المقالات الأدبية
أخر الأخبار

المرأة في رواية ساق البامبو .. / بقلم : د. عمر الخواجا

نشر الموضوع :

 

رواية  (ساق البامبو ) الحائزة على جائزة البوكر العربية 2013  للكاتب سعود السنعوسي من الروايات المميزة التي حظيت باهتمام نقدي مميز لوضوح الفكرة فيها وقوة السياق الفني وتماسه المباشر مع الواقع .. عند تصفح احداث الرواية يتسلسل القارئ مع الحبكة مدفوعا بتشويق يعتمد على طرح تساؤل مستمر وماذا بعد ؟ أين سيصل الكاتب بالبطل ؟ وكيف سيرسم مستقبله ؟ ….  من خلال قراءة واعية للرواية تظهر المرأة فيها عنصرا أساسيا وشخصية رئيسة تحرك الأحداث وتساهم في تطور الحبكة الفنية …  تبدو صورة المرأة في رواية ساق البامبو صورة واضحة ذات تأثير كبير على سياق الأحداث وعلى رؤية الأشخاص فهي محرك أساسي في أغلب الأفكار وفي معظم أحداث الرواية.

المرأة – الأم : صورة الأم صورة أساسية تصنع الحبكة الرئيسة  في الرواية من خلال توجيهها للبطل ( هوزيه / عيسى ) في رحلة عودته لجذوره البيولوجية ( أصول والده ) فهي تجعل من هذا الأمل ملحمة ومسيرة شاقة لا بد من عبورها وهي كأم ترى في ابنها جزءا أصيلا منها تود أن لا تحرمه من حنان أبيه وهي بذلك تشبع داخلها ذاك الحنين المتأجج نحو ماض ليس ببعيد ، تظهر الأم في اهتمامها بابنها مشبعة بتناقضات الأمومة وحنانها فهي تقاوم تلك العاطفة الفطرية عاطفة الأمومة من أجل مستقبل ابنها والذي تراه في بلد والده ( الكويت ) وتحاول من خلال تلقينه بعض الكلمات العربية  أن ترسم في مخيلة ابنها صورة وردية كي تجعل من عودته ملحمة ترسم خطوط مستقبله فهي لا تجد له في بلدها ( الفلبين ) مستقبلا مرسوما ولا تريد له أن يعيش  بعيدا عن جذور والده البيولوجية والجغرافية  تبدو الام في صورة حريصة على رؤية مستقبل مختلف لابنها بعيدا عن معاناة الفقر وقسوة الحياة فهي اختبرت حياة الغربة من أجل تأمين وسائل البقاء لعائلة تعيش في مأساة اجتماعية مع أب لا يعنيه غير رهاناته الغريبة في صراع الديكة رغم خساراته المتلاحقة ..  ص 19 (  ساقت الظروف والدتي لترك بلادها وأهلها وأصدقائها للعمل في الخارج وعلى صعوبة هذا بالنسبة لفتاة في العشرين من عمرها فإن مصيرها كان أفضل بكثير من ذلك الذي سيقت إليه أختها آيدا التي تكبرها بثلاثة أعوام فحين تحالف الجوع مع مرض والدتها والديون التي أثقلت كاهل والدها المقامر الذي أفنى ماله في تربية ديوك المصارعة لم يجد الأبوان بدا من تقديم ابنتهما البكر ذات السابعة عشرة آنذاك مجبرة إلى سمسار يوفر لها فرصة عمل في مراقص وحانات المنطقة والنزول عند شرطه بأن يأخذ حصته جسدا ونقدا من الفتاة في نهاية كل يوم عمل ) هي صورة الأم المكافحة الذكية والتي تتحمل الكثير من أجل طفلها وتطمح أن تراه في وضع آخر لقد نجحت في ان تزرع في طفلها حلما ورديا يسعى لتحقيقه ص  71   ( أصبحت أنتظر ذلك اليوم الذي سأصبح فيه غنيا قادرا على الحصول على ما أريد من دون جهد كنت اذا ما انبهرت لمشاهدة إعلان سيارة باهظة الثمن تقول والدتي : ستحصل على واحدة مثلها يوما ما اذا ما عدت إلى الكويت ) وهي تستمر في تشجيع ابنها على عدم ربط مستقبله بهذه البلد لأن هناك ما ينتظره في بلد أبيه في الكويت ارض أحلام المستقبل

المرأة / السيدة الكبيرة / الجدة / الأرملة ذات الشخصية القوية والتي تعتبر الآمر الناهي في بيت كبير يطيعها الكل ولا يخالف أمرها ابنها الوحيد وبناتها الثلاث …. تبدو الجدة غنيمة  أو السيدة الكبيرة بمثابة امرأة حديدية يطلب الكل رضاها ولا يستطيعون تجاوز أوامرها فهي التي تشير وتعطي وتمنع بيدها مقاليد الأمور المالية والاجتماعية .. يبدو هذا الأمر جليا منذ تلك اللحظة التي استقبلت فيها الخادمة الفلبينية بنظرة تشاؤم لم تستطع تقلبات الحياة ومرور الزمن تجاوزها ص 30 ( وصلت أمي إلى الكويت في وقت حرج ، وقد تشاءمت جدتي كثيرا من قدومها وقد بدا ذلك على وجهها كلما ظهرت والدتي أمامها يبرر والدي ذلك بقوله وصلت إلى بيتنا يا جوزافين في الوقت الذي تعرض فيه الموكب الأميري لتفجير كاد أن يودي بحياة أمير البلاد لولا عناية الله وأمي ترى بقدومك طالع نحس )  تحاول الجدة أن تمنع ابنها من الغرق وسط الكتب والثقافة والروايات فهي ترى فيه وحيدها الذي سيحمل اسم العائلة .. هذه الجدة التي تتشاءم لأبسط الأسباب وتؤمن أن السّحر الذي صنعته امرأة حاسدة جلب اللعنة على العائلة .. هذه الجدة تفرض رؤيتها المشبعة بالمعتقدات الغريبة على أفراد البيت راسمة لهم خطاهم عبر مباركتها لبعض الأمور وسخطها على اخرى فهي تحكم قبضتها على البيت بكافة الاشكال فتبدو أحيانا امرأة متسلطة تصادر حرية ابنائها وتبدو أحيانا أخرى بمثابة من يحافظ على تقاليد العائلة ويحفظ للبيت توازنه وإطاره الأسري .. ويبدو ذلك واضحا في موقفها حينما علمت أن الخادمة جوزافين حامل من ابنها الوحيد راشد .. تبدو صدمتها وذهولها نابع من عدم تصديقها ان يتزوج ابنها من خادمة تنجب له ابنا فتصدر قرارها الذي لا عودة عنه قائلة ص  44 ( أخرج من بيتي خذ هذه السافلة وكتب المجانين التي أفسدت عقلك ) .. من خلال هذا القرار الصارم تتطور أحداث الرواية وتبدأ الخطوط بالتداخل .. فهذه السيدة الكبيرة لا تترك الاحداث دون أن يكون لها دور المقرر والمسير فيها   فهي لا تتراجع عن قرارها رغم محاولات راشد المتكررة عند ولادة الطفل ولكنها تجيبه ص 51  ( اقذف بهما خارجا وانظر كيف ستحل عليك البركة ومن ثم عد إلى بيتك وستجدني بقلب الأم أغفر لك ذنبك العظيم ) … هذه الجدة التي تطلب من ابنها الوحيد الذي تفضله على بناتها الثلاث أن يحمل اسم العائلة(  الطاروف ) تبدو القسوة على ملامحها وتصبغ تصرفاتها حينما تقف ذلك الموقف الحاد من تلك العلاقة التي نشأت ما بين ابنها راشد والخادمة الفلبينية جوزافين

المرأة – الأخت : خولة ابنة راشد من زوجته ايمان والتي ولدت يتيمة وقد تخلت عنها امها خولة اخت هوزيه منـ أ بيه .. ص 213 ( خولة لها مشاكلها هي الأخرى يتيمة الأب ، ضحية الأم بعد أن تخلت عنها من أجل زوجها الجديد ، رغم ذلك لا يبدو أن تلك الأمور قد أثرت بها سلبا فهي لا تشبه بنات جيلها ، تكاد تكون نسخة عن أبي بسبب الانكباب على قراءة كتبه في غرفة مكتبه ، لديها حلم تصبو إلى تحقيقه في يوم ما ، وهو أن تكمل الرواية التي شرع أبي بكتابتها ومات قبل ان ينهيها .. ليس لديها صداقات كثيرة فهي تتخذ من غسان وعمتها هند أقرب صديقين )

ص 97

المرأة – الطفل :  لقد نجح الكاتب في الاقتراب من عالم الطفولة من خلال تشخيص كثير من العلاقات المميزة ما بين الأطفال ومجتمعهم .. لقد جاءت صورة ( المرأة – الطفل ) في هذه الرواية واضحة دون غموض او ترميز كبير فقد لاحظنا تلك العلاقة التي نشأت ما بين البطل هوزيه – عيسى وابنة خالته (ميرلا ) ، ميرلا وعلاقتها مع هوزيه ابن خالتها ( ميرلا بنت آيدا أخت جوزافين ) من  ص 108  لقد استيقظ الطفل هوزيه وهو على اعتاب الرجولة على الفتاة الجميلة ذات الشخصية القوية التي استمدتها من تمرد وعنفوان والدتها مع ملامحها الاوروبية التي تعكس صورة والدها … بدت صورة الطفولة عند ميرلا كلحظات تمرد غير عادية فهي تهاجم أحلام هوزيه بجمالها وتأخذه نحو عوالم النضوج والمراهقة  ص 109 ( هي الفتاة نفسها التي كبرتُ معها في بيت واحد لم يطرأ عليها أي تغيير عيناي هما اللتان أصبحتا تنظران لها بصورة مغايرة  ليست الأنثى بشكلها وتصرفاتها محفزا لغريزة الرجل بقدر الصورة التي يراها عليها داخل رأسه وداخل رأسي لم أكن أرى إذا ما شاهدت ميرلا سوى صورتها في الحلم ) .. لقد تابع هوزيه هذه الفتاة – الطفلة أثناء نضوجها الجسدي بكل عنفوانها وتوقدها مع ما يعانيه من كبت يقيد حدود هذه العلاقة كونها ابنة خالته .. قد تبدو صورة الفتاة رغم تمردها طبيعية ولكنها تنحى نحو غير العادي حينما يكتشف هوزيه تلك العلاقة الغريبة ما بين ميرلا وماريا   -…. من ص 125 علاقة ميرلا مع ماريا  حيث تقودهما تلك العلاقة نحو المزيد من الشذوذ موصولا لتدخين الماريجوانا … وهنا يقف هوزيه حائرا ازاء هذه العلاقة الغريبة .. هي صورة غير نمطية لفتاة تنحى باتجاه غريب بعيدا عن الطبيعي … ربما لا يتوسع الكاتب ( احمد السنعوسي ) في وصف العلاقة الغريبة ما بين ميرلا وماريا ولكنه يصور بدقة ذلك الجموح الغريب في الطفلة ( المراهقة ) مارلا والتي تمثل احتجاجا صارخا على أوضاع اجتماعية مزرية من فقر وضياع   الأب وتهشم صورة الأم … كل ذلك تقابله هذه الطفلة الكبيرة بحجم معاناتها بمزيد من المكابرة والرفض وتوجه نحو التطرف في العلاقات الاجتماعية وصولا للهروب من بيت العائلة …. هكذا تتصرف مارلا الفتاة التي تواجه مجتمعا مليئا بالتناقضات والاحتياجات والشذوذ

لقد تمكن الروائي سعود السنعوسي من تصوير المرأة في عدة حالات مختلفة وبنجاح كبير حيث بدت صورة المرأة في هذه الرواية المميزة مرتبطة بالواقع المعيشي وقابلة للتطور والتغيير فهي شخص مؤثر في احداث الرواية وتكاد تكون الشخص الأبرز الذي يلعب دورا أساسيا في تحريك الاحداث وتوجيهها

 

 

نشر الموضوع :

للحصول على جديد مجلة أنهآر والأخبار الأدبية :

 

إذا كنت شاعراً أو كاتياً أو أديباً
وتود نشر قصائدك أو مقالاتك و أعمالك وأخبارك الأدبية
عبر مجلة أنهآر الأدبية للوصول لشريحة مميزة من الجمهور الأدبي العربي
فراسلنا عبر البريد التالي:
anhaarcom@gmail.com
بموادك والصور الخاصة بالمواد أو
بك وسنقوم بنشرها في صفحات المجلة بعد المراجعة في أقسام المجلة .

 

الوسوم

إترك تعليقك

avatar
  Subscribe  
Notify of
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق