المقالات الأدبية

“ثنائية الأنا والآخر في رواية عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم”

نشر الموضوع :

بقلم: أحمد إبراهيم المسودي.
باحث من المملكة العربية السعودية.

حينما نتصفح تراثنا الزاخر الزاهي , ونفتش في جنباته عن تقنية الأنا والأخر فإننا لا نجد لها حضورا بارزا بالمعنى الحديث, ولكننا إذا عدنا إليه ثانية ونقبنا عنها بمعناها الأشمل الأعم فإننا نجدها سافرة واضحة, وذلك أن الأنا والآخر تتخلص -باعتقادي- في كل موقف لأديب يعبر فيه عن علاقته بالطرف الآخر سواء كانت هذه العلاقة وفاقية أو تصادمية, ولكن هذه التقنية بمفهومها الحديث -كما يرى النقاد- لم تأت إلا بعد الاستعمار إذ انطلقت وفود الطلاب العرب إلى قبلة العلم والنور أوروبا لينهلوا من نبعها الصافي الفرات ولكن هذا الصفاء لم يكن خالصا وإنما خالطته بعض الشوائب, إذ انبهر العرب بما رأوه من حضارة وتقدم وعادات تختلف تماما عن حياة الشرقي البسيط.

وتعد رواية “عصفور من الشرق” مثالا على ذلك, إذ تحكي هذه الرواية قصة شاب عربي حالم انطلق إلى بلاد النور ليتعلم فيها , ولكنه صدم وشعر بحيرة غامضة عندما وطأت أقدامه أرض باريس, ومر بتجربة حب فاشلة, وفي تصوري أن محسن ما هو إلا قناع لكاتب الرواية توفيق الحكيم وذلك أن حياة محسن في باريس هي نفسها حياة توفيق الحكيم الذي أحب فرنسا وتعلق بها ودرس “القانون” فيها , وتتخلص فكرة الرواية العميقة التي تطل برأسها من بين السطور في ذلك الصراع الأزلي بين الشرق والغرب, والحداثة والأصالة والعلم والإيمان, وتتناول الرواية تلك الآثار السلبية التي خلفتها الثورة الصناعية وكيف أنها حولت الإنسان إلى جسد خاو ليس فيه ذرة مشاعر, هذه لمحة سريعة استطعت التقاطها من خلال نظرتي العجلى لهذه الرواية التي تعد من أجمل الروايات العربية بالرغم من كبر سنها, وآثرت ألا أنظر إلى دراسة سابقة تدور في فلك هذه الرواية كي أواجهها مواجهة مباشرة.
مفهوم الأنا والآخر.

لقد اختلفت آراء العلماء في تفسير ماهية الأنا والآخر وذلك باختلاف تخصصاتهم, فعلماء النفس ينظرون لها من زاوية تخصصهم, ورجال الفلسفة ينظرون إليها من زاوية تخصصهم ولكني سأقف على تفسير الأنا عند فلاسفة العرب المسلمين, وعند فرويد وذلك لقربها من موضوع البحث.

مفهوم الأنا

لقد أدلى فلاسفة الإسلام بدلوهم في تفسير ماهية الأنا وذلك وفق التصور الذي اختطه كل فيلسوف لنفسه فهذا ابن سينا يقول: أن المراد بالنفس ما يشير إليه كل أحد بقوله : أنا, ويقول الرازي: أن النفس لا معنى لها إلا المشار إليه بقولي أنا, فنرى أن فلاسفتنا المسلمين قد فسروا الأنا بالنفس, التي تسمى بالضمير, وهذا تفسير يمكن أن يقترب من تفسير “كانت” للأنا.

وإذا يممنا وجهنا شطر علم النفس فإننا نجد فرويد يقسم شخصية الإنسان إلى ثلاثة فروع رئيسية:
(1) الهـــو: ويقصد بها الدوافع والميول التي لا دخل للإنسان في تكوينها وإنما هي لاشعورية وتأتي من تلقاء نفسها.

(2) الأنا: وهي الحيز الشعوري الذي يمكن للفرد أن يتحكم بها.

(3) الأنا الأعلى: وتعتمد هذه الأنا على الضوابط والأعراف التي تضبط الشخصية ومنظومة التقاليد التي يفرضها المجتمع على هذا الفرد.

مفهوم الآخر.

إن سفينة الحياة لا يمكن أن تسير إلا بالآخر, وذلك أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه, ولا يشترط في الأخر أن يكون الغير المختلف عنا إثنيا أو عرقيا، بل يمكن أن تكون الذات هي منشطرة على نفسها آخر بالنسبة لنا, إذ يستطيع المرء أن يكتشفها ويتعرف عليها شيئا فشيئا, فلكل إنسان نظرته إلى الحياة ولاسيما الأديب, فالأديب إنما يسطر من خلال أدبه موقفه من الآخر أيا كان هذا الآخر سواء كان حبيبا أو صديقا أو حتى ربما حيوانا كما يطالعنا الأدب العربي بنماذج جعلت من الناقة إنسانا يشكو ويتألم وتود مفارقة صاحبها كما في نونية العبدي.

الأنا والأخر في رواية عصفور من الشرق, الفصل الأول أنموذجا.

