثم الرواية التاريخية.. ورغم ذلك لم تكتب بعد ما يرضيها تماما.

الفن هو العلاج السحري

الفن – الكتابة – عند ديان جلانسي «هذيان روحي»، هي تتخيل نفسها وقد انفصلت عن نفسها الداخلية التي جرفتها الأيام والليالي في طريقها، العقل المجهول المخبأ في ذلك الصندوق الذي تحمله بين كتفيها يتوق إلى قلب، يأتي الفن فيؤكد ذلك ويصل ما انقطع بينهما، إنها المشاركة في كل ما يدور تحت تلك الخيمة الكبيرة المصنوعة من ضوء النجوم.. ومع ذلك يظل هناك ذلك الخيط الرفيع بين النفس والواقع، وما علينا سوى أن نحكي حكايتنا ببراعة الشكل الجميل والمضمون الصادق.. تلك هي ضرورة الفن الذي يوازن القوى الشريرة ويعدلها.. الفن هو الدواء والعلاج السحري.

في المدرسة، كان الكل يدرك إنها مختلفة في كل شيء، حاصرتها الأسئلة عن جنسيتها وأصولها.. هل أنت إيطالية؟ أسبانية؟ ودخلت هي الأخرى غابة الأسئلة: من أنا؟ ومن أكون؟ وماذا أريد؟ ولماذا أنا كذلك؟ وعندما جاءها الشعر هطلت عليها تلك القصيدة التي تصنع فيها نفسها.. نعم: لكي تستطيع أن تجيب عن الأسئلة المطاردة. في القصيدة تستيقظ «جلانسي» كل صباح، وبدلا من أن ترتدي ملابسها ترتدي أعضاءها لكي تصبح مرئية.. مفهومة للآخرين.

أشباح ولكنها حقيقة !

بالنسبة للشكل والأسلوب، هناك دائما تكرار للهموم الرئيسية، ذلك التكرار الذي يولد حالة ذهنية أخرى تستمر وتستمر، ومع الاستمرار يغادر الفعل سجن الشكل ويدخل في الحركة وينتظم في المدار ليصل القلب إلى الروح التي يبحث عنها، بيد أن هناك سببا آخر للإلحاح والتكرار، لعله القلق، وربما هو التعلق اليائس بما يتسرب من بين أصابع اليد كل صباح.. ذلك الذي فقدته تماما. «ديان جلانسي» تتعامل مع أشباح ولكنها أشباح حقيقية تتبدى في حركة الأشجار وحفيفها، أشباح لا مرئية لنفسها وللآخرين وما بينهما، وهي تدرك أن الفن العرقي ينشر السلام والتحقق، يلملم الشظايا والنثار ويعيد تشكيل الأشياء وترميمها مثل ذلك الإناء الفخاري الذي ابتاعته ذات صيف وكسرته قطعا ذات ليلة.. ثم كان عليها أن تجمع الأجزاء والفتات وتعيده إلى شكله باستخدام الغراء.. «هذا بالضبط ما افعله عندما اكتب، وهل هناك جماعة عرقية لا تعاني من التشظي؟ وأين هو الفنان الذي لا يدرك الشقوق والصدوع والندوب؟، الفن إذن هو اكتشاف خيوط الوصل والاتصال، ليس في داخل أنفسنا فقط وإنما في هذا الكون الفسيح كله .. إنها إنسانية واحدة من تنوع الجماعات العرقية.. كل ما في الأمر، أن لدينا أدوية مختلفة للعلاج»

ورغم إن التدريس يأخذ جزءا كبيرا من وقتها، إلا أنها تتحايل لتجد وقتا للقراءة والكتابة وحضور الملتقيات والمؤتمرات وجلسات الشعر، تأتيها أفكار القصائد عندما تقرأ أو تسمع أو تتحدث مع الآخرين، المشكلة إن عليها أن تذهب إلى طلابها كل صباح، ولكنها في دروس الكتابة الإبداعية تستطيع أيضا أن تحقق الكثير، إنها تشارك الطلاب في عملية خلق جميلة.. عملية بحث عن الأصوات الجديدة المختلفة في الرواية والقصة والشعر. سألتها عن الإلهام فقالت إن أحيانا ما تأتيها القصيدة كاملة وبسهولة وان كان ذلك لا يحدث كثيرا، وأحيانا لا يأتي الشعر إلا بعد مكابدة ومحاولات مضنية تستغرق وقتا طويلا. «جلانسي» تغير كثيرا في قصائدها (عشرون مسودة أحيانا)، حتى بعد أن تنتهي منها وتذهب لإلقائها في أي أمسية تجرى عليها تغييرا على ضوء تلقي المستمعين لها تقول:
(التلقي جزء من الكتابة) وهي تشعر بالسعادة عندما يستقبل الجمهور شعرها استقبالا طيبا.

القصيدة.. تقاوم الفهم أحيانا !

أجمل ما يطربها هو أن يقال عن كتاب لها انه جدير بالقراءة، وقد حدث ذلك عند صدور مجموعاتها الشعرية
«عمر واحد في حلم» 1986 و«قربان» و«المرأة الحديدية» 1990 وإذا كان الوضوح مطلبا في القصة والرواية، فهو ليس كذلك في الشعر كما تقول، القصيدة تقاوم الفهم أحيانا وتتمرد عليه «فالشعر جزء من الأحلام»، ولذلك فان المعنى الذي يخرج به القارئ من القصيدة – إن كان ثمة ضرورة – يختلف من قارئ لآخر، والشعر فن خاص لجمهور متنوع، ولكن الكل يستمعون فيه إلى أصوات داخلية قادمة من أعماق النفس البشرية.. نفس الشاعر ونفس المتلقي.

في قصيدة لها بعنوان «الهندي الأعمى» تقول: فمه المشتعل ينطق بالرؤى، يلصق بالسقف الصدأ، في الشتاء ثلوج أرجوانية تنهمر، نافذة سوداء!»، إنها صعوبة الاتصال بين من لا يتحدثون لغة واحدة فيصبحون جماعة من العميان، القصيدة يمكن أن تكون واقعية أو رمزية أو سريالية ولكنها على أية حال تصور الروابط الإنسانية الممزقة نتيجة عجز الاتصال.

وتقول «جلانسي» إنها تأثرت في بداياتها بالشاعر الأميركي الكبير «والت ويتمان» 1819 – 1892 صاحب
«أوراق العشب»، الذي حطم القوالب الأوروبية التي كان الشعر الأميركي يصب فيها عنوة، وجعل موضوعه الإنسان العادي والأشياء العادية، كما تأثرت بالشاعرة «اميلي ديكنسون» 1830 – 1886 في مجال التجريب والتجديد في الشكل والمضمون على حد سواء.

في قصيدة أخرى لها بعنوان «المرأة الحديدية» تقول إنها تسير على قدمين، كل منهما تمضي في اتجاه مختلف وكأنها تتحدث عن تجربتها الثقافية والروحية في مرحلة التمزق والبحث عن هوية، قدم في اتجاه الماضي والتراث الهندي وثقافة الأسلاف وأخرى في اتجاه العالم الأبيض.. الواقع الاميركي. سألت الشاعرة ما إذا كانت قد نجحت من خلال الإبداع في التوفيق بين اتجاهي قدميها، قالت: لقد أصبح لدي الآن حاصل امتزاج ثقافتين في مجتمع يعترف بالآخر ويؤمن بتعدد الأصوات، وبعد أن وجدت صوتي الخاص، وجدت من يستمع إليه.. وهكذا تلتئم أجزاء النفس المشطورة.

عظامنا.. عظام الآخرين

إنه الفن مرة أخرى ودائما: علاج الأحزان القديمة ودواء المنسيين في المؤخرة بعد أن يذهب الجميع إلى المدرسة، انه الرذاذ المطهر الذي كان يرشه والدي في حلوقنا الملتهبة.. روح الانتماء، وهو في الوقت نفسه روح الخصوصية في داخل الجماعة. انه معنى الاكتشاف، اكتشاف أننا كلنا معا في الشرط الإنساني.. البعض يتحمله أسهل مما يتحمله آخرون وهذا ليس عدلا، انه اكتشاف الأشياء الصغيرة تبادلية المعلوم والمجهول، الفن تواصل يقول للآخر: يحسن أن تسمع.. هذه رسالة تأتيك من مكان آخر، انه تمدد وانقباض طاقة فكرية خلاقة تأخذ شكلا هو في ذاته كيان لا يعرف السكون، اكبر من قدرتنا على التناول. الفن وعد بان من يمسك به لن يعرف الملل، هذا ليس ما كان، وإنما يتحرك بين «كان» و«سوف» و«دائما»، خيط بين النجوم والكواكب ومحاجر العيون، والفن الهندي مفعم بالحياة، أملنا ما زال في الخيول، في حركتها، في الهجرة عبر الشرط الإنساني، تنوعاته وعلاقاته التي تضم القوة والشجاعة والكرامة مع الفن الذي يقول: اسمع هذا.. الآن.. وهنا! مع الفن نصل إلى عظامنا فنجد إنها عظام آخرين، وفي ذلك اتصال بين الجماعات العرقية.. وفيه أيضا انفصال.. لماذا استيقظت ذات صباح مع فكرة إن الجسر الذي أريد أن اكتب عنه مختلف عن الأراضي التي يحاول أن يصل بينها؟ هل لأن الجسور الثقافية لا وجود لها؟ ربما يكون برج بابل حقيقة ونحن ورثة انفصال مقدس، ولكنني جسر ثقافي، قد أنكر نفسي، ومع ذلك يبدو أن الفن هو ذلك الاكتشاف، ولعله الاكتشاف الذي لم أكن أريده! هكذا تكلمت «ديان جلانسي».. ومازالت كلماتها تسبح تحت تلك الخيمة الكبيرة المصنوعة من ضوء النجوم في حضرة الشعر!

كسوف الشمس

في كل صباح.. استيقظ غير مرئية،
أصنع من شوك القنفذ إبرة
أخيط بها قدمين للساقين،
وأرفع عمودا فقريا على فخذي،
أرتدي ضلوعي.. والترقوة..
أشبك أذنا برأسي
وأسمع الصرخة الواهنة للطائر ذي الجناح الشمعي،
أفتح فمي لحبات التوت الأرجوانية
( وألصق عينين من نبات الونكة )
أعرف تقريبا معنى أن أكون غير مرئية،
حلقي يتضخم من الغضب
أمد يدي لكي أوقف الألم
قلبي ثقب بحجم كسوف الشمس
ومن خلال الدوائر السوداء،
ادفع حافة الضوء الممزقة،
أصارع طوال النهار شعرة بعد الأخرى
حتى يتحرك القمر من أمام وجه الشمس
ضوء غريب هناك،
كأنه ضوء مصباح شحيح في كوخ،
أرتدي ثوبا
أضع على كتفي شالا
خيوطي معقدة والمقص يلمع،
الآن.. أعرف أنني مرئية،
لي ظل،
أمد ذراعي.. ارقص.. أغني في ضوء الشمس الجديد،
أضع على ظلي قبعة، وشالا،
وثوبا آخر.. أكبر قليلا..
أضع المزيد من الشيلان والبلوزات والتنورات
إلى أن يصبح للظل حقيقة !!
__________
الوطن القطرية 2004

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق