الأدب الفصيح

صخب / قصة : خامسه فرحان

نشر الموضوع :

.

جلست في منزلي الصغير وفي غرفة المعيشة على وجه التحديد حيث يصرخ التلفاز ويركض أطفالي حولي وكأنما أنا كعبتهم المنشودة .

وصوت المكيف المعطل يخلق فحيحا كفحيح الأفعى المجلجلة. نظرت حولي متأملة مصادر الأصوات محاولة استيعاب نفسي.

وفي لحظة أغمضت عيني وكأنما معها أغلقت حواسي الأخرى تباعا. عدت بالذاكرة سنين عددا. إلى تلك العلية القديمة في منزل أهلي القديم حيث كنت أهرب من صخب الحياة وأنا طفلة ذات سبع سنين إلى أحضان الكتاب.

في تلك البقعة التي كان أهلي يضعون فيها الفرش والالحفة والمخدات الفائضة والتي كانت تستخدم إذا حل ضيف على بيتنا .كنت اختبئ مذ تعلمت القراءة. أخذ كتب إخوتي الأكبر سنا لأقرأها بغض النظر عما تحمل من معرفة. هناك ،في تلك اللحظة المستقطعة ،شممت رائحة الفرش وأوراق الكتب القديمة المغبرة.

رأيت شجرتي التين والرمان التين كانتا تزينان فناء منزلنا وكانت أزهارهما وثمارهما تتدلى من فروعهما الباسقة. تذكرت لحظات تكون عشقي وارتباطي بالكتاب وهمت في ذكرى جميلة حبلى بالأطلال كربط الحروف بالجمل وتكوين المعاني، كسير الصحابة التي لم أفهمها حتى قرأتها للمرة العاشرة، كالقصائد العربية الفصحى وكعتق التاريخ المدون في الكتب.

ثم فتحت عيني لأستعيد كل حواسي على رائحة طعام الغداء الذي احترق والذي أبى إلا أن يصفع أنفي دخانه ليعيدني إلى ذلك الصخب الجميل الذي هو الحياة.

.

قصة : خامسه فرحان

.

نشر الموضوع :
Subscribe
Notify of
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x