المقالات الأدبية

هاني أبو انعيم بدايات و أفاق ..

نشر الموضوع :
هاني أبو انعيم
هاني أبو انعيم

القصة القصيرة جدا بدايات وآفاق

القصة القصيرة جدا:

نص أدبي يعتمد الحكائية للانضواء تحت مظلة الجنس السردي الإبداعي، مستوفٍ لعناصر ما سبقه كالرواية والقصة القصيرة، متفرد بمقومات وخصائص تقتصر عليه ويُبنى ضمن معايير غاية في الدقة لتنامي حدثه وانتقاء مفرداته، وتقتير يشمل اللغة والمدى الكمي لولوج الفكرة وتبليغها ضمن الحد الأدنى المتاح من المفردات الماثلة للمتلقي في صرح النص العمراني، الحافلة ببحر لا ينضب من المعاني الخفية في دهاليز حروفها وعلامات ترقيمها وعتبات طَرقها، والتي تحتاج إلى غواص ماهر يتقن فن ملاحقة اللآلئ من الأعماق السحيقة التي ترقد فيها إلى جانب الآثام والأوزار وكل المنغصات والموبقات وعوامل المحنة المحيقة بالإنسانية، والتي تستهدف مثل هذه النصوص رفع الغطاء عنها وفضحها للملأ، والعمل على اندثارها ومحقها.

إذن هي نص تشاركي ما بين الكاتب الذي يشي بالقليل مما في مخزونه الفكري والإبداعي ويترك الكثير مما ينبغي قوله وفعله وتأويله في عهدة المتلقي لتكون له الكلمة الفصل معتمدا على أدواته الفكرية والمعرفية في اكتشاف ما خفي مما وجب عليه أن يقال.

إضاءة تاريخية

إن كتابة القصة القصة القصيرة جدا في الأدب العربي ليست حديثة العهد، فقد كتبها ونشرها الأديب الكبير جبران خليل جبران المتوفي عام 1931 ومما قرأت له.. الثعلب 37 كلمة.. القفصان 38 كلمة..التوبة 40 كلمة.. وغيرها إلا أنها نشرت ضمن مجموعاته في القصة القصيرة ولم تصنف من قبله أو من قبل المتناولين لأعماله بحثا ونقدا على أنها جنس أدبي جديد ويشار إلى أن أول من نشر أقصر نص أدبي سردي هو الجواتيمالي الجنسية هندوراسي المولد أوغيستو مونتيرروس بعنوان”الديناصور” .. عندما أفاق، وجد الديناصور لا يزال هناك. كما أن غالبية المهتمين بهذا الجنس الأدبي كتابة ونقدا يشيرون إلى نص قصير لآرنست همنغواي وهو .. حذاء طفل لم يلبس بعد؛ للبيع. وباعتقادي أن اهتمامهم ينبع أولا من قصره واقتصاره على كلمات 6 وثانيا بسبب أهمية كاتبه وشهرته الطاغية.

إذن للقصة القصيرة جدا حضورها في كتابات الأدباء العرب منذ بدايات القرن الماضي كما أشرت ولكن ضمن عنوان القصة القصيرة، وقد كتبها ونشرها في الأردن عدد من الأدباء في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، ضمن مجموعات قصصية أو في الصفحات الثقافية إلا أن ظهورها كجنس مستقل وضمن إصدارات تقتصر عليها يبدو أنه تأخر كثيرا قياسا على باقي الدول العربية فلسطين وسوريا ومصر والسعودية والعراق واليمن وبلاد المغرب العربي خاصة المغرب التي احتفت بها وأبدعت وتألق أدباؤها في إصدارات ترفد المكتبة العربية بنصوص ساحرة أخاذة إلى جانب تنظيم ملتقى سنوي يقتصر على القصة القصيرة جدا في مدينة الناظور يدعى إليه كتاب هذا الجنس من كافة أقطار الدول العربية. .

التجنييس

لم يختلف النقاد والباحثون على من ابتكر اسما مختلفا لجنس أدبي سردي واعد، فقد أجمع من استفتي منهم، على أن الأديب الفلسطيني محمود علي السعيد، هو أول من نشر نصا تحت اسم قصة قصيرة جدا في مجلة الطليعة بعنوان”الفدائي” عام 1966 وصدرت أول مجموعاته تحت هذا الاسم بعنوان” الرصاصة” عام 1979 إلى أن بلغت إصداراته 9 مجموعات، أما من لم يشر في أبحاثه ودراساتة وتناوله لجنس القصة القصيرة جدا لرائدها الأول فإنه إما لا يعرف وهذا لا يضيره وإما لا يعترف وهذا يفقد دراسته وبحثه المصداقية المتوخاة، فقد أجمع عشرات من الأدباء والنقاد في العالم العربي ومن بينهم الناقد الأردني نزيه أبو نضال، على أن الريادة في الكتابة والتسمية تعود للأديب محمود علي السعيد المقيم منذ النكبة في حلب، وقد سميت بناء على اقتراح المبدع الليبي جمعة الفاخري بعاصمة القصة القصيرة جدا، لأن كاتبا من حلب أصدر أول مجموعة بهذه التسمية. وقد حمل الملتقى الأخير للقصة القصيرة جدا في الشارقة في بدايات عام 2015 اسم”ملتقى الوفاء لحلب”.

وعليه فإنني أرى تسابق بعض الأدباء والنقاد لإضفاء مسميات على هذا الجنس الأدبي، كاللوحة القصصية أو الأقصوصة أو لوحات قصصية أو مقطوعات.. ما هو إلا مشاركة في موقعة وضعت أوزارها، فالأباء”الامهات” هم من يطلقون الأسماء على مواليدهم ومن أراد ان يتعاطى مع هذه الولادات فليكن بأسمائها دون تحوير أو تعديل، وباب الابتكار مفتوح لمن يرى بنفسه القدرة على ذلك.

وقد لخص الأديب محمود علي السعيد رؤيته للقصة القصيرة جدا تعريفا ومقومات في مقابلة صحفية مع مؤسسة فلسطين للثقافة، على النحو التالي:

القصة القصيرة جداً مسرود حكائي تم تجنيسها على يد رقم كتابي آدمي عربي اليد والقلب واللسان وليست مجتلباً غربياً كما يروق لبعض منظري ملفاتها وبرامجها، تضطلع بمهمة تثقيفية منعشة بسرعة برق خاطف، تعلي من شأن المعمار السردي المتداول بشتى أنساقه بإضافة لبنة ذات مذاق طعمي وخصوصية تشكيلية وفرادة بنائية بمظهرية ثوب خالب ومكنون جوهري مكثف وتماسك وحدة عضوية بشطريها الموضوعي والمضموني. بمعنى أنها جنس أدبي يتصف بالجدة الحضارية والإمتاع العصري أرسى جلّ أعمدته البنائية أربأ أن أصرح كلها مكتسحاً الأمكنة والأزمنة والشخوص أفقياً وشاقولياً وقد أضحى قولة حق جلية جلاء قرص الشمس في رابعة النهار تلهج بمعناه ومبناه جوقة من المتخصصين من القاع والسفوح والقمم يعجز الحاسوب عن الإحاطة بتعدادها من فاتحة سيرورة القرية الكونية إلى خاتمة مطاف الأسئلة، وقد أفردت له الأطروحات والرسائل، الاحتفاليات والملتقيات، المنابر والمنصات، سواءً أصفقت الأفئدة القابلة بحرارة اللقاء أم اكفهرت وجوه القلة الرافضة بأقنعة الظلمة .

عناصر القصة القصيرة جدا

هي عناصر الرواية والقصة المعهودة، أحداث وشخوص وفضاءان مكاني وزماني، فالرواية تعج بالشخوص والأحداث التي يلاحقها القارئ وهي تتنقل به في أمكنة متعددة من الشرق إلى الغرب وإلى الشمال والجنوب، في البر والبحر والفضاء، في الشارع والبيت والحافلة والمؤسسة والطائرة والباخرة، وعلى امتداد حيوات شخوصها، التي قد تستغرق سنوات وعقود، بل وتصل الى قرن أو تتجاوزه، كما هو في”100 عام من العزلة” أو ثلاثية نجيب محفوظ وغيرها، إلا أن هذه العناصر تكون أقل بكثير في القصة النمطية المعروفة، أما في القصة القصيرة جدا، المعنية بالتقاط اللحظة الخفية أو المسكوت عنها، مؤلمة كانت أم باذخة وتسليط الضوء عليها ليراها الجاني والمجني عليه، الضحية والمتسلط، فالأحداث في حدها الأدنى، وقد تقتصر على حدث واحد يتنامى وتدب فيه الحركة ويموج بالحياة حلوها ومرها، والشخوص أيضا قليلون، فقد يكون هناك شخص أو أكثر، أما المكان فإنه أي بقعة في الكون، ويمكن الاستدلال عليه بيسر من خلال استحضار القارئ لخارطة جغرافيته الخاصة، وما وصلت إليه خطاه فعليا أو ذهنيا، والزمان ماثل في القصة القصيرة جدا، فلا حدث يتم بغياب الزمان والوقت، وعلى القارئ تخمينه إذا وجد له مبررا ورأى في تحديده ما يرفده بوسائل تعينه على ولوج قلاع النص المتينة، منوها إلى أن توفر هذه العناصر الأربعة لا يعد كافيا لخلق عمل إبداعي ماتع ومؤثر في غياب مقومات وسمات واجبة لبناء النص وتميزه وتفرده، حيث نجد تلك العناصر في الحكايات التي تروى بين الأفراد والجماعات ليل نهار، وفي التقارير الإعلامية ونشرات الأخبار أيضا، إلا أنها لا ترتقي لمرتبة النص الإبداعي الذي نحن بصدده.

مقومات القصة القصيرة جدا

تتداخل المعاني وتتعدد التعريفات وتتناقض التفسيرات لدى التعرض للمرتكزات الأساسية” العناصر، المقومات، الاركان، الشروط، الخصائص..” التي يبنى عليها النص الإبداعي الجدلي”الحديث” الموسوم ب” القصة القصيرة جدا” ويتم الخلط بينها لدى تناولها في البحث والتحليل من قبل المهتمين، وأرى كما هو حال بعضهم أن عناصر القصة القصيرة جدا هي كما الأوكسجين والهيدروجين للماء، التي في حضورها مجتمعة نقف على أعتاب النص المقصود، وقد ذكرتها سابقا وهي أربعة، الحدث والشخوص والزمان والمكان، أما مقوماتها فتكمن في اللغة والصياغة والمرسلة والحبكة والقفلة.. وعليه فقد خلص الباحثون إلى أن من خصائصها التكثيف والحذف والإضمار والانزياح والاستعارة والرمز والإخفاء والإيحاء والتأويل والقفلة المفاجئة التي قد تحمل مفارقة أو تكتفي بالإدهاش وهذا ما يضفي عليها عمقا وتميزا، وتأتي كل تلك السمات من خلال نص قصير يحفل بفنون البلاغة ومفردات قليلة لا مكان للوصف والإسهاب فيها إلا بقصد التعريف بالشخوص أو الأحداث.

القصة القصيرة جدا في الأردن

كما أشرت من قبل فإن نصوصا نُشرت ومجموعات مشتركة ما بين النص الطويل والقصير أُصدرت دون انضوائها تحت المسمى الجديد في حينه وليس بمقدوري حصر عناوينها وكتّابها لعدم إحاطتي فيها بدقة، ففي مجموعات محمد مشة المتتالية منذ عام 84″حبك قدري” وحتى مجموعته الخامسةعام 2006 بائعة الكبريت يرصد القارئ نصوصا قصيرة جدا بحجم صفحة أو أقل كما أنه نشر في مجلة الشراع عام 1989 قصصا بالتسمية الجديدة، وكذلك يوسف ضمرة في مجموعته”المكاتيب.. لا تصل أمي” الصادرة عام 1982 وباقي محموعاته القصصية، إلا أن إصدارات مستقلة في القصة القصيرة جدا بدأت تظهر مع نهاية القرن الماضي والقرن الحالي الذي نعيش بداياته، إلى جانب النشر في الصفحات الثقافية المحلية والعربية والدولية، كما أن بعض النصوص والمجموعات قد ترجمت إلى لغات أجنبية، فالحراك القصصي في هذا المجال في أوجه، مما دفع الكثيرين من كتاب الرواية والقصة والشعر ومثقفين آخرين لدخول هذا المعترك الجاذب، وهم الأكثر قدرة على الإبداع فيه، إلى جانب آخرين لم يسبق لهم أن نشروا من قبل خاطرة أو شذرة، لاستسهال هذا الجنس الأدبي وطرق أبوابه، وقد يكون السبب قصر الحجم وقلة المفردات واعتماد”الحكاية” إلى جانب شهوة متأصلة في النفس البشرية التي ترنو نحو الشهرة والتي يجد أصحابها في الكتابة ضالتهم، وفي مواقع التواصل الاجتماعي واسعة الانتشار، ساحة للمحاولة وتحقيق غايات منشودة، دون أن أنكر عليهم حق المحاولة شريطة الإحاطة بمقوماتها وخصائصها.

ومن الأسماء التي تحضرني في إصدار مجموعات قصصية لنصوص قصيرة جدا، عمار الجنيدي” الموناليزا تلبس الحجاب” عام 1996، “خيانات مشروعة” 2003، بسمة النمري في مجموعاتها الثلاث، سفر الرؤى 2008 و كذلك على الأرض 2009 و ما لا يرى 2010، ومهند العزب الذي أصدر مجموعته الثالثة”صولو” في النصوص القصيرة جدا عام 2013 ، وعامر الشقيري”هزائم وادعة” عام 2013، وهشام بستاني” أرى المعنى” عام 2012 وقد فازت في مسابقة جامعة بركنسو للأدب العربي وترجمت للإنجليزية إلى جانب مجموعتين سابقتين، وجلنار زين”صانع الظلال” عام 2014 ، وجمعة شنب”قهوة رديئة” عام 2015 ، وراضي الضميري” خبز وملح” عام 2015 ، وهاني أبو انعيم” أرواح شاحبة” و”وخزات نازفة، قصص ومضية” عام 2015 ، أما مجموعة سعود قبيلات”مشي” التي صدرت عام 1995 فهي تحتوي على نصوص قصيرة جدا إلا أنها جاءت تحت عنوان قصص، كذلك مجموعة سمير الشريف”مرايا الليل” الصادرة عام 2010 فقد حمل غلافها كلمة قصص أيضا.

محاذير واجبة

لا شك أن كل كاتب يمنح نصوصه من روحة وبنات أفكاره، ويتبع أسلوبا يخصه، يعرف به ويُستدل عليه مستقبلا حتى لو خلا النص من اسمه، ويعتمد لغة ويكررمفردات قد لا تتماثل مع غيره، إلا أنني أرى بأن النص القصصي القصير جدا يجب أن يرتكز على قواعد أخرى غير تلك التي أشرت إليها سابقا، مما يخلق من النص لوحة فنية متكاملة يتقاسم العقل والعينين قراءتها والتمعن فيها وسبر أغوارها، تتسم بالرشاقة وتتشح بالأناقة وتشي بكل جديد وتدفع المتلقي إلى إعماق النص باحثا عن كل ما هو ماتع ومثير ومدهش.

القواعد التي قد يتفق المهتمون معي بخصوصها أو يختلفون

هي:-

أولا: عدم اتكاء النص على العنوان مطلقا، بمعنى أن لا يكون العنوان ركيزة لا يكتمل النص بدونه ولا تتم الإحاطة بشخوصه ومراميه.

ثانيا: الاقتضاب في عنوان النص المختزل المكثف واقتصاره ما أمكن على مفردة واحدة، فليس من المعقول أن يكون العنوان من أربع كلمات أو ثلاث أو كلمتين لنص قصير مجموع مفرداته 20 كلمة أو 50.

ثالثا: أن لا يكون النص تقريريا اخباريا يفتقر إلى فنون البلاغة، ولا يمنح القارئ فرصة للتأويل.

رابعا: أن لا يكون النص ملغزا بحيث لا يتمكن من فك طلاسمه سوى كاتبه، وفي هذه الحالة فمن الأجدر أن يكون الكاتب هو القارئ الوحيد لنصه.

خامسا: عدم تكرار دلالات الشخوص”الرجل النحيل، السيدة الشقراء، زوجها.. كأمثلة” أو الصفات”الموظف.. النجار..” في النص حتى لا يضيق بها القارئ، والاعتماد على الضمير، لربط أحداثه وتناميه، إلا بما يفيد النص؛ وهو ما يسميه بعض النقاد بالتكرار الموازي المقبول.

سادسا: عدم إطلاق اسماء خاصة على الشخوص” سناء.. عبد الفتاح..” والاكتفاء بصفة أو مهنة، لأن القصة القصيرة جدا تستهدف الإنسان بكينونته وصيرورته.

سابعا: إن إيصال الفكرة إلى المتلقي بأقل عدد من المفردات يشير إلى مقدرة فائقة يتحلى بها الكاتب وتمنح نصه ذائقة رفيعة، وعليه فإنني أرى أن لا يتجاوز النص، 50 كلمة كحد أعلى.

ثامنا: أرى في خروج اللغة عن السياق المعهود في الصياغة ما يضفي على النص جمالية أفضل، مثالا على ذلك، بدلا من أن نقول” عاد الرجل إلى بيته، فوجد الباب محطما” يمكننا القول” الرجل العائد إلى بيته، وجد.. أو لدى عودته إلى البيت، وجد..”

تاسعا: التخلي ما أمكن عن حروف العطف، لأنها بمثابة بثور أو أورام في وجه النص.

عاشرا: عدم استهلال النص بكلمة كان أو كانت، في محاولة لدفع المتلقي القارئ أو المستمع ليعيش الحدث وكأنه يتم أمامه أو أنه شهد حصوله في حينه.

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
إغلاق