تبدأ الرواية في وصف ملامح ذلك الرجل الشرقي بسماته المعروفة الغالبة, ويرسم مطلعها صورة الفتى الشرقي الذي ستدور حوله أحداث الرواية, إذ تصوره على أنه الوحيد الذي صمد أمام ذلك المطر الغزير, ولكن يا ترى هل سيصمد هذا الفتى الشرقي في مجابهة التحديات التي ستواجهه في بلاد النور كما صمد أمام قطرات المطر, أم أنه لن يصمد؟
لعل أول إرهاص بالاختلاف والتباين بين محسن وصديقه أندريه هي تلك اللحظة التأملية التي وقف فيها محسن متأملا لتمثال الشاعر “دي موسيه” حين مكث يفكر في تلك العبارة المنقوشة على قاعدة التمثال, “لا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم” وظلت هذه العبارة تدور في رأس محسن الصغير مستغربا بأن أهل هذه البلاد يعرفون هذا الألم العظيم, ولكن في المقابل نجد أن أندريه لم يأبه لتأملات محسن ولم يعطها بالا, وكأنه لم يرد أن يعطي لخياله الفرصة كي يحلق بعيدا عن الواقع الكئيب المعاش.

لقد شعر محسن بالغربة القاسية في أرض باريس وأخذه سؤال أندريه المتعجب عن أكله البلح في أرض باريس على بساط الذكريات إلى أرض الكنانة, وإلى حي السيدة زينب, ولكن سرعان ما يقطع أندريه خيالات محسن ويطالبه بالكف عن هذه الخيالات الحالمة, فنلحظ أن الصراع بين الصديقين صراح خيال جامح وواقع معاش لا يؤمن بالخيالات .
مراسيم العزاء بين الشرق والغرب
عندما ذهب محسن برفقة صديقه أندريه إلى الكنيسة لأداء واجب العزاء, كان محسن يلبس ملابس سوداء فظن المعزون أن محسن من أهل الميت لان أهل الميت هم من يلبسون هذه الملابس السوداء, وذلك أن ثقافتهم كفرنسيين تختلف عن ثقافة ذلك الفتى الشرقي, فشعر محسن برهبة هزته عندما دخل الكنيسة لما رآه من جلال وهيبة, وركب ثانية على بساط الذكريات لينقله إلى روحانية المسجد وخشوعه الغامر في السيدة زينب بالقاهرة, ولكن محسن عندما أفاق من حلمه الوردي وجد نفسه في مأزق الحقيقي, إذ إن محسن لا يعرف تقاليد النصارى في تشييع الجنازة, ولم يسبق له أن دخل كنيسة أبدا, وبدأ محسن في هذه المغامرة الغير محسوبة العواقب وكان محسن طول الوقت يشعر بالذهول والخوف مما يرى في هذه الكنيسة, ونلحظ أن صراع الحضارات قائم في هذا المشهد وذلك حين أمسك محسن بالقمقم ونضح التابوت وهولا يدري أرسم صليبا أم هلالا, وما هذا الصراع إلا صراع الذات الداخلية التي تدور في نفس محسن بين الشرق والغرب, لقد كان محسن يحاول الربط بين الشرق والغرب وذلك عن طريق الربط بين المسجد والكنيسة برباط ديني روحي, فنراه في كل مرة يعقد الصلة والتشابه بينهما, وكعادة محسن الشرقي البسيط انطلق ليعزي أهل الميت ولكنهم توجسوا منه ومن ملابسه السوداء الداكنة, يا ترى من يكون هذا الفتى؟ … وكأني بمحسن يتخيل نفسه في السيدة زينب إذ يأتي المعزون من كل حدب وصوب لأداء واجب العزاء حتى وإن كانوا لا يعرفون أهل الميت, ولكنه أخيرا خرج من هذا المأزق عندما انطلق هو وصديقه الفرنسي إلى مقهى (الدوم) وهنا تظهر مفارقة جديد سافرة بين محسن و أندريه في تعظيم كل واحد منها لدار العبادة, فنرى أن محسن مستاء جدا لأنه لم يعدّ جيدا نفسه لدخول الكنيسة, ولكن في المقابل نجد أندريه يعدها مكانا عاما, المقهى والأوركسترا, فمحسن يشعر أن الأشياء الروحانية الإيمانية تكاد تكون نادرة في هذه المدينة الحالمة.
العجيب في هذه الصداقة بين محسن وأندريه أنها لا تلتقي في نقطة اتفاق, ومن ذلك موقف كل منهما من السياح الأمريكان, فمحسن يرى فيهم أنهم قوم بلا مشاعر أو أحاسيس وقلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة أما أندريه فيرى في الفاتنات الأمريكيات عكس ذلك، ويظهر في المشهد الأخير من هذا الفصل الفرق بين حب الشرقي الأصيل الساكن في أعماق روحه, وحب الغربي العابر الذي لا يدوم سوى سويعات قليلة, والذي لا يعدو كونه نزوة غريزية عابرة تمر سريعا وسرعان ما يذهب إلى فاتنة أخرى وهكذا.
وختاما أعتقد أن كل عربي يذهب إلى تلك البلاد ما هو إلا نسخة من هذا الفتى الشرقي في كل تصرفاته وانبهاره, وكل غربي ما هو إلا نسخة من أندريه في نظرته إلى ذلك الإنسان الشرقي.

.

بقلم: أحمد إبراهيم المسودي.
باحث من المملكة العربية السعودية.

——–

المراجع:
– عصفور من الشرق, توفيق الحكيم, دار مصر للطباعة, دط, دت.
– المعجم الفلسفي, جميل صليبا, دار الكتاب اللبناني, بيروت, 1982.
– الأنا والهو, سيجمند فرويد, ترجمة: محمد عثمان نجاتي, دار الشروق, بيروت, ط:4, 1982.

نشر الموضوع :
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x