الأدب الفصيح

الحرب البيولوجية / ميساء العرفاوي – تونس

نشر الموضوع :
إنّها الحرب البيولوجيّة يا صاحبي. حرب تحفر عميقا مثل الفأس في أرواحنا حتّى تقتل فينا كلّ طاقة على الحياة عوض أن تردينا مدرّعاتها ومدافعها على الفور صرعى في ساحات الوغى. إنّها حرب البواريد الكاتمة للصّوت، تقصمنا من الدّاخل نصفين وتقتلنا في الآونة الواحدة آلاف المرّات حتّى نتهاوى فوق أسرّة غرف نومنا المغلقة غارقين في دمائنا الافتراضيّة، فلا صفّارات إنذار تنبئ بمصرعنا ولا دوريّات إغاثة تسارع لانتشالنا.. وحده جأشنا كفيل باستحثاثنا حتّى نستوي من جديد على أقدامنا ونقاوم.
لا طائرات حربيّة يدوّي هديرها في سماء هذه المدينة ولا قذائف تردي هذا البلد خرابا، لكنّ الخراب يعشّش في صدورنا والدّخان يسدّ منافذ قلوبنا. هي الحرب واحدة يا صاحبي مهما تلوّنت ملامحها: تقتات من خوفنا وإنهاكنا لتكبر شيئا فشيئا وتتحول إلى فتوحات وملاحم في كتب التّاريخ.
وأمّا نحن، فلا عزاء لنا يا صاحبي عدا أن نربّي الأمل.
“نربّي الأمل”، مثلما تربّي يرقات القزّ خيوط الحرير،
مثلما تفعل تلك العجوز الوحيدة التي تجلس عند كل أصيل في فناء بيتها لتحوك من كرات الصّوف قمصانا لأبنائها الّذين أرسلوا للحرب..لا شيء يؤنس وحدتها عدا مواء قطّة كسلى تشاركها انتظارها وركوة من بنّ عتيق وشرائط النّارنج والبرتقال المعلّقة على حبل الغسيل التي تنبئها كلّما دنا جفافها بأنّ الحرب قد شارفت على الانتهاء وأنّ أبناءها سوف يعودون إليها سالمين..
“نربّي الأمل”، ونطلّ من خلف قضبان نوافذنا الحديديّة لنشيّع بنظرنا آخر طير من سرب مهاجر إلى أراضي بعيدة وآخر شعاع منطفئ في المدى،
“نربّي الأمل” حتّى نكذّب مرّة أخرى نبوءة سيّد الحروب، وننتصر، مثل كلّ مرّة، لتفاصيلنا الصّغيرة وفرحنا البسيط .
“نربّي الأمل”، حتّى نستكمل معا هذا النّشيد”.

ميساء العرفاوي – مترجمة وأديبة – تونس.

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق