الإصدارات الأدبية

دراسة ترصد وهج اللؤلؤ عند سعاد الصباح ومحمد الفايز ..

نشر الموضوع :

أنهآر – متابعات :

بمذاق مختلف، انضم كتاب (مرايا اللؤلؤ) إلى أقرانه من عشرات الكتب التي اهتمت بمقاربة التجربة الشعرية للدكتورة سعاد الصباح. فقد عزف كتاب (مرايا اللؤلؤ في الشعر الكويتي بين محمد الفايز وسعاد الصباح)، الصادر عن دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع قبل أيام، على وتر مختلف في المعالجة النقدية، حيث اعتمد منهج دراسة الظواهر التي مثلتها مفردة (اللؤلؤ) في شعر سعاد الصباح ومحمد الفايز عبر تتبع العلاقة بين الدال والمدلول، بصورة تتجاوز أحادية الجانب، ولا سيما حين تكون مدمجة في سياقات مختلفة وأنساق متغايرة.

من هذه الجزئية انطلق مؤلف الكتاب محمد مصطفى خميس لاستقراء حضور مفردة (اللؤلؤ) عند رائدين من رواد الشعر الكويتي: محمد الفايز، وسعاد الصباح، وبخاصة أن هذه المفردة قبلت الانطلاق في الآفاق الرحبة التي خلقتها في التجارب الشعرية لأصحابها، ونثرت مراياها وخصوصيتها فيها لترفض أن تكون مجرد الهدف من الرحلة.

يوضح خميس في مقدمة كتابه اعتماده التكاملية منهجاً لدراسته، بغية الاستفادة من مناهج متعددة، كالمنهج البنيوي والمنهج النفسي والاجتماعي، ونظرية التلقي، مرجعاً ذلك إلى تداخل المناهج النقدية في بعض الإجراءات تداخلاً يعني وجود نظام تكاملي بينها، يوصي بالقرب الشديد من النص بأبعاده النفسية والاجتماعية والتاريخية، وبتشكيله اللغوي الحساس.

وبعد أن يعطي لمحات عامة عن الرمزين اللغوي والشعري لمفردة (اللؤلؤ)، يفرد الفصل الأول من الكتاب لاستقراء (مرايا اللؤلؤ في شعر محمد الفايز). وفي هذا الفصل يشير إلى ما سماه (عقدة اللؤلؤ)، كما عكستها قصيدة الفايز (مذكرات بحار)، إذ يتبين أن (اللؤلؤة) مثّلت للشاعر مصدر شقاء أكثر من كونها مصدر سعادة ورزق، حيث ارتبط ذكرها بالفقر وتبعاتِه، كما ارتبطت هي بالطبقات المسحوقة الفقيرة التي يضيع جهدها لتحقيق سعادة الطَّبقة المترفة.

من خلال هذه القصيدة استخلص الكاتب أعراض عقدة اللؤلؤ عند الشاعر، حيث الصراع الدائم بين إحساسي امتلاكها وفقدها، وتمثلها كمعادل موضوعي للقمة العيش بالنسبة للرجل، بينما تمثل للمرأة معادلاً للزينة والأنوثة، وبالتالي التضحية المقابلة لترف الحسناوات، والتفاوت الطبقي بين تاجر وغواص ومالك وأجير، ثم اللؤلؤة كمعادل للبدر الذي يحمل رسالةَ التغيير، والمفارقة الشعورية بين صورتي اللؤلؤ والرمال.

ولا ينسى الكاتب أن يعرض للبنى اللغوية القائمة على الثنائيَّة الضديَّة عند الفايز في اختياره للمفردات المشكِّلة لصورة اللُّؤلؤ والمستمدَّة من بيئتها، وهو ما يبرز انقلاب الإحساس بالأشياء، وتبادل إدراكاتها لمواضعها المعكوسة. ويخلص الكاتب إلى أن الفايز لم يكن يرى حقبة اللؤلؤ حقبة جميلة، حتى تلك اللَّحظات الحالمة التي كانت تداهم خياله وهو يجسِّد لحظة حصول الغوَّاص على اللُّؤلؤة كانتْ تُخطَف من خياله سريعاً، بل ارتبطت هذه الحقبة بالآلام والفقد والفقر المدقع والظلم.

زمن الصفاء

يؤكد الكاتب في الفصل الثاني، الذي عقده حول صور مرايا اللؤلؤ في شعر سعاد الصباح، أن سعاد الصباح تقدم صورة اللؤلؤ بجلاء لا نجده عند غيرها من شواعر الكويت، لأنها تمثل في نظرها السبب الرئيس في جمال ذلك الزمان، حيث التضحية في سبيل الأسرة والحبيبة، وإعلاء قيمة المرأة، ورسوخ التقاليد النبيلة، والحلم الوردي لكل الرجال.

ويستجلي الكاتب مظاهر (اللؤلؤة) في قصيدة سعاد الصباح (زمان اللؤلؤ) المنشورة في ديوانها (أمنية)، وذلك من خلال ترابطها مع مكوّنات النَّص في البنية الدلاليَّة الشمولية بشكل يراعي سياق الخطاب وشروط إنتاجِه. ومن خلال هذا النص يظهر أن الشاعرة تنظر إلى اللؤلؤ كمعادل للجميل والمطلق والزمان الماضي الحلم، مقابل النفط كمعادل للزمن الحاضر الزائف والمغشوش، هذا النفط الذي وقع قومها تحت تأثيره وجعلهم يرون للسواد بريقاً أجمل من بريق اللؤلؤ.

ومن خلال تحليل النص يؤكد الكاتب أن الشاعرة تنتمي من الناحية القيميَّة إلى الماضي الجميل؛ لذا تُبدي حنيناً جارفاً إليه، وأسى على مفارقته، وما تعلُّقُها بصورة اللؤلؤ إلَّا شكل من أشكالِ التعبير عن هذا الحنين وذاك الأسى، واللؤلؤ في هذا النص لا يقف عند حدّ دلالته الحرفيَّة التي تعني تلك الجواهرَ الثمينة التي كان يستخرجها الأجداد من قلب المَحَارة أو الصَّدَفة، بل هو الماضي الجميل ذاته، ماضي الأجداد والقيم الرفيعة والأخلاق النبيلة.

ويلقي الضوء على التراكيب في القصيدة، وكيفية لعبها على التراسل بين الحواس وتحويلها حاسة الإدراك من اللمس إلى الرؤية، وعقدها مناظرة بين عصر النفط وعصر اللؤلؤ لتخلص إلى أن عصر اللؤلؤ هو عصر الفطرة والبراءة والأصالة، بينما يظهر النفط في صورة شيطان رجيم.

بعد ذلك، يرصد الكاتب التكثيف الرمزي والمعادلات الموضوعية للؤلؤ في تجربة الصباح الشعرية. ويحيل إلى أن التكثيف يتجلى في أنه يركز المعادل المستحيل للؤلؤ، ويضبط استطالاته، ويُوحِّد أبعاده، ويدفعه نحو التَّكثيف والإيحاء، وذلك عبر الآفاق الممتدَّة التي يخلقها في خيالِ المتلقي، وعبر نقاط الفراغ التي يسمح له بملئها. وهذا بالتالي ما خدم رؤية الشاعرة في سعيها لإعلاء قيمة الأجداد (زمن اللؤلؤ).

وهكذا، تحولت اللُّؤلؤة عند سعاد الصباح إلى مسار رمزي منتج للمعاني، لا يستفيد من خزَّان التّرابطاتِ المعجميّة بين طرفي العلاقة، وإنما يستفيد من قاموس الترابطات الوقائعية والتفعيلية والانفعالية، الذي يوفّر الصياغة اللَّاشعورية الملائمة لطرفي العلاقة. فلا تبدو المرايا التي ظهرتْ عليها شبكة من الصور الثَّابتة، والحالات النفسية المكرَّرة فيها، دون أن نعدم علاقات تربط كل هذه المرايا بعضها ببعض.

إذن، نحن أمام منهجية جديدة في البحث يقدمها كتاب (مرايا اللؤلؤ)، وأمام مشهد جديد عكس المؤلف من خلالها عوالم مفردة (لؤلؤة) كما بدت في شعر محمد الفايز وسعاد الصباح، بكل هالات وصور هذه المفردة.

يذكر أن الكتاب من القطع المتوسط ويقع في حوالي 130 صفحة، وقد اعتمد فيه الكاتب على عدد وافر من المصادر والمراجع.

دعم المشاريع الأدبية المساهمين في دعم المشاريع الأدبية
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x