المنوعات الأدبية

#إميل_سيوران بين استثمار الأرق و الغرق في حوار مع سيمون بوي ..

نشر الموضوع :

 

 

 

tumblr_n4n2ikkder1roilwvo1_500-e1409324410312

 

ترجمة : محمد البوعيادي

“حوار نوربيرت دوديل Norbert Dodille مع سيمون بوي Simone Boué  رفيقة سيوران. ضمن كتاب : « قراءات سيوران »، باريس، هارتمان، 1997، من ص 11 إلى ص41.”

» بدون الضغط الخفيف لماري – فرنس يونسكو كان ليكون مستحيلا بالنسبة لي أن أنتزع هذا الحوار من سيمون بوي التي بدت صمُوتةَ بشكل كبير. في الواقع هذا الحوار هو الحوار الوحيد الذي أجرَتْهُ « .

**
» سيوران هو الذي يهمني وليس أنا «

**

دوديل Dodille : سيمون بوي، من أنت، ومن كنت قبل لقاء سيوران؟

سيمون بوي : أتعلمُ شيئا؟، سيوران هو الذي يهمني وليس أنا .

دوديل : بالرغم من ذلك يمكنك أن تقولي بعض الكلمات عنكِ، هل ولدت في منطقة الفوندي Vendée ؟

سيمون : نعم .

دوديل : هل تخصصت بالدراسات الإنجليزية؟

سيمون : نعم .

دوديل : في منطقة الفوندي ؟

سيمون: لا ، لم يكن ممكنا أن نقوم بالدراسات الإنجليزية في الفوندي، فالمنطقة تابعة لجامعة بواتييه Poitiers، وهناك بدأت دراساتي.

دوديل : وبعد ذلك؟

سيمون : بعد ذلك حصلت على منحة للمجيء إلى باريس لتحضير سلك التبريز. وصلت إلى باريس سنة 1940، يومها كان كل شيء في حالة فوضى ، انتحر الفيلولوجي الكبير هوشون Huchon  عند اقتحام الألمان. كنت ضعيفة جدا في مادة الفيلولوجيا، في حين كان من الضروري الحصول سلفاَ على دبلوم عبر المرور بامتحان شفوي في الفيلولوجيا. لو كان هوشون ساعتها حيا لما نجحت أبدا، كان في مكانه شخص لا يعرف في الفيلولوجيا أكثر مما أعرف. حصلت إذا على الدبلوم، وبدأت أحضر التبريز، بجدية نوعا ما، لأنني لم أكن أحضُر للحصص دائما .

وهكذا تعرفت على سيوران.ليس في حصص التبريز ولكن لأنني نزلت في المسكن الدولي، منزلٌ للطالبات في شارع سان ميشيل. كانت المديرة أمريكية : السيدة واطسون، حين استقررت بباريس لم تكن لدي الرغبة للذهاب إلى  منزل للطالبات، كنت ذهبت إلى هناك لأجمع معلومات فقط، وسمعت صوتا ينادي على عاملة التنظيف، في نبرة أمريكية  » آدييل »Adeyèle (كان اسم عاملة التنظيف تلك آديل Adèle) ترك ذلك الأمر تأثيرا علي، وأنا أسمع تلك النبرة في خضم انشغالي قررت أن أسكن هناك على الفور.

كانت هناك ردهة حيث نأكل، وكانت مفتوحة أمام كل الطلبة، هناك التقيت إميل سيوران، أتذكر بالضبط كان يوم 18 نوفمبر 1942، كنت قد لاحظت وجوده قبلا، لأنه كان مختلفا جدا عن الآخرين، ولأنه كان أكبر قليلا من معدل سن الطلبة، كان عمره 31 سنة، كنت واقفة  في الصف لأجل الغذاء، وكان علينا ساعتها أن نملأ قسيمة ونسجل فيها التاريخ والاسم  لتقديمها في مصطبة توزيع الأكل، عوض أن ينتظر دوره، تقدّم إميل سيوران إلى جانبي وسألني عن تاريخ اليوم، أتذكر تاريخ ذلك اليوم لأنه كان يوم عيد ميلادي، كانت أمي قد أرسلت لي بعض الحلوى ، قلتُ له تاريخ اليوم ، ثم …

دوديل : جاء إلى قربك ليتطفل عليك أو ليفاتحك الحوار؟

سيمون: أظن الأمرين معا.

دوديل: هل عشتما مع بعضكما منذ تلك اللحظة؟

سيمون: لا ، ليس في الحين ، كان يسكن شارع راسين Rue Racine ساعتها، قريبا من هنا، في فندق ما، كانت لديه غرفة رائعة. غادرت مسكن الطالبات بفضل صديقة لسيوران، كان اسمها الآنسة كلاين وكانت لِتْوانيّة على ما أظن، وتملك غرفة في شارع كيجاس Cujas، جاءت ذات يوم إلى سيوران وقالت له :  » أنا أسكن ماخورا » ، وفعلا كانت غرفتها متصلة بنادٍ ليلي، وكانت هناك أنشطة غير مشروعة بشكل كبير، وفي المجمل كان الطابق الأخير من الفندق مخصصا للدعارة. كانت غرفة الآنسة كلاين Mlle Klein جيدة لأنها كانت تحت العلّية في مواجهة الشمس، وكانت تطل على مدرسة بحيث يمكن أن يرى المرء  ساحة الاستراحة والأشجار التي فيها. حين أعلنت أنها ستغادر تلك الغرفة قررت ساعتها أن أكتريها وسكنت فيها لمدة يسيرة، لكني كنت منزعجة في بعض الأحيان فانتهى الأمر بي بمغادرتها.

انتهت الحرب (العالمية الثانية)، وتم قبولي في سلك التبريز سنة 1945، وتم تعييني في مالهاوس Mulhouse، كانت فرنسا قد استعادت منطقة الألزاس، وكانوا يرسلون أساتذة إلى هناك، أما أنا فلم تكن لدي سوى فكرة واحدة، وهي البقاء في باريس، وبما أني قد اجتزت امتحان المدارس في باريس في السنة نفسها، فقد ذهبت لرؤية المدير الطيب لأطلب منه منصبي. فاستطاع إقناعي بقبول التعيين بمالهاوس كي لا أخسر مميزات سلك التبريز.

كان الوسطُ في ملهاوس رائعا، كان هناك نوعان من التلميذات: الألزاسيات، اللواتي  تلقّين كل تعليمهن بالألمانية، وكانت هناك الأُخريات  اللواتي  يطلق عليهن « القادمات من الداخل »، واللواتي كان معظمهن يهوديات صغيرات. لم ألتق في حياتي بعدها بأقسام مثل تلك أبدا. كان الدرس يبدأ قبل الوقت. كُنّ ينتظرنني في الممر، وإذا كنت قد اعتدت على تكوينِ التلميذات داخل الفصل، فقد كان الأمر مختلفا هناك، فهنّ من كنّ يُكوّنّنِي. كانت هناك مديرة تذكرني بفيرجينيا وولف، وكانت ألزاسية عاشت مرحلة الاستعمار في باريس، وكانت تريد إعادة تأهيل تلك الثانوية.

كان هناك ظلم واضح في تلك الثانوية: يدفعون للأساتذة القادمين من « الداخل » ضِعف الراتب ونصفه أكثر من الألزاسيين الذين كانت لهم نفس الهيئة الأستاذية ، وكانوا يواجهون الصعوبات نفسها التي نواجهها. بالنسبة لي كان الأمر ميزة بالتأكيد، لأنني تلقيت تعاملا جيدا يسمح لي بالسفر في الدرجة الثانية حين أذهب إلى باريس(كانت هناك ثلاث درجات ساعتها). كانت الرحلة طويلة: إثنا عشرة ساعة تقريبا. وكان الأمريكان قد فجروا جسر نوجون Nogent ، فكان لابد من القيام بالتفافة كبيرة جدا. بالإضافة إلى ذلك كان قطار ألبيرج-إكسبريس الذي أستقله يصل حتى فيينا ويضطر إلى المرور عبر حدود كثيرة، مما يعني أنه كانت هناك تأخيرات دائما. وبما أنه كان هناك تهريب للذهب أو لست أدري ماذا، كان القائمون على الجمارك يفتشون كل شيء  بكل تفصيل.

دوديل : لم يأت سيوران أبدا لرؤيتك في مالهاوس ؟

سيمون:  أكيد زارني، كان شغفه الكبير هو الدراجة الهوائية، قضيت عطلتي الأولى في رأس السنة مع سيوران في باريس. وحين جاء عيد الفِصح قال لي : سآتي إليك بدراجتي الهوائية، وسنقطع الألزاس ركوبا على الدراجة، وفعلا قطعنا الألزاس بالدراجة الهوائية. كنت متعبة وكان سيوران لا يتعب. كانت منطقة غين العالية Le Haut Rhin مرتفعة جدا، ولم أستطع المجارَاة بالدراجة.

دوديل : لم تبقي سوى سنة واحدة في ملهاوس؟

سيمون: نعم، عمل سيوران جاهدا على جعلي أقترب من باريس. واستطاع ذلك عبر تدخّلٍ من لوباسكو Lupasco، كان لوباسكو يعرف مدير التعليم الثانوي. وذهب لرؤيته. كان رجلا  هائلا، رائعا. كنا نحبه كثيرا. كان يبالغ في كل شيء. حتى سيوران كان لا يصل إلى مستوى مبالغاته. بفضل هذا التدخل تم تعييني في أورليان، على بعد ساعة وعشرين دقيقة من باريس.

دوديل : إذا سكنت في باريس مع سيوران؟

سيمون : كانت لدي غرفة صغيرة في أورليان Orléans ولكني كنت آتي مرتين في الأسبوع إلى باريس. ولم أبق سوى سنة واحدة في أورليان، إلى حدود سنة 1947، لم يكن مديرو الثانويات مكتفون بعملنا في تلك الفترة، كانوا ينتظرون منا عل الأقل أن ندرس سنتين في ثانوية ما. ولكن لوباسكو تحرّك من جديد، وتم تعييني في فرساي Versailles.

دوديل : وهذه المرة استقررت في باريس؟

سيمون : نعم ولا . لا أستطيع النوم كما تعلم، ومن اللحظة التي أصبحت فيها أستاذة وكان علي أن أحضر دروسي وأذهب إلى الثانوية في وقت مححد، لم أعد أنام. لذلك أخذت غرفة صغيرة في فرساي حيث كنت أقضي ليلتين في الأسبوع. كانت ثانوية هوش Hoche  ثانوية للصبيان، وكنت ساعتها المرأة الوحيدة فيها، مما جعل الأمر رائعا لأنني كنت أشعر بأن لي مكانة خاصة، ولكن كان يلزمني أكثر من ساعة للوصول إلى الثانوية.

دوديل: في أي مكان كنت تعيشين مع سيوران في باريس؟

سيمون: في فندق ماجوري Majory، غيّر مكانه دون أن يتحرك كالعادة، من فندق راسين في شارع راسين إلى فندق ماجوري الذي شكل زاوية شارعي السيد الأمير وراسين.

دوديل: لم تكن الفنادق مرتفعة التكاليف ساعتها.

سيمون: لم تكن غالية. كنا ندفع الإيجار بالشهر. وقد وجد غرفتين صغيرتين، ثم اكترينا غرفة أخرى بالقرب منهما، لأنه كان ضروريا بالنسبة لي أن أحصل على عنوان سكن على كل حال وذلك بسبب والدي. لم يكن ذلك النوع من الأوضاع مقبولا بشكل كلّي كما تعلم.

دوديل: وبعد فرساي ؟

سيمون:ذهبت بعد فرساي إلى ميشليه Michelet، حيث كنت في وضع جيد لأنني درّست الأقسام التحضيرية الخاصة بالدراسات الاقتصادية والتجارية لمدة ثلاثة عشرة ونصف ساعة (في الأسبوع). ولكن بالرغم من ذلك الارتياح كان هناك عامل المسافة، كان لِزاما علي أن آخذ باص الصباح، أن أنطلق مع السابعة صباحا والنصف – في الظلام !

دوديل : وإذا لم يوافقك التدريس في ميشليه، هل أردت أن تقتربي من باريس مرة أخرى؟

سيمون : هنا كانت تراجيديا، تم تعييني في السنة الثانية من الأقسام التحضيرية Khâgne في فينيلون Fénelon. لم أكن أقوم بواجبي كاملا في السنة الثانية، وكان مستحيلا بالنسبة لي أن أكمل العمل في الأقسام التحضيرية، كانت هناك فتيات يُحضّرن لدخول مدرسة تقنية، وكان لزاما علي أن أحدثهن عن التلفون، وأشياء من ذلك القبيل. ومن ثمة فهمت أن القيام بدرس للسنة الثانية ليس أمرا سهلا أبدا. بالإضافة إلى ذلك لم أحقق أي تقدم . ونتيجة لذلك، فقدت القدرة على النوم تماما، استمر الأمر ثلاثة أشهر، كنت أسمع دقات ساعة السربون Sorbonne التي كانت تشير إلى أرباع الساعة طوال الليل، لم أكن أنام بتاتا. لم أكن قادرة على النظر من النافذة دون الرغبة في القفز منها. ذهبت ساعتها لرؤية المفتش العام، الذي رأى الحالة التي كنت فيها، فتم إعطائي عطلة إلى حدود رأس السنة، بعد ذلك قام المفتش العام بتعييني في مونتينيmontaigne. وهناك كان الأمر جيدا، كنت أذهب على قدمي بعد أن أقطع اللوكسمبورغ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

» أعتقد  أن سيوران في العمق لم يكن يحب كثيرا أن يكتب   »

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دوديل: أين وصل سيوران في حياتة الأدبية سنة 1947؟ هل كان كتابه « مُختصر التحلّل » يعاني من مشاكل عند دار النشر غاليمار؟

سيمون: حين عرفت سيوران  كان لازال يكتب بالرومانية. في الواقع، لقد اتخذ قرار الكتابة بالفرنسية سنة 1947. ظهر كتابه « مختصر التحلل » سنتين بعد ذلك، أعادَ كتابته مرتين أو ثلاث مرات على الأقل.

دوديل : نعم يحكي هذه الطُّرفة ، حيث ذهب إلى دييب Dieppe، وفي اللحظة التي كان يترجم فيها ملارميMallarmé إلى الرومانية، قرر في النهاية أن ذلك لا يكتسب أي معنى، هل ذلك صحيح؟

سيمون: نعم. هكذا دخلَت دييب إلى حياتنا. حصلت أقدم صديقة لي عرفتها في بواتييه Poitiers على منصب فيها لأن لا أحد أراد أن يذهب إلى هناك، كانت الحرب، وكان هناك قصف بالقنابل. في تلك المرحلة كنت أنا في المسكن الدوليFoyer international. وقامت ذات يوم بعزمي للذهاب إلى رؤيتها في دييب. وهكذا قضيت ثمانية أيام في دييب وبعد ذلك في منطقة التحريرLibération مع سيوران، وعدنا مرارا لأن الوصول إلى هناك كان سهلا، كنا نستقل القطار، ونمضي اليوم هناك. كان سيوران يحب دييب كثيرا.

في ذلك الصيف، كنا قد ذهبنا إلى دييب لبعض الوقت. وبعد ذلك كان علي أن أترك سيوران لأجل الذهاب لرؤية والدَيّ. فاستقر هو في نُزُلٍ للأُسَر في أوفرانفيل Offranville، بقرب دييب، وهناك كان يترجم ملارميه بحسب ما قاله، تعرف تتمة الحكاية …

دوديل: هل ساعدته حين بدأ  الكتابة بالفرنسية؟

سيمون: لا، في تلك الفترة كنت في أورليان. أعرف أنه كتب ساعتها « مختصر التحلل »، وليس لدي أي ذكرى عن كوني تدخلت في كتابته. كل ما أعرفه هو أنه كتب نسخة أولى ووضعها عند دار النشر غاليمار، وأعطى النص لصديق فرنسي قال له : عليك إعادة كتابته، يبدو الكتاب غير لائق. كان سيوران مجروحا تماما، ولكنه فهم في النهاية أن صديقه كان على حق، وبدأ في إعادة كتابة النص. أعرف أنه كان يلتقي بامرأة أخرى، لا أعرف من بالضبط، لم ألتق بها يوما، ولم أعرف اسمها أبدا: كان يسميها « عالمة النّحو »، لأن سيوران كان له شغف واضح بالأشخاص القادمين من بلده، من قرية راسيناري Rasinari ، كان له شغف بإعطاء ألقاب. بناء عليه يبدو أنها هي التي ساعدته، أما أنا فالطريقة الوحيدة التي تدخّلت بها فهي أني كنت أَرْقُنُ نُصوصه. كل نصوص سيوران قمت برقنها أنا. وهنا كنتُ مهمة، لأن أخطاء الرقن التي كان يرتكبها كانت تشعره بالجنون.

لست أنا من رَقَنَ النسخة الأولى من كتاب « مختصر التحلل »، قام سيوران بشراء آلة كاتبة، لكن ذلك كلّفه مبلغا كبيرا، وبالإضافة إلى ذلك، كان يرتكب أخطاء في الرقن طوال الوقت، لذلك اهتممت بتلك الآلة الكاتبة، حتى أنّي تعلمت الرقن بأصابعي العشرة.

دوديل: كان يعطيك مخطوطاته، ألم يكن يحصل على سبيل المثال أن تقولي له، هناك خطأ، أو : لو كنت مكانك لما صُغت فكري بهذه الطريقة؟.

سيمون: لم يكن يكتب أكثر من صفحة واحدة أبدا. لم يكن يكتب سوى القليل في كل مرة. لم يكتب كثيرا، كتبه قصيرة. حين كنت أعود من الثانوية غالبا ما كان يُريني الصفحة التي كتب. لم يكن سعيدا، لم يكن سعيدا أبدا بما يكتب، وكان يطلب مني أن أقرأه. كان يقول إنني أقرأ بشكل جيد جدا. وحين كنت أقرأ، كان يشعر أن نصّهُ جيد. كان لزاما عليّ أن أقرأ، وهكذا حصل الأمر. كنت أقرأ بصوت حورية بحر أو كذلك قليلا.  أعتقد دائما أن سيوران هو الذي علّمني الفرنسية، على كل حال لقد جعلني أكتشف لغتِي.

كنت أعترض في بعض الأحيان، ولكن كانت له أفكاره الخاصة. أتذكر النص الذي كتبه عن سيرونيتي Ceronetti، كتبه لأن كتاب « صمت الجسد » Le silence du corps كان سينشر ساعها، حيث طلب سيرونيتي من سيوران كتابة مقدمة له حاول سيوران أن يتخلص من ذلك، كان يفعل ذلك دائما، يحاول أن يتملص. قال له : لن أكتب مقدمة، سأكتب رسالة، رسالة إلى الناشر. وفعل ذلك، وأرَانِي الرسالة المعنية. قرأت النص فأحدث ففاجأني، كنت معتادة على أن سيوران لا يتحدث دائما عن الموضوع المعني، لكن تلك الرسالة بدأت بسرد سيوران لقصة اختباء سيوران وراء شجرة ومراقبته لسيرونيتي يتبع ابنته بالتبني في اللوكسمبورغ، فقلت لسيوران: ولكن لا معنى لنشر أشياء مماثلة. فأجابني: كنتُ مصابا بالحمّى (حين كتب رسالة التقديم). أصررت (على رأيي) ساعتها، لكن سيوران جاوبني بلكنة حازمة: لن أغير ولا فاصلة واحدة ! وفعلا لم يغير ولا فاصلة واحدة. وإذا، نادرا ما كان يهتم لملاحظاتي

دوديل: لا يهتم نهائيا؟

سيمون: لا، كان يهتم بين الفينة والأخرى، حين يجد أني على صواب !

دوديل: هل كانت تلك النصوص التي يعطيك إياها لتقرئيها مكتوبة على أوراق مُبعثرة؟

سيمون: لا،كان يكتب على مذكرة خاصة بالرسائل من الحجم الكبير. في البداية كان يكتب بالحبر، بمعنى بالحبر وريشة حديدية. هذه هي أول ذكريات لي عن طريقة كتابته، في تلك اللحظة كان يكتب بالرومانية. بعد ذلك  اشترى قلم حبر، ومرت مدة طويلة قبل أن يشتري قلم بيك bic.  هكذا استطعت أن أؤرخ مخطوط كتاب : »بلادي ».

بمجرد أن نعرف كيف كانت تتشكل بعض الحروف، لم يكن صعبا قراءة مخطوطاته: خصوصا حرف الراء R الذي كان يكتبه كحرف النون N. كان يقول : أنا غير قادر على نطق حرق R في الكلام، والأمر نفسه حين أكتب. كان يتعجب كيف أستطيع أنا أن أنطق حرف الراء بشكل جيد. كان يقترب مني حين أتحدث، وكان ينظر إلي  فمي من أسفل كي يحاول فهم كيف كنت أنطقه.

دوديل : ألم تكن له طقوس للكتابة، لحظات خاصة؟

سيمون: لا. أعتقد أن سيوران في العمق لم يكن يحب كثيرا أن يكتب. بعد كتابه « مختصر التحلّل »، كان هناك كتاب « قياسات المرارة » الذي كان فشلا ذريعا. وهو الكتاب الذي يُباع الآن أكثر، والذي يُعاد نشره دائما. ولكنه حين ظهر لم يُكتبْ عنه سوى مقال وحيد في مجلة « هيَ » Elle . وضعت دار النشر غاليمار الكتابَ في دُرجِ النسيان. بعد ذلك بدا وكأن سيوران بدأ يتردد في الكتابة، وكان من الممكن أن يتوقف نهائيا لولا أن بولان Paulhan مدير « المجلة الفرنسية الجديدة » طلب منه نصوصا للنشر. فكان مرغما على كتابة مقالات. العديد من كتبه تشكلت من مقالات ظهرت في « المجلة الفرنسية الجديدة »، كان مُحاصراً، فقد وعد بولان بأن يكتب، فكان يقول: لقد وعدت بأن أكتب هذا، لماذا وعدت، هاهو وقت التسليم أتى. كان في كل حالاته النفسية يقول: أبدا لن أستطيع كتابة هذا المقال. ثم فجأة ينسلُّ إلى غرفته  ويكتبه .كان ذلك يدهشني دائما، كنت أجد أمرا خارقا أن يكتب المرء بتلك السهولة. يمكن أن نلاحظ أنه ليست هناك تشطيبات كثيرة في مخطوطاته.

دوديل: لم يحاول سيوران أن يكتب شيئا آخر باستثناء المقالات، لم يحاول كتابة المسرح، أو لا أدري، كتابةً تعتمد التخييل؟

سيمون: هنا، يجعلني ما تقوله عاجزة عن الكلام، لم يكن سيوران ليتخيل الأمر. فهو لم يكتب سوى تنويعات مختلفة عن الموضوع نفسه.

دوديل: ولكن يمكننا أن نقول الأمر نفسه عن كل الكتاب، يمكن أن نكتب تنويعات عن التيمة نفسها بأشكال عديدة، أليس كذلك؟ هل يبدو لك فعلا أمرا غير وارد أن يكتب سيوران بطريقة أخرى؟

سيمون: أتذكر أن سيوران كان يحكي دائما قصصا عن ماضيه لأصدقائه، قصصه حين كان في المدرسة، حين كان في الخدمة العسكرية، كانت قصصا رائعة، كنا نتلوّى من الضحك، وكان الكثير من الأصدقاء يقولون له: عليك أن تكتب مذكراتك. فكان سيوران يرد : ولكني غير قادر على كتابة مذكرات، حكايات، ليس لدي ما يلزم لفعل ذلك.

دوديل :ماذا عن ترجمة نصوص سيوران الرومانية؟ هل كان يشارك في ذلك؟

سيمون: لقد رفض لمدة طويلة أن تتم ترجمة نصوصه الرومانية. أتذكر أن آلان باروي Alain Paruit كان أول من تحدث في الأمر. كان سيوران يحب باروي كثيرا، لقد دفعه لأن يصير مترجما، فقد وجد فيه موهبة. لأن سيوران كان لديه شغف، وهو مساعدة الناس، ونصحهم، بل وإجبارهم على فعل أشياء معينة. كان سيوران يحب إعطاء النصائح كثيرا، أما أنا فلم أؤمن يوما بالنصائح بشكل عام.

ذات يوم جاء باروي لرؤية سيوران، كان يريد ترجمة كتاب « على قمم اليأس » فقال له سيوران: قم بمحاولة. فعاد باروي ببعض الصفحات، فكان استنتاجهما معا : الأمر لا ينجح في اللغة الفرنسية.

سنوات بعد ذلك انخرطت سندا سطولوجان Sanda Stolojan في ترجمة كتاب « دموع وقديسون »، فكانت تزورنا دائما، كانت تحمل نصها. وكان سيوران يصر على أن أكون حاضرة، وأنا كنت سيئة الحظ، لأن سيوران بقدر ما هو لطيف ، مهذب ودَمِث في العادة، حين كان يتعلق الأمر بالكتابة، أو بنص ما ، كانت تختفي تلك اللطافة. كان يقول : يجب تمزيق هذا، فهو سيء، وكنت أرى سندا قادمة، كانت تدخل وتقول : ماذا سوف تمزق لي هذا اليوم؟ يبدو أن النسخة الفرنسية من كتاب « دموع وقديسون » لا تمثل سوى ثلث النص الروماني تقريبا. كتبت سندا مقدمة لتغطي على ذلك، ووضع سيوران نصب عينيه إعادة كتابة بعض الصفحات، بحيث لا يكون لدينا إحساس أننا نقرأ نصا ترجم عن الرومانية، بل نجد في تلك الصفحات سيوران الفرنسي. قرأتُ الترجمة الإنجليزية حديثا، وكنت مشدوهة، تفتح الإنجليزية المجال بشكل أفضل للترجمة من الرومانية، إنها أقل جفافا ، ثم هناك تلك الشساعة، ذلك الجانب الباروكي Baroque في أسلوب سيوران بالرومانية، والذي يُترجم جيدا  للألمانية أو الإنجليزية، ولكن ليس للفرنسية…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

« إنها طريقة بالنسبة لي لأكون مع سيوران »

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دوديل :  بعيدا عن تلك النصوص التي كان يعطيك لتقرئيها وترقنيها، هل اكتشفت بعد موته أنه يحتفظ بيوميات؟

سيمون: لم تكن يوميات. إنها – لا أعرف كيف أصفها – دفاتر. لم أكن أعرف بوجودها. اكتشفتها حين قمت بالترتيب حين قررت أن أعطي مخطوطات سيوران لمكتبة دوسي Doucet. فعثرت على تلك الدفاتر التي احتفظ بها سيوران، ووضعها جانبا. ولكنه كتب فوق عدد لابأس به من الأغلفة : دفاتر للإتلاف. وعوض أن أعطيها لمكتبة دوسي بدأت بقراءتها، وجدت أنها اكتشاف ثمين يقدم سيوران في صورة جديدة.  وتنتمي إلى دفاتر التحرير أشياء كثيرة تم إثباتها في كتبه، بعضها وبشكل تام كلمة بكلمة. وبالنسبة لبعض الجمل في تلك الدفاتر، هناك ثلاث أو أربع نسخ واحدة تلو الأخرى للجملة الواحدة. يريد أن يصل إلى نقطة من الكمال في الصياغة. ولكن هناك أشياء أخرى كثيرة. على كل حال ليس هناك تواريخ غالبا، وعموما حين يكون التاريخ يكون مرفوقا عادة بعبارة « ليلة مروّعة »، « آلام رهيبة ».

خلال عملية النقل أحتفظ بكل ما هو مُؤرّخ، وإن لم يكن ذا أهمية كبيرة. كنت راضية وغير راضية في الآن ذاته بما أفعله، وبالاختيارت التي قمت بها. لا أعرف إن كنت أفعل الصواب. لم يكن سيوران يحدثني عن تلك الدفاتر. كنت لاحظت في بعض المرات دفترا فوق طاولته حين كنت أذهب إلى غرفته. لأنه وكما تعلم لا أحد كان يدخل غرفته. كانت عاملة النظافة ممنوعة من دخولها، لأنه كان دائما يفقد شيئا، وهذا أمر كان يحدثُ باستمرار، وكان ذلك المنع أيضا لأنه كان يعتبر أننا نزعج  فوضويته. لاحظت إذا وجود الدفتر نفسه، لأنه كان يشتري نوع الدفاتر نفسه، وكان ذلك الدفتر دائما مغلقا، وطبعا لم أقم أبدا بفتح الدفتر.

حين اكتشفت سلسلة الدفاتر تلك، قلت لمدير مكتبة دوسي إنني لن أعطيها له في الحين.

دوديل : وعُدت  إلى رقْنِ دفاتره على الآلة الكاتبة كما كنت تفعلين قبلاَ.

سيمون: نعم، إنها طريقة بالنسبة لي لأكون مع سيوران.

دوديل: لم يكن يحدثك عن تلك الدفاتر، كان يُريك نصوصا، ولكن ليس تلك الدفاتر؟

سيمون: لا.

دوديل : في ما تختلف تلك الدفاتر عن اليوميات بالمعنى المعروف؟

إنه ليس شخصا يمكن أن يكتب : اليوم رأيت فلانا، فعلت هذا وذلك. على أية حال لا يتكلم كثيرا عن الأشخاص الذين قابلهم أو المحيطين به: بل يتحدث عن نفسه، تقريبا عن نفسه فقط، ولا تُقـدَّم الأحداث إلا في علاقتها بذاته، والمضمون غالبا مطبوع بحزن رهيب.

أحاول أن أعزي نفسي بالقول: كيف يعقل ! لقد حضرتُ هذه الأحداث، لم يحصل الأمر هكذا، لأن سيوران لم يكن شخصا كئيبا أبدا، كان مرحاً ، مرحاً جدا. في العمق يبدو الأمر واضحا: لم يكن يكتب إلا حين يكون حزينا، في نوبات اليأس، وإذاً، كان ينسحب إلى غرفته ويبدأ بالكتابة. وقد قال على كل حال: إذا كانت كتبي كئيبة، فذلك لأنني أبدأ بالكتابة حين تكون لدي رغبة بإطلاق رصاصة على نفسي.

كُتِبتْ تلك الدفاتر ليلا، حين لم يكن قادرا على النوم، أو حين كان يعود متأخرا للبيت. ويتكرر في هذه الدفاتر إحساس الهزيمة، يؤلمني كثيرا أن أقرأ هذه الأشياء، يؤلمني أن أفكر في أنه كان مسكونا بشعور الهزيمة إلى هذا الحد، أن أفكر في أنه كان تعيسا.

دوديل: هذا الإحساس بالهزيمة هل كان مرتبطا بنجاحه ككاتب، أي مرتبطا بنجاحه التي كان يعتبره غير كافٍ؟

سيمون: لا، في النهاية أعتقد أن إحساس الهزيمة هذا مرتبط بذاته هو .

دوديل: ستقومين بنشر هذه الدفاتر إذا؟

سيمون: نعم ، لأنني فكرت في هذا الأمر: فكرت في أنها ستذهب إلى مؤسسة دوسي Doucet ، ومن الأكيد أن الأمر سيكون مهما بالنسبة لبعض الباحثين، وأنه سيأتي أحد ما لينشر هذه الدفاتر يوما ما، وبأن أخذي للمبادرة كان شيئا يستحق. ولكن لدي شكوك كثيرة حول قدرتي كناشرة، كنت أرقن نصوصه على الآلة الكاتبة، ولكن الأمر يتعلق بما هو أكثر من ذلك الآن. كنت أرقن نصوصه في فترة حياته، ولكني لم أكن أقرر إن كان ذلك سينشر أو لا، لم  تكن لي أي كلمة في ذلك الشأن.

دوديل : تشعرين إذا أن في هذا النشر مسؤولية. هناك عناصر بيوغرافية، تدوينات، مثل التي قال فيها : « قضيت أمسية رائعة مع ماري فرونس [يونسكو] » (زوجة يوجين يونسكو)، وأيضا مسودات لنصوص منشورة سلفا، وفي الأخير تلك الأفكار التي قلت عنها إنها مُرّة جدا، هناك 35 دفترا؟

سيمون: يصعب قول ذلك،لأن هناك أيضا دفاتر صغيرة كان يكتب فيها حين كنا في العطل. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك دفاتر من حجم أكبر ابتداء من لحظة ما، إلا أنها كانت مجرد دفاتر للتسويد. بعض الأشياء (في تلك الدفاتر) مُتقنة بشكل كبير، ومدروسة جدا وبعضها  عكس ذلك ، عفوي. ليست هناك أي وحدة بينها.

ولا أدري إن كان ليريد أن تنشر هذه النصوص. بالإضافة ، كان يتحدث في تلك الدفاتر أحيانا عن الناس. يجب القول إنه غالبا لا يضع الاسم. يضع إشارات، ولكننا نعرف جيدا بمن بتعلق الأمر في النهاية. تعرف كيف كان سيوران، كان  شديد، كان يمكن أن يكون شديد…

دوديل: الشر؟

سيمون: نعم. بمعنى أنه لم يقاوم أبدا كلمة ساخرة، مُبالغة. كان قد انزعج من بعض الأصدقاء، وبعد ذلك تصالحوا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كيف تستطيعين تحمل سيوران؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دوديل:  هل يتحدث عنك في تلك الدفاتر؟ هل وجدت أشياء تتعلق بكيف كان يفكر فيك؟

سيمون: لا. تقريبا لا شيء، لا يتحدث عني تقريبا. وهو أمر مثير جدا للفضول. كنا نذهب كل أحد إلى ضواحي باريس في مرحلة ما، وكنا نمشي اليوم كله، كنا نقطع خمسة وعشرين إلى ثلاثين كيلومترا، كنت دائما حاضرة معه. في كل مرة كان يسجل في دفتره:يوم رائع في القرية، قطعت عددا كبيرا من الكيلومترات…كنت حاضرة هناك، أتذكر ذلك بوضوح، وأحيانا يحكي ويسجل:قالت لناهذه السيدة، ويظن أنه أمر جيد أن يسجل بين قوسين ( أنا وسيمون)، إنه أمر رائع تماما. لقد كان يكتب يومياته لنفسه فعلا، وفي الآن ذاته تأتي بعض المقاطع كأنها قارورة رسائلٍ  للبحر.

دوديل: كان سيوران متحفظا جدا عن حياته الشخصية وعنك وعن علاقاته بك في حواراته.

سيمون: لم يتحدث عنّي أبدا ،وعلى أية حال كانت لنا حيوات منفصلة تماما، بل ومختلفة تماما. أنا كنت أستاذة، حين كنت أعود لم أكن أحدثه أبدا عما كنت أفعله في الثانوية، وهو الأمر الذي لم يكن ليثير اهتمامه على كل حال.

دوديل: وبالرغم من ذلك كنت ضرورية بالنسبة له؟

سيمون: ضرورية، لا أعلم ذلك، كان ليتدبّر أمره بشكل جيد حتّى بدوني.

دوديل: ألا يزعجك أن تري أنه لا يتحدث عنك مطلقا؟

سيمون: لا، الأمر يفاجئني بكل بساطة.

وعلى كل حال لم أكن لأحب أن أكون الأرملة المُسيئَة – إن كنت أرملة أصلا-. ولأجل هذا لست متحمسة جدا لهذا الحوار.

دوديل: ولكنك كنت حاضرة حين كان يستقبل أصدقاءه؟

سيمون: بالطبع نعم، حاضرة في لقاء كل أصدقائه، ومُترجِمِيه خصوصا، سيكون هناك كتاب عن مترجمي سيوران ! في حدود سنة 1950 كان قد بدأ بمداومة زيارة صالون السيدة تيزيناس Tézenas، حيث التقى بأُناسٍ مهمين. وكان هاجسي أنا ألا أنام متأخرة بأي طريقة كانت، لأنه كانت عندي دروس لليوم الموالي. بالإضافة إلى ذلك كنت منعزلة وخجولة. فكان يخرج بدوني حتما. وهكذا استقبلت  جيانين وورمز  Jeannine Worms  سيوران لسنوات دون أن تعرف بوجودي. لم يكن سيوران يتحدث عني أبدا، وأنا أيضا لم أكن لأتحدث عنه لأسرتي تحت أي ظرف كان.

دوديل: لم تكن أسرتك تعلم شيئا عن سيوران؟

سيمون: لا، لم أكن لأقول لهم : أعرف شخصا، مشردا، ليس لديه مهنة، ليس لديه نقود. مهما كان عقلهما منفتحا لم يكن أبوَايَ ليقبلا.

دوديل: ألم يعرفْ أبويك مطلقا؟

سيمون: لم يعرفهما، ما كان صعبا هو قدومنا إلى تلك الشقة في شارع الأوديون L’Odéon، وذلك بفضل سيوران على كل حال، بعد نشره لكتاب « تاريخ ويوتوبيا » . وأنت تعرف الأمر مادام يحكيه في « حواراته »، كان قد أرسل كتابه لمعجبة منحتنا تلك الشقة. كان يقول دائما إن ذلك هو أكبر نجاح أدبي حققه. فكنتُ مرغمة على إعطاء ذلك العنوان (لأسرتي)، وقلت لأمي (كان أبي قد مات ساعتها) أنني وجدت رفيق سكن. وجاءت أمي لزيارتي في المنزل. نقلنا الأثاث أمام ذلك الباب، لتعتقد أمي أننا كنا في شقتين مفترقتين.

دوديل: ألا تعتقدين أن الأمر كان يوافق سيوران، أن يكون مستقلا ومحبوبا في الآن ذاته؟ هذا هو حلم كل رجل في العمق، أن يكون في علاقة مستقرة ، ومن ثم يحتفظ بكل حريته، أن يكون عازبا مع العيش في منزل. كان حظه كبيرا جدا معك.

سيمون: لا أنظر إلى الأمور هكذا. « أن يكون مستقلا » ، »الحصول على علاقة مستقرة »، ما كنت لأصوغ الأمور هكذا، ولا أعتقد أن سيوران كان ليفعل ذلك. يستحيل علي أن أصف الأمر.

أتذكر كونستانتين نويكا Noica  (شاعر روماني) ، حين جاء للمرة الأولى إلى هنا. كنت قد سمعت به قبلا، كان سيوران يكتب له رسائل طويلة جدا، وكان نويكا عقلا ثاقبا، بل ثاقبا جدا. وجدتني وجها لوجه معه فقال لي بشكل مباشر: كيف تستطيعين تحمل سيوران؟ فقلت له : ولكنه يتحملني أيضا !

كان سيوران شخصا لا يمكنك التنبؤ حوله دائما. كان هناك جانب إيجابي في هذا الأمر، لم يكن ممكنا أن نشعر بالملل معه. ولكن كانت له مساوئه أيضا، بناء مشروع معه كان أمرا مستبعدا تماما. حتى إن الأمر كان معقدا بالنسبة لي في بعض الأحيان، لأنه كان علي أن أحترس رغم كل شيء. كان لديه نظام، وكل شيء كان يدور حول هذا النظام. كان يذهب غالبا إلى السوق لوحده. وحين كنا نذهب إلى دييب Dieppe، كنا ننطلق، ولكن حين كنا نغادر البيت كان مهووسا بضرورة إطفاء كل شيء، تفريغ الثلاجة..إلخ، كنا نذهب ! ثم كنا نعود ونذهب مرة أخرى، وحين كنا نرجع، كان علينا أن نملأ الثلاجة مرة أخرى.

دوديل : وكنت تتحملين هذه النزوات، كنت تماشينه، ألم يكن يحصل لك أن تغضبي وأن تقولي : مادام الأمر هكذا، سأعود إلى الفوندي Vendée !؟

سيمون:  لا، لم أكن أرغب في العودة إلى الفوندي ! أعتقد أني كنت أثور في البداية، لكننا كنا نتوصل دائما إلى تسوية مؤقتة إذا كنا سنعيش معا، وكان عليه هو الآخر أن يتحمل بعض الأشياء، ولو أني متأكدة من أنني كنت سهلة العِشرة.

دوديل: امتلكتما شقة صغيرة في دييب.

سيمون: أوه، كانت فعلا صندوقا صغيرا !كانت تطل على القلعة التي بُنيت على المنحدرات. كانت صغيرة جدا، ولكن كانت هناك تلك الإطلالة على القلعة.

كنا بدأنا محاولة تقضية بعض الأيام معا هناك، ولكنها كانت صغيرة جدا لدرجة أننا فكرنا بأن الأمر سينتهي بنا بقتل بعضنا البعض. وكان لسيوران عادة الاستيقاظ والنوم في أي ساعة من النهار والليل. وقد فهم أنه ليس بمقدورنا أن نستمر. كان فوق تلك الغرفة الضيقة مكان يقع تحت السقف مباشرة، إن شئت أن تقول تجاويف، حيث كنا قد وضعنا مسخن الماء. كنا نستطيع الرؤية في الصباح من بين قطع القرميد. كان سيوران قد قرر فعل شيء إزاء ذلك، فقام  بعزل ذلك ، وتبّث ألواحا من الخشب الرقيق بسرعة وإتقان. وكان عليه أن يفتح كوة ، فأصبح الأمر رائعا بإضافة تلك الكوة، لم نكن نرَى سوى القلعة، وكأنها وضعت في إطار لوحة. بنى سيوران لنفسه منصة صغيرة وضع فوقها طاولات صغيرة وكرسيا.

انطلقت بعد ذلك إلى الفوندي Vendée ، وفي عودتي بدا لي سيوران غريبا، اقترحت عليه في نوفمبر، بما أنه كانت لدي  خمسة أيام عطلة، أن نذهب إلى دييب، فأجابني : لن أذهب. أغضبني ذلك فذهبت لوحدي. في اليوم الموالي لحق بي سيوران: شرح لي أنه انتبه إلى وجود كرة في صدره وهو يقوم بأعماله في الصيف. وقد قام بتحليلات في دييب وقالوا له إنه يحمل سرطانا، وحين عاد إلى باريس قام مرة أخرى بتحليلات، وأنه كانوا سيعطونه النتائج في اليوم نفسه الذي كنا سنذهب فيه إلى دييب. ولأجل ذلك لم يكن يريد المجيء.

دوديل: ألم ترغبي يوما في طفل، ألم تحاولي إقناعه؟

سيمون: هل تتخيل ، طفل مع سيوران !  حصلت على قط لمدة خمسة عشر يوما، كانت تركته لي صديقة إيطالية. وهنا فهمت ! كانت العلاقات بين سيوران والقط غير طبيعية، كان هو الآخر يشبه قطّا ، وكان علي أن أطعمهما معا ! كانا كريهين، ولا يمكن توقع سلوكهما.

دوديل:ماهو استعمال زمن سيوران؟

سيمون: في ما يخص سيوران، لا تعني كلمة »استعمال زمن » أي شيء !

كنت أذهب أنا صباحا، لم أكن حاضرة كثيرا في المنزل، خصوصا في البداية. بعد ذلك حين كنت في مونتيني، كنت أنطلق في حدود الساعة الثامنة صباحا، وأخرج (من العمل) مع منتصف النهار، كنت أسرع في المشي، وأعود للمنزل، أحضّر الأكل، لأن سيوران كان له نظام غذائي رهيب. كان يعاني – كان يعاني من كل شيء على حال. ثم بدا يحصل له التهاب في المعدة، فكا إذا في حاجة إلى خُضارٍ مسلوقة وإلى حبوب كاملة، كان مؤيدا كبيرا للتغذية البيولوجية الطبيعية(La vie claire)، كنت أخرج في فترة بعد الزوال للتبضّع، في حين كان هو عادة ،وعلى العموم، يأخذ قيلولة. كانت نظريته الكبيرة هي أنه يجب أخذ قيلولة. كان يريد أن يقنعني بأخذ القيلولة أيضا، ولكني لم أرد ذلك أبدا، لأنني كنت أجد النهوض باكرا عملا مضنيا أصلا، ولم أكن أستطيع رؤية نفسي أستيقظ مرة أخرى في اليوم نفسه. وهكذا كان بمقدوره أن يأخذ قيلولة في أي ساعة (من النهار) لكنه لم يكن ينام ليلا، كان يخرج مع الثانية صباحا أو الرابعة .

دوديل: والسفريات؟

سيمون: كانت هناك إسبانيا التي كان يعشقها بشغف.  كان حصل (في ما مضى) سنة 1936 على منحة لإسبانيا حين بدأت الحرب الأهلية هناك. حتى إننا قطعنا جزء من إسبانيا على الدراجة، كنا نمر عبر أزقة القرى، ولم يكن هناك سياح آنذاك، وكان الأطفال يركضون وراءنا وهم يصرخون « الإنجليز » ! ذهبنا أيضا إلى إيطاليا، إلى إنجلترا، أحيانا على الدراجة الهوائية.

دوديل: كنتما تنطلقان معا في كل العطل؟

سيمون:  نعم، باستثناء الجزء الخاص بالعطل التي كنت أقضيها مع والديَّ.

دوديل: سافرتما دائما على الدراجة الهوائية؟

سيمون: في البداية، كان الأمر كذلك على أقل تقدير، لكننا انتبهنا في ما بعد إلى أن الأمر يصبح صعبا، لأن حركة المرور كانت تتكثف شيئا فشيئا. لذلك كنا ننطلق على أقدامنا،كنا قد اكتشفنا أمرا، وهو الممرات، كنا نتبع قنوات الماء، وكان لذلك سحرٌ هائل، قطعنا عددا كبيرا جدا من الكيلومترات بتلك الطريقة.

كان لسيوران  ميول مفرط للرحلة، بالنسبة له كان الأمر مثل عمل يدوي، المشي، ركوب الدراجة، كان إخلاءً للوعي، كان الأمر كأن لا نكون واعين بالمكان وبحركة المشي.

حين كنا نقوم بتلك الرحلات،كنا نقطع في اليوم الواحد كيلومترات على أقدامنا أو على الدراجة الهوائية، بالمحفظة على الظهر، وحتى إننا قمنا بالتخييم، كان ممكنا أن نخيم في أي مكان في تلك الفترة، أتذكر بالخصوص حين خيّمنا في منطقة الكنيسة La place de l’église  في طالمون Talmont على حدود إقليم جيروند Gironde،كانت كنيسة رومانية رائعة تطل على البحر، تم أكملنا الطريق حتى اقتربنا من لاند Landes، وهناك كان المنع التام للتخييم العشوائي. فكان علينا أن نذهب إلى مخيم منظم، كان الأمر مرعبا  ومن ثم لم نقم بالتخييم مرة أخرى أبدا.

دوديل: لم تسافرا أبدا خارج أوروبا.

سيمون: لا، تمت عزومة سيوران عدة مرات للذهاب إلى أمريكا، لكنه لم يرد الذهاب أبدا، بالإضافة إلى ذلك لم يرغب بركوب الطائرة أبدا، لم يركب طائرة نهائيا طوال حياته. أتذكر  كانت عندي منحة لفولبرايت Fullbright في سنة 1951 ، ولم يردني أن أذهب، لم يردني أن أركب الطائرة، في سنة 1951 لم يكن أحد قد ذهب بعد إلى أمريكا ، كان ذلك يعني لي شيئا رائعا، فلم أرضخ لكلامه، أتذكر انطلاقي في الرحلة، قام بمرافقتي إلى أورلي Orly. كانت مرافقة الناس إلى المطار أمرا عاديا في تلك الفترة. أتذكر قدوم صديقة لي حاملة وردة و كرزا قطفته من حديقتها، ولكنها وصلت متأخرة، ففتحت المضيفة الباب مرة أخرى ونزلت من سلم الطائرة، لا يمكننا أن نتصور  الأمر في يومنا هذا !  ساعتها رأيت سيوران في أسفل السّلّم، كان شاحبا، وكان ينظر إلي بعينين مليئتين بالعتاب. ذهبت أحمل شعورا قويا بالذنب.

دوديل: لكنه كان يستقل القطار رغم ذلك؟

سيمون: نعم، بالتأكيد، ولكن بمجرد أن يستقل القطار تحدث مشاهد غريبة، لأنه كان لديه مشكل في أدنيه، كان يخاف  أدنى  تيار هوائي صغير. فكان يستقر في مكان ثم يغيره بعد ثلاث دقائق، ثم يغيره مرة أخرى،وأخرى.

ــــــــــــــــــــــــــــ

المجهول المثالي

ــــــــــــــــــــــــــ

دوديل: هل يمكن أن تتحدثي عن تلك المقالة الشهيرة ل نادو Nadeau، أول مقالة كتبت عن سيوران في فرنسا؟ كيف اكتشفها سيوران؟.

سيمون: حدث الأمر سنة 1949، كنا نأكل في المسكن الدولي ، اشترى سيوران يومها جريدة Combat من كشكٍ في شارع سان ميشيل، لازلت أرى ذلك الكشك.

دوديل: بالمصادفة، دون أن ينصحه أحد بشرائها، دون أن يقول له أحد : هناك مقالة عنك …

سيمون: لا، كان يقرأ جريدة Combat كل يوم، فتح الجريدة، ووقع على المقالة مباشرة. كان من المستحيل ألا يلمح تلك المقالة، لأنها كانت مقالة طويلة، فبدأ بقراءتها، شعرنا بالاندهاش، لأن سيوران كان في فرنسا هو الشخص المجهول الرائع، وقد فهمت ذلك أكثر حين قرأت دفاتره، فقد كان معروفا جدا في رومانيا. كان قد جاء إلى فرنسا، لم يكن يكتب بالفرنسية بعد لكني أتذكر ردة فعل قام بها معي. كنا نحضُر درسا لعالم رياضيات في كوليج فرنسا collège de France ، كان ذلك العالم تشيكيا ربما. لم يكن يتحدث الفرنسية، فقال سيوران يا لها من ميزة أن يكون المرء عالم رياضيات ! قال لي ذات يوم: من الأفضل أن يكتب المرء أوبِّرَاتٍ صغيرة على أن يكتب في لغة لا يعرفها أي أحد.

في حين أنه كان في رومانيا الكاتب الكبير لجيله، كانت كتبه تثير جدلا، ولم يكن شيئا في فرنسيا. لذلك فاجأه أن يكتب نادو تلك المقالة عنه.

دوديل: ومتى سيأتي النجاح؟ انخفض نجاح سيوران بعد ذلك كما قلت، فما الذي صاره بعد ذلك؟

سيمون: جاء نجاح سيوران متأخرا جدا جدا. يحكي في دفاتره عن زياراته إلى دار غاليمار للنشر. كان عليه أن يكرر لهم اسمه الذي لا أحد يعرفه، ثم وصل في الأخير إلى مكتب كلود غاليمار، فحكى كيف شعر مثل العاهرة التي لا أحد يريد مضاجعتها، والتي لا تستطيع أن تنظر إلى قوّاد الماخور في عينيه حتّى.

أول عمل اشتهر له، أول كتاب صار الناس يعرفونه بعده، هو  » تمارين الإعجاب »، ضمن سلسلة أروقة Arcades، سلسلة للجيب.

وضع سيوران في رأسه أنه إذا نُشرت أعماله في سلسلة للجيب، سيكون مقروءا من قبل الشباب، وذلك ما كان يريده، سيتوقف ساعتها عن أن يكون كاتب كتاب واحد فقط، لأنه كتب كثيرا بعد كتاب « مختصر التحلل »: « إغواء الوجود »، « السقوط في الزمن »، لكنه ظل بالنسبة للقراء كاتب « مختصر التحلل » فقط. وهكذا قال لي يوما: سوف أذهب لزيارة كلود غاليمار Claude Gallimard ، وسوف أقول له إني أريد أن تُنشر أعمالي في كتاب للجيب. كنت أعرف أن كتبه لا تُباعُ أبدا، فنصحته ألا يقوم بتلك الخطوة، لكنه ذهب على كل حال.

دوديل: لم يكن يستمع لكلامك دائما.

سيمون: نهائيا، ذهب إلى غاليمار إذا، ولم يقل له كلود  شيئا، قام وأخذ ملفا يحتوي أرقام مبيعات كتب سيوران، أرقام تافهة تماما، فأراها لسيوران وقال: في هذه الحالة لا يمكن أن ننشر لك في كتاب الجيب. فرأيت سيوران عائدا للبيت، أكثر شحوبا من الموت، وقال لي: كنت على حق !- ونادرا ما يقول ذلك.

كانت حياته سلسلة من الإهانات.

بدأ النجاح إذا متأخرا جدا جدا مع كتاب « تمارين الإعجاب » (1986)، فأصبح ساعتها سيوران (فقط)، قبل ذلك كان ميشيل إميل سيوران.

دوديل: إ.م.سيوران، كانت طريقةً لإخفاء اسمه الذي لم يكن يعجبه كثيرا في فرنسا.

سيمون: بالضبط، كان يعتبر أن إميل بالفرنسية اسمٌ لحلاّق، كانت لدي صديقة تحضِّر الدبلوم نفسه الذي أحضره في تلك الفترة: كانت تشير لاسمها هكذا ، إ.م.فوستر. أُعجب سيوران بالحرفين في البداية، فقام بالأمر نفسه بالنسبة لاسمه. كان سيوران معجبا دائما بالإنجليز، كان يتعلم الإنجليزية بقراءة شكسبير أو شيلي.

دوديل: وقررت غاليمار أن تنشر اسمه هكذا قصيرا (سيوران).

سيمون: بالضبط. لم يطلبوا منه رأيه  لأجل نشر « تمارين الإعجاب ». ظهر الكتاب فجأة مع  اسم سيوران، هكذا مقتضبا على الغلاف. هناك أشخاص أصيبوا بالجنون بسبب ذلك، مثل آلان بوسكيه Alain Bosquet  الذي كتب مقالة في « الجريدة اليومية » Le Quotidien يبين فيها أنها فضيحة أن يصبح إميل ميشيل سيوران الاسم الكامل، سيوران فقط.[1].

أنا أحب كثيرا هذا الكتاب، إنه الكتاب الذي يتحدث فيه أخيرا عن شيء آخر غير ذاته. ولكن في النهاية هذا خطأ، لأنه فعلا يتحدث عن نفسه.

دوديل : كيف تجسدت قيمة سيوران (الأدبية)، هل في كثرة الأشخاص الذين كانوا يأتون لزيارتكما، في طلبات إجراء الحوارات؟

سيمون: كان هناك  الناشرون الأجانب أيضا، كان الناس يطلبون ترجمة أعماله أكثر فأكثر.

دوديل: وشعر سيوران في الأخير باعتراف الآخرين به كاتبا؟

سيمون: ليس كثيرا. كنت أتحدث عن هذا الموضوع بالضبط مع سندا سطولوجان (إحدى مترجميه) في مساء هذا اليوم. أتعلم، لديها طريقة شاعرية في الكلام أحيانا، قالت لي: في العمق، لا يعرف الفرنسيون قيمة ما لديهم هنا (سيوران).

أسمع أشياء مذهلة عن سيوران أحيانا.

على سبيل المثال، في ذلك  الكتاب المنشور مؤخرا لليسيانو Liiceanu  عند دار النشر ميشلون Michalon، وفي حوار مترجم عن الرومانية مع سيوران (والذي يتضمنه الكتاب)، يحكي سيوران أن ألبير كامو قال له بأن عليه  أن يدخل إلى مضمار الأفكار حالا. وحين كان كامي يتحدث كان سيوران يلفظ شتيمة كل ثلاث دقائق. تصور ، إنني أعرف تلك الشتائم الرومانية، حفظتها  بالطريقة المباشرة، بكثرة ما سمعتها. حين كان سيوران يحكي الأمر لليسيانو تلفّظ بشتيمة ترجمتها المترجمة ب: »اللعنة عليك ».

أصبحت الصيغة (الشتيمة) مشتهرة جدا، كان لدي طبيب عام يهتم كثيرا لسيوران، وقرأ ذلك الحوار، ووجد أن ردّ سيوران (بالشتيمة) شيء رائع، هكذا تكون الردود !!

بعد ذلك، وبخصوص ألبير كامو دائما، كان هناك في إذاعة فرنسا الثقافية France culture  ملخص لكتاب ليسيانو، وكانت الخلاصة هي أن ما قاله سيوران عن ألبير كامي يمكن أن يقال عنه هو الآخر، فسيوران نفسه فيلسوف لطلاب الباكالوريا. وقد سمعت هذا الأمر مرة أخرى في برنامج لفيليب تيسون phlippe Tesson . لكن لم  يعتبر سيوران نفسه فيلسوفا أبدا. قيلت تلك الخلاصة لماتزنيف Matzneff أيضا، ماتزنيف الذي كتب فصلا عن سيوران في كتابه « أساتذة وتواطئات »، فقال: نعم، في الواقع اكتشفت سيوران في القسم النهائي للباكالوريا، ولكن هذا لا يعني أي شيء، إلخ.

دوديل: في النهاية، لستِ راضية عن مجد سيوران.

سيمون: أظن أن سيوران مات دون أن يعلم بأنه تم الاعتراف به.

دوديل: ولكن على أي حال، حين يقدم برنارد بيفو  برنامجا عنه، فتلك علامة لرد الاعتبار، أليس كذلك؟ وعلى أي فقد رفض سيوران أن تقدم حوارات معه، ألا ترين أنه أمر متناقض أن يجد سيوران نفسه غير معترف به من قبل معاصريه ثم يرفض القيام بحوارات؟

سيمون:  أتعلم، ما يتكرر في يومياته دائما وبشكل أكيد، وهو ليس دائما أمرا جــدّيا، ولكنه يتكرر عشرة آلاف مرة، هو أنه من الأفضل أن يكون المرء مجهولا على أن يكون معروفا، على المرء أن لا يكون مفهوما، المجد شيء حقير. كانت له حوارات مع يوجين يونسكو بخصوص هذه المسألة، يونسكو الذي كان أكثر تفاؤلا وأكثر سعادة بكل مؤشر عن الشهرة. أكبر حوار دار بينهما كان حين تقدم يونسكو بطلب للانضمام إلى الأكاديمية الفرنسية، فنصحه سيوران ألا يفعل. أصرّ سيوران إلى الآن على أن إصراره على النصح في تلك المسألة لم يكن يعجب يونسكو. ويحكي في دفاتره أن يونسكو قال له يوما : بما أنني الآن عضو للأكاديمية الفرنسية، فأنا خالد، لمدى الحياة، الأمر نهائي. فرد عليه سيوران: ليس بالضرورة، هناك نماذج بيطان Pétain، موراس Maurras، دوديه Daudet، الذين تم إقصاؤهم. يمكن أن تسقط في خيانة، فأجابه يونكسو: الأمل ممكن إذا. – أحب هذه القصة كثيرا (تقول سيمون).

من الأكيد أن موقفه  من المجد أمر مُبهمٌ، والأكيد أن هناك تناقضات في الأمر، لأنه أراد أن يكون مقروءا، وأراد أن تنشر أعماله في سلسلة  كتب الجيب. كانت هناك نقاشات بينه وبين هنري ميشو Henri Michaux. فهنري ميشو كان ضد سلسلات كتب الجيب، لكن سيوران كان يتشبث بها، لأنه أراد فعلا أن يكون مقروءا من قبل الشباب.

دوديل: على أية حال كان هناك أيضا اعتراف يمكن أن نقول عنه رسميا، من قبل الرئيس فرانسوا ميتران Mitterrandعلى سبيل المثال.

سيمون: صحيح، قام ميتران بدعوة سيوران مرتين، لكنه لم يُرد أن يذهب.

دوديل: وإذا رفض دعوات الرئيس، وهو ليس أمرا عاديا.

سيمون: قبِلَ مرة، كان حفل استقبال حثه تيري دو بوسي Thierry de beaucé على حضوره، وقد حضر الرئيس ميتران الحفلَ. جاء تيري لأخذ سيوران، لأن المكان كان بعيدا في ملكية خارج مدينة باريس. ظن سيوران أن  ميتران سيحدثه عن رومانيا  التي كان على الرئيس الفرنسي أن يزورها رسميا. لكن ميتران بالكاد حدثه في الواقع، وليس عن رومانيا. كان في تلك الحفلة عدد كبير من النجوم، نجوم من التلفاز خصوصا، كانوا يقدمونهم لسيوران، لكن هو الذي لم يشاهد التلفاز ولا مرة، لم يعرفهم.

حين شارف سيوران على الموت، كان في المستشفى، طلب مني الرئيس ميتران إن كنت سأقبل أن يزور سيوران. لكني رفضت.لم يكن لتلك الزيارة أي معنى.

دوديل: هل صحيح أن سيوران لم يكن يريد الظهور في التلفاز لأنه كان يخاف من أن يعرفه الناس في الشارع؟

سيمون: صحيح. كان يريد أن يستطيع التجول في اللوكسمبورغ، وأن يتركه الآخرون في سلام.

كتب ماتزنيف مقالة عن سيوران ذات مرة، في مجلة لو فيغارو   Le figaro Magazineالتي أرسلت مُصوِّرا إلى هنا. مع الهيئة التي كانت له،تم التعرف على  سيوران أياما بعد ذلك حين خرج إلى الشارع،أوقفته سيدة. كان قد وجد طريقة لتجاوز ذلك، حين يسأله أحد: هل أنت سيوران؟ كان يرد: لا. بعد ذلك، ويؤلمني أن أفكر في الأمر، بدأت الأمور تسوء، كانت لديه ثغرات في الذاكرة، كان يمشي في الشارع فأوقفه أحدهم وقال له: هل أنت سيوران؟ فأجابه : كنتُ كذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سوف ترين، لقد جئتك بألبير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دوديل: أريد الآن أن نتحدث عن أصدقاء سيوران. أنا أعرف عددا كبيرا من الناس يقولون إنهم كانوا الأصدقاء المقربين منه. هل كان له أصدقاء مقربون فعلا؟

سيمون: بالتأكيد لا.

دوديل: حسنا، لنحاول أن نُفرِزهم.

سيمون: هل تريدنا أن نتحدث عن الأصدقاء الرومانيين أو الأصدقاء الفرنسيين؟ كان عند سيوران عدد كبير من الأصدقاء الفرنسيين أيضا. وقليلا ما يتحدث عنهم أحد. حين وصل إلى فرنسا، زار صالونات أدبية، وعرف هناك شابا كنا نراه دائما، وكان الصديق الأكبر لسيوران، مات الصديق  سنة 1993. شاب ذو خيال عجيب، هو الذي قال عن المخطوط الأول لكتاب « مختصر التحلل »: صديقي، يبدو في غير محله، عليك أن تعيد كتابة كل هذا.

هناك أيضا صديق لسيوران كنت أراه دائما، ألبير ليباكتز Albert Lebacqz، التقاه في مساكن الشباب. كان شابا واقعا في مشاكل نوعا ما، جاء من الشمال، وكان ينتمي للبرجوازية الكبيرة، لكن كان له أب يريده أن يعمل، فكان يعمل في بنك، حيث يربح مبلغا زهيدا فكان تعيسا. قضية التيه التي كان فيها هذا الشاب كانت قد أثرت في سيوران. كان شابا حسّاسا وخائب الأمل، وكان يضحك بسهولة طوال الوقت، وبما أن سيوران كان مُسلّياً فقد كانا يتفاهمان جيدا.

في 1946 أو 47، عدت من العطلة، فقال لي سيوران: سترين، لقد جئتك بألبير. بعد ذلك حقق ألبير مسيرة رائعة، فاشترى شقة فاخرة في دييب Dieppe، ووضع هذه الشقة تحت تصرف سيوران في كل شهر غشت لمدة سنوات، إلى حدود سنة 1967، حين اشترينا تلك الغرفة الضيقة التي تحدَّثُ عنها.

كان هناك أيضا مكسيم نيمو Maxime Nemo، كان ذلك اسمه المستعار للكتابة، وكان فاتنا، ومخاطبا رائعا، تم تقديمه لسيوران في منطقة فلور Flore(شمال غرب فرنسا)، كان عند صديقته أستاذة الرياضيات مسكن ريفي رائع في ضواحي مدينة نانت Nantes، كان المسكن معزولا تماما ومُحاطا بأسوار عالية وسط الكروم. كنا نذهب دائما إلى هناك في الصيف لنقضي ثمانية أيام. كان سيوران سعيدا تماما بذلك، كان يقضي وقته في تقليم الأشجار وترميم الأسوار. كان يعشق العمل بيديه. كانت الحديقة بالنسبة له تساوي السعادة، ومن جهة أخرى كانت المحادثات (تسعده). كان عند نيمو هذا مواهب، ولكن كان لديه أيضا إعجاب بأشياء تصدم سيوران.

دوديل: وأصدقاؤه الكتاب؟ ومن بينهم يونكسو Ionesco أولا. هل كان فعلا أفضل صديق له؟

سيمون: نعم. كانا يلتقيان دائما. خصوصا وأن يونسكو كان يتصل به بشكل كبير جدا. أنت تعرف الجزع الذي كان يعيش فيه يونسكو، كان ذلك يعجب سيوران. كان يونسكو يتصل دائما. وكانت أحاديثهما صادمة ومرحة.

دوديل: وهنري ميشو؟

سيمون: نعم. عرفه سيوران جيدا، كان ميشو يتصل في كثير من الأحيان، ويلتقيان مساء. يتحدث سيوران في دفاتره عن لقاءاته بميشو، وخصوصا عن مساء عاد فيه ميشو من نيويورك، المدينة التي تحدث عنها كأنها شيء مرعب. كان سيوران يحب ردود الفعل المضحكة لميشو، ردود الفعل التي تدهشه. كانا يتفاهمان بشكل كبير جدا. حين غادرنا فندق ماجوري اقترح ميشو على سيوران أن يُقرِضه بعض المال، لكن سيوران رفض.

دوديل: ماذا عن صامويل بيكيت؟

سيمون:نعم، كان ذلك اللقاء مع بيكيت مثيرا جدا. لم يتحدث بيكيت، كان يمثل النقيض المطلق لسيوران الثرثار ! ولكن كانت لهما أرضيات توافق عميقة جدا. أراد سيوران أن يكتب مقالا سنة 1969أو 1970، وهو ما سيشكل فيما بعد كتاب « من مساوئ أن يولد المرء ». يتكرر الأمر كثيرا عند سيوران: « أتقبل الموت، وأتقبل الحياة، ولكني لا أتقبل الولادة ». الأمر نفسه موجود عند صامويل بيكيت، هذا الرفض للولادة: « كان من الأفضل ألا أولد، هذا كل شيء ». ومع ذلك فصحيح أنه من العبث العودة إلى حدث لا يمكن أن نغير فيه شيء. كان سيوران في بعض الأحيان مُدَمّراً، كان عنده ذلك الإحساس بأنه لا شيء، بأنه عقيم،الإحساس بعدم القدرة على الكتابة، وكان يشتكي لصامويل بيكيت فكان يستمع إليه، ويربت بحنان بضع مرات على كتفه مثلما يفعل أي طبيب مع مريضه، وكما يفعل صديق يشجع صديقه، ويعزّيه.

التقى سيوران بيكيت في مرة من المرات الأواخر في اللوكسمبورغ، في ذلك الجزء من اللوكسمبورغ على طول شارع غاينيمر Guynemer، حيث هناك عدد قليل من الناس، المكان الذي كنا نسميه طريق بيكيت Becket’s way. قال بيكيت لسيوران: يجب أن نرى بعضنا قبل أن يُسدلَ السّتار.

كان سيوران يعرف زوجة بيكيت، سوزان. كانوا يذهبون للعشاء ثلاثهم غالبا، وكان سيوران هو الذي يتحدث دائما.

كانت نظرية سيوران الكبيرة، هي أننا حين نكون ثرثارين لا يمكن سوى أن نكون مُستبعدين عمّا يُميّز الإنجليز (الانطوائية). قال ذلك يوما لبيكيت ، فصاح الآخر بأنه على العكس،الإنجليز شعبيون كثيرا. كان الإيرلندي الكامن في بيكيت قد صحا !

دوديل: بالإضافة إلى الأصدقاء، هناك أيضا المزعجون.اشتكى سيوران كثيرا في مراسلاته من الرومانيين الذين كانوا ينزلون عنده لطلب المساعدة أو طلب كتابة مقدمات.

سيمون: كان هاجس سيوران أن يساعد عائلته، لذلك كان يستقبل أولئك الناس الذين كان بمقدورهم تحويل المال الذي كان يعطيهم (إلى عائلته)، بالإضافة إلى ذلك هناك أشياء كثيرة تشده إلى بلده التعيس كما كان يقول. وصل شخصان ذات مرة، وكانا نوعا ما من العائلة، ولم يكونا يعرفان كلمة واحدة بالفرنسية. وصلا هنا وتحدثا مع حارس العمارة بالألمانية بدون فائدة. فحاولا باللغة الهنغارية، فلم ينجحا أيضا بطبيعة الحال. فأحدثا كثيرا من الضجيج بحيث نزل سيوران. كانا متيقّنين من أن الحارس لم يحدثهما بالألمانية من باب معاداة العرق الجرماني . شعر سيوران ساعتها بالعار من مواطِنيه.

دوديل: ماذا عن عائلته، خصوصا أخيه ، أوريل Aurel، الملقب برولي Relu؟

نعم، لقد مثل أخوه شيئا كبيرا في حياته.كان لدى سيوران ندم بخصوصه.

دوديل: لأنه كان قد أثناه عن دخول الكهنوت، وتم اتهامه بعد ذلك، ولأنه انضم إلى الحرس الحديدي la gade de fer،فقد أمضى سنوات طويلة في السجن. وجاء باريس بعد ذلك.

سيمون: نعم. جاء في عدة مناسبات. المرة الأولى سنة 1981، وذهب سيوران لاستقباله في المحطة. كان لم يره لسنوات طويلة، بحيث إنه لم يعرف أخاه ولم يعرفه هو الآخر. يبدو أن سيوران تقدم نحو أوريل وقال له: هذا أنت؟. كان رولي (لقب أوريل)  يجد صعوبة كبيرة في تحدث الفرنسية آنها، بالإضافة إلى ذلك كان شخصا لا يتحدث أبدا. قال لي سيوران ذلك. يحكي سيوران تلك القصة حين كان طالبا في بوخاريست Bucarest، فشعرت خادمة أبويه في سيبيو Sibiuبالارتياح حين عاد إلى المنزل فقالت: أنت على الأقل تتحدث. حين زارنا رولي وزوجته إيسا Ica، لم يقل رولي أي شيء مطلقا. كانت زوجته تتحدث بلسانهما معا. أثارت انتباهي ساعتها حيادية رولي التي كانت تظهر عليه، الحركة الوحيدة التي قام بها كانت هي أنه رفع يديه ثم تركهما تسقطان حين سألته  إن كان يحب اللحم، كان يجيب بتلك الطريقة !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان بإمكانهما أن يخطفا سيوران

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد ذلك بمدة طويلة، وحين كان سيوران في المستشفى في بوركا Borca، أرسل لي رولي قصيدة لأمير عربي من القرن الثاني عشر (عبد الرحمان الداخل)، جاء هذا الأمير من سوريا واستقر في إسبانيا. كان الأمير قد كتب قصيدة يتوجه فيها إلى مسافر كان قد انطلق إلى سوريا:

أيُّها الرّاكبُ المُيمِّمُ أرْضِي…أَقْرِ من بَعْضِي السّلامِ لبَعْضِي

[…]

قد قضى الله بالفُراقِ عليناَ…فعَسَى باجتماعِنا سوفَ يَقْضِي [2]

كان رولي قد نقل هذه القصيدة وأرسلها إلي. كان تاريخ الرسالة في أسفلها 8 أبريل. بيد أنه كان تاريخ عيد ميلاد سيوران. وإذا جعلني الأمر أفكربأنه ربما كانت تلك الرسالة استعارة للتعبير عما شعَر به رولي الذي افترق عن أخيه.

طلبتُ من سيوران إن كان يريد رؤية أخيه، فأجابني بصوته الأجش: لا !، حاولت مرة أخرى بعد مرورة ثمانية أيام، فأجابني: نعم، ولكن…كتبت لرولي، وضمّنت رسالتي إجابة سيوران. كان أمرا مروعا أن يرى رولي أخاه في تلك الحالة وهو يحبه كثيرا. لم يكن سيوران هو سيوران. لم يعد قادرا على الكلام، ولا السير، ماذا كان يفهم؟ ربما كان يفهم أكثر مما كنا نعتقد، اتصل بي رولي ذات يوم من عند ليسيانو، فقلت له: لم تجب على رسالتي، هل تنوي المجيء؟ فأجابني: لن آتي لأنني أظن أن قول سيوران « ولكن » أكثر قيمة من قوله » نعم ». كانت إجابة رائعة أليس كذلك؟

دوديل: ولكنه رآه رغم ذلك؟

سيمون: كانت هناك شابة أنجزت أطروحة عن سيوران والتقت برولي في رومانيا. اقترحت علي يوما أن أعزم رولي لكي يستطيع رؤية أخيه. كان لديها منزل في وادي شيفروز Chevreuse. وجاء رولي، واستقر عندها، وكانت كورنيلياCornelia ترافقه يوميا تقريبا إلى بوركا .

كنا نذهب إلى المنتزه، لم يكن سيوران قادرا على المشي، كنا ندفعه في كرسي متحرك، وكان رولي هو من يدفعه غالبا ، وكان يحادثه أحيانا بالرومانية وأحيانا بالفرنسية، كان الحديث عن ذكريات طفولتهما طبعا، وكان سيوران واعيا جدا بالحديث، كان يضحك، كنا نشعر بأنه يفهم الكلام.

دوديل: هل كانت لديه زيارات أخرى؟

سيمون: ليس مرغوبا بها دائما. وجدت يوما رومانيين حين جئت إلى رؤيته في المستشفى، وانصرفا حين رأياني قادمة، ووجدتهما مختبئين في ممر حين كنت مغادرة، كان واضحا أنهما ينتظران أن يكون سيوران وحيدا كي يدخلا عنده. كان واحد منهما يرتدي بدلة من ثلاث قطع، بدلة تعبر عن ذوق بلاد الشرق الأوروبي، وكان مطأطأ رأسه، في حين كان الآخر عملاقا وعدائيا جدا. سألتهما عن هويتهما، فأجاباني بأنهما صديقان قديمان لسيوران، وسألني الرجل العملاق السؤال نفسه بوقاحة منقطة النظير: من أنت؟ وفجأة تم منع الزيارات في المستشفى.

قال رولي بأنه كان بإمكانهما أن يخطفا سيوران، وأن زيارتهما كانت تتعلق بذلك.

دوديل: هل بقي رولي حتى النهاية؟

سيمون: لا. لازلت أتذكر آخر مرة جاء فيها إلى المستشفى. رافقتُه إلى مصطبة السلالم كي يستقل المصعد، وقلنا لبعضنا إلى اللقاء. كنت أفكر في أننا لن نلتقي أبدا مرة أخرى،  كلانا عجوز، وقد أثرت فيَّ رؤيته يرحل، فقلت لنفسي: إنه شيءٌ انتُزع من سيوران. أغلق باب المصعد، فبقيت مسمّرةً هناك وبدأت أبكي. وبعد ذلك عدت إلى غرفة سيوران الذي كان مستلقيا. لا يمكنني أن أقول ما حصل، لم ننطق ولا كلمة. نظرت إليه ونظر إلي وقرأت  في عينيه أشياء  لم أقرأها منذ زمن بعيد.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] بالنسبة للفرنسيين تعتبر كتابة الاسم العائلي للكاتب مجرّداً على الأغلفة ومناداته به اعترافا كبيرا بقيمته الأدبية.

[2] القصيدة التي أرسلها أخ سيوران أوريل أو رولي إلى سيمون بوي قصيدة للأمير عبد الرحمان الداخل ،أرسلها إلى أخته من الأندلس وضمنها حنينه إلى دمشق ، ونصها:

أيُّها الراكب المُيمِّمُ أرضي …….أقْرِ منْ بَعضِي السَّلامَ لِبعضِي

إنَّ جِسمِي كَما عَلمتَ بأرضٍ….وفؤادي وَمَـــــــالِكيهِ بِــأرضِ

قُـــدِّرَ البَينُ بيننا فَافْترقْنَـــــــا…وطَوى البَيْنُ عن جُفُونِيَ غَمْضِي

قَد قضَى اللهُ بالفراقِ علينــــَا…فعَسَى بِاجتماعِنا سوفَ يقضِي

_________
Mélancolie

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق