الأدب الفصيح

يوم في حياة أبو جرش / قصة : فاضل العباس – العراق

نشر الموضوع :

يتنفس هواء الشارع، رائحة المجاري التي إعتادها، الحر، وأشعة الشمس في لهيب تموز ، الشوارع المتربة ،الضيقة خالية من المارة إلا هو وبائع الباميا الذي يستظل بركن المخزن المهجور، واضعاً منشفةً صغيرةً فوق رأسه تقيه حر الظهيرة- يرطبها بماء ٍ، موضوع في سطل بجانبه، بين الحين والآخر . تذكر حين رآه إنه قد نسيَّ القطعة من قماش( الكودري) التي أشتراها بإشارة من زوجته لخفتها ،وبرودتها. ليصطبها كل يوم مبللة بالماء تقيه شدة القيض، ولهيب السموم، وهو يلف على دوائر الدولة ما بين المحكمة ،ومديرية الشرطة بعد أن أفقدهُ حظه ِالعاثر مستمسكاك رسمية، ليحصل على موافقاتها لإخراج بدل فاقدٍ عنها . سمعه ينادي: كيلوان بخمسة آلاف. سأله على شراء كيلو واحد. آخر خمسة آلاف بجيبه بقية راتبه. لم يوافق شارطا البيع، كيلوين بخمسة آلاف ،مدعيا إنه لا يملك فكة .صحى على بوق سيارة كادت تصدمه . غَيرَّ حدةُ بوقِها وساوسه وأفكاره بدورة النسيان. أين مرَ أين نسِيها؟

-يمكن في السيارة المسماة عند العوام الثمانية عشر راكباً ،أو عند بائع الرقي، ربما أمام بائع قوارير الماء. راح يمد بصره لعله يشحذ الذاكرة فتعيد شيئا . أعاد دورة الأمس ،تذكر إنه مر على بائع للخردة في سوق الهرج ، وركبَ سيارة النقل العام. عليه أن يدوّرَ عليهم واحداً واحداً. أبلغه سواق السيارات في المقهى المخصص لجلوسهم أن يمر على( الدلال) . تذكر إن أبو جواد أحد السواقين أبلغه إنه سيسأل أصحابه سواق الباصات الصغيرة في الجانب الآخر للمدينة. لا شيء يوحى إنه سيجدها ،حتى مركز العلاج الطبيعي الذي يعالج طفله المعاق فيه عادَه ، فأوصاه الشرطي الواقف عند البوابة أن يضع رقم هاتفه عند مكتب الإستنساخ المقابل للمركز.

ذاكرته المتعبة جدَحتْ بأن أهله أوصوه بجلب الخبز وعليه أن يعود للمخبز عند طرف الشارع الآخر. لعن حر الشمس ،والذاكرة. ريح تحمل نفايات الشارع تغمر وجه، تنفس بصعوبة. العرق يتصبب من كل ناحية في جسده. قميصه المخطط تحول الى لون واحد من العرق وتكرار الغسيل. أعاد توزع راتبه بذهنه و هو عائد بإتجاه الفرن . ثلاثمائة ألف للإيجار و مائتين لدكان البقالة، ومئة ألف لدكان الجزار، ومئة للجمعية التي اشترى منها مبردة الهواء، وثلاثون ألف للأنترنت اللعين ، ثلاثون ألف لصاحب المولد ، لم يبقى ألا هذه الخمسة آلاف. لعن الحكومة وبائع الباميا الذي لم يوافقه على شراء كيلو واحد ليتذوق البامية أول مرة منذ قطافها. فكر أن يوزعها بين حبة من الرقي وبألفٍ خبز. أنعطف عائداً لنهاية الشارع ليكون أمام دكان بائع الرقي، وقف أمامه، أختار واحدة ًصغيرةً، وزنها البائع، أتفقوا على ثلاثة آلاف. مدَّ يدهُ في جيبة ليمسك الخمسة آلاف اليتيمة الباقية كعصفورة . لم يجدها. يلجُ أصبعه في نفق داخله.

ألتفت يميناً ،وشمالاً وخلفه، وبين أقدامه. سحب نفساً متحسراً. أنسحب وئيداّ لعنات البائع الذي ينادي خلفه، وينكل به . مجنون يحدث نفسه. لعن الحظ والحكومة ، والزمن الرديء.

القاص فاضل العباس العراق

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق