المقالات الأدبية

نظرة على عناصر بناء رواية سنان وعبث الشياطين ..

نشر الموضوع :


إهداء إلى الراحل الأخ جلال پولات الغالي

صدر مؤخراً في هذا العام، أول تجربة روائية باللغة العربية للكاتب والمترجم محمد هاشم الصالحي، تحت عنوان سنان وعبث الشياطين في مطبعة ئاڤيستا (Avesta) الأهلية والمحلية في محافظة كركوك. تتكون الرواية من مائة وتسعة وثلاثون صفحة، عدا إثنا وعشرة صفحة لمعرض ملحق الصور الخاصة بتفاصيل واقعية جريان أحداث الرواية. محتوى الكتاب مقسم من قبل مؤلفه إلى سبعة وعشرون قسماً على النحو أدناه:
“تقديم، لمن يقرأها، سنان، محمد هاشم الصالحي، المدخل، سنان وعبث الشياطين، اليوم الأول من العيد، الرحلة الى المشفى، في المشفى، سنان يطلب مغادرتي، الاثنين 26 تموز 2021، انتشار قوة عسكرية داخل المشفى، الصرخة الاولى، اللحظة القاتلة، اسكول اسبانة، ربط الصنوبر بالقنينة، الحصول على صنوبر اخر، الرحلة الى الحي الصناعي، نقل قناني الاوكسجين الى البيت، الموعد مع القدر، سنان والسؤال الأخير، مساعد مخدر، الساعة الاخيرة، العودة الى البيت، إلى المثوى الاخير، بين قبرين، الصور.” كما إن مجموع السبعة والعشرون جزءاً من أجزاء الرواية، إحدى وعشرون منها يتحدث عن تفاصيل أحداث الرواية من البداية المليئة بالآمال إلى النهاية المأساوية الذي يلاقي البطل وأفراد عائلته ومحبيه، جراء إختناق سنان.


يلاحظ القارئ قبل قراءة الرواية بتقريض تحت عنوان “تقديم” التابع للكاتب والصحفي عباس أحمد العطار، الذي كتب المقدمة لرواية مطبوعة لأول مرة في مسيرته الأدبية والصحفية بتعريفه للمؤلف وروايته على النحو الآتي: “كتب نيابة عنا فأصبح الكاتب لسان حال الفقراء والمساكين والمستضعفين من أبناء هذه البلد الجريح، وترجم ما في داخلهم وعكسها في هذه الرواية” (الصالحي، 2022: 8). مع إكمال هذا الجزء يحس القارئ بواقعية سرد الرواية قبل قراءتها. ويكرر شغف القارئ متابعة قراءة واقعية الرواية مرة أخرى في جزء “لمن يقرأها” التابع للأديب والمترجم متين عبدالله كركوكلو بسرده: “وأنا أقرأ فاحصاً عشت الرواية وكأني مع سنان محور الحكاية بدلاً عنه. بدأت في نقله إلى المستشفى ورافقته مع سريره ودفعته بعد أن قضى نحبه وجلست عند قبره أنتحبه، أحادثه واسترجعه ذكرى وصدى” (الصالحي، 2022: 12). مع هذان التأكيدان بواقعية الرواية لمرتان، يسرد هذه المرة المؤلف محمد هاشم الصالحي بتجربته الأولى في كتابة الرواية في قسم “المدخل” التابع له على النحو الآتي: “كان لي دفتر مذكرات يومية أحاول أن أدون فيه ما يجري بالساعة واليوم والتأريخ. بتقادم الأيام تحول اهتمامي هذا إلى كتابة حكايات مستوحاة من تلك الأحداث التي دارت من حولي” (الصالحي، 2022: 21). ليتأكد القارئ بواقعية مضمون أحداث الرواية للمرة الثالثة. أما من ناحية عناصر بناء الرواية، فإن رواية سنان وعبث الشياطين والتي نلقي نظرة عامة على البعض منها كالموضوع، المكان، الزمان، الأشخاص، اللغة والاسلوب وراوي الراوية.
الموضوع والأحداث الرئيسية في رواية سنان وعبث الشياطين، عبارة عن مرض سنان أي الأخ الأصغر لبطل الرواية والراوي المتمثلة بشخصية محمد الذي يسعى بكل مابوسعه لإنقاذ أخيه الوحيد، المصاب بجائحة العصر (كورونا). ونتيجة تدهور الحالة الصحية لسنان يتم نقله إلى المشفى لإستنشاق الأوكسجين. ولكن إمكانيات وقدرات الخصوم أكبر بكثير من محاولات البطل، مما يؤدي إلى فشله في إنقاذ أخيه من الإختناق. بالإضافة لإمكانيات وقدرات الخصوم تظهر أحداث جانبية أخرى كالفساد، سوء الإدارة، اللامبالاة، الافتراء الخ… ويلخص ماعاشهُ وراءه المؤلف الصالحي، بذكره لحالة أخيه: “حالة سنان نموذج حي لكارثة عظمى يعيشها أبناء بلد بأجمعه” (الصالحي، 2022: 23). ليذكر القارئ، بأن موضوع روايته مأخوذة من صلب المجتمع المنتمي إليه.
العقدة أو الحبكة الرئيسية في رواية سنان وعبث الشياطين، هي هل بنقل سنان إلى المشفى يشفى من إصابته بجائحة كورونا ويرجع إلى عائلته ومحبيه بصحة أفضل أم لا؟ وهل ينجح بطل الرواية من إنقاذ أخيه الأصغر سنان أم لا؟ ومع تطور الحدث الرئيسي في الرواية بمرض سنان وتسارع جريانها، تظهر في الرواية أحداث جانبية أخرى، بعضها تحل مع تطور الأحداث وبعضها تبقى مزمنة بلا أية حلول. أما من ناحية نوع العقدة والأحداث فإن العقدة الموجودة في الرواية من النوع النمطي، أي تجري الأحداث بالشكل التقليدي من البداية الطبيعية للحدث (إصابة سنان بالجائحة)، ثم التسلسل الطبيعي في حدوث الأزمة ثم تصاعدها (نقل سنان إلى المشفى للشفاء) ومحاولة حلها (تأمين الأوكسجين، تسليم جثة سنان ودفنه). أما بخصوص العقد المزمنة كالفساد الإداري والطبي، اللامبالاة والإهمال، والإفتراء… المتبع من قبل بعض المسؤولين أو العاملين في القطاع الطبي وغيرها في الرواية تبقى بلا أية حلول، على الرغم من وفاة سنان ونهاية الراوية أيضاً. فعقد الرواية فيه أمور كثيرة مرتبطة بحياة الإنسان العراقي وغيره بشكل عام والفرد الكركوكي بشكل خاص وبإمكان القارئ ملاحظة العقدة الرئيسية وتوابعها من العقد الثانوية أثناء مرض سنان ومحاولات إنقاذه. أي المؤلف بروايته هذا يحاول نقل القليل من مآسي مراجعة الدوائر الحكومية وبالأخص الصحية للقارئ على حد سواء.
رواية سنان وعبث الشياطين غنية بذكر عناصر المكان كأسماء الدول مثل “إيران، تركيا، الصين ومدينتها وهان (ووهان)، العراق ومحافظاته كركوك، أربيل، بغداد وناصرية. على الرغم من غناء الرواية بذكر الدول ومدنها إلاّ أنّها غنية الأحداث والوصف بالشكل التفصيلي بمحافظة كركوك أكثر من غيرها بكثير. وذلك لأن مضمون الرواية وأحداثها المتسارعة من ناحية المكان تنشئ وتنتهي في كركوك أي مسقط رأس البطل، الراوي والمؤلف أيضاً. وبناءً عليه فإن عنصر المكان في كركوك ينقسم إلى قسمان أساسيان، أي الأماكن المفتوحة: “ازقة، باحة، الحديقة، حي، دوميز، السوق الكبير، سيد علاوي، شارع اطلس، طريق بغداد، مفرق دوميز، مقبرة الشهداء.” فجميع الأماكن المذكورة مأخوذة من الواقع الحي ويمكن للقارئ البحث عنها أو حتى زيارتها. ويذكر المؤلف في روايته مكان عمل الأخ الأصغر لبطل الرواية على النحو الآتي: “عمله في محله الصغير في منطقة سيد علاوي جعله متعشق الوصال مع أهل المنطقة. البيوت المجاورة والمحلات كلهم يكنون له الحب كبيراً وصغيراً. يقضي أسعد أوقاته في هذه المنطقة وبين دروبها وأزقتها وكأنها المنطقة التي ولد وترعرع فيها. ما أن أفتقده حتى أجده هناك منخرطاً بين أصدقائه ومحبيه فهو يسرع (يسارع) إلى منطقة سيد علاوي في كل أوقاته السانحة” (الصالحي، 2022: 50). ففي الأقتباس المأخوذ من الرواية نرى بأن الكاتب بواسطة شخصية سنان، يشرح ويصور للقارئ منطقة سيد علاوي في وسط كركوك وكيفية تجانس ومعاملة شعوب المنطقة ومحبتهم لبعضهم البعض. أما بخصوص مقارنة الأماكن المفتوحة بالأماكن المغلقة، فإن الأخيرة أكثر غنوة عن سابقتها، وذلك بسب نشوء ودوران معظم أحداث الرواية في الأماكن المغلقة: “البيت، جامع بلال الحبشي، جامع كركوك، دائرة إتصالات كركوك، دائرة صحة كركوك، الدوائر الحكومية، صالة الإستقبال، صالون المنزل، صف، غرفة الإستقبال، محل بقالة، محل عالم الأطفال، مخزن، مدرسة، مستشفى الأمراض الوبائية، مستشفى الحسين، مستشفى الشفاء 14، مستشفى كركوك العام، مستوصف الحي الصناعي، منزل سنان.” كسابقتها من الأماكن المفتوحة نرى بأن معظم الأماكن المغلقة في الرواية مأخوذة من الواقع الحي ويمكن للقارئ زيارتها في كركوك أو خارجها. وعند نفاذ الأوكسجين بسبب سوء الإدارة واللامبالاة الطبية تم نقل سنان كباقي المرضى الراقدين من “مستشفى الشفاء 14” إلى “مستوصف الحي الصناعي” جنوب محافظة كركوك ويروي لنا بطل الرواية والراوي المكان الأخير على النحو أدناه:
“دخلنا إحدى الغرف.. إنها أشبه ما تكون بغرفة في أحد السجون أو المعتقلات. حجرة خانقة ذات الوان متنافرة، لا نافذة للهواء ولا شيء فيها يبعث على الحياة وهي توحي بإهمال شديد ولا مبالاة واضحة. طاولة حديدية منهكة وجدران مغلفة بالحزن والأسى وفي داخلها توجد أيضاً غرف أخرى. يبدو إنها كانت تستخدم كمخزن للمواد الزائدة ثم نفضت عنها الأتربة والغبار شيئاً ما لتسعة (لتسع) أسرة يرقد عليها المرضى، حتى أن المكان لا يوحي بوجود أطباء راسخين في مهنة الطب. وضع سنان في هذه الغرفة التي فيها ثلاثة أسرة أخرى وهي بحالة سيئة جداً” (الصالحي، 2022: 96). يلاحظ القارئ من خلال شرح ووصف الراوي، بأن المكان يفتقر إلى أبسط المقومات الصحية وغيرها من وسائل الراحة النفسية للمريض ومرافقيه على حد سواء.
إن عنصر الزمان أو الوقت في رواية سنان وعبث الشياطين، يرى بشكل واضح دون بذل أي جهد لإيجاده. خصوصاً بأن أغلب الأحداث المتسارعة في الرواية تبدأ في الصباح الباكر وتنتهي في منتصف الليل. مع هذا فإن عنصر الزمن في الرواية المذكورة ينشطر إلى شطران رئيسيان. أولهما الزمن العام لرواية سنان وعبث الشياطين، هي شهر تموز 2021 أي المنتصف الثاني للسنة الثانية لظهور جائحة كورونا في العالم. أما الثاني أي الزمن الخاص للرواية، فتبدأ “اليوم هو الرابع عشر من تموز” (الصالحي، 2022: 28) بمعرفة البطل وراوي الرواية المتمثلة بشخصية محمد بإصابة أخيه سنان بفايروس كورونا وحتى وفاته (27 تموز 2021) ودفنه في “مقبرة الشهداء” وانتهاء مراسم العزاء في “جامع كركوك” تقريباً خمسة عشرة إلى سبعة عشر يوماً. كما تظهر عناصر الزمن المتقطعة لعدة مرات داخل الرواية: “اليوم هو الرابع عشر من تموز، 24 تموز اليوم الثالث لرقود سنان في المستشفى، الاثنين 26 تموز 2021، أسابيع، أيام، الحادية عشر ليلاَ، الساعة الأخيرة، الساعة الثامنة صباحاً، الساعة تتجاوز الثامنة صباحاً بدقائق عدة، الساعة تجاوزت الواحدة ليلاً، صباح، عيد الأضحى المبارك، اليوم الثاني من أيام العيد.” بقراءة القارئ للرواية ولو بصورة سريعة يلاحظ عناصر الزمن بكل سهولة وخصوصاً بعض الأوقات المحددة باليوم والشهر والتأريخ والساعة وحتى بعض المناسبات الحزينة والسعيدة أيضاً، كما هو موضح في الإقتباس أدناه:
“الرحلة إلى المشفى، الأربعاء 21 تموز 2021 حيث أشرقت الشمس وملئت الأرض بنورها، الصباح لا يشبه باقي الصباحات وما كان الصبح أفضل من الليلة الماضية. لا راحة لي والنفس بين مد وجزر، وكل أملي في أن أتمكن من الاتصال بأخي سنان ليقول لي أنا بخير. الجملة التي لو كانت تباع في الأسواق لأشتريتها بباهض الأثمان” (الصالحي، 2022: 37). نرى في المثال المذكور بأن المؤلف يروي لنا تفاصيل رحلة ذهاب البطل مع أخيه المريض إلى المشفى بأدق التفاصيل الوقتية. كما أن الكاتب يجدد التركيز على التفاصيل الوقتية في روايته مرة أخرى بربط وقت فاجعة وفاة سنان، أي أخ بطل الرواية مع وفاة أبيهم مرة أخرى على النحو الآتي: “إنه اليوم الثاني من أيام العيد والتأريخ يعيد نفسه، ففي ثاني أيام العيد تم فيه نقل المرحوم والدي إلى المستشفى في 2 أيلول من عام 2011 أي قبل عشرة أعوام. عندها قمنا أنا وسنان بإدخاله المستشفى الجمهوري بكركوك ليخرج من قسم الإنعاش بعد ثلاثة أيام جسداً بلا روح. واليوم نحن نحمل سنان في سيارة كادت أن تقتله قبل أن تصل به إلى المستشفى. سيارة إسعاف لا تحمل في ثناياها أية مقومات الإسعاف المرجوة وليس فيها لإسعاف المرضى حتى قنينة أوكسجين، وظاهرها لا تحاكي باطنها على الاطلاق” (الصالحي، 2022: 39). يلاحظ القارئ من المقتبس المذكور بأن التأريخ يعيد نفسه مرة أخرى بالنسبة لبطل الرواية والراوي محمد بوفاة أخيه سنان وأبيهم هاشم، أي بمعنى آخر تم نقل الأحياء الأب والإبن بأوقات مختلفة إلى المشفى ليخرجوا منها أبدان بلا أرواح. وهنا يذكرنا المؤلف الحالة المأساوية للمؤسسات الصحية الحكومية، المجردة من كل المقومات الصحية والشفائية أيضاً.
أغلب شخوص أو شخصيات رواية سنان وعبث الشياطين واقعيين، أي معظمهم لهم تماس مباشر أو غير مباشر مع جريان الأحداث وبطل الرواية والراوي المتمثلة بشخصية محمد الأخ الأكبر لسنان. كما تتشضى شخوص الرواية فيما بينهم كل حسب دوره في تطور الأحداث على أربعة أجزاء على النحو الآتي: بطل الرواية، الشخوص المساعدة، الشخوص المعادية، الشخوص الثانوية. ويعرف أ.م.د. گۆران صلاح الدين شكر، المتخصص في اللغة والأدب العربي والتركي، كلية اللغات، جامعة صلاح الدين – أربيل في تقييمه للرواية وبطله المطبوع على الغلاف الثاني للرواية على النحو أدناه:
“الكاتب متمثلا ببطل الرواية عاش مأساة حقيقية في ظروف عصفت بالعالم ومجتمعاتها جمعاء، مما دفع به إلى عيش إزدواجية عميقة بين الحق والباطل وبين العمل والواقع الحقيقي التي يعيشها المجتمعات في تلك الظروف الإستثنائية التي تحتم على الإنسان الوقوف إلى جانب الحق مهما كان الثمن.” كما يتعرف القارئ على بطل الرواية ويدرك بأن اسمه محمد من خلال الحوار القصير الدائر بينه وبين أخيه سنان الراقد في المشفى. “-ها قد بلغت الساعة الثانية صباحاً، غادرني على العجالة هيا يا محمد” (الصالحي، 2022: 53). أما من الناحية الفيزيائية فبطل الرواية محمد، يعرف نفسه للقارئ على النحو الآتي: “بالرغم من كوني في منتصف العمر واحتراق الرأس شيباً، وبالرغم من قراءتي لعشرات الكتب والمؤلفات الموجودة على مكتبتي المثقلة وتجوالي في بقاع الأرض ولقائي أصناف وأجناس من البشر” (الصالحي، 2022: 113). وعلى الرغم من المعاناة الشديدة للبطل من داء السكري وحالته الصحية والنفسية ليست على مايرام، يلقي بنفسه في صومعة الأمراض والجراثيم أملاً منه لإنقاذ أخيه الصغير. كما يلاحظ القارئ بأن شخصية محمد المتمثلة ببطل الرواية مرن جداً وقابل للتغيير في أية لحظة، خصوصاً عند غضبه الشديد من التعامل السيء الذي يلاقيه من قبل بعض أفراد الدوائر الحكومية والصحية على وجه الخصوص، إلاّ أنه يتمالك أعصابه ويستعمل سلاح الصمت إتجاههم. “حسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا بالله” (الصالحي، 2022: 81). نرى إن الهم والهدف الأكبر للبطل هو إنقاذ أخيه سنان من المرض وإبقائه على قيد الحياة، حتى وأن عرض حياته للخطر بإلقاء نفسه في بؤر الأمراض. على الرغم من صرف الجهود والطاقات الكبيرة المبذولة للبطل، إلاّ أنّه يتعثر بإنقاذ أخيه من الإختناق. وسبب فشل البطل، هو تعثره في جريان الأحداث وميلان ميزان القوى للشخوص والسلوك المعادية دائماً.
يشاطر الشخوص المساعدة بطل الرواية المتمثلة بشخصية محمد في الهموم والأهداف ويتسارعون في المساعدة كل حسب قدرته على تحقيق هدفهم المشترك بإبداء المساعدة لشفاء سنان من إصابته بفايروس كورونا. كما يلاحظ القارئ بأن الشخوص المساعدة للبطل والمحبة للخير أغلبهم أقارب من الدرجة الأولى والثانية أو جيران لبعضهم البعض ويمكن تفصيلها على النحو أدناه:
أم حمدي زوجة بطل الرواية والراوي المتمثلة بشخصية محمد، وحمدي ابن البطل أيضاً، الأخ الصغير لبطل الرواية المصاب بفايروس كورونا المتمثلة بشخصية سنان، أم مريم زوجة سنان أي زوجة أخ البطل، مريم وميرا ابنتا سنان الأخ الأصغر لبطل الرواية؛ أي بطل الرواية عم الفتاتان، أم مصطفى الشقيقة الكبرى لبطل الرواية والراوي ومصطفى ابن الشقيقة الكبرى للبطل، أم مؤمن الشقيقة الصغرى للبطل، مؤمن ابن الشقيقة الصغرى للبطل وأشرف زوج الشقيقة الصغرى للبطل ووالد مؤمن، والد البطل والدة البطل المتوفيان، المتوفي سيد عباس جد البطل وأحمد فرمان المتوفي مؤخراً ابن خالة البطل أيضاً. عدا عائلة بطل الرواية، يشاطر الهموم والأهداف لبطل الرواية وعائلته: “الجار والصديق العتيد نهاد بكر الذي قد خرج في بحث الأوكسجين ليلاً والناس نائمون في المضاجع، حصل على ثلاث قناني وضعها بمساعدة أشرف لدى بيت أختي قبل أن يتوجه أشرف نحونا إلى الحي الصناعي” (الصالحي، 2022: 101). يلاحظ القارئ في المقتبس المذكور، بأن حتى الجيران المجتمعة بشخصية نهاد بكر، يفعلون كل ما بوسعهم لإنقاذ جارهم المريض أيضاً.
إن الشخوص المعادية أو الخصوم المصطدمة بمحاولات إنقاذ بطل الرواية محمد لأخيه الصغير سنان، يظهر أثناء جريان الحدث الرئيسي والأحداث الجانبية للرواية على نوعان مختلفان، أولهم الأفراد المتمثلة بشخوص: “الأطباء، أفراد الأمن، جنود، سائق الإسعاف، الطبيب، طبيبة شابة، العاملين، الفنيين، مدير عام صحة كركوك، مساعد مخدر، المسلحين، مصورين، المضمد، الممرضات، الممرضون، الموظفات، الموظفين.” والآخر على شكل سلوك، أي تصرفات أفراد الخصوم المتمثلة بالجرثوم، الفساد الإداري والطبي، القرارات الخاطئة، الكذب والافتراء، المماطلة واللامبالاة، وجود الشخص غير الكفوء في هرم القرار وسوء إدارته للأزمات… يلاحظ القارئ بتشضى الخصم إلى شضيتين، وهدفهما الأول والأخير هزيمة بطل الرواية والانتصار عليه بشتى الوسائل المتاحة لهما. وبقراءة الصفحة الأولى لرواية سنان وعبث الشياطين، يحس القارئ بتنويع الخصوم والتجنب الشديد لبطل الرواية المتمثلة بشخصية محمد من أية تعامل معهم إلا للضرورة القصوى. “هاجس ما يراودني عند مراجعة الدوائر الحكومية ودائماً ما تولد عندي نوبة هستيرية تحول بيني وبين إكمال بعض المعاملات حتى وإن كانت ضرورية. تكبر الموظفين وتعاليهم وإحساسهم بأن المواطن عبء كبير يثقل كاهلهم ويمنعهم من التمتع بأوقات فراغهم يدفعهم إلى التهاون في التعامل والتقليل من شأن الإنسان، محتسبين أن ما يتقاضونه من رواتب هو فرض عين على الدولة يجب الإيفاء به. ما يبعث في نفسي الاشمئزاز ويدفعني للتهرب من المراجعات وتجنب الوقوع في هذا الموقف قدر المستطاع” (الصالحي، 2022: 27). نرى في المقتبس المذكور التردد والخوف الشديد لبطل الرواية من الوقوع في مراجعة الدوائر الحكومية لإنجاز أبسط المعاملات، تجنباً للإصطدام التعامل مع الموظفين وسلوكهم تارة ومع التعليمات والقرارات المزاجية تارة أخرى.
عدا الشخوص المذكور أعلاه، يلاحظ القارئ أثناء قراءته لرواية سنان وعبث الشياطين ببعض الشخوص الثانوية التي تظهر أثناء جريان الحدث الرئيسي والأحداث الجانبية المتمثلة بشخوص: “أسطة حمزة بربر، أصدقاء ومحبي البطل محمد وسنان، الأطفال، الأعزاء، أفراد الشرطة، الأقارب، البشر، حرس الباب، الرجل المسن، سكان الأرض، الشاعر زكي دمرجي، المتواجدين، محمد مرافق والده المريض، المرافقين، المرضى الراقدين، نقيب.” الأفراد المذكورة ليس لهم أية دور أساسي في تغير جريان حدث أو أحداث الرواية، ويقتصر دورهم الرئيسي على ديمومة استمرارية الحدث ومع تطور أو انتهاء الحدث ينتهي دورهم أيضاً.
من ناحية اللغة والأسلوب فسرد رواية سنان وعبث الشياطين، قابلة للفهم بسلاسة من قبل القرّاء ذوي المستويات والتيارات الأدبية والثقافية المختلفة، وذلك بسبب الأسلوب السردي السلس، الممزوج بين الواقعية النقدية المشوقة للقراءة ومعرفة نهاية الرواية، الذي يجذب القارئ إلى متابعة سير قراءة الرواية دون أي ضجر. وكل هذا يعود إلى أسلوب المؤلف في كتابة أسطر روايته، أي أسطر السرد لا طويلة ولا قصيرة جداً وإنما متوسطة في الغالب، مما يساعد القارئ على سهولة الفهم والإستيعاب لتفاصيل واقعية الرواية المأخوذة من صلب الواقع القريب. أما من ناحية اللغة فمحتوى الرواية غنية بروائع اللغة العربية؛ نعد البعض منها لا على الحصر كالإقتباسات القرآنية، الكلمات الدارجة العراقية، التشبيه، الطرفة مع تناقضاتها، الترجمة، نسخ الأبيات الشعرية، الحوار وحوار الذات للذات إلخ.
“أخوة يوسف، إرباً إرباً، إن كانوا فاعلين، التفت الساق بالساق، قيام الساعة، لتعود إلى ربها راضية مرضية، مغلولة إلى عنقه، ملك الموت، وأفوض أمري، يوم التلاق، اليوم الموعود، يوم النفخة الأولى.” يلاحظ القارئ في إقتباس الكلمات المذكورة بأن بداية أو نهاية بعض الأسطر في الرواية تبدأ أو تنتهي، إقتباس جمل أو أسطر قرآنية. على الرغم من كتابة رواية سنان وعبث الشياطين بلغة آل قريش، فالقارئ العراقي يلاحظ بعض الكلمات الدارجة في اللهجة العراقية للعربية بين أسطر الرواية: “اسكول سبانة، دفتر أبو 100 صفحة، كحة.” وعلى هذا النمط يرى القارئ العراقي نفسه وسط الأحداث والأقرب إليها من غيره.
نقل الراوي للأحداث المتسارعة للرواية ومعايشته لمعظم حيثياتها، يضعه أغلب الأحيان إلى تشبيه الأشياء مع بعضها البعض. “سنان في عربة الموت هذه لينطلق مع حمدي إلى حيث البحث عن الحياة. لم يكن الخيار بيدي بعد ما آل إليه الحال هذه المرة” (الصالحي، 2022: 39). نرى في المقتبس المذكور يُشبه المؤلف عربة الإسعاف المتهالكة والمفتقرة إلى أبسط الخدمات الصحية بعربة الموت، أي نقل المريض بواسطة عربة الإسعاف المتهالكة يؤثر سلبا على الصحة البدنية والنفسية للمريض المنقول بواسطتها.
بالرغم من مأساوية أحداث الرواية ونهايتها الحزينة، فعند قراءتها يلاحظ القارئ ببعض التناقضات الطريفة في المؤسسات الحكومية بشكل عام والصحية مهنا بشكل خاص على النحو أدناه:
“شقيقتي هي الأخرى مندهشة من ردة فعلنا أنا وسنان بعد أن شاهدنا السكين في يدها. سألتها كيف مررت السكين من نقاط التفتيش؟ حتى قالت أن السكين كان مع الحاجيات ولم يتفوه أحد بشيء. من المؤكد أنهم لم ينتبهوا جيداً وإلأ ادخال هكذا سكين داخل أروقة المستشفى لا يقل حذراً عن ادخال سلاح كلاشنكوف مع عدة مخازن للعتاد” (الصالحي، 2022: 48). نرى في المقتبس المذكور إندهاش بطل الرواية والراوي المتمثلة بشخصية محمد وأخيه سنان من جلب شقيقتهم الكبرى سكينا كبيراً مع حاجياتها إلى داخل أروقة المستشفى. ويحرص المؤلف على ذكر أنواع مختلفة من الطرف التناقضية في سرده، مما يشوق القارئ على ديمومة قراءة روايته.
أما بخوص الترجمة في مجمل أحداث رواية سنان وعبث الشياطين، نلاحظ بوجود نص مترجم واحدـ، والنص مترجم من التركية إلى العربية من قبل الكاتب نفسه. “مرحبا أبي العزيز.. إن شاء الله سوف تتماثل إلى الشفاء لتعود إلى البيت في أقصر فرصة. فالبيت بدونك ممل جداً. أبي العزيز إشتقت إليك كثيراً حتى أن البلبل وايبو طيرنا الملون مشتاق إليك. سننجو منك يا كورونا إن شاء الله” (الصالحي، 2022: 49). في المقتبس المترجم يحس القارئ بعدد الكلمات الصميمية لحرارة شوق مريم البنت الكبرى لأبيها سنان الراقد في المشفى.
كما يرى بين أسطر رواية سنان وعبث الشياطين بعض من الأحداث أو الأبيات الشعرية المستنسخة طبق الأصل أو على الشكل الدارج بين عامة الشعب. “بيت من أبيات الشاعر علي بن غنمي الأحمدي “إذا لم تكن إلأ الأسنة مركباً.. فما حيلة المضطر إلأ ركوبها” (الصالحي،2022: 87). المقتبس المذكور المستنسخ من قبل المؤلف، يعود لحالة تدافع مرافقي المرضى الراقدين في “مستشفى شفاء 14” لرؤية الدكتور مدير عام صحة كركوك عسى أن يجدوا ضالتهم عنده، أي نفاذ الأوكسجين عن مرضاهم الراقدين وتسارع المصورين لإلتقاط صور زيارة المدير العام للمشفى أيضاً. ويكرر الكاتب غضبه واستهجانه من اللامبالاة وسخرية الأطباء والعاملين في المستشفى جراء نفاذ الأوكسجين وزيارة “الدكتور مدير عام صحة كركوك” الفوضى الناتج عنهما على النحو الاتي: “إذا كان رب البيت بالدف ناقراً (ضارباً) فما شيمة (فشيمة) أهل البيت إلأ الرقص (كلهم الرقص) والطرب” (الصالحي، 2022: 99). المقتبس المذكور في الرواية، عبارة عن نسخ بيتين شعريتين يعود للشاعر سبط بن التعاويذي. وهنا يلاحظ القارئ بمدى عمق ثقافة المؤلف الأدبية واللغوية بالثقافة العربية وسخريته لفوضى المستشفى.
الحوار بين شخوص الرواية تكاد تكون معدومة، مع هذا الإنعدام يلاحظ القارئ ببعض الحوارات الجانبية القصيرة بين الراوي أي بطل الرواية المتمثلة بشخصية محمد مع أفراد عائلته ومحيطه الخارجي كالمثالين أدناه:
“الأمر الغريب دفعني للتحدث مع أحد منتسبي المستشفى من المتواجدين في المكان والذي أنهى الحوار بيننا قائلاً:
– أنت في مستشفى حكومي عام، وإذا أحببت تلقي المزيد من الاهتمام اذهب بمريضك إلى مستشفى أهلي خصوصي ستجد ما تريد” (الصالحي، 2022: 46).
“رجعت إلى أخي لأشاهد وجهه مصفراً شاحبا ينظر إلي قائلاً:
– أرجوك أنقذني يا محمد.. أكاد أختنق.. لا أتمكن من التنفس..
لقد شح لونه وبدأ يفقد بريق عينيه المعهود وقد بح صوته. وما أن أبصرت هذا المشهد حتى بدأت الطم بقوة على رأسي دون شعور وأنا أهرول من جديد في ممرات هذا المكان الحقير” (الصالحي، 2022: 72).
نجد في المقتبسين أعلاه، بأن أغلب الحوارات القصيرة للرواية تتم بين الأشخاص الذين لهم تماس مباشر أو غير مباشر مع بطل الرواية فقط.
يلاحظ القارئ في صفحات ما قبل نهاية رواية سنان وعبث الشياطين، بمحاورة الراوي وبطل الرواية المتمثلة بشخصية محمد لنفسه، أي كأنما يحاور شخص واقف أمامه. ومحاورة البطل لنفسه جاء نتيجة الإنتكاسات السلبية المتكررة التي فرضت عليه. مثلاً على الرغم من المرض المزمن، أي داء السكري لبطل الرواية محمد، يلقي بنفسه في صومعة الأمراض والجراثيم لإنقاذ أخيه سنان. ولكن جميع محاولاته تصطدم بحائط الفشل بسبب عدم الدراية التامة بالتعامل مع جائحة العصر كورونا، سوء الإدارة الطبية وسلوك أفرادها أيضاً. وفي نهاية المطاف، جميع الإنتكاسات التي فرضت على بطل الرواية إلى جلوسه بين قبري والده هاشم وأخيه سنان يحاكيهم أي يحاكي ذاته على النحو أدناه:
“حتى وإن لم أكن أشاهد وجهه إلأ أنني أسمع صوته المنبعث من القبر:
– وكيف لي أن أنسى؟! وهل تذكر أنت يا محمد مساء كل يوم، حيث أمي التي تطبخ طعام العشاء وتهيئ لنا ما لذ وطاب؟ نجتمع على الطاولة بنشأة لا تضاهيها بالطعم أكلات المطاعم من الدرجة الأولى. وبعدها يعود أبي من العمل لنجتمع في صالون بيتنا متلذذين برائحة أبي وحنان أمي (الصالحي، 2022: 133-134)؟
“ابي يسمع تحاورنا أسمعه يتدخل بالكلام هو الآخر:
– أتذكرون عندما كنت أخذكم وأنتم صغار إلى محل الحلاقة لدى الأسطة حمزة بربر في السوق الكبير، وكيف كنا ننتظر دورنا لنجلس على كرسي الحلاق وكنتم تتسابقون في الجلوس؟.
ضحكت بصوت:
– الله درك يا أبي. أنك تذكر عنا ذلك.
– وكيف أنسى صراعكم في اختيار الأجمل من قصات الشعر آنذاك” (الصالحي، 2022: 133-135)؟.
إن الراوي وبطل رواية سنان وعبث الشياطين المتمثلة بشخصية محمد الذي يبذل مابوسعه لإنقاذه أخيه سنان الذي يصغره بسنة، المصاب بجائحة كورونا والراقد في المشفى المفتقر لأبسط المقومات الصحية. وبالأخص الجائحة العالمية الجديدة على البشر والمؤسسات الصحية وعدم الدراية الطبية التامة للتعامل معها وسوء الإدارة والفساد، وأضف إليهم البطالة الطبية المقنعة في المؤسسات الصحية العراقية بصورة عامة ومحافظة كركوك بصورة خاصة، نرى بطل الرواية أي الراوي يفقد توازنه بنقل الأحداث بصورة محايدة للقارئ ويضع نفسه طرفاً أمام تكبر العاملين، الفساد الهائل واللامبالاة المقصودة في المؤسسات الحكومية بشكل عام والصحية منها بشكل خاص في الرواية كالنحو أدناه:
“يبدو أن العاملين هنا لا يصدقون بتردي حالة المريض إلأ إذا شاهدوه وقد انقطعت أنفاسه تماماً وفارق الحياة وقد غدا جثة. انفعال سنان الذي نطق بصعوبة بالغة قد أزعج هذا الممرض الوقح ولم ترق له حتى أجابه مبتسماً:
– إذا لم يكن المكان يعجبك بإمكانك المغادرة.
لم أتحمل جدال هذا الصعلوك مع إنسان بين الحياة والموت، إنه لا يشعر بأدنى مسؤولية تفرضه عليه إنسانيته قبل كل شيء. لولا أن تمالكت نفسي ونحن على شفا حفرة من الموت، لأنقضت عليه ومزقته بأسناني إرباً إرباً ولنلت منه ليكون عبرة لمن اعتبر. لكنت أنبش الأرض بأظافري لأدفنه وهو حي كالمؤودة” (الصالحي، 2022: 74).
نرى في المقتبس أعلاه لرواية سنان وعبث الشياطين، بطل الرواية أي الراوي، يصارع مرارة الأمرين؛ هو إنقاذ أخيه سنان من الإختناق بالإضافة إلى الرغاوة واللامبالاة من قبل العاملين في المشفى، مما يؤدي إلى فقدان حياديته في نقل أحداث الرواية للقارئ ويحاول كسب مودتهم.
كما يلاحظ أحياناً بأن الراوي أي بطل الرواية المتمثلة بشخصية محمد يخبئ مافي صدره من الهموم والأوجاع اتجاه أفراد عائلته والأصدقاء تجنباً لإيقاعهم في الكظيم. ولكن يفوح بها للقارئ أثناء المطالعة على النحو أدناه:
“أضطر إلى إخفاء نيران قلبي برسم الابتسامة على وجهي وتغطية همومي بالضحك معهم كي لا أحسسهن بشيء من الذي حدث لأبيهم في المساء. لا أدري أبكي على حالنا أم أضحك مع البنات مخفياً عنهن كل شيء؟ لا أدري أن أبقى في البيت لأرتاح قليلاً فقد أسترجع شيئاً من قوتي، أم أتوجه إلى سنان مجدداً في هذه الساعة من الليل” (الصالحي، 2022: 101-102)؟.
على الرغم من إلقاء نظرة عامة على عناصر بناء رواية سنان وعبث الشياطين مع الأمثلة المقتبسة أعلاه، نلاحظ خلو الرواية إلى حد كبير من قصور عناصر البناء الروائي وحتى خلو أسطر السرد من أية ايدلوجية معينة. ونجاح التجربة الروائية الأولى للمؤلف على مستوى محافظته، وفكرة الترويج للرواية المطبوعة على منصة شبكات التواصل الإجتماعي بجميع أنواعها، مما ساعد على بيع جميع نسخ الطبعة الأولى للرواية. بالرغم من النجاحات المذكورة للمؤلف وروايته الأولى، يجد القارئ عند قراءة الرواية بمنضار نقدي، يلاحظ الناقد الروائي ببعض القصور لعناصر بناء رواية سنان وعبث الشياطين على الشكل أدناه:
عدم حل أو نهاية بعض العقد الواقعية الجانبية التي تظهر أثناء جريان الأحداث من قبل بطل الرواية أي الراوي محمد، ليقتصر دوره في نجاة أخيه المريض ونقل الواقع المأساوي للمؤسسات الصحية الحكومية والتعامل المُزري للعاملين فيها فقط. أي نرى عدم محاكمة أو مسائلة أي مسؤول صحي في محافظة كركوك رغم تعاملهم المشين والإخفاقات الكبيرة بدوائرهم وحالات الوفاة الجماعية للمرضى الراقدين في ردهاتهم. مما يؤدي إلى إخلاء أحداث الرواية من أية بصيص أمل لغد مشرق للقارئ وللأجيال القادمة أو حتى إبداء أية توصية مستقبلية لهم أيضاً.
أما من ناحية ذكر أسماء شخوص الرواية، عدا الأطفال فتذكر جميع أسماء الشخوص المؤنثة للرواية بأسماء منسبة إلى أبنائهم (أم حمدي، أم مصطفى) أو بناتهم (أم مريم)، ليتذكر هنا القارئ مدى تأثير المجتمع الكركوكي المحافظ بشكل عام والتركماني بشكل خاص على المؤلف وعدم قدرته على التمرد عليه كبقية أقران مدينته. وبخصوص بطل الرواية والراوي المتمثلة بشخصية محمد، نجد شخصيته متوازنة ومثقفة ويحاول تغيير الواقع المأساوي للمؤسسات الصحية الحكومية دون إبداء أية جهود أو حلول عملية كالذي يبذله لإنقاذ أخيه المريض. أي البطل، يمتعض ويقاوم من داخل نفسه ولا يقدم أية شكوى أو حتى توصية لحالة المؤسسات الحكومية بشكل عام والصحية بشكل خاص، ليقتصر دوره على نقل الحالة المؤسفة والتعامل السيء للعاملين فيها.
أنحصار أغلب أحداث الرواية بحدود مركز محافظة كركوك، وعلى الأخص الأماكن الجنوبية المغلقة منها، أي يلاحظ القارئ بعدم جريان أحداث الرواية في شمال، غرب، شرق، أو حتى وسط مدينة كركوك لافي الأماكن المفتوحة ولا حتى المغلقة منها على حد سواء.
نجد إلى حد كبير إنعدام الحوارات بين الشخوص الرئيسية والثانوية للرواية، وإقتصار بعض الحوارات الجانبية القصيرة لبطل الرواية والراوي المتمثلة بشخصية محمد مع محيطه القريب أو المتعامل معه رغم إرادته. وأخيراً، عند إنتهاء مطالعة رواية سنان عبث الشياطين يلاحظ القارئ بعدم ترتيب ملحق الصور الخاص بالرواية حسب الفترة الزمنية لكل صورة ومن الناحية التكنيكية أيضاً.



بقلم : راويار جەباری
دكتوراه في اللغة التركية وآدابها- الأدب التركي الحديث.

دعم المشاريع الأدبية المساهمين في دعم المشاريع الأدبية
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x