المنوعات الأدبية

خوسيه ييرو يتحدث عن مقاربته الفنية للأثر الشعري وعن تجربة السجن المريرة ..

نشر الموضوع :

 

 

13786274938

ترجمة ر.ر.

في مقابلة مع مجلة “باباب” الاسبانية بعيد نيله “جائزة ثرفانتس” للآداب يتحدث الشاعر الاسباني خوسيه ييرو عن مقاربته الفنية للأثر الشعري وعن تجربة السجن المريرة وعن اوكتافيو باث واشياء اخرى. هنا مختارات من هذا الحوار:

* خوسيه ييرو، هل تعتقد أن أعمالك تأثرت بمعلمي جيل 1927؟

– يجب ان نأخذ في الحسبان ان الشعر الاسباني خلال القرن العشرين انبثق من جذع واحد الا وهو روبين داريو. اكاد استطيع رؤية هذا الجذر بالعين المجردة، ومنه خرج بعدذاك خوان رامون خيمينيث الذي لقّن الجميع، شعراء الهنا (شعراء شبه الجزيرة الايبرية) كما شعراء الهناك (شعراء اميركا اللاتينية). انبثقت مجموعة 27 والشعر الجديد في اميركا من خوان رامون خيمينيث. لم يأت تأثير انطونيو ماتشادو وميغال دي اونامونو سوى في مرحلة متأخرة. في حين لم يترك ماتشادو بصمة تذكر سوى بعد حرب 1936 من طريق تيار نيو كلاسيكي جديد. اما اونامونو فظهر في اللحظات اللاحقة للحرب، لأن هذا الشاعر شكل بالنسبة الى جيل 1927 مثقفا استطاع وضع الكلمات على الافكار، على نحو جعله يستطيع طبع مرحلة ما بعد الحرب الاهلية. انسحب هذا الواقع بعدذاك على جيل 1927 بعيد ظهور روافد اميركا اللاتينية. لم يقتصر ذلك على روبين داريو فحسب وعلى خوان رامون خيمينيث وانما بزغ اويدوبورو المحوري في مسار هذا التحول، وإن لم يعط الاهتمام المستحق. حانت بعدئذ السوريالية ثم اتى الكبير نيرودا، وانا اتحدث هنا عن نيرودا صاحب “مقر اقامة في الارض”. ثم في مرحلة لاحقة، في اعقاب الحرب، ظهر اثر نيرودا الثاني، نيرودا “النشيد العام”. اظنها الصورة البيانية تقريبا لما حصل.

* كيف تصف معيشك في السجن؟

– ادخلتُ السجن الانفرادي لأني انتميت الى منظمة يسارية اسبانية ضمت مجموعة من الشباب تولّت مساعدة السجناء وعائلاتهم في سانتاندير. حققت القوى الفرنكوية في نشاط هذه المنظمة وصادرت اللوائح حيث كانت سجلت اسماء ثمانين شخصا متحدرين من سانتاندير واستورياس. اعتقلونا جميعا، اما في السجن فساد الجوع. كانت الوجبات باعثة على الغثيان، وكانت المعاملة قاسية الى ابعد حد. في حال اعلن احدهم نيته الاتصال بمحاميه تعرّض للكمتين واجبر على التزام الصمت. حمل جسد السجناء اثار الكدمات.
في احدى المرات ادخلت الى السجن وعلى نحو شبه سري بعض اعمال دوستويفسكي. كنت قارئا شغوفا لأثره واحتفظ بذكرى جميلة عن احد اعمال غبريال ميرو. كنت جزءا من مجموعة من الشبان أُلقيت في تلك الزنزانة حيث فصلت بالكاد بين السجين والسجين مسافة اربعين سنتيمترا. عرضنا الكتب في ما يشبه الخزانة كما لو اننا في منازلنا. غير انه صدف مرور احد المسؤولين البائسين في احد الايام وما إن لمح تلك المؤلفات حتى صادرها متحججا بإدخالها من دون الحصول على اذن. لست ادري اي سوء روّج له الروسي دوستويفسكي او ربما غبريال ميرو المثير للشفقة، غير ان الكتب في كل حال اختفت تماما. لكني واصلتُ اكتشاف الحياة في السجن، تلك التي اهتممت لها خصوصا.

* في خطاب تسلم “جائزة ثرفانتس” تحدثت عن “ايل كيخوتي” انطلاقا من ثلاث وجهات نظر.

– اعتبر ان “ايل كيخوتي” اعجوبة من حيث الشكل الفانتازي. قال اثورين ان ثرفانتس لم يكتب “ايل كيخوتي” وانما الاجيال القادمة. اما بالنسبة الى اونامونو فـ”ايل كيخوتي” هو الذي املى الكلمات لثرفانتس. جرى الامر في عرفه على عكس ما اراده مناصرو ثرفانتس، ذلك انه كان احد مناصري “ايل كيخوتي”. من هنا انبثقت هذه الخلاصة العبثية تماما بلا ريب، والقائلة بأن ثرفانتس لم يكتب “ايل كيخوتي”. في كل حال، ان الاهم هو اقامة “ايل كيخوتي” في توالي الأجيال في ما ادعوه “بلاد الأساطير” حيث اشعر اني في افضل حال.

* غير ان الشاعر في بلاد الاساطير هذه التي تشير اليها لا يدرك كيف تختتم قصيدته الشخصية.

– تولد القصيدة من شعور ومن كثافة ايضا. غير ان ثمة عجزاً فعلياً في معرفة محتواها. احيانا اقرأ نوعا من القصائد كتلك التي تعود الى القرن الثامن عشر، حيث يمكن ادراك القصيدة قبل كتابتها. اما انا فيروق لي ان تتخطاني القصيدة. ان كلب لاثاريو يقود الضرير (في الحكاية الاسبانية الشعبية المجهولة المؤلف “حياة لاثاريو دي تورميس وحظوظه ومصائبه”) غير ان ذلك جرى بعدما تم تلقين الحيوان. تقودك القصيدة تاليا الى حيث تجهل انك راغب في الذهاب، تماما مثل ينجز الكلب إرشاد لاثاريو. كتبتُ القصيدة النثرية، وهي نوع منفصل عن النثر الشعري الذي لم افهم يوماً ما يعنيه تحديدا. يتراءى لي النثر الشاعري سردا مزخرفا. اما الفرق الوحيد الذي اجده بين القصيدة النثرية والقصيدة الحرة فهو عينه القائم بين البطاطا والوردة. الاهم في شتلة البطاطا هو جذرها المخفي تحت مستوى الارض. في حين ان الاهم في الوردة ما يقوم فوق التربة تحديدا. الاولى جذر يؤكل، فيما الاخرى غذاء للناظرين اليها.

* تكتب ايضا للاعتراض على اللاعدالة الاجتماعية.

– عندما يحين الوقت، لا اقصّر في ذلك. غير اني لست كاتبا اجتماعيا او مؤيدا للاشتراكية. إذا استوقفني امر معين، اكتب في شأنه فحسب. لكني لم اظن مرة ان الشعر يشكل اداة لتغيير العالم. في الامد البعيد ينجز الشعر تحويلا لشتى الامور. هل اكتب قصيدة نقدية لأن العالم قاس؟ كلا. ربما كنت بصفتي مواطناً، على خلاف مع الحكومة، بيد اني كشاعر لا افكر البتة في كتابة نص مناهض لهذه الحكومة.

* كيف تتقبل جائزة ادبية مماثلة واعترافا على هذا المستوى؟

– تسعدني الجوائز بلا ريب. غير اني اظن دوما اني عندما انال اعترافا معينا، فإني في الوقت عينه اسلب آخر يكتب افضل مني هذا الشرف. يصيبني هذا الامر بالخفر لأني ادرك حدودي تماما. ثمة دوما شخص اخر يستحق اكثر مني.

* تسنى لك ان تزور المكسيك قبل وقت وجيز على رحيل اوكتافيو باث.

– هذا صحيح. حصل ذلك في اذار من عام 1997. زرت اوكتافيو باث في منزله، غير انه تحفظ عن الكلام. كان يجلس في كرسي متحرك، فعانقته. كان يشعر بالوجع، وكان يصرخ مثل حيوان متألم. كان يوحي انه يتبع علاجا بالاقراص المسكّنة للالم. كانت صرخاته تشبه تلك التي يطلقها حيوان مجروح، كان المشهد مروعا. حصل ذلك قبل نحو شهر على وفاته. اخبرت احد اصدقائنا المشتركين اني ظننت يومذاك اني اتحدث الى الحائط. كان باث في عالم آخر. كانت صرخته مريعة، جعلت جسمي يقشعر. لا رغبة لي في الاطالة في الحديث عن هذا الموضوع، غير اني عاجز تماما عن نسيان هذه الصرخة الى اليوم.

* أي قصيدة تقترح للألفية المقبلة؟

– لا يمكنني التكهن بها ولا يهمّني ذلك لأني لا اعتقد اني سأعيش الى الالفية الثالثة. اظن الحياة عند كل مفصل من شأنها ان تصير افضل. غير ان ثمة امراً راهناً لن استطيع يوماً فهمه وهو العالم الافتراضي. في كل حال اتمنى ان يصير الناس في الالفية المقبلة اكثر حرية، وفي هذا المعنى اعتقد اني متفائل.

* هل يمضي وقت طويل قبل ان تنشر كتابك المقبل؟

– لا تهمّني مسألة نشر كتابي المقبل وهو كناية عن طبعة مزيدة من “لوحة نيويورك” المنطلقة من قصيدة كتبتها قبل ثمانية اعوام. في هذه القصيدة، اسعى الى تفسير الهيكل العظمي من طريق ثلاثة انماط من الطقوس المرافقة للموتى، في الولايات المتحدة الاميركية وفي المكسيك وفي اسبانيا. من خلال هذه المسألة ارغب في بلورة فكرة وافية في خصوص الموت، بوصفه كرنفالاً او لنقل بوصفه طقساً. غير اني صرفت عشرين عاما من دون تأليف الكتب، ذلك ان مرور الزمن لا يعنيني.

___________
النهار 2010

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق