المقالات الأدبية

داليا رشدي تواصل البوح من خلال رواية “الوقائع المربكة لسيدة النيكروفيليا للكاتب حازم كمال الدين ..

نشر الموضوع :

د.فاطمة واياو-
ادنبرة- اسكتلاندا

من خلال العنوان نستشف أننا إزاء نص بالغ القسوة، أن ينكح شخص جثة لهو أشد أنواع القسوة، وهي قسوة لن يشعر القارئ أنها أرحم من الحقيقة التي تنتظره في نهاية أحداث رواية حازم كمال الدين التي صدرت مؤخرا عن دار فضاءات بالأردن.

تصدر إذن “الوقائع المربكة لسيدة النيكروفيليا” كرابع نص يضع الروائي والمسرحي حازم كمال الدين شخصيته المحورية البطلة داليا رشدي، التي سبق وأن التقيناها في كل من كاباريهت، ومروج جهنم. ومرة أخرى يجعل الكاتب من تيمة الموت والولادة محركين للاستبداد والتعذيب الى حد السادية.
منذ الصفحات الأولى يحبس الكاتب أنفاس القارئ حيث الأحداث تلاحق السرد والسرد يلاحق الأحداث، غير أن ما يمكن أن نضيفه فيما يتعلق بنصه الأخير وقائع سيدة النيكروفيليا هي الوصف البصري، إن صح التعبير، من خلال اللوحات التشكيلية والتي اختار الروائي أن تكون تناصا من خلال استلهام أعمال الفنان البلجيكي رينيه ماغريتRene Magritte وهو توظيف ينم على توظيف تقنيات المابعد حداثية المتمثة في الميتاسرد والكولاج في نص حازم حيث يصبح الفن التشكيلي من خلال لوحات الرسام البلجيكي رينيه ماغريت (1898 -1967) والمعروف بأسلوبه المتميز والذي نستشفه من قوله: ” كل ما نراه يخفي ضمنه شيئا آخرا، ودائما ما نهتم بالمخفي فيما نراه…” حازم كمال الدين بدوره يسير على خطى ماغريت فيأخذنا في متاهات وسوريالية التخييل ونحن نلهث وراء سيدة النيكروفيليا وذات الصوت المبحوح، صعودا ونزولا أبواب تفتح وأخرى تغلق في دينامية رمزية ربما هدف من وراءها الروائي الإغراق في التخفي في محاولة لتمويه مطارديه من المخبرين. بل إنه يموه الحياة برمتها من خلال أسلوبه المتميز الذي يشكل متنه من خلال كتابة الهوية وإشكالاتها الأنطلوجية والمعرفية. هكذا يسبح الروائي حازم جمال الدين كعادته في ملكوت المتناقضات التي تسم الشخصية العراقية من خلال حديث سيدة النيكروفيليا الراوية حيث تسترجع كل المتناقضات التي شهدتها وقرأتها عن المجتمع العراقي المقسم بين الطائفية والايديولوجيات المستوردة، بل إن أفظع ما يمكن أن يصيب مجتمعات عقيمة هي تضخم المصطلحات المستوردة وهو ما أحسنت الراوية تضمينه :

“ديالكتيك فائض القيمة. التناصّات البنيوية للميتا سرد. كونفوشيوس.. الابستيمولوجيا…” إن استلهام كمال الدين لرينييه ماغريت لم يكن اعتباطيا بل إنهما يلتقيان في مقاربة الأضداد والمتناقضات كما هي الحياة التي لا تمثل سوى الشيء ونقيضه. فالتأرجح بين الموت والولادة في أعمال حازم كمال الدين، فمن كاباريهت ومياه متصحرة وصولا إلى إصداره الأخير الوقائع المربكة لسيدة النيكروفيليا مرورا بمروج جهنم نقف عند تيمة الموت والولادة مشفوعتين بالتعذيب على أشكاله وصنوفه المختلفة والمغرقة في السادية. إنها رواية الإدانة لكل أدعياء الثقافة ومروجي الأفكار لبيئة قاحلة لم تتجذر فيها ولو ذرة حداثة أو عقلانية..

السرد متشظيا وأنثويا…

يتشظى السرد إذن في الوقائع المربكة لسيدة النيكروفيليا ليجعل القارئ يشتغل على ترتيب الأحداث والأفكار، كما تدفعه إلى إثارة العديد من التساؤلات، وهي تجريب ما فتئ الروائي يوظفه في جل أعماله الروائية والمسرحية، حيث يصبح القارئ متفاعلا مع النص وليس فقط متلقيا سلبيا. إن الحديث عن الحدود الفاصلة بين السرد النسائي أو الأنثوي وبين السرد الرجالي يصبح في رواية حازم كمال الدين متجاوزا بشكل كبير وملفتا للانتباه، فكيف استطاع الروائي أن يتقمص الصوت النسائي بكل ما يحمله من خصوصية الوصف والمعاناة؟ مرة أخرى ينطلق الصوت الأنثوي ليشكل سردا نسائيا بامتياز رغم أن القلم رجالي، ما يشي على قدرة الكاتب على استيعاب الأحاسيس الإنسانية بعمق دال بعيدا عن أي تحيز جنسي، ما يضع قضية السرد النسائي والسرد الرجالي على محك التساؤل وليصطدم بصخرة التصنيف الجنسي للإبداع السرد؟؟

فالروائي حازم كمال الدين يتبع أسلوب الميتاسردي ويكسر الخط التتابعي للأحداث حيث يتحول الزمن إلى خطوط منعرجة تتأرجح بين المستقبل والماضي والحاضر، حيث شخصيات الرواية تتحكم في الزمن أو ربما تتوهم أنها تتحكم فيه بينما في حقيقة الأمر يظل الكاتب أو المؤلف هو من يمتلك جل أسرار اللعبة زمانا ومكانا أيضا. هكذا يعيش الروائي من خلال ما نستشفه من وقائعه المربكة حالة من الكوابيس المستمرة… الراوية والبطلة أيضا داليا رشدي التي غدت في عمل كمال الدين الأخير متخفية عكس أعماله السابقة، حيث أننا لن نربط بين سيدة النيكروفيليا وداليا رشدي سوى في نهاية الرواية حيث عمد الكاتب أن يحبس أنفاسنا منذ الصفحة الأولى، فقد تركنا نعيش لهاثا لن نروي ظمأ الاكتشاف إلا في نهاية الرواية بل في الملاحق وهي تقنية اتخذها الكاتب استطرادا وإشفاقا منه على القارئ حيث ستكون هذه الملاحق مفاتيح للفهم والإدراك ربما يحمل الكثير من التواصل المنسجم والصادق مع القارئ، بالرغم مما يمكن أن تثيره هذه التقنية من وجهات نظر متناقضة، فربما سينظر لها البعض بنوع من التحفظ إذا ما اعتبرنا الملاحق كشف للغز الرواية ولغموضها الجميل، مثلما نلمس ذلك في الكتابات النسائية، ما يعني أننا أمام نص مختلف يكسر الحدود بين النص الأنثوي والنص الذكوري.

فاستلهام الصوت النسائي ينم على قدرة الكاتب على تقمص شخصية الرواية الرئيسية، ومزجها للتدليل على أن التعذيب والتنكيل بالبشر من قبل الأنظمة الدكتاتورية لا تفرق بين الجنسيين وكأني به يسعى لإقناعنا بأن مجال المساواة في هذه الأنظمة بين الجنسين هو مجال التعذيب والسادية.

فتوحات سردية متواصلة…

يظل النص الروائي عند حازم كمال الدين نصا ركحيا يتميز بالدراما المسرحية دون إغفال العناصر الدرامية السردية وهنا تكمن خصوصية أعماله، فالوقائع المربكة لسيدة النيكروفيليا تضعنا أمام سردية مختلفة غارقة في التجريب والمابعد حداثة، ومرة أخرى يواصل الروائي والمسرحي حازم كمال الدين فتوحاته في مجال تكسير القوالب الجاهزة في السرد الروائي العربي. فمثلما ربط بين الموت وعملية الولادة في روايته مروج جهنم، يواصل في نصه هذا الربط بين المتناقضات بشكل غرائبي، فكيف يمكن أن يكون الجسد الميت مُشتهىً، وما الذي يدفع شخصا لعشق نكاح جثة امرأة أو ما يعرف بالنيكروفيليا…..؟
لقد انتقل الروائي من مسرح العبث الطائفي والسياسي، إن صح التعبير، في مياه متصحرة إلى سادية نكاح الجثث وأوهام الهوية في الوقائع المربكة لسيدة النيكروفيليا مرورا بفوضوية ولا معقولية الموت والولادة في مروج جهنم لينبئنا بأنه كاتب استطاع أن يكسر الحدود بين الموت والحياة، فالبطلة هي جثة معدة للجماع ولكنها في حقيقة وعيها هي مازالت حية تشعر بكل ما يدور حولها، إنها الحياة اليائسة شاهدة على فظاعة الجرائم المرتكبة. لقد تمكن الروائي حازم كمال الدين من خلال تقنية التشعب هذه في نصه الأخير من مقاربة مجموعة من الظواهر فمن فساد الأنظمة الاستبدادية إلى تعقد وحقارة إجراءات طلب اللجوء في البلدان الغربية مرورا بكل أشكال الدعارة وفساد النخب في بلده الأصلي. وبتوظيفه لبعض التراكيب والمفردات ذات الإحالة الدينية يضعنا أمام ما يمكن أن نصفه بالنفاق الاجتماعي المستشري في المجتمعات والتجمعات أيضا الدينية والديكتاتورية.

كتابات حازم كمال الدين بدون استثناء خاصة منها رواياته أو لنقل رباعيته إن صح التعبير كباريهت- مياه متصحرة، مروج جهنم والوقائع المربكة لسيدة النيكروفيليا هي بحق كتابة الجنون وفانتازيا اللامعقول، أجل بلعبه الفني بشخصية داليا رشدي يدفعنا الكاتب إلى حافة المعقول من خلال العمق الجنوني. ومرة أخرى يتخندق حازم كمال الدين مع رينيه ماغريت متسائلا: “من يستطيع أن يدخن غليونًا في صورتي؟ لا أحد، إذن إنه ليس غليونًا”. غير أنه مع ذلك يدفعنا للبقاء حذرين كل الحذر ونحن نقرأ النص كي لا ينفلت منا الخيط الرابط بين شخصياتها، ومع ذلك ومهما حاول بالتأكيد سيضطر القارئ للعودة في أكثر من مناسبة للقبض على “رأس الخيط”.

كيمياء الحكي…. فيزياء الوصف

يشغل المكان مساحة هامة في رواية حازم كمال الدين، ذلك أن تفاصيل الوصف رغم أنها بدورها مربكة ولكنها تنم على قدرة هائلة على التصوير البصري ليغدو مشهد وصف الأمكنة بمثابة لقطات سينمائية تجعل القارئ يتابع القراءة بمشاهدة بصرية. كما أن استباحة الجسد الأنثوي (والبشري بشكل عام) هي الثيمة الغالبة على أعمال حازم وهو رمز لاستباحة الأرض والوطن والإنسان بشكل عام غير أن ما ميز روايته الأخيرة هو الجانب الإنساني العالمي لهذه التيمة، ففي “وقائع سيدة النيكروفيليا” تكون الاستباحة مزدوجة حين تصبح البطلة في طابور الإعدام وهوما يرمز له حين تتحدث البطلة عنه، وهي جثة وهمية إنها جثة على قيد الحياة. هنا أيضا قساوة الانتقام حين يجعلها جثة يستغلها في الدعارة بدل أن يتركها تلقى مصير الإعدام بالعراق، فالإعدام أرحم بكثير مما يعرضها له.

ومن تجليات كيمياء الحكي عند الروائي والمسرحي حازم كمال الدين كذلك مواصلته التشكيل الهارموني للنص رغم ما قد يبدو فيه من تشظي وتفكك، فبشكل لافت للانتباه والدهشة نستشف من الوقائع المربكة لسيدة النيكروفيليا من خلال ما قد يبدو في حكي داليا رشدي أمام المحقق من ارتباك، إلا أننا سنستشف بفضل تدخل الكاتب الكثير من التسلسل والهارموني harmony في ظل الوقائع التي نجح الكاتب في انتشالها من الارتباك لتصبح في نهاية الرواية منطقية وواقعية الى حد كبير غير أنه لن يمنحنا ترف المعرفة إلا بعد أن يرهقنا بالتداخل والصعود والنزول دون حتى أن يترك لنا فرصة التقاط الأنفاس ذلك التكثيف والتشويق كان مبهرا إلى حد بعيد.

حين عمد الكاتب كمال الدين إلى إقحام نفسه في أحداث الرواية إنما كان يستقي تقنية المسرح، والتي تتلخص في كسر الحدود والحواجز بين المتلقين أي المشاهدين وخشبة المسرح بكل شخوصها وفي أحيان كثيرة ينضم المخرج ليقود جوقة الشخوص بين صفوف المتلقين/ المتفرجين. هكذا يتحقق التصاعد والتطور الذي يسم أعمال الروائي، خاصة فيما يتعلق باستعمال تقنيات الإخراج المسرحي، فيبدو النص سماعيا ومرئيا في نفس الآن.

النص السردي ترميزا سياسيا

غير أن السؤال الذي يمكن طرحه هنا: هل الوقائع المربكة لسيدة النيكروفيليا هي فقط رواية الشذوذ والدعارة أم أنها تحمل ترميزا سياسيا؟
إن المتتبع لمسيرة حازم كمال الدين الإبداعية والحياتية، لن يتردد في التأكيد على أن الرمز السياسي يظل حاضرا في جل أعماله المسرحية والروائية، فمثلا من يستطيع أن يصل إلى هذه الدرجة القصوى والقاسية من التعذيب مثلما نستشفه في شخصية الرئيس في متن الرواية سوى حاكم ديكتاتوري وصل إلى درجة التعذيب السادي بأن يتلذذ بتعذيب جثة شخص فقط لأنه وقف في وجه جبروته وظلمه، وفي نفس الآن ألا يمكن أن نقول إن المقاومة الشعبية في أبهى صورها وأذكاها هي ما صنعته سيدة النيكروفيليا أو امرأة الصوت المبحوح أو داليا رشدي سميها ما شئت ولكنها بالنهاية هي رمز للثأر للكرامة الإنسانية حين أبدعت في تقمص شخصية امرأة ميتة، جثة معدة للدعارة من خلال ما يعرف بنكاح النيكروفيليا كانت مع ذلك شاهدة على بشاعة التعذيب تماما مثلما يكون المقهورون والمعذبون شاهدين على بشاعة فساد الأنظمة وساديتهم. “أنت جثة حلوب وثمينة”… أليست كل البلاد العربية ومن ضمنها العراق مجرد أشلاء وجثت ولكنها مازالت ثمينة لأنه مازال حلبها وتحقيرها ممكنا أمام قوة الصمت وجبروت الاستسلام.

وأخيرا يعلن الروائي حازم كمال الدين عن نفسه فهو عندما يتساءل: “من هو المؤلف الحقيقي؟ ما الفرق بين هذا ومن يقتبس/يسرق/ينتحل أحد الأعمال الأدبية المكتوبة؟ نحن نتهم الكاتب بالانتحال لأنه سرق من زميل له، وفي نفس الوقت نعتبر (سرقتنا) لآلام الناس عملاً مشرّفاً!” فهو يعلن ضمنيا أنه يتعمد الظهور والإعلان عن نفسه كي لا يسرق آلام المتلقين وآمالهم وهو أيضا يتعمد في تجربته السردية الربط بين اعماله السابقة واللاحقة من خلال عملية التوالد” والإعادات لم تكن في الواقع إعادات، بل نصوصا جديدة تولد من أرحام بعضها البعض”

د.فاطمة واياو – ادنبرة- اسكتلاندا

Subscribe
Notify of
guest
1 تعليق
newest
oldest most voted
Inline Feedbacks
View all comments
د. خيرالله سعيد
د. خيرالله سعيد
2 months قبل قليل

نصٌّ جميل ، مدرك تماماً لما يريد قوله المؤلف ؟

زر الذهاب إلى الأعلى
1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x